الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40461" data-attributes="member: 329"><p>أنواع الإبراء :</p><p>44 - الإبراء على نوعين : عامّ وخاصّ . والعموم والخصوص هنا بالنّسبة لأصل الصّيغة كما سبق بيانه . أمّا العامّ فهو ما يبرّأ به عن كلّ عين ودين وحقّ ، وألفاظه كثيرة . وللعرف فيها مدخل ، على ما سبق . وقد صرّح الحنفيّة بتفصيل لفكرة العموم والخصوص لم نقف على مثله صريحاً عند غيرهم ، إذ قال الحنفيّة : يستوي في العموم أن يكون على سبيل الإخبار ، كما لو قال : هو بريء من حقّي وأن يكون على سبيل الإنشاء ، كقوله : أبرأتك من حقّي ، على ما بحثه الشرنبلالي الحنفيّ . أمّا الإبراء الخاصّ ، فله عدّة صور فيها عموم وخصوص تبعاً لموضوع الإبراء : أ - إبراء خاصّ بدين خاصّ ، كأبرأته من دين كذا ، أو بدين عامّ كأبرأته ممّا لي عليه . فيبرّأ عن الدّين الخاصّ في الصّورة الأولى وعن كلّ دين في الصّورة الثّانية ، دون التّعيّن .</p><p>ب - إبراء خاصّ بعين خاصّة ، كأبرأته عن هذه الدّار ، أو بكلّ عين ، أو خاصّ بالأمانات دون المضمونات . ( ثمّ هذا الإبراء عن العين إمّا عنها نفسها وإمّا عن دعواها وهو ما على سبيل الإنشاء أو الإخبار ، وأثر هذا سبق بيانه في موضوع الإبراء ) . والإبراء يتّبع العموم والخصوص سواء كان في أصل الصّيغة أو في الموضوع ، فلا تسمع دعوى المدّعي المبرّئ فيما تناول الإبراء . فالإبراء العامّ يدخل فيه البراءة عن كلّ حقّ ، ولو غير ماليّ كالكفالة بالنّفس والقصاص وحدّ القذف . كما يدخل ما هو بدل عمّا هو مال كالثّمن ، والأجرة ، أو عمّا ليس بمال ، كالمهر وأرش الجناية ، وما هو مضمون كالمغصوب ، أو أمانة كالوديعة والعاريّة ، على ما حقّقه الشرنبلالي .</p><p>شمول الإبراء من حيث الزّمن والمقدار :</p><p>45 - الإبراء لا يشمل ما بعد تاريخه من ديون أو حقوق ، وإنّما يقتصر على ما قبله ، فلا تسمع دعوى المبرّئ ، بعد إبرائه العامّ ، بشيء سابق لتاريخه ، وذلك للاتّفاق على اشتراط وجود سبب الاستحقاق لصحّة الإبراء على ما سبق . على أنّه إذا كان الإبراء خاصّاً بشيء معيّن فلا تسمع الدّعوى به أصلاً ، وهذا إذا ادّعاه لنفسه ، أمّا لو ادّعاه لغيره بوكالة أو وصاية فإنّ دعواه تسمع ، بخلاف ما لو أقرّ بعين لغيره ، فكما لا يملك أن يدّعيها لنفسه لا يملك أن يدّعيها لغيره بوكالة أو وصاية . ولا يشمل الإبراء ضمان الاستحقاق ، لعدم تناوله ذلك الضّمان الحادث بعد الاستحقاق وبعد الحكم بالرّجوع به ، وكلّ ذلك لا حقّ بعد الإبراء . وقد عبّر عن هذا الشّمول وحدوده قاضي خان في فتاواه بقوله : « البراءة السّابقة لا تعمل في الدّين اللاّحق » . وممّا صرّح به المالكيّة هنا أنّه لا تقبل دعوى المبرّئ أنّ الإبراء إنّما كان ممّا وقعت فيه الخصومة فقط ، وكذا إذا قال : ليس قصدي عموم الإبراء بل تعلّقه بشيء خاصّ ، وهو كذا ، فلا يقبل منه . وخالف في ذلك الحنابلة ، ففي ادّعاء استثناء بعض الدّين بقلبه يقبل ، ولخصمه تحليفه . ولا بدّ من الإثبات بالبيّنة أنّ الحقّ المدّعى به حصل بعد الإبراء لتقبل دعواه به ، كما لا تقبل دعواه الجهل بقدر المبرّأ منه إلاّ ببيّنة ، وكذلك دعوى النّسيان . أمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا في الجهل بين ما إذا باشر سبب الدّين بنفسه ، أو روجع إليه عند السّبب فإنّه لا يقبل ، وإلاّ فيقبل ، وفي دعوى النّسيان يصدّق بيمينه .</p><p>سريانه من حيث الأشخاص . 46 - للإبراء - عدا شموله الزّمنيّ - سريان لغير المبرّأ أحياناً . ومن أمثلته ما لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثّمن ، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الشّفيع يستفيد من ذلك الإبراء ، فيسقط عنه مقدار ما حطّه البائع عن المشتري . ونحوه مذهب مالك ، وهو أنّ الباقي بعد الإبراء إن كان يصلح ثمناً ( بأن كان الإبراء عن الأقلّ ) استفاد الشّفيع من الإبراء ، بخلاف ما لو كان الإبراء عن الأكثر ، فإنّه يأخذ بالثّمن المسمّى كلّه قبل الحطّ . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الإبراء يصحّ ولا يستفيد منه سوى المشتري ، أمّا الشّفيع فيأخذ بالثّمن كلّه أو يترك . ومن ذلك الكفالة ، فإنّ إبراء الأصيل يسري إلى الكفيل ، بخلاف ما لو أبرأ الكفيل فإنّه يبرّأ وحده ، لأنّ إبراءه إسقاط للوثيقة ، وهي لا تقتضي سقوط أصل الدّين ، وهذا إن أبرأه من الضّمان ، أمّا إن أبرأه من الدّين فينبغي على ما قال الرّمليّ الشّافعيّ براءة الأصيل ، لأنّ الدّين واحد ، وإنّما تعدّدت محالّه . وكذلك إن تكرّر الكفلاء وتتابعوا ، فإنّ إبراء غير الأصيل من الملتزمين يستفيد منه من بعده ، لأنّهم فرعه ، لا من قبله ، لأنّ الأصيل لا يبرّأ ببراءة فرعه . وفي الغصب إن أبرأ غاصب الغاصب برئ الأوّل أيضاً ، أمّا إن أبرأ الغاصب الأوّل فقط فلا يبرأ الثّاني .</p><p>التّعليق والتّقييد والإضافة في الإبراء :</p><p>47 - من المقرّر أنّ التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، فهو مانع للانعقاد ما لم يحصل الشّرط . أمّا التّقييد فلا صلة له بالانعقاد ، بل هو لتعديل آثار العقد الأصليّة ويسمّى الاقتران بالشّرط . وأمّا الإضافة فهي لتأخير بدء الحكم إلى زمن مستقبل . وقد جاءت بعض الصّور المتشابهة مع اختلاف حكمها بسبب اعتبارها تعليقاً أو تقييداً للتّجوّز في تسميتها على الحالين تعليقاً على الشّرط نظراً لوجود الشّرط فيهما . أ - ( التّعليق على شرط ) :</p><p>48 - تعليق الإبراء إن كان على شرط كائن بالفعل فهو في حكم المنجز ، وإن كان على الموت ، فهو كالإضافة لما بعد الموت وسيأتي حكمها . وإن كان على شرط ملائم كقوله : إن كان لي عليك دين ، أو إن متّ ، فأنت بريء ، فهذا جائز اتّفاقاً . وقد احتجّ لجوازه بأنّ أبا اليسر الصّحابيّ قال لغريمه : إن وجدت قضاءً فاقض ، وإلاّ فأنت في حلّ ، ولم ينكر ذلك عليه . قال ابن مفلح : وهذا متّجه ، واختاره شيخنا ( يعني ابن تيميّة ) . وأمّا التّعليق على شرط من غير ما سبق فللفقهاء في حكم الإبراء المعلّق عليه آراء : أحدها : عدم الجواز ولو كان الشّرط متعارفاً عليه . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، والرّواية المنصوصة عن أحمد ، لما في الإبراء من معنى التّمليك ، والتّعليق مشروع في الإسقاطات المحضة لا في التّمليكات ، فإنّها لا تقبل التّعليق . الثّاني : جواز التّعليق إذا كان الشّرط متعارفاً عليه ، وعدم الجواز في عكسه ، وهو رأي لبعض الحنفيّة . الثّالث : جواز التّعليق مطلقاً ، وهو مذهب المالكيّة ورواية عن أحمد ، وذلك لما في الإبراء من معنى الإسقاط .</p><p>ب - ( التّقييد بالشّرط ) :</p><p>49 - أورد البابرتيّ من الحنفيّة ضابطاً للتّمييز بين ما فيه تقييد بالشّرط عمّا فيه تعليق عليه ، من جهة اللّفظ والمعنى ، أمّا اللّفظ فهو أنّ التّقييد بالشّرط لا تظهر فيه صورة الشّرط ( على غير ما ينبئ عنه اسمه ) فلا تأتي فيه أداة الشّرط ، ومثاله أن يقول : أبرأتك على أن تفعل كذا . . . أمّا التّعليق على الشّرط فتستعمل فيه أداة شرط كقوله : إن فعلت كذا فأنت بريء . وأمّا من حيث المعنى ففي التّقييد بالشّرط الحكم ثابت في الحال على عرضيّة الزّوال إن لم يوجد الشّرط ، وفي التّعليق : الحكم غير ثابت في الحال ، وهو بعرض أن يثبت عند وجود الشّرط . وقد فرّق بينهما الكاسانيّ بما هو أوجز قائلاً : التّعليق هو تعليق العقد ، والتّقييد هو تعليق الفسخ بالشّرط . وقد ذهب إلى صحّة تقييد الإبراء بالشّرط في الجملة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة تبعاً لتفصيل كلّ مذهب بالنّسبة للحكم على الشّرط بالصّحّة ، على ما هو مفصّل في الكلام عن ( الشّرط ) .</p><p>ج - ( الإضافة ) :</p><p>50 - صرّح الحنفيّة بأنّ إضافة الإبراء ( إلى غير الموت ) ، ولو إلى وقت معلوم ، تبطله . ولم نعثر على تصريح لغيرهم بقبول الإبراء للإضافة ، مع إفادة عبارات الفقهاء أنّ الأصل في الإبراء هو التّنجيز . على أنّه يستفاد منع إضافة الإبراء من تصريحهم بأنّ الإبراء للإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، والتّمليك لا يحتمل الإضافة للوقت . ولا نعلم خلافاً في تصحيح إضافة الإبراء إلى ما بعد الموت فقط ، لأنّه وصيّة بالإبراء .</p><p>الإبراء بشرط أداء البعض :</p><p>51 - تأتي هذه المسألة على وجوه : إمّا أن تحصل مطلقةً عن الشّرط ، كأن يعترف له بدين في ذمّته ، فيقول الدّائن : قد أبرأتك من نصفه أو جزء معيّن منه ، فأعطني الباقي ، فالإبراء صحيح اتّفاقاً لأنّه منجز غير معلّق ولا مقيّد بشرط ، والمبرّئ متطوّع بإسقاط بعض حقّه بطيب من نفسه فذلك جائز . واستدلّ بالأحاديث في الوضع عن جابر ، وعن الّذي أصيب في حديقته ، وعن ابن أبي حدرد حيث قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكعب : « ضع الشّطر من دينك » . وإمّا أن يكون فيها الإبراء عن البعض معلّقاً على أداء الباقي ، وقد سبق حكم تعليق الإبراء . وإمّا أن يكون فيها الإبراء مقيّداً بشرط أداء الباقي ، مثل أن يقول من له على آخر ألف : أبرأتك عن خمسمائة ، بشرط أن تعطيني ما بقي .</p><p>52 - وللفقهاء في هذه الصّورة الأخيرة آراء : أحدها : الصّحّة مطلقاً ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، لأنّه استيفاء البعض وإبراء عن الباقي . واشترط الشّافعيّة الجمع بين لفظي الإبراء والصّلح ، ليكون من أنواع الصّلح ، ومع ذلك لا يحتاج لقبول نظراً للفظ الإبراء لكنّ الحنفيّة قالوا : إن لم يقيّد أداء البعض المعجّل بيوم معيّن ، برئ أعطاه الباقي أو لم يعط ، وإن قيّد أداء البعض ، المعجّل بيوم ، قائلاً له : إن لم تنقدني فيه فالمال على حاله ، ثمّ لم ينقده ، لم يبرأ ، فإن لم يذكر العبارة الأخيرة واكتفى بتحديد اليوم ، ففيه خلاف : فعند أبي حنيفة ومحمّد حكمه كما لو قالها ، وعند أبي يوسف : حكمه كالأوّل المطلق عن التّحديد . وذهب الحنابلة إلى عدم صحّة الإبراء المقيّد بشرط أداء البعض ، لأنّه إبراء عن بعض الحقّ لأنّه ما أبرأه عن بعض حقّه إلاّ ليوفّيه بقيّته ، فكأنّه عاوض بعض حقّه ببعض . هذا كلّه إن كان الشّرط أداء الباقي ، أمّا إن أبرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه غير صحيح لأنّه يشبه ربا الجاهليّة ، فإن عجّل ذلك البعض بغير شرط ، فأخذه منه وأبرأه ممّا بقي ، فإنّه يصحّ .</p><p>الإبراء بعوض :</p><p>53 - تعرّض الشّافعيّة لمسألة بذل العوض على الإبراء فذهبوا إلى جواز ذلك ، كأن يعطيه ثوباً مثلاً في مقابلة الإبراء ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له بالإبراء ، ويبرأ المدين . وقالوا : أمّا لو أعطاه بعض الدّين على أن يبرّئه من الباقي ، فليس من التّعويض في شيء ، بل ما قبضه بعض حقّه ، والباقي في ذمّته لكنّهم صوّروا وقوع ذلك بالمواطأة منهما قبل العقد ، ثمّ دفع ذلك قبل البراءة أو بعدها ، فلو قال : أبرأتك على أن تعطيني كذا ، فقد قيل في ذلك بالبطلان . أمّا الحنفيّة فإنّهم يخرجون مسألة الإبراء على عوض ، على أنّها صلح بمال . ولم نعثر على رأي بقيّة المذاهب في ذلك ، ولعلّ ما جاء في مسألة الإبراء عن بعض الدّين بأداء بعضه يؤخذ منه حكمها إذا كان العوض من جنس الدّين ، فإن لم يكن كذلك فهي من التّقييد بالشّرط ، وقد سبق بيانه .</p><p>الرّجوع عن الإبراء :</p><p>54 - قد يرجع المبرئ عن الإبراء بعد صدور الإيجاب فقط ، أو بعده وبعد القبول وعدم الرّدّ على ما سبق بيانه . ففي أثر هذا العدول رأيان للفقهاء : ذهب الحنفيّة والحنابلة - وهو قول للشّافعيّة - إلى أنّه لا يستفيد من رجوعه شيئاً ، لأنّ ما كان له سقط بالإبراء ، والسّاقط لا يعود ، ولا بقاء للدّين بعده ، فأشبه ما لو وهبه شيئاً فتلف . وذهب المالكيّة والشّافعيّة على القول الآخر إلى أنّه يفيد فيه الرّجوع ، وذلك تغليباً لمعنى التّمليك في الإبراء واشتراط القبول له ، حيث إنّ للموجب في عقود التّمليك أن يرجع عن إيجابه ما لم يتّصل به القبول . . . لكنّ النّوويّ اختار عدم الرّجوع ولو قيل : إنّه تمليك . وممّا يتّصل بالرّجوع ما صرّح به الحنفيّة من أنّ الإبراء لا تجري فيه الإقالة ، بناءً على أنّ الإبراء إسقاط ، فيسقط به الحقّ من الذّمّة ، ومتى سقط لا يعود ، طبقاً للقاعدة المعروفة ( السّاقط لا يعود ) .</p><p>بطلان الإبراء وفساده :</p><p>55 - الإبراء إمّا أن يبطل أصالةً لتخلّف ركن من أركانه ، أو شرط من شروط تلك الأركان ، وإمّا أن يفسد لاقترانه بشرط مفسد على الخلاف في ذلك . وبيانه في ( البطلان والفساد ) . وإمّا أن يكون البطلان لتضمّن وهو أن يكون الإبراء ضمن عقد فيرتبط مصيره به ، فإذا بطل ذلك العقد بطل الإبراء . وقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يبطل الإبراء إذا بطل العقد الّذي تضمّنه ، وهذا إذا كان الإبراء خاصّاً بذلك العقد ، وبني عليه الإبراء - أو ، بتعبير الشّافعيّة : ارتبط به ، سواء أكان عقد بيع أم صلح ، لما عرف في القاعدة المشهورة : إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، أو : إذا بطل المتضمّن ( بكسر الميم ) بطل المتضمّن ( بالفتح ) . أمّا إذا كان الإبراء عامّاً عن كلّ حقّ ودعوى فلا يبطل ، وكذلك إذا كان الإبراء خاصّاً لكنّه لم يبن على العقد الفاسد ، بأن قال المبرئ : أبرأته عن تلك الدّعوى إبراءً غير داخل تحت الصّلح ، فإنّه لا يبطل الإبراء ببطلان الصّلح ، على ما حقّقه ابن عابدين .</p><p>أثر الإبراء :</p><p>56 - يترتّب على الإبراء المستوفى أركانه وما يتّصل بها من شروط أن تبرأ ذمّة المدين المبرإ عمّا أبرئ منه بحسب الصّيغة عموماً أو خصوصاً . وبذلك يسقط عنه ولا يبقى للدّائن حقّ المطالبة ، فلا تسمع دعواه فيما تناوله الإبراء ، وذلك إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده ، فلا تقبل دعواه بحقّ مستنداً إلى نسيان أو جهل . ولا يقتصر تصوير الأثر المترتّب على الإبراء بسقوط الدّين أو الحقّ وعدم المطالبة ، بل قد يرافق ذلك أثر خاصّ مناسب لموضوع الإبراء . يتّضح من الأمثلة التّالية لمذهب أو آخر : ففي الرّهن مثلاً ينفكّ بالإبراء ، ويستردّه الرّاهن كما لو أدّى ما عليه ، أمّا إبراء المرتهن للجاني فلا أثر له ، لعدم صحّة الإبراء ، ومع هذا لا يسقط به حقّه من الوثيقة في الأصحّ عند الشّافعيّ . هذا وإنّ للإبراء من الأثر ما لقبض الحقّ المبرإ منه ، فمثلاً لو أحيل البائع بالثّمن على مدين للمشتري ثمّ أبرأ البائع المحال عليه من الدّين قبل الفسخ فإنّ ذلك كقبضه له في الأحكام من حيث إعادة المقبوض بسبب الفسخ ، فهنا للمشتري مطالبة البائع بمثل المحال به الّذي أبرئ منه . 57 - وقد استثنى الحنفيّة من الأثر التّبعيّ للإبراء ، وهو عدم سماع الدّعوى بعده ، المسائل التّالية :</p><p>1 - ادّعاء ضمان الدّرك في البيع السّابق للإبراء ، لأنّه وإن كان البيع متقدّماً على الإبراء ومشمولاً بأثره ، فإنّ ضمان الدّرك متأخّر عنه ، وهذا من قبيل الاستحسان .</p><p>2 - ظهور شيء من الحقوق للقاصر ، لم يكن يعلم به ، وذلك بعد أن بلغ فأبرأ وصيّه إبراءً عامّاً بأن أقرّ أنّه قبض تركة والده ولم يبق له حقّ منها إلاّ استوفاه ، فإن ادّعى في يد الوصيّ شيئاً من تركة أبيه وبرهن يقبل .</p><p>3 - ادّعاء الوصيّ على رجل ديناً للميّت بعد إقراره باستيفاء جميع ماله على النّاس .</p><p>4 - ادّعاء الوارث على رجل ديناً للمورّث بعد إقراره على النّحو السّابق . ووجه استثناء هذه الصّور أنّ موضوع الإبراء فيها قد اكتنفه خفاء يعذر به المبرئ في دعواه مع صدور الإبراء العامّ عنه ، كما أنّ الصّورتين الأخيرتين هما من إبراء الاستيفاء أي الإقرار بالبراءة . 58 - هذا ، وأنّ سقوط المبرإ منه - كأثر للإبراء - إنّما هو بالنّسبة للقضاء ، أي في الدّنيا ، أمّا الأثر الأخرويّ ، أي في الدّيانة ، فقد اختلف رأي الحنفيّة في سقوطه ، فقيل : تسقط به الدّعوى قضاءً لا ديانةً ، وقيل تسقط ديانةً أيضاً ، فقد صرّح ابن عابدين أنّه في الصّلح على بعض الدّين إنّما يبرأ عن باقيه في الحكم لا في الدّيانة ، فلو ظفر به أخذه . وأنّه في الإبراء العامّ مع جهل المبرإ منه يبرأ من الكلّ قضاءً ، أمّا في الآخرة فلا يبرأ إلاّ بقدر ما يظنّ أنّ له عليه . وللمالكيّة قولان في الأثر الأخرويّ للإبراء مع الإنكار . أوّلهما : وهو ما صرّح به ابن تيميّة أيضاً في استحلال الغاصب : أنّه يبرّأ ، فلا يؤاخذ بحقّ جحده وأبرأه صاحبه منه . ويتّصل بهذا الاتّجاه ما ذهب إليه الشّافعيّة في الإبراء من المجهول ( الّذي لم يصحّحوه ) من أنّه يبرّأ به في الآخرة ، لأنّ المبرّئ راض بذلك . والقول الآخر للمالكيّة : لا تسقط عنه مطالبة اللّه في الآخرة بحقّ خصمه .</p><p>سماع الدّعوى بعد الإبراء العامّ :</p><p>59 - سبقت الإشارة إلى أنّ الأثر التّبعيّ للإبراء هو منع ذلك ، ولكن ذكر الحنفيّة التّفصيل التّالي الّذي لم نعثر لغيرهم على مثله : إن كان الإبراء العامّ عن الدّين فلا تسمع الدّعوى بعده إلاّ عن دين حادث بعد الإبراء . أمّا إن كان عن عين فلا تسمع الدّعوى بعده إذا كان المدّعى عليه منكراً كون العين للمدّعي لأنّه لم يتمسّك بالإبراء بل بالإنكار ، فيكون الإبراء من المدّعي موافقةً على ذلك الإنكار ، فإن كان المدّعى عليه مقرّاً بأنّ العين للمدّعي ، وقد تمسّك بالإبراء الصّادر عنه ، فإنّ العين إذا كانت قائمةً تسمع الدّعوى بها بعد الإبراء عنها . ( أمّا إن كانت هالكةً فهو إبراء عن ضمانها ، وذلك كالدّين ، فلا تسمع الدّعوى به بعد الإبراء . ) .</p><p>أثر الإقرار بعد الإبراء</p><p>60 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة - على الظّاهر من كلام الحطّاب - إلى أنّه إذا أبرأ المدّعي المدّعى عليه المنكر من الدّين إبراءً عامّاً ، ثمّ أقرّ المبرّأ بالدّين للمدّعي لم يعتبر الإقرار ، لأنّ الدّين قد سقط بالإبراء ، والسّاقط لا يعود . وهناك اتّجاه ثان لبعض المالكيّة ، وهو الّذي أفتى به النّاصر اللّقانيّ وأخوه الشّمس اللّقانيّ أنّه يعمل به لأنّه بمنزلة إقرار جديد . واستثنى ابن نجيم من ذلك ما لو أقرّ لزوجته بمهرها بعد هبتها إيّاه له ، على ما هو المختار عند الفقيه أبي اللّيث ، فيجعل زيادةً إن قبلت ، والأشبه خلافه لعدم قصد الزّيادة . ويختلف أثر الإقرار أيضاً عند الحنفيّة في مسألة الإبراء من الدّين عن مسألة الإبراء من العين فيها لو أقرّ المبرّأ للمبرّئ بالعين بعد الإبراء سلّمها إليه ولا يمنع الإبراء من سماع الدّعوى للمبرّئ تصحيحاً للإقرار ، لتجدّد الملك في العين .</p><p>إبراد</p><p>التّعريف</p><p>1 - من معاني الإبراد في اللّغة : الدّخول في البرد ، والدّخول في آخر النّهار . وعند الفقهاء هو : تأخير الظّهر إلى وقت البرد . وقد يطلق الإبراد ويراد منه إمهال الذّبيحة حتّى تبرد قبل سلخها . ويبدأ الإبراد بالظّهر بانكسار حدة الحرّ ، وبحصول فيء ( ظلّ ) يمشي فيه المصلّي . وفي مقداره خلاف بين الفقهاء يذكر في أوقات الصّلاة . الحكم الإجماليّ :</p><p>2 - الإبراد رخصة ، وهو مستحبّ في صلاة الظّهر في شدّة الحرّ صيفاً في البلاد الحارّة لمريد الجماعة في المسجد باتّفاق ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أبردوا بالصّلاة ، فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم » . فإذا تخلّف أحد القيود السّابقة ففي استحباب الإبراد خلاف وتفصيل .</p><p>( مواطن البحث )</p><p>3 - الإبراد بالظّهر ، وبأذانه ، وبالجمعة ، يذكر في الصّلاة ( أوقاتها ) . وإبراد الذّبيحة قبل السّلخ يذكر في الذّبائح .</p><p>أبرص</p><p>انظر : برص .</p><p>إبريسم</p><p>انظر : لباس .</p><p>إبضاع</p><p>التّعريف</p><p>1 - الإبضاع مصدر أبضع ، ومنه البضاعة . والبضاعة من معانيها القطعة من المال ، أو هي طائفة من المال تبعث للتّجارة . وأبضعه البضاعة أعطاه إيّاها . ويعرّف الفقهاء الإبضاع بأنّه بعث المال مع من يتّجر به تبرّعاً ، والرّبح كلّه لربّ المال . هذا والأصل أن يكون الإبضاع تبرّعاً من العامل . واعتبره المالكيّة إبضاعاً ولو كان بأجر . ويطلق الفقهاء لفظ البضاعة على المال المبعوث للاتّجار به ، والإبضاع على العقد ذاته ، وقد يطلقون البضاعة ويريدون بها العقد .</p><p>( الألفاظ ذات الصّلة ) :</p><p>2 - القراض : ويسمّى عند أهل العراق المضاربة ، وهو دفع الرّجل ماله إلى آخر ليتّجر فيه ، على أن يكون للعامل جزء شائع من الرّبح . فالقراض شركة في الرّبح بين ربّ المال والعامل ، بينما الإبضاع لا يحمل صورة المشاركة ، بل صورة التّبرّع من العامل في التّجارة لربّ المال دون مقابل . القرض : وهو لغةً القطع . وعرّفه الفقهاء بأنّه دفع المال إرفاقاً لمن ينتفع به ويردّ بدله . وهو نوع من السّلف ، فيصحّ بلفظ قرض وسلف . الوكالة : وهي في اللّغة التّفويض . وعرّفها الفقهاء بأنّها إقامة الإنسان غيره مقام نفسه فيما يقبل الإنابة . والوكالة عامّة في كلّ ما تصحّ النّيابة فيه ، لكنّ الإبضاع قاصر على ما يدفعه ربّ المال للعامل ليتّجر فيه ، فهو وكيل في هذا فقط .</p><p>صفة الإبضاع ( حكمه التّكليفيّ ) :</p><p>3 - الإبضاع عقد جائز لأنّه يتمّ على وجه لا غرر فيه . وإذا كانت المضاربة ، مع ما فيها من شبهة غرر ، جائزةً ، فمن باب أولى أن يقع الإبضاع جائزاً ، سواء أكان عقده مستقلّاً أم تابعاً لعقد المضاربة ، كأن دفع العامل المال بضاعةً لعامل آخر ، فهو عقد صحيح ، لأنّ الإبضاع سبيل لإنماء المال بلا أجر ، وهذا ممّا يرتضيه ربّ المال .</p><p>حكمة تشريعه :</p><p>4 - الإبضاع من عادة التّجّار ، والحاجة قد تدعو إليه ، لأنّ ربّ المال قد لا يحسن البيع والشّراء ، أو لا يمكنه الخروج إلى السّوق ، وقد يكون له مال ولا يحسن التّجارة فيه ، وقد يحسن ولا يتفرّغ وقد لا تليق به التّجارة ، لكونه امرأةً ، أو ممّن يتغيّر بها ، فيوكّل غيره . وما الإبضاع إلاّ توكيل بلا جعل ، فهو حينئذ سبيل للمعروف وتآلف القلوب وتوثيق الرّوابط ، خصوصاً بين التّجّار . وكما أنّ عقد الإبضاع سبيل لإنماء مال ربّ المال ، فقد يكون سبيلاً لإنماء مال العامل المتبرّع ، وذلك إذا دخل العامل مع ربّ المال بالنّصف مثلاً ، كأن يقدّم ربّ المال ألفاً والعامل ألفاً ، ويكون الرّبح مناصفةً بينهما ، فالمشاركة هنا تزيد في رأس المال ، وبالتّالي تزيد الأرباح ، وفي ذلك ما فيه من مصلحة العامل . فيكون العامل هنا استخدم مال ربّ المال ، وهو النّصف ، وردّ له أرباحه متبرّعاً بعمله ، واستفاد هو من مشاركة مال ربّ المال في زيادة رأس ماله ، ومن ثمّ يزيد ربحه .</p><p>صيغة الإبضاع :</p><p>5 - أجمع الفقهاء على اعتبار الصّيغة ، وهي الإيجاب والقبول ، ركناً في كلّ عقد . وتفصيل الكلام في ذلك يرجع إليه عند الكلام على العقد . وأمّا ما يتّصل بالإبضاع فإنّ الصّيغة اللّفظيّة قد تكون صريحةً بلفظ الإبضاع ، أو البضاعة ، وقد تكون غير صريحة ، كأن يقول : خذ هذا المال مضاربةً ، على أن يكون الرّبح كلّه لي . وهذه الصّورة محلّ خلاف بين الفقهاء . فذهب الحنابلة إلى أنّ هذا العقد لا يصحّ ، واعتبروا ذلك من باب التّناقض ، لأنّ قوله " مضاربةً " يقتضي الشّركة في الرّبح ، وقوله " الرّبح كلّه لي " يقتضي عدمها ، فتناقض قوله ، ففسدت المضاربة ، ولأنّه اشترط اختصاص أحدهما بالرّبح ، وهذا شرط يناقض العقد ففسد ، ولأنّ اللّفظ الصّريح في بابه لا يكون كنايةً في غيره ، فالمضاربة لا تنقلب إبضاعاً ولا قرضاً . وعلى هذا اعتبروا هذا العقد مضاربةً فاسدةً . وذهب الحنفيّة إلى أنّ هذا إبضاع صحيح ، لوجود معنى الإبضاع هنا ، فانصرف إليه ، كما لو قال : اتّجر به والرّبح كلّه لي ، وذلك لأنّ العبرة في العقود لمعانيها . والمالكيّة أجازوا اشتراط ربح القراض كلّه لربّ المال أو للعامل في مشهور مذهب مالك ، أو لغيرهما في المدوّنة ، لأنّه من باب التّبرّع ، لكنّهم لا يقولون كما قال الحنفيّة : إنّ العقد بهذه الصّورة إبضاع ، بل يقولون : إنّ إطلاق القراض عليه مجاز . ومن هنا يتبيّن أنّ المالكيّة رأيهم كرأي الحنفيّة وإن كانوا يخالفون في التّسمية . وعلى هذا فإنّ من اعتبر مثل هذا العقد صحيحاً فلا يرى أنّ العامل يستحقّ شيئاً بل هو متبرّع بالعمل . وأمّا من اعتبره فاسداً فيوجب له أجر المثل . وبعض الشّافعيّة اعتبر حال العامل ، فإن كان يجهل حكم الإبضاع وأنّه لا يوجب له أجراً ولا جزءاً من الرّبح فإنّهم يرون أنّ له أجر المثل . وينسب هذا الرّأي إلى ابن عبّاس . وجهل مثل هذا الحكم ممّا يعذر به بعض النّاس .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40461, member: 329"] أنواع الإبراء : 44 - الإبراء على نوعين : عامّ وخاصّ . والعموم والخصوص هنا بالنّسبة لأصل الصّيغة كما سبق بيانه . أمّا العامّ فهو ما يبرّأ به عن كلّ عين ودين وحقّ ، وألفاظه كثيرة . وللعرف فيها مدخل ، على ما سبق . وقد صرّح الحنفيّة بتفصيل لفكرة العموم والخصوص لم نقف على مثله صريحاً عند غيرهم ، إذ قال الحنفيّة : يستوي في العموم أن يكون على سبيل الإخبار ، كما لو قال : هو بريء من حقّي وأن يكون على سبيل الإنشاء ، كقوله : أبرأتك من حقّي ، على ما بحثه الشرنبلالي الحنفيّ . أمّا الإبراء الخاصّ ، فله عدّة صور فيها عموم وخصوص تبعاً لموضوع الإبراء : أ - إبراء خاصّ بدين خاصّ ، كأبرأته من دين كذا ، أو بدين عامّ كأبرأته ممّا لي عليه . فيبرّأ عن الدّين الخاصّ في الصّورة الأولى وعن كلّ دين في الصّورة الثّانية ، دون التّعيّن . ب - إبراء خاصّ بعين خاصّة ، كأبرأته عن هذه الدّار ، أو بكلّ عين ، أو خاصّ بالأمانات دون المضمونات . ( ثمّ هذا الإبراء عن العين إمّا عنها نفسها وإمّا عن دعواها وهو ما على سبيل الإنشاء أو الإخبار ، وأثر هذا سبق بيانه في موضوع الإبراء ) . والإبراء يتّبع العموم والخصوص سواء كان في أصل الصّيغة أو في الموضوع ، فلا تسمع دعوى المدّعي المبرّئ فيما تناول الإبراء . فالإبراء العامّ يدخل فيه البراءة عن كلّ حقّ ، ولو غير ماليّ كالكفالة بالنّفس والقصاص وحدّ القذف . كما يدخل ما هو بدل عمّا هو مال كالثّمن ، والأجرة ، أو عمّا ليس بمال ، كالمهر وأرش الجناية ، وما هو مضمون كالمغصوب ، أو أمانة كالوديعة والعاريّة ، على ما حقّقه الشرنبلالي . شمول الإبراء من حيث الزّمن والمقدار : 45 - الإبراء لا يشمل ما بعد تاريخه من ديون أو حقوق ، وإنّما يقتصر على ما قبله ، فلا تسمع دعوى المبرّئ ، بعد إبرائه العامّ ، بشيء سابق لتاريخه ، وذلك للاتّفاق على اشتراط وجود سبب الاستحقاق لصحّة الإبراء على ما سبق . على أنّه إذا كان الإبراء خاصّاً بشيء معيّن فلا تسمع الدّعوى به أصلاً ، وهذا إذا ادّعاه لنفسه ، أمّا لو ادّعاه لغيره بوكالة أو وصاية فإنّ دعواه تسمع ، بخلاف ما لو أقرّ بعين لغيره ، فكما لا يملك أن يدّعيها لنفسه لا يملك أن يدّعيها لغيره بوكالة أو وصاية . ولا يشمل الإبراء ضمان الاستحقاق ، لعدم تناوله ذلك الضّمان الحادث بعد الاستحقاق وبعد الحكم بالرّجوع به ، وكلّ ذلك لا حقّ بعد الإبراء . وقد عبّر عن هذا الشّمول وحدوده قاضي خان في فتاواه بقوله : « البراءة السّابقة لا تعمل في الدّين اللاّحق » . وممّا صرّح به المالكيّة هنا أنّه لا تقبل دعوى المبرّئ أنّ الإبراء إنّما كان ممّا وقعت فيه الخصومة فقط ، وكذا إذا قال : ليس قصدي عموم الإبراء بل تعلّقه بشيء خاصّ ، وهو كذا ، فلا يقبل منه . وخالف في ذلك الحنابلة ، ففي ادّعاء استثناء بعض الدّين بقلبه يقبل ، ولخصمه تحليفه . ولا بدّ من الإثبات بالبيّنة أنّ الحقّ المدّعى به حصل بعد الإبراء لتقبل دعواه به ، كما لا تقبل دعواه الجهل بقدر المبرّأ منه إلاّ ببيّنة ، وكذلك دعوى النّسيان . أمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا في الجهل بين ما إذا باشر سبب الدّين بنفسه ، أو روجع إليه عند السّبب فإنّه لا يقبل ، وإلاّ فيقبل ، وفي دعوى النّسيان يصدّق بيمينه . سريانه من حيث الأشخاص . 46 - للإبراء - عدا شموله الزّمنيّ - سريان لغير المبرّأ أحياناً . ومن أمثلته ما لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثّمن ، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الشّفيع يستفيد من ذلك الإبراء ، فيسقط عنه مقدار ما حطّه البائع عن المشتري . ونحوه مذهب مالك ، وهو أنّ الباقي بعد الإبراء إن كان يصلح ثمناً ( بأن كان الإبراء عن الأقلّ ) استفاد الشّفيع من الإبراء ، بخلاف ما لو كان الإبراء عن الأكثر ، فإنّه يأخذ بالثّمن المسمّى كلّه قبل الحطّ . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الإبراء يصحّ ولا يستفيد منه سوى المشتري ، أمّا الشّفيع فيأخذ بالثّمن كلّه أو يترك . ومن ذلك الكفالة ، فإنّ إبراء الأصيل يسري إلى الكفيل ، بخلاف ما لو أبرأ الكفيل فإنّه يبرّأ وحده ، لأنّ إبراءه إسقاط للوثيقة ، وهي لا تقتضي سقوط أصل الدّين ، وهذا إن أبرأه من الضّمان ، أمّا إن أبرأه من الدّين فينبغي على ما قال الرّمليّ الشّافعيّ براءة الأصيل ، لأنّ الدّين واحد ، وإنّما تعدّدت محالّه . وكذلك إن تكرّر الكفلاء وتتابعوا ، فإنّ إبراء غير الأصيل من الملتزمين يستفيد منه من بعده ، لأنّهم فرعه ، لا من قبله ، لأنّ الأصيل لا يبرّأ ببراءة فرعه . وفي الغصب إن أبرأ غاصب الغاصب برئ الأوّل أيضاً ، أمّا إن أبرأ الغاصب الأوّل فقط فلا يبرأ الثّاني . التّعليق والتّقييد والإضافة في الإبراء : 47 - من المقرّر أنّ التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، فهو مانع للانعقاد ما لم يحصل الشّرط . أمّا التّقييد فلا صلة له بالانعقاد ، بل هو لتعديل آثار العقد الأصليّة ويسمّى الاقتران بالشّرط . وأمّا الإضافة فهي لتأخير بدء الحكم إلى زمن مستقبل . وقد جاءت بعض الصّور المتشابهة مع اختلاف حكمها بسبب اعتبارها تعليقاً أو تقييداً للتّجوّز في تسميتها على الحالين تعليقاً على الشّرط نظراً لوجود الشّرط فيهما . أ - ( التّعليق على شرط ) : 48 - تعليق الإبراء إن كان على شرط كائن بالفعل فهو في حكم المنجز ، وإن كان على الموت ، فهو كالإضافة لما بعد الموت وسيأتي حكمها . وإن كان على شرط ملائم كقوله : إن كان لي عليك دين ، أو إن متّ ، فأنت بريء ، فهذا جائز اتّفاقاً . وقد احتجّ لجوازه بأنّ أبا اليسر الصّحابيّ قال لغريمه : إن وجدت قضاءً فاقض ، وإلاّ فأنت في حلّ ، ولم ينكر ذلك عليه . قال ابن مفلح : وهذا متّجه ، واختاره شيخنا ( يعني ابن تيميّة ) . وأمّا التّعليق على شرط من غير ما سبق فللفقهاء في حكم الإبراء المعلّق عليه آراء : أحدها : عدم الجواز ولو كان الشّرط متعارفاً عليه . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، والرّواية المنصوصة عن أحمد ، لما في الإبراء من معنى التّمليك ، والتّعليق مشروع في الإسقاطات المحضة لا في التّمليكات ، فإنّها لا تقبل التّعليق . الثّاني : جواز التّعليق إذا كان الشّرط متعارفاً عليه ، وعدم الجواز في عكسه ، وهو رأي لبعض الحنفيّة . الثّالث : جواز التّعليق مطلقاً ، وهو مذهب المالكيّة ورواية عن أحمد ، وذلك لما في الإبراء من معنى الإسقاط . ب - ( التّقييد بالشّرط ) : 49 - أورد البابرتيّ من الحنفيّة ضابطاً للتّمييز بين ما فيه تقييد بالشّرط عمّا فيه تعليق عليه ، من جهة اللّفظ والمعنى ، أمّا اللّفظ فهو أنّ التّقييد بالشّرط لا تظهر فيه صورة الشّرط ( على غير ما ينبئ عنه اسمه ) فلا تأتي فيه أداة الشّرط ، ومثاله أن يقول : أبرأتك على أن تفعل كذا . . . أمّا التّعليق على الشّرط فتستعمل فيه أداة شرط كقوله : إن فعلت كذا فأنت بريء . وأمّا من حيث المعنى ففي التّقييد بالشّرط الحكم ثابت في الحال على عرضيّة الزّوال إن لم يوجد الشّرط ، وفي التّعليق : الحكم غير ثابت في الحال ، وهو بعرض أن يثبت عند وجود الشّرط . وقد فرّق بينهما الكاسانيّ بما هو أوجز قائلاً : التّعليق هو تعليق العقد ، والتّقييد هو تعليق الفسخ بالشّرط . وقد ذهب إلى صحّة تقييد الإبراء بالشّرط في الجملة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة تبعاً لتفصيل كلّ مذهب بالنّسبة للحكم على الشّرط بالصّحّة ، على ما هو مفصّل في الكلام عن ( الشّرط ) . ج - ( الإضافة ) : 50 - صرّح الحنفيّة بأنّ إضافة الإبراء ( إلى غير الموت ) ، ولو إلى وقت معلوم ، تبطله . ولم نعثر على تصريح لغيرهم بقبول الإبراء للإضافة ، مع إفادة عبارات الفقهاء أنّ الأصل في الإبراء هو التّنجيز . على أنّه يستفاد منع إضافة الإبراء من تصريحهم بأنّ الإبراء للإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، والتّمليك لا يحتمل الإضافة للوقت . ولا نعلم خلافاً في تصحيح إضافة الإبراء إلى ما بعد الموت فقط ، لأنّه وصيّة بالإبراء . الإبراء بشرط أداء البعض : 51 - تأتي هذه المسألة على وجوه : إمّا أن تحصل مطلقةً عن الشّرط ، كأن يعترف له بدين في ذمّته ، فيقول الدّائن : قد أبرأتك من نصفه أو جزء معيّن منه ، فأعطني الباقي ، فالإبراء صحيح اتّفاقاً لأنّه منجز غير معلّق ولا مقيّد بشرط ، والمبرّئ متطوّع بإسقاط بعض حقّه بطيب من نفسه فذلك جائز . واستدلّ بالأحاديث في الوضع عن جابر ، وعن الّذي أصيب في حديقته ، وعن ابن أبي حدرد حيث قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكعب : « ضع الشّطر من دينك » . وإمّا أن يكون فيها الإبراء عن البعض معلّقاً على أداء الباقي ، وقد سبق حكم تعليق الإبراء . وإمّا أن يكون فيها الإبراء مقيّداً بشرط أداء الباقي ، مثل أن يقول من له على آخر ألف : أبرأتك عن خمسمائة ، بشرط أن تعطيني ما بقي . 52 - وللفقهاء في هذه الصّورة الأخيرة آراء : أحدها : الصّحّة مطلقاً ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، لأنّه استيفاء البعض وإبراء عن الباقي . واشترط الشّافعيّة الجمع بين لفظي الإبراء والصّلح ، ليكون من أنواع الصّلح ، ومع ذلك لا يحتاج لقبول نظراً للفظ الإبراء لكنّ الحنفيّة قالوا : إن لم يقيّد أداء البعض المعجّل بيوم معيّن ، برئ أعطاه الباقي أو لم يعط ، وإن قيّد أداء البعض ، المعجّل بيوم ، قائلاً له : إن لم تنقدني فيه فالمال على حاله ، ثمّ لم ينقده ، لم يبرأ ، فإن لم يذكر العبارة الأخيرة واكتفى بتحديد اليوم ، ففيه خلاف : فعند أبي حنيفة ومحمّد حكمه كما لو قالها ، وعند أبي يوسف : حكمه كالأوّل المطلق عن التّحديد . وذهب الحنابلة إلى عدم صحّة الإبراء المقيّد بشرط أداء البعض ، لأنّه إبراء عن بعض الحقّ لأنّه ما أبرأه عن بعض حقّه إلاّ ليوفّيه بقيّته ، فكأنّه عاوض بعض حقّه ببعض . هذا كلّه إن كان الشّرط أداء الباقي ، أمّا إن أبرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه غير صحيح لأنّه يشبه ربا الجاهليّة ، فإن عجّل ذلك البعض بغير شرط ، فأخذه منه وأبرأه ممّا بقي ، فإنّه يصحّ . الإبراء بعوض : 53 - تعرّض الشّافعيّة لمسألة بذل العوض على الإبراء فذهبوا إلى جواز ذلك ، كأن يعطيه ثوباً مثلاً في مقابلة الإبراء ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له بالإبراء ، ويبرأ المدين . وقالوا : أمّا لو أعطاه بعض الدّين على أن يبرّئه من الباقي ، فليس من التّعويض في شيء ، بل ما قبضه بعض حقّه ، والباقي في ذمّته لكنّهم صوّروا وقوع ذلك بالمواطأة منهما قبل العقد ، ثمّ دفع ذلك قبل البراءة أو بعدها ، فلو قال : أبرأتك على أن تعطيني كذا ، فقد قيل في ذلك بالبطلان . أمّا الحنفيّة فإنّهم يخرجون مسألة الإبراء على عوض ، على أنّها صلح بمال . ولم نعثر على رأي بقيّة المذاهب في ذلك ، ولعلّ ما جاء في مسألة الإبراء عن بعض الدّين بأداء بعضه يؤخذ منه حكمها إذا كان العوض من جنس الدّين ، فإن لم يكن كذلك فهي من التّقييد بالشّرط ، وقد سبق بيانه . الرّجوع عن الإبراء : 54 - قد يرجع المبرئ عن الإبراء بعد صدور الإيجاب فقط ، أو بعده وبعد القبول وعدم الرّدّ على ما سبق بيانه . ففي أثر هذا العدول رأيان للفقهاء : ذهب الحنفيّة والحنابلة - وهو قول للشّافعيّة - إلى أنّه لا يستفيد من رجوعه شيئاً ، لأنّ ما كان له سقط بالإبراء ، والسّاقط لا يعود ، ولا بقاء للدّين بعده ، فأشبه ما لو وهبه شيئاً فتلف . وذهب المالكيّة والشّافعيّة على القول الآخر إلى أنّه يفيد فيه الرّجوع ، وذلك تغليباً لمعنى التّمليك في الإبراء واشتراط القبول له ، حيث إنّ للموجب في عقود التّمليك أن يرجع عن إيجابه ما لم يتّصل به القبول . . . لكنّ النّوويّ اختار عدم الرّجوع ولو قيل : إنّه تمليك . وممّا يتّصل بالرّجوع ما صرّح به الحنفيّة من أنّ الإبراء لا تجري فيه الإقالة ، بناءً على أنّ الإبراء إسقاط ، فيسقط به الحقّ من الذّمّة ، ومتى سقط لا يعود ، طبقاً للقاعدة المعروفة ( السّاقط لا يعود ) . بطلان الإبراء وفساده : 55 - الإبراء إمّا أن يبطل أصالةً لتخلّف ركن من أركانه ، أو شرط من شروط تلك الأركان ، وإمّا أن يفسد لاقترانه بشرط مفسد على الخلاف في ذلك . وبيانه في ( البطلان والفساد ) . وإمّا أن يكون البطلان لتضمّن وهو أن يكون الإبراء ضمن عقد فيرتبط مصيره به ، فإذا بطل ذلك العقد بطل الإبراء . وقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يبطل الإبراء إذا بطل العقد الّذي تضمّنه ، وهذا إذا كان الإبراء خاصّاً بذلك العقد ، وبني عليه الإبراء - أو ، بتعبير الشّافعيّة : ارتبط به ، سواء أكان عقد بيع أم صلح ، لما عرف في القاعدة المشهورة : إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، أو : إذا بطل المتضمّن ( بكسر الميم ) بطل المتضمّن ( بالفتح ) . أمّا إذا كان الإبراء عامّاً عن كلّ حقّ ودعوى فلا يبطل ، وكذلك إذا كان الإبراء خاصّاً لكنّه لم يبن على العقد الفاسد ، بأن قال المبرئ : أبرأته عن تلك الدّعوى إبراءً غير داخل تحت الصّلح ، فإنّه لا يبطل الإبراء ببطلان الصّلح ، على ما حقّقه ابن عابدين . أثر الإبراء : 56 - يترتّب على الإبراء المستوفى أركانه وما يتّصل بها من شروط أن تبرأ ذمّة المدين المبرإ عمّا أبرئ منه بحسب الصّيغة عموماً أو خصوصاً . وبذلك يسقط عنه ولا يبقى للدّائن حقّ المطالبة ، فلا تسمع دعواه فيما تناوله الإبراء ، وذلك إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده ، فلا تقبل دعواه بحقّ مستنداً إلى نسيان أو جهل . ولا يقتصر تصوير الأثر المترتّب على الإبراء بسقوط الدّين أو الحقّ وعدم المطالبة ، بل قد يرافق ذلك أثر خاصّ مناسب لموضوع الإبراء . يتّضح من الأمثلة التّالية لمذهب أو آخر : ففي الرّهن مثلاً ينفكّ بالإبراء ، ويستردّه الرّاهن كما لو أدّى ما عليه ، أمّا إبراء المرتهن للجاني فلا أثر له ، لعدم صحّة الإبراء ، ومع هذا لا يسقط به حقّه من الوثيقة في الأصحّ عند الشّافعيّ . هذا وإنّ للإبراء من الأثر ما لقبض الحقّ المبرإ منه ، فمثلاً لو أحيل البائع بالثّمن على مدين للمشتري ثمّ أبرأ البائع المحال عليه من الدّين قبل الفسخ فإنّ ذلك كقبضه له في الأحكام من حيث إعادة المقبوض بسبب الفسخ ، فهنا للمشتري مطالبة البائع بمثل المحال به الّذي أبرئ منه . 57 - وقد استثنى الحنفيّة من الأثر التّبعيّ للإبراء ، وهو عدم سماع الدّعوى بعده ، المسائل التّالية : 1 - ادّعاء ضمان الدّرك في البيع السّابق للإبراء ، لأنّه وإن كان البيع متقدّماً على الإبراء ومشمولاً بأثره ، فإنّ ضمان الدّرك متأخّر عنه ، وهذا من قبيل الاستحسان . 2 - ظهور شيء من الحقوق للقاصر ، لم يكن يعلم به ، وذلك بعد أن بلغ فأبرأ وصيّه إبراءً عامّاً بأن أقرّ أنّه قبض تركة والده ولم يبق له حقّ منها إلاّ استوفاه ، فإن ادّعى في يد الوصيّ شيئاً من تركة أبيه وبرهن يقبل . 3 - ادّعاء الوصيّ على رجل ديناً للميّت بعد إقراره باستيفاء جميع ماله على النّاس . 4 - ادّعاء الوارث على رجل ديناً للمورّث بعد إقراره على النّحو السّابق . ووجه استثناء هذه الصّور أنّ موضوع الإبراء فيها قد اكتنفه خفاء يعذر به المبرئ في دعواه مع صدور الإبراء العامّ عنه ، كما أنّ الصّورتين الأخيرتين هما من إبراء الاستيفاء أي الإقرار بالبراءة . 58 - هذا ، وأنّ سقوط المبرإ منه - كأثر للإبراء - إنّما هو بالنّسبة للقضاء ، أي في الدّنيا ، أمّا الأثر الأخرويّ ، أي في الدّيانة ، فقد اختلف رأي الحنفيّة في سقوطه ، فقيل : تسقط به الدّعوى قضاءً لا ديانةً ، وقيل تسقط ديانةً أيضاً ، فقد صرّح ابن عابدين أنّه في الصّلح على بعض الدّين إنّما يبرأ عن باقيه في الحكم لا في الدّيانة ، فلو ظفر به أخذه . وأنّه في الإبراء العامّ مع جهل المبرإ منه يبرأ من الكلّ قضاءً ، أمّا في الآخرة فلا يبرأ إلاّ بقدر ما يظنّ أنّ له عليه . وللمالكيّة قولان في الأثر الأخرويّ للإبراء مع الإنكار . أوّلهما : وهو ما صرّح به ابن تيميّة أيضاً في استحلال الغاصب : أنّه يبرّأ ، فلا يؤاخذ بحقّ جحده وأبرأه صاحبه منه . ويتّصل بهذا الاتّجاه ما ذهب إليه الشّافعيّة في الإبراء من المجهول ( الّذي لم يصحّحوه ) من أنّه يبرّأ به في الآخرة ، لأنّ المبرّئ راض بذلك . والقول الآخر للمالكيّة : لا تسقط عنه مطالبة اللّه في الآخرة بحقّ خصمه . سماع الدّعوى بعد الإبراء العامّ : 59 - سبقت الإشارة إلى أنّ الأثر التّبعيّ للإبراء هو منع ذلك ، ولكن ذكر الحنفيّة التّفصيل التّالي الّذي لم نعثر لغيرهم على مثله : إن كان الإبراء العامّ عن الدّين فلا تسمع الدّعوى بعده إلاّ عن دين حادث بعد الإبراء . أمّا إن كان عن عين فلا تسمع الدّعوى بعده إذا كان المدّعى عليه منكراً كون العين للمدّعي لأنّه لم يتمسّك بالإبراء بل بالإنكار ، فيكون الإبراء من المدّعي موافقةً على ذلك الإنكار ، فإن كان المدّعى عليه مقرّاً بأنّ العين للمدّعي ، وقد تمسّك بالإبراء الصّادر عنه ، فإنّ العين إذا كانت قائمةً تسمع الدّعوى بها بعد الإبراء عنها . ( أمّا إن كانت هالكةً فهو إبراء عن ضمانها ، وذلك كالدّين ، فلا تسمع الدّعوى به بعد الإبراء . ) . أثر الإقرار بعد الإبراء 60 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة - على الظّاهر من كلام الحطّاب - إلى أنّه إذا أبرأ المدّعي المدّعى عليه المنكر من الدّين إبراءً عامّاً ، ثمّ أقرّ المبرّأ بالدّين للمدّعي لم يعتبر الإقرار ، لأنّ الدّين قد سقط بالإبراء ، والسّاقط لا يعود . وهناك اتّجاه ثان لبعض المالكيّة ، وهو الّذي أفتى به النّاصر اللّقانيّ وأخوه الشّمس اللّقانيّ أنّه يعمل به لأنّه بمنزلة إقرار جديد . واستثنى ابن نجيم من ذلك ما لو أقرّ لزوجته بمهرها بعد هبتها إيّاه له ، على ما هو المختار عند الفقيه أبي اللّيث ، فيجعل زيادةً إن قبلت ، والأشبه خلافه لعدم قصد الزّيادة . ويختلف أثر الإقرار أيضاً عند الحنفيّة في مسألة الإبراء من الدّين عن مسألة الإبراء من العين فيها لو أقرّ المبرّأ للمبرّئ بالعين بعد الإبراء سلّمها إليه ولا يمنع الإبراء من سماع الدّعوى للمبرّئ تصحيحاً للإقرار ، لتجدّد الملك في العين . إبراد التّعريف 1 - من معاني الإبراد في اللّغة : الدّخول في البرد ، والدّخول في آخر النّهار . وعند الفقهاء هو : تأخير الظّهر إلى وقت البرد . وقد يطلق الإبراد ويراد منه إمهال الذّبيحة حتّى تبرد قبل سلخها . ويبدأ الإبراد بالظّهر بانكسار حدة الحرّ ، وبحصول فيء ( ظلّ ) يمشي فيه المصلّي . وفي مقداره خلاف بين الفقهاء يذكر في أوقات الصّلاة . الحكم الإجماليّ : 2 - الإبراد رخصة ، وهو مستحبّ في صلاة الظّهر في شدّة الحرّ صيفاً في البلاد الحارّة لمريد الجماعة في المسجد باتّفاق ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أبردوا بالصّلاة ، فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم » . فإذا تخلّف أحد القيود السّابقة ففي استحباب الإبراد خلاف وتفصيل . ( مواطن البحث ) 3 - الإبراد بالظّهر ، وبأذانه ، وبالجمعة ، يذكر في الصّلاة ( أوقاتها ) . وإبراد الذّبيحة قبل السّلخ يذكر في الذّبائح . أبرص انظر : برص . إبريسم انظر : لباس . إبضاع التّعريف 1 - الإبضاع مصدر أبضع ، ومنه البضاعة . والبضاعة من معانيها القطعة من المال ، أو هي طائفة من المال تبعث للتّجارة . وأبضعه البضاعة أعطاه إيّاها . ويعرّف الفقهاء الإبضاع بأنّه بعث المال مع من يتّجر به تبرّعاً ، والرّبح كلّه لربّ المال . هذا والأصل أن يكون الإبضاع تبرّعاً من العامل . واعتبره المالكيّة إبضاعاً ولو كان بأجر . ويطلق الفقهاء لفظ البضاعة على المال المبعوث للاتّجار به ، والإبضاع على العقد ذاته ، وقد يطلقون البضاعة ويريدون بها العقد . ( الألفاظ ذات الصّلة ) : 2 - القراض : ويسمّى عند أهل العراق المضاربة ، وهو دفع الرّجل ماله إلى آخر ليتّجر فيه ، على أن يكون للعامل جزء شائع من الرّبح . فالقراض شركة في الرّبح بين ربّ المال والعامل ، بينما الإبضاع لا يحمل صورة المشاركة ، بل صورة التّبرّع من العامل في التّجارة لربّ المال دون مقابل . القرض : وهو لغةً القطع . وعرّفه الفقهاء بأنّه دفع المال إرفاقاً لمن ينتفع به ويردّ بدله . وهو نوع من السّلف ، فيصحّ بلفظ قرض وسلف . الوكالة : وهي في اللّغة التّفويض . وعرّفها الفقهاء بأنّها إقامة الإنسان غيره مقام نفسه فيما يقبل الإنابة . والوكالة عامّة في كلّ ما تصحّ النّيابة فيه ، لكنّ الإبضاع قاصر على ما يدفعه ربّ المال للعامل ليتّجر فيه ، فهو وكيل في هذا فقط . صفة الإبضاع ( حكمه التّكليفيّ ) : 3 - الإبضاع عقد جائز لأنّه يتمّ على وجه لا غرر فيه . وإذا كانت المضاربة ، مع ما فيها من شبهة غرر ، جائزةً ، فمن باب أولى أن يقع الإبضاع جائزاً ، سواء أكان عقده مستقلّاً أم تابعاً لعقد المضاربة ، كأن دفع العامل المال بضاعةً لعامل آخر ، فهو عقد صحيح ، لأنّ الإبضاع سبيل لإنماء المال بلا أجر ، وهذا ممّا يرتضيه ربّ المال . حكمة تشريعه : 4 - الإبضاع من عادة التّجّار ، والحاجة قد تدعو إليه ، لأنّ ربّ المال قد لا يحسن البيع والشّراء ، أو لا يمكنه الخروج إلى السّوق ، وقد يكون له مال ولا يحسن التّجارة فيه ، وقد يحسن ولا يتفرّغ وقد لا تليق به التّجارة ، لكونه امرأةً ، أو ممّن يتغيّر بها ، فيوكّل غيره . وما الإبضاع إلاّ توكيل بلا جعل ، فهو حينئذ سبيل للمعروف وتآلف القلوب وتوثيق الرّوابط ، خصوصاً بين التّجّار . وكما أنّ عقد الإبضاع سبيل لإنماء مال ربّ المال ، فقد يكون سبيلاً لإنماء مال العامل المتبرّع ، وذلك إذا دخل العامل مع ربّ المال بالنّصف مثلاً ، كأن يقدّم ربّ المال ألفاً والعامل ألفاً ، ويكون الرّبح مناصفةً بينهما ، فالمشاركة هنا تزيد في رأس المال ، وبالتّالي تزيد الأرباح ، وفي ذلك ما فيه من مصلحة العامل . فيكون العامل هنا استخدم مال ربّ المال ، وهو النّصف ، وردّ له أرباحه متبرّعاً بعمله ، واستفاد هو من مشاركة مال ربّ المال في زيادة رأس ماله ، ومن ثمّ يزيد ربحه . صيغة الإبضاع : 5 - أجمع الفقهاء على اعتبار الصّيغة ، وهي الإيجاب والقبول ، ركناً في كلّ عقد . وتفصيل الكلام في ذلك يرجع إليه عند الكلام على العقد . وأمّا ما يتّصل بالإبضاع فإنّ الصّيغة اللّفظيّة قد تكون صريحةً بلفظ الإبضاع ، أو البضاعة ، وقد تكون غير صريحة ، كأن يقول : خذ هذا المال مضاربةً ، على أن يكون الرّبح كلّه لي . وهذه الصّورة محلّ خلاف بين الفقهاء . فذهب الحنابلة إلى أنّ هذا العقد لا يصحّ ، واعتبروا ذلك من باب التّناقض ، لأنّ قوله " مضاربةً " يقتضي الشّركة في الرّبح ، وقوله " الرّبح كلّه لي " يقتضي عدمها ، فتناقض قوله ، ففسدت المضاربة ، ولأنّه اشترط اختصاص أحدهما بالرّبح ، وهذا شرط يناقض العقد ففسد ، ولأنّ اللّفظ الصّريح في بابه لا يكون كنايةً في غيره ، فالمضاربة لا تنقلب إبضاعاً ولا قرضاً . وعلى هذا اعتبروا هذا العقد مضاربةً فاسدةً . وذهب الحنفيّة إلى أنّ هذا إبضاع صحيح ، لوجود معنى الإبضاع هنا ، فانصرف إليه ، كما لو قال : اتّجر به والرّبح كلّه لي ، وذلك لأنّ العبرة في العقود لمعانيها . والمالكيّة أجازوا اشتراط ربح القراض كلّه لربّ المال أو للعامل في مشهور مذهب مالك ، أو لغيرهما في المدوّنة ، لأنّه من باب التّبرّع ، لكنّهم لا يقولون كما قال الحنفيّة : إنّ العقد بهذه الصّورة إبضاع ، بل يقولون : إنّ إطلاق القراض عليه مجاز . ومن هنا يتبيّن أنّ المالكيّة رأيهم كرأي الحنفيّة وإن كانوا يخالفون في التّسمية . وعلى هذا فإنّ من اعتبر مثل هذا العقد صحيحاً فلا يرى أنّ العامل يستحقّ شيئاً بل هو متبرّع بالعمل . وأمّا من اعتبره فاسداً فيوجب له أجر المثل . وبعض الشّافعيّة اعتبر حال العامل ، فإن كان يجهل حكم الإبضاع وأنّه لا يوجب له أجراً ولا جزءاً من الرّبح فإنّهم يرون أنّ له أجر المثل . وينسب هذا الرّأي إلى ابن عبّاس . وجهل مثل هذا الحكم ممّا يعذر به بعض النّاس . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية