الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40469" data-attributes="member: 329"><p>18 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة غير قابلة للتّعليق - كالبيع - وصرّح قاضي زاده من الحنفيّة بذلك ، وقال : « الإجارة لا تقبل التّعليق » . وقد تردّ الإجارة في صورة التّعليق ، ولكنّها في الحقيقة إضافة ، كما لو قال لخيّاط : إن خطت هذا الثّوب اليوم فبدرهم ، أو غداً فبنصف درهم . ويمكن أن يقال : إنّ هذه الصّورة من قبيل تعليق الحطّ من أجر - وهو جائز - لا تعليق الإجارة .</p><p>19 - يشترط في الصّيغة لانعقاد العقد أن تكون واضحة الدّلالة في لغة المتعاقدين وعرفهما ، قاطعةً في الرّغبة ، دون تسويف أو تعليق ، إلاّ ما يجوز من ترديد الإجارة بين شيئين ، كأن يقول : آجرتك هذه الدّار بكذا شهريّاً ، أو هذه الدّار بكذا ، فقبل في إحداهما - على ما سيأتي عند الكلام عن محلّ العقد .</p><p>20 - ويشترط أن يكون القبول موافقاً للإيجاب في جميع جزئيّاته ، بأن يقبل المستأجر ما أوجبه المؤجّر ، وبالأجرة الّتي أوجبها ، حتّى يتوافق الرّضا بالعقد بين طرفيه . كما يشترط اتّصال القبول بالإيجاب في مجلس العقد إن كانا حاضرين ، أو في مجلس العلم إن كان التّعاقد بين غائبين ، دون أن يفصل بين القبول والإيجاب فاصل مطلقاً عند الشّافعيّ ، لاشتراطه الفوريّة ، ولا فاصل بعيد عن موضوع التّعاقد ، أو مغيّر للمجلس ، عند الجمهور الّذين يعتبرون المجلس وحدةً جامعةً للمتفرّقات ، دالّةً على قيام الرّغبة . وبيان ذلك في مصطلح ( عقد ) 21 - ويشترط في الصّيغة لصحّة العقد عدم تقييدها بشرط ينافي مقتضى العقد ، أو يحقّق مصلحةً لأحد المتعاقدين أو لغيرهما لا يقتضيها العقد ، كأن يشترط المؤجّر لنفسه منفعة العين فترةً ، على خلاف وتفصيل للفقهاء في ذلك ، موطنه الكلام عن الشّرط وعن العقد عامّةً .</p><p>22 - كما يشترط لنفاذ الإجارة - فضلاً عن شروط الانعقاد والصّحّة - صدور الصّيغة ممّن له ولاية التّعاقد . كما يشترط خلوّ الصّيغة من شرط الخيار ، إذ خيار الشّرط يمنع حكم العقد ابتداءً ، ولا معنًى لعدم النّفاذ إلاّ هذا . ويشترط للزوم الإجارة ، فضلاً عن جميع الشّروط السّابقة ، خلوّها من أيّ خيار . ويقول الكاسانيّ : لا تنفذ الإجارة في مدّة الخيار . لأنّ الخيار يمنع انعقاد العقد في حقّ الحكم ما دام الخيار قائماً ، لحاجة من له الخيار إلى دفع الغبن عن نفسه . واشتراطه جائز في الإجارة عند كلّ من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وقول للشّافعيّة في الإجارة على معيّن . أمّا الإجارة في الذّمّة فقد منع الشّافعيّة خيار الشّرط فيها ، كما منعوه في قول عندهم في الإجارة على معيّن .</p><p>المبحث الثّاني</p><p>العاقدان وما يشترط فيهما العاقدان :</p><p>23 - من أركان عقد الإجارة عند غير الحنفيّة العاقدان - المؤجّر والمستأجر - والحنفيّة يعتبرونها من أطراف العقد لا من أركانه . ويشترط فيهما للانعقاد العقل ، فلا تنعقد الإجارة من المجنون ولا من الصّبيّ الّذي لا يميّز ، فلا خلاف في أنّها لا تنعقد إلاّ من جائز التّصرّف في المال . ويشترط في العاقدين للصّحّة أن يقع بينهما عن تراض ، فإذا وقع العقد مشوباً بإكراه فإنّه يفسد . كما يشترط الشّافعيّة والحنابلة ومن معهم للصّحّة ولاية إنشاء العقد ، فعقد الفضوليّ يعتبر عندهم فاسداً . ويشترط في العاقدين للنّفاذ عند أبي حنيفة ألاّ يكون العاقد مرتدّاً إن كان رجلاً ، لأنّه يرى أنّ تصرّفاته تكون موقوفةً ، بينما الصّاحبان وجمهور الفقهاء لا يشترطون ذلك لأنّ تصرّفات المرتدّ عندهم نافذة . كما يشترط أن يكون العاقد له ولاية إنشاء العقد عند الحنفيّة والمالكيّة الّذين يرون أنّ الولاية شرط للنّفاذ ، بينما يرى الآخرون أنّها شرط للصّحّة كما سبق .</p><p>إجارة الصّبيّ :</p><p>24 - إجارة الصّبيّ المميّز نفسه بأجر لا غبن فيه تصحّ إن كان مأذوناً له من وليّه ، خلافاً للشّافعيّة ، إذ منعوها مطلقاً ، فإن وقعت استحقّ أجراً . واختلفوا هل هو المسمّى أو أجر المثل . وإن كان محجوراً عليه كان العقد موقوفاً على الإجازة عند الحنفيّة ، وفي الرّاجح عند المالكيّة وروايةً عن أحمد ، لأنّ الولاية شرط للنّفاذ لا للصّحّة ، وكان العقد غير صحيح عند الشّافعيّة وفي قول عند المالكيّة ورواية عن أحمد ، لأنّ الولاية عندهم شرط لصحّة العقد وانعقاده لا لنفاذه .</p><p>25 - وإجارة من له الولاية على الصّبيّ نفس الصّبيّ أو ماله نافذة ، لوجود الإنابة من الشّرع . وإذا بلغ الصّبيّ قبل انتهاء المدّة الّتي تمّ عليها عقد الإجارة ففي لزوم العقد اتّجاهان ، فقيل بلزوم العقد لأنّه عقد لازم عقد بحقّ الولاية ، فلم يبطل بالبلوغ ، كما لو باع داره أو زوّجه . وهو قول للشّافعيّة اعتبره الشّيرازيّ الصّحيح في المذهب ، وقول للحنابلة اعتبره ابن قدامة المذهب ، وهو مذهب الحنفيّة في إجارة أمواله . والاتّجاه الثّاني أنّه يصير غير لازم ، ويخيّر في الإجارة ، لأنّه بالبلوغ انتهت الولاية ، وهو مذهب المالكيّة ، وقول عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، ومذهب الحنفيّة في إجارة نفس الصّغير ، لأنّ في استيفاء العقد إضراراً به لأنّه بعد البلوغ تلحقه الأنفة من خدمة النّاس ، ولأنّ المنافع تحدث شيئاً فشيئاً ، والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع ، فكان له خيار الفسخ ، كما إذا عقد ابتداءً بعد البلوغ . وهناك قول عند الحنابلة أنّه إذا أجّره مدّةً يتحقّق بلوغه في أثنائها فإنّ العقد لا يلزم بعد البلوغ ، لأنّنا لو قلنا بلزومه فإنّه يفضي إلى أن يعقد الوليّ على جميع منافعه طول عمره ، وإلى أن يتصرّف فيه في غير زمن ولايته عليه ، أمّا إذا أجّره لمدّة لا يتحقّق بلوغه فيها فبلغ فإنّ العقد يكون لازماً .</p><p>محلّ الإجارة : الكلام هنا يتناول منفعة العين المؤجّرة ، والأجرة . أوّلاً - منفعة العين المؤجّرة :</p><p>26 - المعقود عليه في الإجارة مطلقاً عند الحنفيّة هو المنفعة ، وهي تختلف باختلاف محلّها . وعند المالكيّة والشّافعيّة أنّ المعقود عليه إمّا إجارة منافع أعيان ، وإمّا إجارة منافع في الذّمّة . واشترطوا في إجارة الذّمّة تعجيل النّقد ، للخروج من الدّين بالدّين . وعند الحنابلة محلّ العقد أحد ثلاثة : الأوّل : إجارة عمل في الذّمّة في محلّ معيّن أو موصوف . وجعلوه نوعين : استئجار العامل مدّةً لعمل بعينه ، واستئجاره على عمل معيّن في الذّمّة كخياطة ثوب ورعي غنم . الثّاني : إجارة عين موصوفة في الذّمّة . الثّالث : إجارة عين معيّنة لمدّة محدّدة . .</p><p>ويشترط لانعقاد الإجارة على المنفعة شروط هي :</p><p>27 - أوّلاً : أن تقع الإجارة عليها لا على استهلاك العين . وهذا لا خلاف فيه ، غير أنّ ابن رشد روى أنّ هناك من جوّزها في كلّ منهما لأنّ ذلك كلّه منفعة مباحة . كما توسّع الشّافعيّة في المنفعة فأدخلوا الكثير من الصّور . ويتفرّع على هذا صور كثيرة تستهلك فيها العين تبعاً كإجارة الظّئر ، وإنزاء الفحل ، واستئجار الشّجر للثّمر . فالحنفيّة ينصّون على أنّ الإجارة لا تنعقد على إتلاف العين ذاتها ، والمالكيّة ينصّون على أنّه لا يجوز استيفاء عين قصداً ، كما نصّ الحنابلة على أنّ الإجارة لا تنعقد إلاّ على نفع يستوفى مع بقاء العين إلاّ إذا كانت المنافع يقتضي استيفاؤها إتلاف العين كالشّمعة للإضاءة .</p><p>28 - ثانياً : أن تكون المنفعة متقوّمةً مقصودة الاستيفاء بالعقد ، فلا تنعقد اتّفاقاً على ما هو مباح بدون ثمن لأنّ إنفاق المال في ذلك سفه . والمذاهب في تطبيق ذلك الشّرط بين مضيّق وموسّع . وأكثرهم في التّضييق الحنفيّة ، حتّى إنّهم لم يجيزوا استئجار الأشجار للاستظلال بها ، ولا المصاحف للنّظر فيها . ويقرب منهم المالكيّة ، لكنّهم أجازوا إجارة المصاحف وإن كرهوا ذلك . بينما توسّع الحنابلة ، حتّى أجازوا الإجارة على كلّ منفعة مباحة . ويقرب منهم الشّافعيّة ، إلاّ أنّهم لم يجيزوا بعض ما أجازه الحنابلة ، كإجارة الدّنانير للتّجميل ، والأشجار لتجفيف الثّياب ، في القول الصّحيح عندهم .</p><p>29 - ثالثاً ويشترط أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء . وليست طاعةً مطلوبةً ، ولا معصيةً ممنوعةً . وهذا الشّرط موضع تفصيل وخلاف بين المذاهب مذكور فيما بعد ( ف 108 ) 30 - رابعاً : ويشترط في المنفعة لصحّة الإجارة : القدرة على استيفائها حقيقةً وشرعاً . فلا تصحّ إجارة الدّابّة الفارّة ، ولا إجارة المغصوب من غير الغاصب ، لكونه معجوزاً عن تسليمه ، ولا الأقطع والأشلّ للخياطة بنفسه ، فهي منافع لا تحدث إلاّ عند سلامة الأسباب . وعلى هذا فلا تجوز إجارة ما لا يقدر عليه المستأجر ، ويحتاج فيه إلى غيره . وانبنى على هذا القول بعدم جواز استئجار الفحل للإنزاء ، والكلب والباز للصّيد ، والقول بعدم جواز إجارة الظّئر دون إذن زوجها ، لأنّه مانع شرعيّ يحول دون إجارتها . وتفصيل ذلك فيما بعد ( ف 116 ) 31 - خامساً : ويشترط فيها أيضاً لصحّة الإجارة : أن تكون معلومةً علماً ينفي الجهالة المفضية للنّزاع . وهذا الشّرط يجب تحقّقه في الأجرة أيضاً ، لأنّ الجهالة في كلّ منهما تفضي إلى النّزاع . وهذا موضع اتّفاق .</p><p>معلوميّة المنفعة :</p><p>32 - تتعيّن المنفعة ببيان المحلّ . وقد تتعيّن بنفسها كما إذا استأجر رجلاً لخياطة ثوبه وبيّن له جنس الخياطة . وقد تعلم بالتّعيين والإشارة ، كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطّعام إلى موضع معلوم .</p><p>33 - وقد أدّى اشتراط بيان محلّ المنفعة إلى تقسيم الإجارة إلى إجارة أعيان تستوفى المنفعة من عين معيّنة بذاتها بحيث إذا هلكت انفسخت الإجارة كاستئجار الدّور للسّكنى ، وإلى إجارة موصوفة في الذّمّة تستوفى المنفعة ممّا يحدّد بالوصف ، فإذا هلكت بعد التّعيين قدّم المؤجّر غيرها . وعند الحنابلة وفي رأي عند الشّافعيّة اشتراط رؤية العين المؤجّرة قبل الإجارة ، وإلاّ فللمستأجر خيار الرّؤية . غير أنّ الحنابلة يقصرون اشتراطه على بعض الإجارات ، كرؤية الصّبيّ في إجارة الظّئر ، وفي إجارة الأرض للزّراعة ، بينما الشّافعيّة يعمّمون ذلك .</p><p>34 - ويعتبر جمهور الفقهاء العرف في تعيين ما تقع عليه الإجارة من منفعة ، فكيفيّة الاستعمال تصرف إلى العرف والعادة . والتّفاوت في هذا يسير لا يفضي إلى المنازعة . وللشّافعيّة في استحقاق الأجر بعد استيفاء المنفعة أربعة أوجه : الأوّل : أنّه تلزمه الأجرة وهو قول المزنيّ ، لأنّه استهلك عمله فلزمه أجرته . والثّاني : أنّه إن قال له : خطه ، لزمه . وإن بدأ الرّجل ، فقال : أعطني لأخيطه ، لم تلزمه . وهو قول أبي إسحاق ، لأنّه إذا أمره فقد ألزمه بالأمر . والعمل لا يلزم من غير أجرة لزمته ، وإذا لم يأمره لم يوجد ما يوجب الأجرة ، فلم تلزم . والثّالث : أنّه إذا كان الصّانع معروفاً بأخذ الأجرة على الخياطة لزمه ، وإذا لم يكن معروفاً بذلك لم يلزمه ، وهو قول أبي العبّاس ، لأنّه إذا كان معروفاً بأخذ الأجرة صار العرف في حقّه كالشّرط . والرّابع : وهو المذهب ، أنّه لا يلزمه بحال ، لأنّه بذل ماله من غير عوض فلم يجب له العوض ، كما لو بذل طعامه لمن أكله . ومن هنا يتبيّن أنّ أبا العبّاس من الشّافعيّة مع الجمهور في تحكيم العرف .</p><p>35 - وتتعيّن المنفعة أيضاً ببيان المدّة ، إذا كانت المنفعة معروفةً بذاتها ، كاستئجار الدّور للسّكنى . فإنّ المدّة إذا كانت معلومةً كان قدر المنفعة معلوماً ، والتّفاوت بكثرة السّكّان يسير ، كما يرى الحنفيّة . ويرى الصّاحبان أنّ كلّ ما كان أجرةً يجب بالتّسليم ، ولا يعلم وقت التّسليم ، فهو باطل ، ويرى الإمام جوازه . وهذا الشّرط غير مطّرد ، فلا بدّ منه في بعض الإجارات ، كالعبد للخدمة ، والقدر للطّبخ ، والثّوب للّبس . وفي البعض لا يشترط . والحنابلة وضعوا ضابطاً واضحاً ، فهم يشترطون أن تكون المدّة معلومةً في إجارة العين لمدّة ، كالدّار والأرض والآدميّ للخدمة أو للرّعي أو للنّسج أو للخياطة ، لأنّ المدّة هي الضّابط للمعقود عليه ، ويعرف بها . وقيل فيها : إنّه يشترط أن يغلب على الظّنّ بقاء العين فيها وإن طالت المدّة . وأمّا إجارة العين لعمل معلوم ، كإجارة دابّة موصوفة في الذّمّة للرّكوب عليها إلى موضع معيّن ، فإنّه لا اعتبار للمدّة فيها . ويوافقهم الشّافعيّة في ذلك عموماً . ويقرب من هذا المالكيّة ، إذ قالوا : يتحدّد أكثر المدّة في بعض الإجارات ، كإجارة الدّابّة لسنة ، والعامل لخمسة عشر عاماً ، والدّار حسب حالتها ، والأرض لثلاثين عاماً . أمّا الأعمال في الأعيان ، كالخياطة ونحوها ، فلا يجوز تعيين الزّمان فيها .</p><p>36 - كما تتعيّن المنفعة بتعيين العمل في الأجير المشترك ، وذلك في استئجار الصّنّاع في الإجارة المشتركة ، لأنّ جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة ، فلو استأجر صانعاً ، ولم يسمّ له العمل ، من الخياطة أو الرّعي أو نحو ذلك ، لم يجز العقد ، وإنّما لا بدّ من بيان جنس العمل ونوعه وقدره وصفته . أمّا في الأجير الخاصّ فإنّه يكفي في إجارته بيان المدّة . يقول الشّيرازيّ : إن كانت المنفعة معلومة القدر بنفسها ، كخياطة ثوب ، قدّرت بالعمل ، لأنّها معلومة في نفسها فلا تقدّر بغيرها . . . وإن استأجر رجلاً لبناء حائط لم يصحّ العقد حتّى يذكر الطّول والعرض وما يبنى به .</p><p>37 - وتتعيّن المنفعة ببيان العمل والمدّة معاً : كأن يقول شخص لآخر : استأجرتك لتخيط لي هذا الثّوب اليوم . فقد عيّن المنفعة بالعمل ، وهو خياطة الثّوب ، كما عيّنه بالمدّة ، وهو كلمة : اليوم . وللفقهاء في هذا الجمع بين التّعيين بالعمل والمدّة اتّجاهان : اتّجاه يرى أنّ هذا لا يجوز ، ويفسد به العقد إذ ، العقد على المدّة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل إذ يعتبر أجيراً خاصّاً ، وببيان العمل يصير أجيراً مشتركاً ، ويرتبط الأجر بالعمل . وهذا هو رأي أبي حنيفة والشّافعيّة ورواية عند الحنابلة . والاتّجاه الثّاني جواز الجمع ، لأنّ المقصود في العقد هو العمل ، وذكر المدّة إنّما جاء للتّعجيل . وهو قول صاحبي أبي حنيفة والمالكيّة ورواية عند الحنابلة . وسيأتي بيان هذا عند الكلام عن الأجير الخاصّ والأجير المشترك .</p><p>38 - ويشترط في المنفعة للزوم العقد ، ألاّ يطرأ عذر يمنع الانتقاع بها ، كما يرى الحنفيّة على ما ذكرنا عندهم ، لأنّ الإجارة وإن كان الأصل فيها أنّها عقد لازم اتّفاقاً ، ولا يجوز فسخها بالإرادة المنفردة ، إلاّ أنّهم قالوا : إنّها شرعت للانتفاع ، فاستمرارها مقيّد ببقاء المنفعة ، فإذا تعذّر الانتفاع كان العقد غير لازم . وقد نصّ المالكيّة أيضاً على أنّ الإجارة تفسخ بتعذّر ما يستوفى فيه المنفعة ، وإن لم تعيّن حال العقد ، كدار وحانوت وحمّام وسفينة ونحوها . وكذا في الدّابّة إن عيّنت . وقالوا : إنّ التّعذّر أعمّ من التّلف . ويتّجه الشّافعيّة في قول عندهم إلى اعتبار العذر مقتضياً الفسخ ، إذ قالوا بانفساخ العقد بتعذّر استيفاء المعقود عليه ، كمن استأجر رجلاً ليقلع له ضرساً ، فسكن الوجع على ما سيأتي عند الكلام عن انقضاء الإجارة بالفسخ .</p><p>إجارة المشاع :</p><p>39 - إذا كانت العين المتعاقد على منفعتها مشاعاً ، وأراد أحد الشّريكين إجارة منفعة حصّته ، فإجارتها للشّريك جائزة بالاتّفاق . أمّا إجارتها لغير الشّريك فإنّ الجمهور ( الصّاحبين من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة وفي قول لأحمد ) يجيزونها أيضاً ؛ لأنّ الإجارة أحد نوعي البيع ، فتجوز إجارة المشاع كما يجوز بيعه ، والمشاع مقدور الانتفاع بالمهايأة ، ولهذا جاز بيعه . جاء في المغني : واختار أبو حفص العكبريّ جواز إجارة المشاع لغير الشّريك . وقد أومأ إليه أحمد ، لأنّه عقد في ملكه ، يجوز مع شريكه ، فجاز مع غيره كالبيع ، ولأنّه يجوز إذا فعله الشّريكان معاً فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفرداً كالبيع . وعند أبي حنيفة وزفر وهو وجه في مذهب أحمد لا تجوز لأنّ استيفاء المنفعة في الجزء الشّائع لا يتصوّر إلاّ بتسليم الباقي ، وذلك غير متعاقد عليه ، فلا يتصوّر تسليمه شرعاً . والاستيفاء بالمهايأة لا يمكن على الوجه الّذي يقتضيه العقد ، إذ التّهايؤ بالزّمن انتفاع بالكلّ بعض المدّة ، والتّهايؤ بالمكان انتفاع يكون بطريق البدل عمّا في يد صاحبه ، وهذا ليس مقتضى العقد . .</p><p>المطلب الثّاني</p><p>الأجرة 40 - الأجرة هي ما يلتزم به المستأجر عوضاً عن المنفعة الّتي يتملّكها . وكلّ ما يصلح أن يكون ثمناً في البيع يصلح أن يكون أجرةً في الإجارة ، وقال الجمهور : إنّه يشترط في الأجرة ما يشترط في الثّمن . ويجب العلم بالأجر لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من استأجر أجيراً فليعلمه أجره » ، وإن كان الأجر ممّا يثبت ديناً في الذّمّة كالدّراهم والدّنانير والمكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة فلا بدّ من بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره . ولو كان في الأجر جهالةً مفضيةً للنّزاع فسد العقد ، فإن استوفيت المنفعة وجب أجر المثل ، وهو ما يقدّره أهل الخبرة . 41 - وجوّز الجمهور أن تكون الأجرة منفعةً من جنس المعقود عليه . يقول الشّيرازيّ : ويجوز إجارة المنافع من جنسها ومن غير جنسها ، لأنّ المنافع في الإجارة كالأعيان في البيع . ثمّ الأعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع . ويقول ابن رشد : أجاز مالك إجارة دار بسكنى دار أخرى . ويقول البهوتيّ ما خلاصته : يجوز إجارة دار بسكنى دار أخرى أو بتزويج امرأة ، لقصّة شعيب عليه السلام ، لأنّه جعل النّكاح عوض الأجرة . ومنع ذلك الحنفيّة ، إلاّ أن تكون الأجرة منفعةً من جنس آخر ، كإجارة السّكنى بالخدمة . 42 - ومن الفقهاء من لا يجيز أن تكون الأجرة بعض المعمول ، أو بعض النّاتج من العمل المتعاقد عليه ، لما فيه من غرر ، لأنّه إذا هلك ما يجري فيه العمل ضاع على الأجير أجره ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطّحّان » ، ولأنّ المستأجر يكون عاجزاً عن تسليم الأجرة ، ولا يعدّ قادراً بقدرة غيره . وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة . ومثاله : سلخ الشّاة بجلدها ، وطحن الحنطة ببعض المطحون منها ، لجهالة مقدار الأجر ، لأنّه لا يستحقّ جلدها إلاّ بعد السّلخ ، ولا يدري هل يخرج سليماً أو مقطّعاً . وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك إذا كانت الأجرة جزءاً شائعاً ممّا عمل فيه الأجير ، تشبيهاً بالمضاربة والمساقاة ، فيجوز دفع الدّابّة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها ، والزّرع أو النّخل إلى من يعمل فيه بسدس ما يخرج منه ، لأنّه إذا شاهده علمه بالرّؤية وهي أعلى طرق العلم . والمالكيّة في بعض الصّور الّتي يمكن فيها علم الأجر بالتّقدير يتّجهون وجهة الحنابلة ، فيقولون : إن قال : احتطبه ولك النّصف ، أو : احصده ولك النّصف ، فيجوز إن علم ما يحتطبه بعادة . ومثل ذلك في جذّ النّخل ولقط الزّيتون وجزّ الصّوف ونحوه . وعلّة الجواز العلم . ولو قال : احتطب ، أو : احصد ، ولك نصف ما احتطبت أو حصدت ، فذلك جائز على أنّه من قبيل الجعالة . وهي يتسامح فيها ما لا يتسامح في الإجارة . وقد أورد الزّيلعيّ الحنفيّ صورةً من هذا القبيل ، وهي أن يدفع إلى الحائك غزلاً ينسجه بالنّصف . وقال : إنّ مشايخ بلخ جوّزوه لحاجة النّاس ، لكن قال في الفتاوى الهنديّة : الصّحيح خلافه .</p><p>أثر الإخلال بشرط من الشّروط الشّرعيّة :</p><p>43 - إذا اختلّ شرط من شروط الانعقاد بطلت الإجارة ، وإن وجدت صورتها ، لأنّ ما لا ينعقد فوجوده في حقّ الحكم وعدمه بمنزلة واحدة . ولا يوجب فيه الحنفيّة الأجر المسمّى ، ولا أجر المثل الّذي يقضون به إذا ما اختلّ شرط من شروط الصّحّة الّتي لا ترجع لأصل العقد والّتي يعتبرون العقد مع الإخلال بشيء منها فاسداً ، لأنّهم يفرّقون بين البطلان والفساد ، إذ يرون أنّ العقد الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه . أمّا الفاسد فهو عندهم ما شرع بأصله دون وصفه . ولذا كان للعقد وجود معتبر من ناحيته ، فجهالة المأجور ، أو الأجرة ، أو مدّة العمل ، أو اشتراط ما لا يقتضيه عقد الإجارة من شروط ، كلّ ذلك يجب فيه أجر المثل عندهم باستيفاء المنفعة ، بشرط ألاّ يزيد أجر المثل عن المسمّى عند الإمام وصاحبيه . أمّا من غير استيفاء شيء من المنفعة فلا شيء له عند الحنفيّة وفي رواية عن أحمد . 44 - وجمهور الفقهاء لا يفرّقون بين العقد الباطل والعقد الفاسد في هذا ، ويرون العقد غير صحيح بفوات ما شرط الشّارع ، لكونه منهيّاً عنه . والنّهي يقتضي عدم وجود العقد شرعاً ، سواء أكان النّهي لخلل في أصل العقد ، أو لوصف ملازم له ، أو طارئ عليه . والنّهي في الجميع ينتج عدم ترتّب الأثر عليه ، ويكون انتفاع المستأجر غير مشروع ، ولا يلزمه الأجر المسمّى ، وإنّما يلزمه أجر المثل بالغاً ما بلغ إذا قبض المعقود عليه ، أو استوفى المنفعة ، أو مضى زمن يمكن فيه الاستيفاء ، لأنّ الإجارة كالبيع ، والمنفعة كالعين ، والبيع الفاسد كالصّحيح في استقرار البدل ، فكذلك في الإجارة ، هذا عند الشّافعيّ . ومثله مذهب مالك وأحمد فيما إذا كان قد استوفى المنفعة أو شيئاً منها . وأمّا إذا كان قد قبض المعقود عليه ، ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء ، فعن أحمد رواية بلزوم أجر المثل ، لأنّه عقد فاسد على منافع لم يستوفها ، فلم يلزمه عوضها . .</p><p>الفصل الثّالث أحكام الإجارة الأصليّة والتّبعيّة المطلب الأوّل أحكام الإجارة الأصليّة 45 - إذا كانت الإجارة صحيحةً ترتّب عليها حكمها الأصليّ ، وهو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر ، وفي الأجرة المسمّاة للمؤجّر . وهناك أحكام تبعيّة ، وهي التزام المؤجّر بتسليم العين للمستأجر ، وتمكينه من الانتفاع بها ، والتزام المستأجر بالمحافظة عليها . وإذا كانت الإجارة على عمل ، والأجير مشترك ، فإنّ الأجير يلتزم بالقيام بالعمل مع المحافظة على العين ، وتسليمها بعد الانتهاء من العمل . وإن كان الأجير خاصّاً كان الأصل المدّة ، وكان العمل تبعاً ، وإن كانت الإجارة على العمل فقط ، كالمعلّم والظّئر ، كان الالتزام منصبّاً على العمل أو على المدّة ، حسبما كانت إجارةً مشتركةً أو خاصّةً . وسيأتي بيان ذلك .</p><p>تملّك المنفعة ، وتملّك الأجرة ، ووقته :</p><p>46 - يتّجه الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الأجرة لا تستحقّ بنفس العقد ، وإنّما تستحقّ باشتراط التّعجيل أو استيفاء المعقود عليه . وزاد الحنفيّة : التّعجيل بالفعل . يقول الكاسانيّ ما حاصله : إنّ الأجرة لا تملك إلاّ بأحد معان ثلاثة : أحدها : شرط التّعجيل في نفس العقد لقوله صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عند شروطهم » . . . والثّاني : التّعجيل من غير شرط ، قياساً على البيع في جواز تعجيل الثّمن قبل تسليم المبيع ، لأنّ الإجارة بيع كما تقدّم . الثّالث : استيفاء المعقود عليه ، لأنّه لمّا ملك المعوّض فيملك المؤجّر العوض في مقابلته ، تحقيقاً للمعاوضة المطلقة ، وتسويةً بين العاقدين . 47 - والقاعدة عند المالكيّة التّأجيل ، خلافاً للبيع ، فالأصل فيه التّعجيل ، إلاّ في أربعة مسائل يجب فيها تعجيل الأجرة ، وهي : إن شرط ذلك ، أو جرت به العادة كما في كراء الدّور والدّوابّ للسّفر إلى الحجّ ، أو إذا عيّن الأجر ، كأن يكون ثوباً معيّناً ، فإنّه يجب التّعجيل ، فإن لم يشترط التّعجيل في هذه الحالة فسدت الإجارة . ويجب التّعجيل أيضاً إذا كان الأجر لم يعيّن والمنافع مضمونةً في ذمّة المؤجّر . فإن شرع فيها فلا بأس ، وإن لم يشرع لأكثر من ثلاثة أيّام فلا يجوز إلاّ إذا عجّل جميع الأجر ، وإلاّ أدّى إلى ابتداء الدّين بالدّين . وقيل : لا بدّ من تعجيل جميع الأجرة ولو شرع ، لأنّ قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر . على أنّه يستثنى من وجوب تعجيل جميع الأجرة ( فيما إذا لم يشرع في استعمال المأجور ) - على القول المعتمد - صورة يتعسّر فيها الشّروع وهي : ما إذا كان محلّ الإجابة دابّةً للسّفر ونحوها ، وكانت مسافة السّفر بعيدةً ، والسّفر في غير وقت سفر النّاس عادةً ، وكانت الأجرة كثيرةً ، فلا يشترط تعجيل جميعها بل يكتفى بتعجيل اليسير من الأجرة الكثيرة ، فإن كانت يسيرةً وجب تعجيل جميعها . وهذا في غير الصّانع والأجير ، فليس لهما أجرة إلاّ بعد التّمام عند الاختلاف ، وأمّا عند التّراضي فيجوز تعجيل الجميع وتأخيره . كما قالوا : تفسد الإجارة إن وقعت بأجر معيّن ، وانتفى عرف تعجيل المعيّن ، لأنّ فيه بيعاً معيّناً يتأخّر قبضه ، وليس لأنّه دين بدين . وتفسد في هذه الحالة ، ولو عجّل الأجر بالفعل بعد العقد ، إذ لا تصحّ إلاّ إذا شرط تعجيله وعجّل . وقالوا : إذا أراد الصّنّاع والأجراء تعجيل الأجرة قبل الفراغ ، وامتنع ربّ العمل ، حملوا على المتعارف بين النّاس ، فإن لم يكن لهم سنّة لم يقض لهم بشيء إلاّ بعد الفراغ . وأمّا في الأكرية في دار أو راحلة أو في الإجارة على بيع السّلع كالسّمسرة ، أو نحوها ، فبقدر ما مضى ، فإذا لم يكن الأجر معيّناً ، ولم يشرط تعجيله ، ولم تجر العادة بتعجيله ، ولم تكن المنافع مضمونةً ، فلا يجب تعجيل الأجر . وإذا لم يجب التّعجيل كان مياومةً ، أي كلّما استوفى منفعة يوم ، أو تمكّن من استيفائها ، لزمته أجرته ، أو بعد تمام العمل . 48 - ويتّجه الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العقد إذا أطلق وجبت الأجرة بنفس العقد . ويجب تسليمها بتسليم العين والتّمكين من الانتفاع وإن لم ينتفع فعلاً ، لأنّه عوض أطلق ذكره في عقد المعاوضة فيستحقّ بمطلق العقد كالثّمن والمهر . فإذا استوفى المنفعة استقرّت الأجرة . وإن كانت الإجارة على عمل فإنّ الأجر يملك بالعقد أيضاً ، ويثبت ديناً في ذمّة المستأجر بمجرّد العقد ، لكن لا يستحقّ تسليمه إلاّ عند تسليمه العمل أو إيفائه أو يمضي المدّة إن كان الأجير خاصّاً . وإنّما توقّف استحقاقه على تسليم العمل لأنّه عوض . وفارق الإجارة على الأعيان ، لأنّ تسليمها أجري مجرى تسليم نفعها . وإذا استوفى المستأجر المنافع ، أو مضت المدّة ، ولا حاجز له عن الانتفاع ، استقرّ الأجر ، لأنّه قبض المعقود عليه ، فاستقرّ البدل ، أو لأنّ المنافع تلفت باختياره . وإذا تمّت الإجارة ، وكانت على مدّة ، ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى تلك المدّة ، ويكون حدوثها على ملكه ، لأنّه صار مالكاً للتّصرّف فيها ، وهي مقدّرة الوجود .</p><p>إيجار المستأجر العين لآخر :</p><p>49 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والأصحّ عند الحنابلة ) على جواز إيجار المستأجر إلى غير المؤجّر الشّيء الّذي استأجره وقبضه في مدّة العقد ، ما دامت العين لا تتأثّر باختلاف المستعمل ، وقد أجازه كثير من فقهاء السّلف ، سواء أكان بمثل الأجرة أم بزيادة . وذهب القاضي من الحنابلة إلى منع ذلك مطلقاً لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « نهى عن ربح ما لم يضمن » والمنافع لم تدخل في ضمانه ، فلم يجز . والأوّل أصحّ لأنّ قبض العين قام مقام قبض المنافع .</p><p>إيجار المستأجر لغير المؤجّر بزيادة</p><p>49 م - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز ذلك مطلقاً ، أي سواء أكانت الأجرة الثّانية مساويةً أم زائدةً أم ناقصةً ، لأنّ الإجارة بيع كما تقدّم ، فله أن يبيعها بمثل الثّمن ، أو بزيادة أو بنقص كالبيع ، ووافقهم أحمد في أصحّ الأقوال عنده . وذهب الحنفيّة إلى جواز الإجارة الثّانية إن لم تكن الأجرة فيها من جنس الأجرة الأولى ، للمعنى السّابق ، أمّا إن اتّحد جنس الأجرتين فإنّ الزّيادة لا تطيب للمستأجر . وعليه أن يتصدّق ، وصحّت الإجارة الثّانية لأنّ الفضل فيه شبهة . أمّا إن أحدث زيادةً في العين المستأجرة فتطيب الزّيادة لأنّها في مقالة الزّيادة المستحدثة . وذهب الحنابلة في قول ثان لهم إلى أنّه إن أحدث المستأجر الأوّل زيادةً في العين جاز له الزّيادة في الأجر دون اشتراط اتّحاد جنس الأجر أو اختلافه ، وسواء أذن له المؤجّر أو لم يأذن . وللإمام أحمد قول ثالث أنّه إن أذن المؤجّر بالزّيادة جاز ، وإلاّ فلا . فجمهور الفقهاء يجيزونه بعد القبض على التّفصيل السّابق . 50 - أمّا قبل القبض فيجوز عند المالكيّة مطلقاً عقاراً كان أو منقولاً ، بمساو أو بزيادة أو بنقصان ، وهو غير المشهور عند الشّافعيّة وأحد الوجهين عند الحنابلة ، لأنّ المعقود عليه هو المنافع ، وهي لا تصير مقبوضةً بقبض العين فلا يؤثّر فيها القبض . وفي المشهور عند الشّافعيّة ووجه آخر عند الحنابلة : لا يجوز ، كما لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز ذلك في العقار دون المنقول . وذهب محمّد إلى عدم الجواز مطلقاً . وهذا الخلاف مبنيّ على اختلافهم في جواز بيع العقار قبل قبضه . وقيل إنّه لا خلاف بينهم في عدم جواز ذلك في الإجارة . 51 - وأمّا إجارة العين المستأجرة للمؤجّر فالمالكيّة والشّافعيّة يجيزونها مطلقاً ، عقاراً أو منقولاً ، قبل القبض أو بعده ، وهو أحد وجهين للحنابلة . والوجه الثّاني لهم أنّه لا يجوز قبل القبض ، بناءً على عدم جواز بيع ما لم يقبض . ومنع الحنفيّة إيجارها للمؤجّر مطلقاً ، عقاراً كان أو منقولاً قبل القبض أو بعده ، ولو بعد مستأجر آخر . وهل إذا أجّرها ثان للمؤجّر الأوّل تبطل الإجارة الأولى ؟ رأيان : الصّحيح لا تبطل والثّاني تبطل ، وذلك لأنّ إيجارها للمؤجّر تناقض ، لأنّ المستأجر مطالب بالأجرة للمؤجّر ، فيصبح دائناً ومديناً من جهة واحدة ، وهذا تناقض .</p><p>المطلب الثّاني</p><p>الأحكام التّبعيّة الّتي يلتزم بها المؤجّر والمستأجر التزامات المؤجّر أ - ( تسليم العين المؤجّرة ) :</p><p>52 - يلتزم المؤجّر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمعقود عليه ، وذلك بتسليمه العين حتّى انتهاء المدّة أو قطع المسافة . ويشمل التّسليم توابع العين المؤجّرة الّتي لا يتحقّق الانتفاع المطلوب إلاّ بها حسب العرف . ويترتّب على أنّ التّسليم تمكين من الانتفاع أنّ ما يعرض أثناء المدّة ممّا يمنع الانتفاع بغير فعل المستأجر يكون على المؤجّر إصلاحه ، كعمارة الدّار وإزالة كلّ ما يخلّ بالسّكن ، مع ملاحظة ما سبق من اشتراط القدرة على التّسليم واشتراط بيان المنفعة وتحديدها . 53 - وفي إجارة العمل يكون الأجير هو المؤجّر لخدماته ، وقيام الأجير بالعمل هو التزامه بالتّسليم . فإن كان العمل يجري في عين تسلّم للأجير - وهو أجير مشترك - كان عليه تسليم المأجور فيه بعد قيامه بالعمل . وإن كان العمل لا يجري في عين تسلّم للأجير فإنّ مجرّد قيامه بالعمل المطلوب يعتبر تسليماً ، كالطّبيب أو السّمسار ، وإن كان الأجير خاصّاً كان تسليم نفسه للعمل في محلّ المستأجر تسليماً معتبراً . وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد .</p><p>ب - ( ضمان غصب العين ) . 54 - جمهور الفقهاء على أنّه إذا غصبت العين في إجارة الأعيان المعيّنة يثبت للمستأجر الخيار بين أن يفسخ العقد ، أو ينتظر مدّةً يسيرةً ليس لمثلها أجر ، ريثما تنتزع من الغاصب . وفي إجارة ما في الذّمّة ليس للمستأجر الفسخ . وعلى المؤجّر الإبدال ، وليس للمستأجر مخاصمة الغاصب في العين . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن تعذّر بدلها على المؤجّر فللمستأجر الفسخ . وتنفسخ بمضيّ المدّة إن كانت على مدّة ، وإن كانت على عين معيّنة لعمل ، كذا إلى جهة ، كان له الفسخ . وإن كانت على عين معيّنة لمدّة ، خيّر بين الفسخ وبين إبقاء العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل . فإن فسخ فعليه أجرة ما مضى . وإن كان الغاصب هو المؤجّر فلا أجرة له . ويرى قاضي خان من الحنفيّة أنّه لا تنفسخ الإجارة بغصب العين ، ولو غصبت بعض المدّة فبحسابه . واتّجه صاحب الهداية إلى أنّها تنفسخ بالغصب . أمّا الأجرة فتسقط ، لأنّ تسليم المحلّ إنّما أقيم مقام تسليم المنفعة للتّمكّن من الانتفاع ، فإذا فات التّمكّن بالغصب فات التّسليم . ولذا فإنّ المنفعة لو لم تفت بالغصب ، كغصب الأرض المقرّرة للغرس مع الغرس ، لا تسقط الأجرة .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40469, member: 329"] 18 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة غير قابلة للتّعليق - كالبيع - وصرّح قاضي زاده من الحنفيّة بذلك ، وقال : « الإجارة لا تقبل التّعليق » . وقد تردّ الإجارة في صورة التّعليق ، ولكنّها في الحقيقة إضافة ، كما لو قال لخيّاط : إن خطت هذا الثّوب اليوم فبدرهم ، أو غداً فبنصف درهم . ويمكن أن يقال : إنّ هذه الصّورة من قبيل تعليق الحطّ من أجر - وهو جائز - لا تعليق الإجارة . 19 - يشترط في الصّيغة لانعقاد العقد أن تكون واضحة الدّلالة في لغة المتعاقدين وعرفهما ، قاطعةً في الرّغبة ، دون تسويف أو تعليق ، إلاّ ما يجوز من ترديد الإجارة بين شيئين ، كأن يقول : آجرتك هذه الدّار بكذا شهريّاً ، أو هذه الدّار بكذا ، فقبل في إحداهما - على ما سيأتي عند الكلام عن محلّ العقد . 20 - ويشترط أن يكون القبول موافقاً للإيجاب في جميع جزئيّاته ، بأن يقبل المستأجر ما أوجبه المؤجّر ، وبالأجرة الّتي أوجبها ، حتّى يتوافق الرّضا بالعقد بين طرفيه . كما يشترط اتّصال القبول بالإيجاب في مجلس العقد إن كانا حاضرين ، أو في مجلس العلم إن كان التّعاقد بين غائبين ، دون أن يفصل بين القبول والإيجاب فاصل مطلقاً عند الشّافعيّ ، لاشتراطه الفوريّة ، ولا فاصل بعيد عن موضوع التّعاقد ، أو مغيّر للمجلس ، عند الجمهور الّذين يعتبرون المجلس وحدةً جامعةً للمتفرّقات ، دالّةً على قيام الرّغبة . وبيان ذلك في مصطلح ( عقد ) 21 - ويشترط في الصّيغة لصحّة العقد عدم تقييدها بشرط ينافي مقتضى العقد ، أو يحقّق مصلحةً لأحد المتعاقدين أو لغيرهما لا يقتضيها العقد ، كأن يشترط المؤجّر لنفسه منفعة العين فترةً ، على خلاف وتفصيل للفقهاء في ذلك ، موطنه الكلام عن الشّرط وعن العقد عامّةً . 22 - كما يشترط لنفاذ الإجارة - فضلاً عن شروط الانعقاد والصّحّة - صدور الصّيغة ممّن له ولاية التّعاقد . كما يشترط خلوّ الصّيغة من شرط الخيار ، إذ خيار الشّرط يمنع حكم العقد ابتداءً ، ولا معنًى لعدم النّفاذ إلاّ هذا . ويشترط للزوم الإجارة ، فضلاً عن جميع الشّروط السّابقة ، خلوّها من أيّ خيار . ويقول الكاسانيّ : لا تنفذ الإجارة في مدّة الخيار . لأنّ الخيار يمنع انعقاد العقد في حقّ الحكم ما دام الخيار قائماً ، لحاجة من له الخيار إلى دفع الغبن عن نفسه . واشتراطه جائز في الإجارة عند كلّ من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وقول للشّافعيّة في الإجارة على معيّن . أمّا الإجارة في الذّمّة فقد منع الشّافعيّة خيار الشّرط فيها ، كما منعوه في قول عندهم في الإجارة على معيّن . المبحث الثّاني العاقدان وما يشترط فيهما العاقدان : 23 - من أركان عقد الإجارة عند غير الحنفيّة العاقدان - المؤجّر والمستأجر - والحنفيّة يعتبرونها من أطراف العقد لا من أركانه . ويشترط فيهما للانعقاد العقل ، فلا تنعقد الإجارة من المجنون ولا من الصّبيّ الّذي لا يميّز ، فلا خلاف في أنّها لا تنعقد إلاّ من جائز التّصرّف في المال . ويشترط في العاقدين للصّحّة أن يقع بينهما عن تراض ، فإذا وقع العقد مشوباً بإكراه فإنّه يفسد . كما يشترط الشّافعيّة والحنابلة ومن معهم للصّحّة ولاية إنشاء العقد ، فعقد الفضوليّ يعتبر عندهم فاسداً . ويشترط في العاقدين للنّفاذ عند أبي حنيفة ألاّ يكون العاقد مرتدّاً إن كان رجلاً ، لأنّه يرى أنّ تصرّفاته تكون موقوفةً ، بينما الصّاحبان وجمهور الفقهاء لا يشترطون ذلك لأنّ تصرّفات المرتدّ عندهم نافذة . كما يشترط أن يكون العاقد له ولاية إنشاء العقد عند الحنفيّة والمالكيّة الّذين يرون أنّ الولاية شرط للنّفاذ ، بينما يرى الآخرون أنّها شرط للصّحّة كما سبق . إجارة الصّبيّ : 24 - إجارة الصّبيّ المميّز نفسه بأجر لا غبن فيه تصحّ إن كان مأذوناً له من وليّه ، خلافاً للشّافعيّة ، إذ منعوها مطلقاً ، فإن وقعت استحقّ أجراً . واختلفوا هل هو المسمّى أو أجر المثل . وإن كان محجوراً عليه كان العقد موقوفاً على الإجازة عند الحنفيّة ، وفي الرّاجح عند المالكيّة وروايةً عن أحمد ، لأنّ الولاية شرط للنّفاذ لا للصّحّة ، وكان العقد غير صحيح عند الشّافعيّة وفي قول عند المالكيّة ورواية عن أحمد ، لأنّ الولاية عندهم شرط لصحّة العقد وانعقاده لا لنفاذه . 25 - وإجارة من له الولاية على الصّبيّ نفس الصّبيّ أو ماله نافذة ، لوجود الإنابة من الشّرع . وإذا بلغ الصّبيّ قبل انتهاء المدّة الّتي تمّ عليها عقد الإجارة ففي لزوم العقد اتّجاهان ، فقيل بلزوم العقد لأنّه عقد لازم عقد بحقّ الولاية ، فلم يبطل بالبلوغ ، كما لو باع داره أو زوّجه . وهو قول للشّافعيّة اعتبره الشّيرازيّ الصّحيح في المذهب ، وقول للحنابلة اعتبره ابن قدامة المذهب ، وهو مذهب الحنفيّة في إجارة أمواله . والاتّجاه الثّاني أنّه يصير غير لازم ، ويخيّر في الإجارة ، لأنّه بالبلوغ انتهت الولاية ، وهو مذهب المالكيّة ، وقول عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، ومذهب الحنفيّة في إجارة نفس الصّغير ، لأنّ في استيفاء العقد إضراراً به لأنّه بعد البلوغ تلحقه الأنفة من خدمة النّاس ، ولأنّ المنافع تحدث شيئاً فشيئاً ، والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع ، فكان له خيار الفسخ ، كما إذا عقد ابتداءً بعد البلوغ . وهناك قول عند الحنابلة أنّه إذا أجّره مدّةً يتحقّق بلوغه في أثنائها فإنّ العقد لا يلزم بعد البلوغ ، لأنّنا لو قلنا بلزومه فإنّه يفضي إلى أن يعقد الوليّ على جميع منافعه طول عمره ، وإلى أن يتصرّف فيه في غير زمن ولايته عليه ، أمّا إذا أجّره لمدّة لا يتحقّق بلوغه فيها فبلغ فإنّ العقد يكون لازماً . محلّ الإجارة : الكلام هنا يتناول منفعة العين المؤجّرة ، والأجرة . أوّلاً - منفعة العين المؤجّرة : 26 - المعقود عليه في الإجارة مطلقاً عند الحنفيّة هو المنفعة ، وهي تختلف باختلاف محلّها . وعند المالكيّة والشّافعيّة أنّ المعقود عليه إمّا إجارة منافع أعيان ، وإمّا إجارة منافع في الذّمّة . واشترطوا في إجارة الذّمّة تعجيل النّقد ، للخروج من الدّين بالدّين . وعند الحنابلة محلّ العقد أحد ثلاثة : الأوّل : إجارة عمل في الذّمّة في محلّ معيّن أو موصوف . وجعلوه نوعين : استئجار العامل مدّةً لعمل بعينه ، واستئجاره على عمل معيّن في الذّمّة كخياطة ثوب ورعي غنم . الثّاني : إجارة عين موصوفة في الذّمّة . الثّالث : إجارة عين معيّنة لمدّة محدّدة . . ويشترط لانعقاد الإجارة على المنفعة شروط هي : 27 - أوّلاً : أن تقع الإجارة عليها لا على استهلاك العين . وهذا لا خلاف فيه ، غير أنّ ابن رشد روى أنّ هناك من جوّزها في كلّ منهما لأنّ ذلك كلّه منفعة مباحة . كما توسّع الشّافعيّة في المنفعة فأدخلوا الكثير من الصّور . ويتفرّع على هذا صور كثيرة تستهلك فيها العين تبعاً كإجارة الظّئر ، وإنزاء الفحل ، واستئجار الشّجر للثّمر . فالحنفيّة ينصّون على أنّ الإجارة لا تنعقد على إتلاف العين ذاتها ، والمالكيّة ينصّون على أنّه لا يجوز استيفاء عين قصداً ، كما نصّ الحنابلة على أنّ الإجارة لا تنعقد إلاّ على نفع يستوفى مع بقاء العين إلاّ إذا كانت المنافع يقتضي استيفاؤها إتلاف العين كالشّمعة للإضاءة . 28 - ثانياً : أن تكون المنفعة متقوّمةً مقصودة الاستيفاء بالعقد ، فلا تنعقد اتّفاقاً على ما هو مباح بدون ثمن لأنّ إنفاق المال في ذلك سفه . والمذاهب في تطبيق ذلك الشّرط بين مضيّق وموسّع . وأكثرهم في التّضييق الحنفيّة ، حتّى إنّهم لم يجيزوا استئجار الأشجار للاستظلال بها ، ولا المصاحف للنّظر فيها . ويقرب منهم المالكيّة ، لكنّهم أجازوا إجارة المصاحف وإن كرهوا ذلك . بينما توسّع الحنابلة ، حتّى أجازوا الإجارة على كلّ منفعة مباحة . ويقرب منهم الشّافعيّة ، إلاّ أنّهم لم يجيزوا بعض ما أجازه الحنابلة ، كإجارة الدّنانير للتّجميل ، والأشجار لتجفيف الثّياب ، في القول الصّحيح عندهم . 29 - ثالثاً ويشترط أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء . وليست طاعةً مطلوبةً ، ولا معصيةً ممنوعةً . وهذا الشّرط موضع تفصيل وخلاف بين المذاهب مذكور فيما بعد ( ف 108 ) 30 - رابعاً : ويشترط في المنفعة لصحّة الإجارة : القدرة على استيفائها حقيقةً وشرعاً . فلا تصحّ إجارة الدّابّة الفارّة ، ولا إجارة المغصوب من غير الغاصب ، لكونه معجوزاً عن تسليمه ، ولا الأقطع والأشلّ للخياطة بنفسه ، فهي منافع لا تحدث إلاّ عند سلامة الأسباب . وعلى هذا فلا تجوز إجارة ما لا يقدر عليه المستأجر ، ويحتاج فيه إلى غيره . وانبنى على هذا القول بعدم جواز استئجار الفحل للإنزاء ، والكلب والباز للصّيد ، والقول بعدم جواز إجارة الظّئر دون إذن زوجها ، لأنّه مانع شرعيّ يحول دون إجارتها . وتفصيل ذلك فيما بعد ( ف 116 ) 31 - خامساً : ويشترط فيها أيضاً لصحّة الإجارة : أن تكون معلومةً علماً ينفي الجهالة المفضية للنّزاع . وهذا الشّرط يجب تحقّقه في الأجرة أيضاً ، لأنّ الجهالة في كلّ منهما تفضي إلى النّزاع . وهذا موضع اتّفاق . معلوميّة المنفعة : 32 - تتعيّن المنفعة ببيان المحلّ . وقد تتعيّن بنفسها كما إذا استأجر رجلاً لخياطة ثوبه وبيّن له جنس الخياطة . وقد تعلم بالتّعيين والإشارة ، كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطّعام إلى موضع معلوم . 33 - وقد أدّى اشتراط بيان محلّ المنفعة إلى تقسيم الإجارة إلى إجارة أعيان تستوفى المنفعة من عين معيّنة بذاتها بحيث إذا هلكت انفسخت الإجارة كاستئجار الدّور للسّكنى ، وإلى إجارة موصوفة في الذّمّة تستوفى المنفعة ممّا يحدّد بالوصف ، فإذا هلكت بعد التّعيين قدّم المؤجّر غيرها . وعند الحنابلة وفي رأي عند الشّافعيّة اشتراط رؤية العين المؤجّرة قبل الإجارة ، وإلاّ فللمستأجر خيار الرّؤية . غير أنّ الحنابلة يقصرون اشتراطه على بعض الإجارات ، كرؤية الصّبيّ في إجارة الظّئر ، وفي إجارة الأرض للزّراعة ، بينما الشّافعيّة يعمّمون ذلك . 34 - ويعتبر جمهور الفقهاء العرف في تعيين ما تقع عليه الإجارة من منفعة ، فكيفيّة الاستعمال تصرف إلى العرف والعادة . والتّفاوت في هذا يسير لا يفضي إلى المنازعة . وللشّافعيّة في استحقاق الأجر بعد استيفاء المنفعة أربعة أوجه : الأوّل : أنّه تلزمه الأجرة وهو قول المزنيّ ، لأنّه استهلك عمله فلزمه أجرته . والثّاني : أنّه إن قال له : خطه ، لزمه . وإن بدأ الرّجل ، فقال : أعطني لأخيطه ، لم تلزمه . وهو قول أبي إسحاق ، لأنّه إذا أمره فقد ألزمه بالأمر . والعمل لا يلزم من غير أجرة لزمته ، وإذا لم يأمره لم يوجد ما يوجب الأجرة ، فلم تلزم . والثّالث : أنّه إذا كان الصّانع معروفاً بأخذ الأجرة على الخياطة لزمه ، وإذا لم يكن معروفاً بذلك لم يلزمه ، وهو قول أبي العبّاس ، لأنّه إذا كان معروفاً بأخذ الأجرة صار العرف في حقّه كالشّرط . والرّابع : وهو المذهب ، أنّه لا يلزمه بحال ، لأنّه بذل ماله من غير عوض فلم يجب له العوض ، كما لو بذل طعامه لمن أكله . ومن هنا يتبيّن أنّ أبا العبّاس من الشّافعيّة مع الجمهور في تحكيم العرف . 35 - وتتعيّن المنفعة أيضاً ببيان المدّة ، إذا كانت المنفعة معروفةً بذاتها ، كاستئجار الدّور للسّكنى . فإنّ المدّة إذا كانت معلومةً كان قدر المنفعة معلوماً ، والتّفاوت بكثرة السّكّان يسير ، كما يرى الحنفيّة . ويرى الصّاحبان أنّ كلّ ما كان أجرةً يجب بالتّسليم ، ولا يعلم وقت التّسليم ، فهو باطل ، ويرى الإمام جوازه . وهذا الشّرط غير مطّرد ، فلا بدّ منه في بعض الإجارات ، كالعبد للخدمة ، والقدر للطّبخ ، والثّوب للّبس . وفي البعض لا يشترط . والحنابلة وضعوا ضابطاً واضحاً ، فهم يشترطون أن تكون المدّة معلومةً في إجارة العين لمدّة ، كالدّار والأرض والآدميّ للخدمة أو للرّعي أو للنّسج أو للخياطة ، لأنّ المدّة هي الضّابط للمعقود عليه ، ويعرف بها . وقيل فيها : إنّه يشترط أن يغلب على الظّنّ بقاء العين فيها وإن طالت المدّة . وأمّا إجارة العين لعمل معلوم ، كإجارة دابّة موصوفة في الذّمّة للرّكوب عليها إلى موضع معيّن ، فإنّه لا اعتبار للمدّة فيها . ويوافقهم الشّافعيّة في ذلك عموماً . ويقرب من هذا المالكيّة ، إذ قالوا : يتحدّد أكثر المدّة في بعض الإجارات ، كإجارة الدّابّة لسنة ، والعامل لخمسة عشر عاماً ، والدّار حسب حالتها ، والأرض لثلاثين عاماً . أمّا الأعمال في الأعيان ، كالخياطة ونحوها ، فلا يجوز تعيين الزّمان فيها . 36 - كما تتعيّن المنفعة بتعيين العمل في الأجير المشترك ، وذلك في استئجار الصّنّاع في الإجارة المشتركة ، لأنّ جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة ، فلو استأجر صانعاً ، ولم يسمّ له العمل ، من الخياطة أو الرّعي أو نحو ذلك ، لم يجز العقد ، وإنّما لا بدّ من بيان جنس العمل ونوعه وقدره وصفته . أمّا في الأجير الخاصّ فإنّه يكفي في إجارته بيان المدّة . يقول الشّيرازيّ : إن كانت المنفعة معلومة القدر بنفسها ، كخياطة ثوب ، قدّرت بالعمل ، لأنّها معلومة في نفسها فلا تقدّر بغيرها . . . وإن استأجر رجلاً لبناء حائط لم يصحّ العقد حتّى يذكر الطّول والعرض وما يبنى به . 37 - وتتعيّن المنفعة ببيان العمل والمدّة معاً : كأن يقول شخص لآخر : استأجرتك لتخيط لي هذا الثّوب اليوم . فقد عيّن المنفعة بالعمل ، وهو خياطة الثّوب ، كما عيّنه بالمدّة ، وهو كلمة : اليوم . وللفقهاء في هذا الجمع بين التّعيين بالعمل والمدّة اتّجاهان : اتّجاه يرى أنّ هذا لا يجوز ، ويفسد به العقد إذ ، العقد على المدّة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل إذ يعتبر أجيراً خاصّاً ، وببيان العمل يصير أجيراً مشتركاً ، ويرتبط الأجر بالعمل . وهذا هو رأي أبي حنيفة والشّافعيّة ورواية عند الحنابلة . والاتّجاه الثّاني جواز الجمع ، لأنّ المقصود في العقد هو العمل ، وذكر المدّة إنّما جاء للتّعجيل . وهو قول صاحبي أبي حنيفة والمالكيّة ورواية عند الحنابلة . وسيأتي بيان هذا عند الكلام عن الأجير الخاصّ والأجير المشترك . 38 - ويشترط في المنفعة للزوم العقد ، ألاّ يطرأ عذر يمنع الانتقاع بها ، كما يرى الحنفيّة على ما ذكرنا عندهم ، لأنّ الإجارة وإن كان الأصل فيها أنّها عقد لازم اتّفاقاً ، ولا يجوز فسخها بالإرادة المنفردة ، إلاّ أنّهم قالوا : إنّها شرعت للانتفاع ، فاستمرارها مقيّد ببقاء المنفعة ، فإذا تعذّر الانتفاع كان العقد غير لازم . وقد نصّ المالكيّة أيضاً على أنّ الإجارة تفسخ بتعذّر ما يستوفى فيه المنفعة ، وإن لم تعيّن حال العقد ، كدار وحانوت وحمّام وسفينة ونحوها . وكذا في الدّابّة إن عيّنت . وقالوا : إنّ التّعذّر أعمّ من التّلف . ويتّجه الشّافعيّة في قول عندهم إلى اعتبار العذر مقتضياً الفسخ ، إذ قالوا بانفساخ العقد بتعذّر استيفاء المعقود عليه ، كمن استأجر رجلاً ليقلع له ضرساً ، فسكن الوجع على ما سيأتي عند الكلام عن انقضاء الإجارة بالفسخ . إجارة المشاع : 39 - إذا كانت العين المتعاقد على منفعتها مشاعاً ، وأراد أحد الشّريكين إجارة منفعة حصّته ، فإجارتها للشّريك جائزة بالاتّفاق . أمّا إجارتها لغير الشّريك فإنّ الجمهور ( الصّاحبين من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة وفي قول لأحمد ) يجيزونها أيضاً ؛ لأنّ الإجارة أحد نوعي البيع ، فتجوز إجارة المشاع كما يجوز بيعه ، والمشاع مقدور الانتفاع بالمهايأة ، ولهذا جاز بيعه . جاء في المغني : واختار أبو حفص العكبريّ جواز إجارة المشاع لغير الشّريك . وقد أومأ إليه أحمد ، لأنّه عقد في ملكه ، يجوز مع شريكه ، فجاز مع غيره كالبيع ، ولأنّه يجوز إذا فعله الشّريكان معاً فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفرداً كالبيع . وعند أبي حنيفة وزفر وهو وجه في مذهب أحمد لا تجوز لأنّ استيفاء المنفعة في الجزء الشّائع لا يتصوّر إلاّ بتسليم الباقي ، وذلك غير متعاقد عليه ، فلا يتصوّر تسليمه شرعاً . والاستيفاء بالمهايأة لا يمكن على الوجه الّذي يقتضيه العقد ، إذ التّهايؤ بالزّمن انتفاع بالكلّ بعض المدّة ، والتّهايؤ بالمكان انتفاع يكون بطريق البدل عمّا في يد صاحبه ، وهذا ليس مقتضى العقد . . المطلب الثّاني الأجرة 40 - الأجرة هي ما يلتزم به المستأجر عوضاً عن المنفعة الّتي يتملّكها . وكلّ ما يصلح أن يكون ثمناً في البيع يصلح أن يكون أجرةً في الإجارة ، وقال الجمهور : إنّه يشترط في الأجرة ما يشترط في الثّمن . ويجب العلم بالأجر لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من استأجر أجيراً فليعلمه أجره » ، وإن كان الأجر ممّا يثبت ديناً في الذّمّة كالدّراهم والدّنانير والمكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة فلا بدّ من بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره . ولو كان في الأجر جهالةً مفضيةً للنّزاع فسد العقد ، فإن استوفيت المنفعة وجب أجر المثل ، وهو ما يقدّره أهل الخبرة . 41 - وجوّز الجمهور أن تكون الأجرة منفعةً من جنس المعقود عليه . يقول الشّيرازيّ : ويجوز إجارة المنافع من جنسها ومن غير جنسها ، لأنّ المنافع في الإجارة كالأعيان في البيع . ثمّ الأعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع . ويقول ابن رشد : أجاز مالك إجارة دار بسكنى دار أخرى . ويقول البهوتيّ ما خلاصته : يجوز إجارة دار بسكنى دار أخرى أو بتزويج امرأة ، لقصّة شعيب عليه السلام ، لأنّه جعل النّكاح عوض الأجرة . ومنع ذلك الحنفيّة ، إلاّ أن تكون الأجرة منفعةً من جنس آخر ، كإجارة السّكنى بالخدمة . 42 - ومن الفقهاء من لا يجيز أن تكون الأجرة بعض المعمول ، أو بعض النّاتج من العمل المتعاقد عليه ، لما فيه من غرر ، لأنّه إذا هلك ما يجري فيه العمل ضاع على الأجير أجره ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطّحّان » ، ولأنّ المستأجر يكون عاجزاً عن تسليم الأجرة ، ولا يعدّ قادراً بقدرة غيره . وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة . ومثاله : سلخ الشّاة بجلدها ، وطحن الحنطة ببعض المطحون منها ، لجهالة مقدار الأجر ، لأنّه لا يستحقّ جلدها إلاّ بعد السّلخ ، ولا يدري هل يخرج سليماً أو مقطّعاً . وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك إذا كانت الأجرة جزءاً شائعاً ممّا عمل فيه الأجير ، تشبيهاً بالمضاربة والمساقاة ، فيجوز دفع الدّابّة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها ، والزّرع أو النّخل إلى من يعمل فيه بسدس ما يخرج منه ، لأنّه إذا شاهده علمه بالرّؤية وهي أعلى طرق العلم . والمالكيّة في بعض الصّور الّتي يمكن فيها علم الأجر بالتّقدير يتّجهون وجهة الحنابلة ، فيقولون : إن قال : احتطبه ولك النّصف ، أو : احصده ولك النّصف ، فيجوز إن علم ما يحتطبه بعادة . ومثل ذلك في جذّ النّخل ولقط الزّيتون وجزّ الصّوف ونحوه . وعلّة الجواز العلم . ولو قال : احتطب ، أو : احصد ، ولك نصف ما احتطبت أو حصدت ، فذلك جائز على أنّه من قبيل الجعالة . وهي يتسامح فيها ما لا يتسامح في الإجارة . وقد أورد الزّيلعيّ الحنفيّ صورةً من هذا القبيل ، وهي أن يدفع إلى الحائك غزلاً ينسجه بالنّصف . وقال : إنّ مشايخ بلخ جوّزوه لحاجة النّاس ، لكن قال في الفتاوى الهنديّة : الصّحيح خلافه . أثر الإخلال بشرط من الشّروط الشّرعيّة : 43 - إذا اختلّ شرط من شروط الانعقاد بطلت الإجارة ، وإن وجدت صورتها ، لأنّ ما لا ينعقد فوجوده في حقّ الحكم وعدمه بمنزلة واحدة . ولا يوجب فيه الحنفيّة الأجر المسمّى ، ولا أجر المثل الّذي يقضون به إذا ما اختلّ شرط من شروط الصّحّة الّتي لا ترجع لأصل العقد والّتي يعتبرون العقد مع الإخلال بشيء منها فاسداً ، لأنّهم يفرّقون بين البطلان والفساد ، إذ يرون أنّ العقد الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه . أمّا الفاسد فهو عندهم ما شرع بأصله دون وصفه . ولذا كان للعقد وجود معتبر من ناحيته ، فجهالة المأجور ، أو الأجرة ، أو مدّة العمل ، أو اشتراط ما لا يقتضيه عقد الإجارة من شروط ، كلّ ذلك يجب فيه أجر المثل عندهم باستيفاء المنفعة ، بشرط ألاّ يزيد أجر المثل عن المسمّى عند الإمام وصاحبيه . أمّا من غير استيفاء شيء من المنفعة فلا شيء له عند الحنفيّة وفي رواية عن أحمد . 44 - وجمهور الفقهاء لا يفرّقون بين العقد الباطل والعقد الفاسد في هذا ، ويرون العقد غير صحيح بفوات ما شرط الشّارع ، لكونه منهيّاً عنه . والنّهي يقتضي عدم وجود العقد شرعاً ، سواء أكان النّهي لخلل في أصل العقد ، أو لوصف ملازم له ، أو طارئ عليه . والنّهي في الجميع ينتج عدم ترتّب الأثر عليه ، ويكون انتفاع المستأجر غير مشروع ، ولا يلزمه الأجر المسمّى ، وإنّما يلزمه أجر المثل بالغاً ما بلغ إذا قبض المعقود عليه ، أو استوفى المنفعة ، أو مضى زمن يمكن فيه الاستيفاء ، لأنّ الإجارة كالبيع ، والمنفعة كالعين ، والبيع الفاسد كالصّحيح في استقرار البدل ، فكذلك في الإجارة ، هذا عند الشّافعيّ . ومثله مذهب مالك وأحمد فيما إذا كان قد استوفى المنفعة أو شيئاً منها . وأمّا إذا كان قد قبض المعقود عليه ، ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء ، فعن أحمد رواية بلزوم أجر المثل ، لأنّه عقد فاسد على منافع لم يستوفها ، فلم يلزمه عوضها . . الفصل الثّالث أحكام الإجارة الأصليّة والتّبعيّة المطلب الأوّل أحكام الإجارة الأصليّة 45 - إذا كانت الإجارة صحيحةً ترتّب عليها حكمها الأصليّ ، وهو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر ، وفي الأجرة المسمّاة للمؤجّر . وهناك أحكام تبعيّة ، وهي التزام المؤجّر بتسليم العين للمستأجر ، وتمكينه من الانتفاع بها ، والتزام المستأجر بالمحافظة عليها . وإذا كانت الإجارة على عمل ، والأجير مشترك ، فإنّ الأجير يلتزم بالقيام بالعمل مع المحافظة على العين ، وتسليمها بعد الانتهاء من العمل . وإن كان الأجير خاصّاً كان الأصل المدّة ، وكان العمل تبعاً ، وإن كانت الإجارة على العمل فقط ، كالمعلّم والظّئر ، كان الالتزام منصبّاً على العمل أو على المدّة ، حسبما كانت إجارةً مشتركةً أو خاصّةً . وسيأتي بيان ذلك . تملّك المنفعة ، وتملّك الأجرة ، ووقته : 46 - يتّجه الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الأجرة لا تستحقّ بنفس العقد ، وإنّما تستحقّ باشتراط التّعجيل أو استيفاء المعقود عليه . وزاد الحنفيّة : التّعجيل بالفعل . يقول الكاسانيّ ما حاصله : إنّ الأجرة لا تملك إلاّ بأحد معان ثلاثة : أحدها : شرط التّعجيل في نفس العقد لقوله صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عند شروطهم » . . . والثّاني : التّعجيل من غير شرط ، قياساً على البيع في جواز تعجيل الثّمن قبل تسليم المبيع ، لأنّ الإجارة بيع كما تقدّم . الثّالث : استيفاء المعقود عليه ، لأنّه لمّا ملك المعوّض فيملك المؤجّر العوض في مقابلته ، تحقيقاً للمعاوضة المطلقة ، وتسويةً بين العاقدين . 47 - والقاعدة عند المالكيّة التّأجيل ، خلافاً للبيع ، فالأصل فيه التّعجيل ، إلاّ في أربعة مسائل يجب فيها تعجيل الأجرة ، وهي : إن شرط ذلك ، أو جرت به العادة كما في كراء الدّور والدّوابّ للسّفر إلى الحجّ ، أو إذا عيّن الأجر ، كأن يكون ثوباً معيّناً ، فإنّه يجب التّعجيل ، فإن لم يشترط التّعجيل في هذه الحالة فسدت الإجارة . ويجب التّعجيل أيضاً إذا كان الأجر لم يعيّن والمنافع مضمونةً في ذمّة المؤجّر . فإن شرع فيها فلا بأس ، وإن لم يشرع لأكثر من ثلاثة أيّام فلا يجوز إلاّ إذا عجّل جميع الأجر ، وإلاّ أدّى إلى ابتداء الدّين بالدّين . وقيل : لا بدّ من تعجيل جميع الأجرة ولو شرع ، لأنّ قبض الأوائل ليس قبضاً للأواخر . على أنّه يستثنى من وجوب تعجيل جميع الأجرة ( فيما إذا لم يشرع في استعمال المأجور ) - على القول المعتمد - صورة يتعسّر فيها الشّروع وهي : ما إذا كان محلّ الإجابة دابّةً للسّفر ونحوها ، وكانت مسافة السّفر بعيدةً ، والسّفر في غير وقت سفر النّاس عادةً ، وكانت الأجرة كثيرةً ، فلا يشترط تعجيل جميعها بل يكتفى بتعجيل اليسير من الأجرة الكثيرة ، فإن كانت يسيرةً وجب تعجيل جميعها . وهذا في غير الصّانع والأجير ، فليس لهما أجرة إلاّ بعد التّمام عند الاختلاف ، وأمّا عند التّراضي فيجوز تعجيل الجميع وتأخيره . كما قالوا : تفسد الإجارة إن وقعت بأجر معيّن ، وانتفى عرف تعجيل المعيّن ، لأنّ فيه بيعاً معيّناً يتأخّر قبضه ، وليس لأنّه دين بدين . وتفسد في هذه الحالة ، ولو عجّل الأجر بالفعل بعد العقد ، إذ لا تصحّ إلاّ إذا شرط تعجيله وعجّل . وقالوا : إذا أراد الصّنّاع والأجراء تعجيل الأجرة قبل الفراغ ، وامتنع ربّ العمل ، حملوا على المتعارف بين النّاس ، فإن لم يكن لهم سنّة لم يقض لهم بشيء إلاّ بعد الفراغ . وأمّا في الأكرية في دار أو راحلة أو في الإجارة على بيع السّلع كالسّمسرة ، أو نحوها ، فبقدر ما مضى ، فإذا لم يكن الأجر معيّناً ، ولم يشرط تعجيله ، ولم تجر العادة بتعجيله ، ولم تكن المنافع مضمونةً ، فلا يجب تعجيل الأجر . وإذا لم يجب التّعجيل كان مياومةً ، أي كلّما استوفى منفعة يوم ، أو تمكّن من استيفائها ، لزمته أجرته ، أو بعد تمام العمل . 48 - ويتّجه الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العقد إذا أطلق وجبت الأجرة بنفس العقد . ويجب تسليمها بتسليم العين والتّمكين من الانتفاع وإن لم ينتفع فعلاً ، لأنّه عوض أطلق ذكره في عقد المعاوضة فيستحقّ بمطلق العقد كالثّمن والمهر . فإذا استوفى المنفعة استقرّت الأجرة . وإن كانت الإجارة على عمل فإنّ الأجر يملك بالعقد أيضاً ، ويثبت ديناً في ذمّة المستأجر بمجرّد العقد ، لكن لا يستحقّ تسليمه إلاّ عند تسليمه العمل أو إيفائه أو يمضي المدّة إن كان الأجير خاصّاً . وإنّما توقّف استحقاقه على تسليم العمل لأنّه عوض . وفارق الإجارة على الأعيان ، لأنّ تسليمها أجري مجرى تسليم نفعها . وإذا استوفى المستأجر المنافع ، أو مضت المدّة ، ولا حاجز له عن الانتفاع ، استقرّ الأجر ، لأنّه قبض المعقود عليه ، فاستقرّ البدل ، أو لأنّ المنافع تلفت باختياره . وإذا تمّت الإجارة ، وكانت على مدّة ، ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى تلك المدّة ، ويكون حدوثها على ملكه ، لأنّه صار مالكاً للتّصرّف فيها ، وهي مقدّرة الوجود . إيجار المستأجر العين لآخر : 49 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والأصحّ عند الحنابلة ) على جواز إيجار المستأجر إلى غير المؤجّر الشّيء الّذي استأجره وقبضه في مدّة العقد ، ما دامت العين لا تتأثّر باختلاف المستعمل ، وقد أجازه كثير من فقهاء السّلف ، سواء أكان بمثل الأجرة أم بزيادة . وذهب القاضي من الحنابلة إلى منع ذلك مطلقاً لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « نهى عن ربح ما لم يضمن » والمنافع لم تدخل في ضمانه ، فلم يجز . والأوّل أصحّ لأنّ قبض العين قام مقام قبض المنافع . إيجار المستأجر لغير المؤجّر بزيادة 49 م - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز ذلك مطلقاً ، أي سواء أكانت الأجرة الثّانية مساويةً أم زائدةً أم ناقصةً ، لأنّ الإجارة بيع كما تقدّم ، فله أن يبيعها بمثل الثّمن ، أو بزيادة أو بنقص كالبيع ، ووافقهم أحمد في أصحّ الأقوال عنده . وذهب الحنفيّة إلى جواز الإجارة الثّانية إن لم تكن الأجرة فيها من جنس الأجرة الأولى ، للمعنى السّابق ، أمّا إن اتّحد جنس الأجرتين فإنّ الزّيادة لا تطيب للمستأجر . وعليه أن يتصدّق ، وصحّت الإجارة الثّانية لأنّ الفضل فيه شبهة . أمّا إن أحدث زيادةً في العين المستأجرة فتطيب الزّيادة لأنّها في مقالة الزّيادة المستحدثة . وذهب الحنابلة في قول ثان لهم إلى أنّه إن أحدث المستأجر الأوّل زيادةً في العين جاز له الزّيادة في الأجر دون اشتراط اتّحاد جنس الأجر أو اختلافه ، وسواء أذن له المؤجّر أو لم يأذن . وللإمام أحمد قول ثالث أنّه إن أذن المؤجّر بالزّيادة جاز ، وإلاّ فلا . فجمهور الفقهاء يجيزونه بعد القبض على التّفصيل السّابق . 50 - أمّا قبل القبض فيجوز عند المالكيّة مطلقاً عقاراً كان أو منقولاً ، بمساو أو بزيادة أو بنقصان ، وهو غير المشهور عند الشّافعيّة وأحد الوجهين عند الحنابلة ، لأنّ المعقود عليه هو المنافع ، وهي لا تصير مقبوضةً بقبض العين فلا يؤثّر فيها القبض . وفي المشهور عند الشّافعيّة ووجه آخر عند الحنابلة : لا يجوز ، كما لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز ذلك في العقار دون المنقول . وذهب محمّد إلى عدم الجواز مطلقاً . وهذا الخلاف مبنيّ على اختلافهم في جواز بيع العقار قبل قبضه . وقيل إنّه لا خلاف بينهم في عدم جواز ذلك في الإجارة . 51 - وأمّا إجارة العين المستأجرة للمؤجّر فالمالكيّة والشّافعيّة يجيزونها مطلقاً ، عقاراً أو منقولاً ، قبل القبض أو بعده ، وهو أحد وجهين للحنابلة . والوجه الثّاني لهم أنّه لا يجوز قبل القبض ، بناءً على عدم جواز بيع ما لم يقبض . ومنع الحنفيّة إيجارها للمؤجّر مطلقاً ، عقاراً كان أو منقولاً قبل القبض أو بعده ، ولو بعد مستأجر آخر . وهل إذا أجّرها ثان للمؤجّر الأوّل تبطل الإجارة الأولى ؟ رأيان : الصّحيح لا تبطل والثّاني تبطل ، وذلك لأنّ إيجارها للمؤجّر تناقض ، لأنّ المستأجر مطالب بالأجرة للمؤجّر ، فيصبح دائناً ومديناً من جهة واحدة ، وهذا تناقض . المطلب الثّاني الأحكام التّبعيّة الّتي يلتزم بها المؤجّر والمستأجر التزامات المؤجّر أ - ( تسليم العين المؤجّرة ) : 52 - يلتزم المؤجّر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمعقود عليه ، وذلك بتسليمه العين حتّى انتهاء المدّة أو قطع المسافة . ويشمل التّسليم توابع العين المؤجّرة الّتي لا يتحقّق الانتفاع المطلوب إلاّ بها حسب العرف . ويترتّب على أنّ التّسليم تمكين من الانتفاع أنّ ما يعرض أثناء المدّة ممّا يمنع الانتفاع بغير فعل المستأجر يكون على المؤجّر إصلاحه ، كعمارة الدّار وإزالة كلّ ما يخلّ بالسّكن ، مع ملاحظة ما سبق من اشتراط القدرة على التّسليم واشتراط بيان المنفعة وتحديدها . 53 - وفي إجارة العمل يكون الأجير هو المؤجّر لخدماته ، وقيام الأجير بالعمل هو التزامه بالتّسليم . فإن كان العمل يجري في عين تسلّم للأجير - وهو أجير مشترك - كان عليه تسليم المأجور فيه بعد قيامه بالعمل . وإن كان العمل لا يجري في عين تسلّم للأجير فإنّ مجرّد قيامه بالعمل المطلوب يعتبر تسليماً ، كالطّبيب أو السّمسار ، وإن كان الأجير خاصّاً كان تسليم نفسه للعمل في محلّ المستأجر تسليماً معتبراً . وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد . ب - ( ضمان غصب العين ) . 54 - جمهور الفقهاء على أنّه إذا غصبت العين في إجارة الأعيان المعيّنة يثبت للمستأجر الخيار بين أن يفسخ العقد ، أو ينتظر مدّةً يسيرةً ليس لمثلها أجر ، ريثما تنتزع من الغاصب . وفي إجارة ما في الذّمّة ليس للمستأجر الفسخ . وعلى المؤجّر الإبدال ، وليس للمستأجر مخاصمة الغاصب في العين . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن تعذّر بدلها على المؤجّر فللمستأجر الفسخ . وتنفسخ بمضيّ المدّة إن كانت على مدّة ، وإن كانت على عين معيّنة لعمل ، كذا إلى جهة ، كان له الفسخ . وإن كانت على عين معيّنة لمدّة ، خيّر بين الفسخ وبين إبقاء العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل . فإن فسخ فعليه أجرة ما مضى . وإن كان الغاصب هو المؤجّر فلا أجرة له . ويرى قاضي خان من الحنفيّة أنّه لا تنفسخ الإجارة بغصب العين ، ولو غصبت بعض المدّة فبحسابه . واتّجه صاحب الهداية إلى أنّها تنفسخ بالغصب . أمّا الأجرة فتسقط ، لأنّ تسليم المحلّ إنّما أقيم مقام تسليم المنفعة للتّمكّن من الانتفاع ، فإذا فات التّمكّن بالغصب فات التّسليم . ولذا فإنّ المنفعة لو لم تفت بالغصب ، كغصب الأرض المقرّرة للغرس مع الغرس ، لا تسقط الأجرة . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية