الإعجاز في قوله تعالى:﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ي

طباعة الموضوع

أم هنا وريهام

مشرف عام
إنضم
6 يناير 2012
المشاركات
873
النقاط
16
الإقامة
المنصوره
احفظ من كتاب الله
ماتيسر من القران
احب القراءة برواية
حفص
القارئ المفضل
المنشاوى
الجنس
اخت
الإعجاز في قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]
مقدمة:
يحكي لنا الحق سبحانه وتعالى قصة النملة التي شاهدت سيدنا سليمان -عليه السلام- وجنوده وهم يجتازون الوادي الذي تعيش فيه، فما كان منها إلا أن طلبت من رفاقها أن يدخلوا مساكنهم تحت سطح الأرض حتى لا تدوسهم الأقدام، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].
وفي آية أخرى يبين لنا المولى عز وجل أن هذه المخلوقات التي خلقها اللّه وسخرها لنا ما هي ألا أمم أمثالنا لها نظامها وحياتها، وتخطيطها ومعيشتها ولغتها، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
النمل في النصوص الشرعية:
جاء ذكر النمل في القرآن الكريم في آية واحدة ثلاث مرات، مرة بصيغة الإفراد ومرتين بصيغة الجمع، وذلك في سورة سميت سورة النمل، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].
قال الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة: "حتى إذا أتى سليمان وجنوده على وادي النمل ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ يقول: لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم"(1).
وجاءتكثير من الأقوال في مكان هذا الوادي، وفي وصف هذه النملة، وهل هي أنثى أم ذكر، وهي أقوال لا تعتمد على أدلة شرعية، قال ابن كثير: "ومن قال من المفسرين أن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره وأن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها، والغرض أن سليمان عليه السلام فهم قولها وتبسم ضاحكاً من ذلك، وهذا أمر عظيم جداً"(2)، وهذه الآية تثبت أن للنمل لغة يتخاطبون بها، ولم يستبعد العلماء المسلمون هذا الأمر.
قال أبو السعود: "وقوله تعالى: ﴿قالت نملة﴾ جواب إذا، كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم، فصاحت صيحة تنبهت بها ما بحضرتها من النمل لمرادها فتبعتها في الفرار، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم فأجروا مجراهم حيث جعلت هي قائلة وما عداها من النمل مقولاً لهم، حيث قيل ﴿يأيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾، مع أنه لا يمتنع أن يخلق الله تعالى فيها النطق وفيما عداها العقل والفهم"(3).
وقال الخازن في تفسيره: "﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ولم يقل ادخلن؛ لأنه جعل لهم عقولاً كالآدميين فخوطبوا خطاب الآدميين، وهذا ليس بمستعبد أن يخلق الله فيها عقلاً ونطقاً فإنه قادر على ذلك"(4).
وقال ابن الجوزي: "قوله تعالى قالت نملة أي صاحت بصوت، فلما كان ذلك الصوت مفهوماً عبر عنه بالقول، ولما نطق النمل كما ينطق بنو آدم أجري مجرى الآدميين فقيل ادخلوا، وألهم الله تلك النملة معرفة سليمان معجزاً له.
وقد ألهم الله النمل كثيراً من مصالحها تزيد به على الحيوانات، فمن ذلك أنها تكسر كل حبة تدخرها قطعتين لئلا تنبت إلا الكزبرة فإنها تكسرها أربع قطع؛ لأنها تنبت إذا كسرت قطعتين فسبحان من ألهمها هذا"(5).
وقال الألوسي: "ومن تتبع أحوال النمل لا يستبعد أن تكون له نفس ناطقة؛ فإنه يدخر في الصيف ما يقتات به في الشتاء، ويشق ما يدخره من الحبوب نصفين مخافة أن يصيبه الندى فينبت إلا الكزبرة والعدس فإنه يقطع الواحدة منهما أربع قطع ولا يكتفي بشقها نصفين؛ لأنها تنبت كما تنبت إذا لم تشق، وهذا وأمثاله يحتاج إلى علم كلي استدلالي وهو يحتاج إلى نفس ناطقة، وظواهر الآيات والأخبار الصحيحة تقتضيه كما سمعت قديماً وحديثاً فلا حاجة بك إلى أن تقول: يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق في النملة إذ ذاك النطق وفيما عداها من النمل العقل والفهم وأما اليوم فليس في النمل ذلك"(6).
وفي السنة النبوية أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النمل أمة من الأمم تسبح الله تعالى، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح»(7).
وفي رواية أخرىأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة»(8)، أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك لأنها الجانية وأما غيرها فليس لهاجناية. وجاء النهي عن قتل النمل أو تحريق مساكنه بالنار، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد»(9).
وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة (الحمرة طائر) معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش (أي ترفرف) فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها».
ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: «من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار»(10).
والنملة من جملة المخلوقات التي تدعو بالرحمة والمغفرة لمعلمي الناس الخير، فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير»(11).
وقد أجاب الله تعالى دعاء نملة طلبت السقيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة»(12). وكل هذه النصوص تؤكد أن الإسلام نظر للنمل نظرة احترام وتقدير.
نبذة مختصرة عن حياة النمل:
النمل من الحشرات التي تعود إلى صنف غشائية الأجنحة، ولها ستة أرجل، فالنمل حشرة صغيرة ذات فعل كبير، فهي تمثل 20% من الكائنات الحية على كوكب الأرض، فقد عرف النمل منذ القدم فهو بحسب كلام المختصين منذ العصر الطباشيري، فقد عايشت الديناصورات، وهي موجودة منذ 92 مليون سنة، ويوجد منها حوالي 20 ألف نوع، وهي منتشرة على الكرة الأرضية وتعيش في كل مكان، تجدها في السهول وتجدها في أعالي الجبال، فهي موزعة على عموم الكرة الأرضية، تحت الأرض أو فوق الأشجار.
وأغلب النمل من صنف الشغالات Ant Workers وهو الأكثر انتشاراً في العالم، والشغالات كلهن من الإناث، يعشن فيما يسمى بالمستعمرات، ولكل مستعمرة ملكة واحدة عملها وضع البيض. وعدد البيض الذي تضعه الملكة يختلف بحسب نوع النمل، وقد يتراوح من بضع مئات إلى عدة ملايين، فالنوع الإفريقي من النمل تضع ملكته ما يقرب من 3 إلى 4 ملايين بيضة شهريًّا.
ويعتبر النمل من أطول الحشرات عمراً على الأرض، فإنه يعيش من بضعة أشهر إلى عدة سنوات وقد يصل عمر الملكة إلى 20 عامًا.
أما ذكور النمل فعملها محصور في التزاوج فقط في تلقيح الملكة، فحينما تقرر الملكة التزاوج يأتي واجبها وبعد ذلك تموت الذكور مباشرة، فأثناء عملية التزاوج تطرح الملكة أجنحتها، وتفرز رائحة تميز رائحة المستعمرة.
وهذه الحشرة اجتماعية جداً، ولا يمكنها العيش بصورة منفردة، حيث أنها تعيش في مجاميع أو أعشاش أو مستعمرات. وأعشاش النمل ليست واحدة لجميع أنواع النمل، فمثلاً نمل المحاصيل Hanester Ants يبني حجرات متصلة تحت الأرض، بينما يشبك النمل الخياط Tailor Ants أوراق الشجر ويصنع عشاً أخضراً أسطواني الشكل، وهناك أعشاش أخرى للنمل قد تكون على شكل حجرات داخل الأشجار مثل ما يفعل النمل الحفار Carpenter Ants، وأعشاش النمل تحت الأرض قد تبلغ أربعين قدماً عمقاً تحت الأرض، فقد تمكن فريق من العلماء الأوروبيين من اكتشاف مستعمرة هائلة للنمل تمتد لآلاف الأميال من إيطاليا إلى شمال غرب أسبانيا.
وتعداد النمل في العش أو المستعمرة قد يصل إلى عشرات الملايين. وبيت النمل مقسم، ففيه حجرات للصغار، وهناك حجرة خاصة للملكة، وحجرات تستخدم كمخازن للطعام، والنمل مقسم إلى مجاميع لكل منها واجبه الخاص والمحدد، فمنها من هو مسئول عن الحراسة، ومنها من هو مسئول عن التنظيف، ومنها من هو مسئول عن الفلاحة، ويجب عدم الاستغراب إن قلنا بأن مجتمع النمل فاق بنجاحه مجتمع البشر بطريقة أو أخرى. فالنمل يبني المدن، ويشقُّ الطرقات، ويحفر الأنفاق، ويخزِّن الطعام في مخازن ومستودعات، وبعض أنواع النمل يقيم الحدائق، ويزرع النباتات ليتغذى عليها. وبعض أنواع النمل يحتفظ بمواشي خاصة به، فيحلب الرحيق من بطنها.
والنمل تشن حروباً على قبائل النمل الأخرى، وتأخذ الأسرى من النمل المهزوم وتسخره لخدمتها، وبعض أنواع النمل تستأنس حشرات أخرى في أوكارها للاستفادة منها. وصدق الله عندما قال في محكم كتابه العزيز: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38](13).
الإعجاز البلاغي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
اشتملت هذه الآية -على قصرها- على معانٍ بلاغية كثيرة، فقد جمعت هذه الآية عشرة أنواع من الخطاب في موطن واحد، وهذه الأنواع هي: النداء والتنبيه والتسمية والأمر والنص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار. قال ابن القيم عن هذه النملة: "ويكفي في فطنتها ما نص الله عز وجل في كتابه من قولها لجماعة النمل وقد رأت سليمان عليه الصلاة والسلام وجنوده ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
فتكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة، النداء والتنبيه والتسمية والأمر والنص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار، فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه الأنواع العشرة، ولذلك أعجب سليمان قولها، وتبسم ضاحكاً منه، وسأل الله أن يوزعه شكر نعمته عليه لما سمع كلامها، ولا تستبعد هذه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بحمد ربها"(14).
وهذه الآية من الآيات البديعة، التي جمعت بين الإيجاز، والإطناب، في أسلوب رفيع، أما الإطناب فنلحظه في قول هذه النملة: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ وقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أما قولها: ﴿يَا أَيُّهَا﴾، فقال سيبويه: "الألف والهاء لحقت (أيّ) توكيدًا؛ فكأنك كررت (يا) مرتين، وصار الاسم تنبيهًا".
وقال الزمخشري: "كرر النداء في القرآن بـ(يا أيها) دون غيره؛ لأن فيه أوجهاً من التأكيد، وأسباباً من المبالغة؛ منها: ما في (يا) من التأكيد، والتنبيه، وما في (ها) من التنبيه، وما في التدرُّج من الإبهام في (أيّ) إلى التوضيح، والمقام يناسبه المبالغة والتأكيد"(15).
وأما قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فهو تكميل لما قبله، جيء به، لرفع توهم غيره، ويسمَّى ذلك عند علماء البلاغة والبيان: احتراساً، وذلك من نسبة الظلم إلى سليمان عليه السلام، وكأن هذه النملة عرفت أن الأنبياء معصومون، فلا يقع منهم خطأ إلا على سبيل السهو. وفي ذلك قال الفخر الرازي: "وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام".
وأما الإيجاز فنلحظه فيما جمعت هذه النملة في قولها من أجناس الكلام فقد جمعت النداء، والكناية، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والنص، والتحذير، والتخصيص، والتعميم، والإشارة، والعذر. فالنداء (يا)، والكناية (أيُّ)، والتنبيه (ها)، والتسمية (النمل)، والأمر (ادخلوا)، والنص (مساكنكم)، والتحذير (لا يحطمنكم)، والتخصيص (سليمان)، والتعميم (جنوده)، والإشارة (هم)، والعذر (لا يشعرون)، فأدَّت هذه النملة بذلك خمسة حقوق: حق الله تعالى، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق الجنود، فأما حق الله تعالى فإنها استُرعيت على النمل، فقامت بحقهم.
وأما حق سليمان عليه السلام فقد نبَّهته على النمل. وأما حقها فهو إسقاطها حق الله تعالى عن الجنود في نصحهم. وأما حق الرعية فهو نصحها لهم؛ ليدخلوا مساكنهم. وأما حق الجنود فهو إعلامها إياهم، وجميع الخلق، أن من استرعاه الله تعالى رعيَّة، وجب عليه حفظها، والذبّ عنها، وهو داخل في الحديث المشهور: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته»(16).
وأما قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ففيه إيجاز بالحذف بليغ؛ لأن أصله: ادخلوا في مساكنكم، فحذف منه (في) تنبيهًا على السرعة في الدخول، ومن الفوائد البديعة، التي لا يتنبَّه إليها الكثيرون: أنك إذا قلت (دخلت) فإنك تعني بذلك انتقالك من بسيط من الأرض، ومنكشفها إلى ما كان منها غير بسيط، منكشف، فإذا كان المنقول إليه مكانًا غير مختصٍّ، وجب إدخال (في) قبله. وإذا كان مكانًا مختصّاً، جاز إدخال (في) قبله، وجاز إسقاطها، وإسقاطها أبلغ من إدخالها للفائدة التي ذكرناها، وعلى هذا تقول: دخلت في البيت، ودخلت البيت. ومن دخولها قبل المكان غير المختص قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
وقد اجتمع ذكرها، وحذفها في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].
وأما قولها: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، بنون مشددة أو خفيفة، فظاهره النفيُ؛ ولكن معناه على النهي. والنهيُ إذا جاء على صورة النفي، كان أبلغ من النهي الصريح. وفيه تنبيه على أن من يسير في الطريق، لا يلزمه التحرُّز؛ وإنما يلزم من كان في الطريق(17).
والنملة بدأت مخاطبة قومها مخاطبة العقلاء وجاءت بلفظ مساكنكم ولم تقل بيوتكم أو جحوركم لأنهم في حالة حركة، والحركة عكسها السكون، فاختارت لفظ المساكن من السكون حتى يسكنوا فيها، ولم تقل المساكن والجحور وإنما قالت مساكنكم أي أن لكل نملة مسكنها الخاص الذي تعلم مكانه، ولم تقل ادخلن وإنما قالت ادخلوا، ثم أكدّت بالنداء بقولها ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ حرف النداء الدال على البعد حتى يسمعوا نداءها، وقالت سليمان وجنوده ولم تقل جنود سليمان حتى ترفع العذر عن سليمان أيضاً، فلو قالت جنود سليمان لكان سليمان غير عالم إذا كان قاصداً أو غير قاصد، وجاءت بلفظ سليمان بدون أي لقب له كالنبي سليمان للدلالة على أنه مشهور بدون أن يوصف، ثم حثتهم على الإسراع في التنفيذ قبل أن تنالهم المصيبة(18).
الإعجاز العلمي في الآية الكريمة:
اكتشف العلماء أن للنمل لغات تفاهم خاصة بينها وذلك من خلال تقنية التخاطب من خلال الشفرات الكيماوية، وربما كان الخطاب الذي وجهته النملة إلى قومها هو عبارة عن شفرة كيماوية.فقد أثبتت أحدث الدراسات العلمية أن لكل نوع من أنواع الحيوانات رائحة خاصة به، وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل بمثابة بطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف بشخصية كل حيوان أو العائلات المختلفة، أو أفراد المستعمرات المختلفة. ولم يكن عجيباً أن نجد أحد علماء التاريخ الطبيعي وهو (رويال وكنسون) قد صنف كتاباً مهماً جعل عنوانه (شخصية الحشرات).
والرائحة تعتبر لغة خفية أو رسالة صامتة تتكون مفرداتها من مواد كيماوية أطلق عليها العلماء اسم (فرمونات)، وتجدر الإشارة إلى أنه ليست كل الروائح (فرمونات)، فالإنسان يتعرف على العديد من الروائح في الطعام مثلاً ولكنه لا يتخاطب أو يتفاهم من خلال هذه الروائح، ويقصر الباحثون استخدام كلمة (فرمون) على وصف الرسائل الكيماوية المتبادلة بين حيوان من السلالة نفسها، وعليه فقد توصف رائحة بأنها (فرمون) بالنسبة إلى حيوان معين، بينما تكون مجرد رائحة بالنسبة لحيوان آخر.
%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%84%D8%A9.jpg
وإذا طبقنا هذا على عالم النمل نجد أن النمل يتميز برائحة خاصة تدل على العش الذي ينتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا العش حيث يتم إنتاج هذه الفرمونات من غدة قرب الشرج، وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون الاستشعار، وهي الأعضاء الخاصة بالشم، لتعرف الواحدة الأخرى.

وقد وجد أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرة لا تنتمي إليها، فإن النمل في هذه المستعمرة يتعرفن عليها عن طريق رائحتها ويعدها عدواً، ثم يبدأ في الهجوم عليها، ومن الطريف أنه في إحدى التجارب المعملية وجد أن إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة خاصة بنوع آخر عدو له، أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها. وفي تجربة أخرى تم غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى عشها، فلوحظ أن أقرانها يخرجونها من العش لكونها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة يتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم، وحينما تمت إزالة رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في العش. وحينما تعثر النملة الكشافة على مصدر للطعام فإنها تقوم على الفور بإفراز (الفرمون) اللازم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان ثم ترجع إلى العش، وفي طريق عودتها لا تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زملاؤها، وفي الوقت نفسه يضيفون مزيداً من الإفراز لتسهيل الطريق أكثر فأكثر. ومن العجيب أن النمل يقلل الإفراز عندما يتضاءل مصدر الطعام ويرسل عدداً أقل من الأفراد إلى مصدر الطعام، وحينما ينضب هذا المصدر تماماً فإن آخر نملة، وهي عائدة إلى العش لا تترك أثراً على الإطلاق.
وهنالك العديد من التجارب التي يمكن إجراؤها على دروب النمل هذه، فإذا أزلت جزءاً من هذا الأثر بفرشاة مثلاً، فإن النمل يبحث في المكان وقد أصابه الارتباك حتى يهتدي إلى الأثر ثانية، وإذا وضعت قطعة من الورق بين العش ومصدر الطعام فإن النمل يمشي فوقها واضعاً أثراً كيماوياً فوقها، ولكن لفترة قصيرة، حيث إنه إذا لم يكن هناك طعام عند نهاية الأثر، فإن النمل يترك هذا الأثر ويبدأ في البحث عن طعام من جديد(19).
لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة علمية كبيرة وهي ذكاء النمل وقدرته على المحاكمة العقلية والفكرية ومواجهة الأخطار وذلك من خلال هذه القصة التي حدثت مع نبي الله سليمان عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فقد استطاعت نملة صغيرة من تحديد مكان سليمان والطريق الذي سوف يمر به وهذا لم يكن ليتم لولا هذه القدرات الخارقة التي يتمتع بها النمل. ولقد كشف العلم الحديث عن بعض العجائب من سلوك النمل الذكي وتطور جهازها العصبي فعند دراسته تحت المجهر يظهر لنا أن دماغ النملة يتكون من فصين رئيسيين يشبه مخ الإنسان، ومن مراكز عصبية متطورة وخلايا حساسة.
%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%BA%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%84%D8%A9.jpg

(صورة حديثة لدماغ النملة)
A: صورة الدماغ كما يظهر بواسطة الفلور المشع.
B: صورة للجزء الخاص بتحليل المعلومات في دماغ النملة.
C: منحنى يبين استجابة النملة لدى نشر رائحة معينة، حيث نلاحظ وجود نشاط في الدماغ تمثله القفزة في المنحنى.
D: اختبار للنملة بواسطة كرة إلكترونية تظهر ذكاء النمل وسرعة استجابته للمؤثرات.
وسنحاول تفصيل العبارات التي نطقت بها النملة من خلال ما جاء في القرآن الكريم ونربطه بالاكتشافات العلمية لنجد أن القرآن الكريم سبق هذه الاكتشافات بمئات السنين، يقول رب العزة في كتابه المبين: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]، فالنملة في هذه الآية أوصلت خبر الخطر في أربع مراحل متسلسلة.. وهي كالتالي:
1- ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾: وهذه العبارة بمثابة أول صفارة إنذار أطلقتها النملة لتثير الانتباه العاجل لباقي النمل، وهنا باقي النمل يستقبل هذه الإشارة لينتبه إلى باقي الإشارات التي ستصدرها النملة.
2- ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾: هنا أتبعت النملة كلامها بإشارة أخرى تأمر فيها باقي النمل بما يجب القيام به، وسنرى هذه العلاقة بما أثبته العلم في الشق الآخر للتحليل العلمي.
3- ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه﴾: في هذه العبارة قامت النملة بتوضيح سبب الخطر لرفيقاتها، وهذا ما سنثبت أيضاً علاقته مع ما ذكره التحليل العلمي.
4- ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: النمل وكردة فعل لما سبق من إنذارات سيحاول القيام بنوع من الدفاع، وفي هده العبارة الأخيرة وضحت النملة لباقي رفيقاتها بأنه لا ضرورة للدخول في هجوم مع هذا الخطر؛ لأنه ليس نابعاً عن عدو حقيقي هدفه الهجوم على المملكة، إذ أن سليمان وجنوده لم يشعروا أصلاً بوجود وادي النمل في طريقهم؛ لهذا فهو لا يعتبر عدواً حقيقياً.
ونلاحظ أن هذه العبارة الأخيرة قامت فيها النملة بمنع باقي رفيقاتها من الدخول في حالة مواجهة مع سيدنا سليمان عليه السلام، وهذا ما سنثبته عملياً من خلال التحليل العلمي للشفرات الكيماوية الخاصة بتواصل النمل.
ها نحن وضحنا هنا تسلسل كلام النملة والذي ينقسم إلى أربع مراحل من العبارات والإشارات. فماذا يقول العلم في هذا الباب. يذكر العلم الحديث أن أهم وسيلة لتواصل النمل في مواقف الخطر والإبلاغ على هذا الخطر هي طريقة التواصل الكيماوية، حيث يصدر النمل أنواعاً مختلفة من هذه المواد كل مادة تعبر عن شفرة خاصة من الكلام؛ بحيث إذا تبعنا تسلسل إخراج هذه المواد من النملة التي بلغت عن الخطر سنجده بالضبط يوافق ما ذكرته النمل في الآية رقم 18 من سورة النمل. فالمواد الكيماوية التي تستخرجها النملة من جسمها في موقف كهذا تنقسم إلى أربع مواد مختلفة، كل مادة تحمل معها لغة وشفرة معينة من الكلام.
المراحل التسلسلية لرد فعل النمل:
أول مادة تصدرها النملة إذا شعرت بوجود الخطر هي مادة (aldéhyde l’hexanal) وهذه المادة تعد حقاً بمثابة صفارة إنذار، فالنمل عند استقباله لهذه المادة الأولى يقوم بالتمركز والانتباه لاستقبال باقي الإشارات، وهذا ما يطابق تماماً أول عبارة نطقت بها النملة ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾، والياء هنا أداة للتنبيه والنداء (يا أيها)!. ثم تقوم النملة بإصدار المادة الكيماوية الثانية وهي مادة l’hexanol، فالنمل يجري في كل الاتجاهات بعد استقباله للمادة الأولى لمعرفة مصدر الخبر، ولكي لا يتوجه النمل بعيداً فيجب على النملة أن تحدد لهم الطريق الذي يسيرون فيه، وهذا ما فعلته نملة سيدنا سليمان عندما قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، وهذا توجيه من النملة لزملائها أن يذهبوا باتجاه المساكن، إذن هي حددت لهم الطريق، وهذا ما يطابق توجيه حركة النمل.
والمادة الثالثة الكيماوية التي تصدرها النملة هي مادة l’undécanone وهذه المادة دورها بالضبط توضيح سبب الخطر لباقي النمل، وهو ما قامت به النملة في قولها في العبارة الثالثة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه﴾، وهذا يتطابق تماماً مع ما ذكرته الآية على لسان النملة، وفي هذه المرحلة التي يستقبل فيها النمل هذه المادة يدخل في استعداد لمواجهة هذا الخطر.
وفي المرحلة الرابعة تصدر النملة مادة كيماوية خاصة le butylocténal توجه بها باقي النمل إلى الدفاع وإلى نوع هذا الدفاع، ولهذا نجد النملة ذكرت في عبارتها الأخيرة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وبهذا منعت النملة باقي النمل من الانتقال إلى مرحلة الهجوم التي تؤدي إلى الموت(20).
ولذلك فقد تبسم سيدنا سليمان عليه السلام من عجيب مقالتها وحسن فطنتها وقوة تعبيرها.
والآن نلخص ما ذكرناه:
l’hexanal ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾
l’hexanol ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾
l’undécanone ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾
Le butylocténal ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
ولقد أشار القرآن أن النمل مخلوق اجتماعي يعيش في مستعمرات، وهو مخلوق متعاون متكاتف يشعر كل فرد منه بشعور الآخرين، ويظهر ذلك في سلوك النملة وفي إنذار قومها، ويعيش النمل ضمن مستعمرات يقوم ببنائها، وقد تتجاور أعداد كبيرة من المستعمرات مكونة مدينة أو وادياً للنمل كما سمي ذلك في القرآن الكريم، ففي جبال بنسلفانيا إحدى الولايات الأمريكية أكتشف أحد العلماء أحد أكبر مدن النمل في العالم، وقد بني معظمها تحت الأرض وتشغل مساحتها ثلاثين فداناً حفرت فيها منازل النمل تتخللها الشوارع والمعابر والطرق، وكل نملة تعرف طريقها إلى بيتها بإحساس غريب. ويمكن أن تصل أعماق مملكة النمل في بعض الأنواع التي تعيش في غابات الأمازون إلى (5 أمتار) واتساعها 7 أمتار تُنشئ النملات فيها مئات الغرف والأنفاق، ويُحفر وينقل قرابة (أربعين طن) من التراب إلى الخارج، وهذه الهندسة المعمارية للمملكة معجزة من معجزات الخلق(21).
النملة تتحطم!
في زمن نزول القرآن الكريم لم يكن لأحد قدرة على دراسة تركيب جسم النملة أو معرفة أي معلومات عنه، ولكن بعد دراسات كثيرة تأكد العلماء أن للنمل هيكلاً عظمياً خارجياً صلباً جداً يسمى exoskeleton ولذلك فإن النملة لدى تعرضها لأي ضغط فإنها تتحطم، ولذلك قال تعالى على لسان النملة: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾، وبالتالي فإن كلمة ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ والتي تعني التكسر دقيقة جداً من الناحية العلمية(22).
وتشير دراسات جديدة أيضاً إلى أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج، والتحطيم هو أنسب الأوصاف للفعل الدالّ على التكسير والتهشيم والشدة(23).
ويقول أحد العلماء جاءت العبارة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ هنا للدلالة على طبيعة جسم النملة المفصلية (Arthropods) التي تحتاج إلى تحطيم، حيث يتكون جسمها الخارجي من مادة صلبة كالزجاج هي الكيتين (Chitin)، وهذه المادة تشابه في تركيبها الكيراتين مادة التكوين للقرون والحوافر والأظافر، كذلك اكتشف أن أعين النملة ذات طبيعة بلورية كالزجاج لا تنكسر بسهولة بل تحتاج إلى تحطيم(24).
وجه الإعجاز:
بعد هذا السرد للمعاني البلاغية للآية الكريمة فإننا نجد أنفسنا أمام نصوص قليلة اللفظ ولكنها محكمة السبك بديعة المعنى، وكل هذا يشهد بأن القرآن الكريم اشتمل على بلاغة وفصاحة لا يمكن أن يصل إليها البشر مجتمعين، فكان هذا أحد وجوه الإعجاز الذي جاءت به الرسالة الخاتمة.
وتجلى لنا نحن وجه آخر من وجوه الإعجاز، وهو الإعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة، فقد اكتشف العلم الحديث أن للنمل لغة يتخاطب بها، وأنه يستخدمها في التفاهم والتحذير، وهذا عين ما دلت عليه الآية، ورأينا كيف تدرج التحذير في الآية تدرجاً يتطابق مع اللغة التي يستخدمها النمل عند شعوره بالخطر، وكذلك كشفت الآية عن طبيعة جسم النملة، وأنه جسم يتحطم عند تعرضه للضغط. وكل هذه دلائل واضحة على اشتمال القرآن الكريم على حقائق علمية سبق بها العلوم الحديثة، فأخبر عنها في وقت خلت فيه أبسط أنواع الوسائل التي تمكن من تلك الاكتشافات، فجاء سابقاً لها بوقت طويل جداً. وهذه شواهد متعددة في آية واحدة تشهد بأن هذا القرآن نزل من عند الله تعالى، مشتملاً على علمه سبحانه وتعالى، ليكون شاهداً على الناس جميعاً في كل زمان ومكان.
يتوجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لروئية الموضوع
 
أعلى