الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40472" data-attributes="member: 329"><p>الإجارة على المعاصي والطّاعات :</p><p>108 - الإجارة على المنافع المحرّمة كالزّنى والنّوح والغناء والملاهي محرّمة . وعقدها باطل لا يستحقّ به أجرة . ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناءً ونوحاً ، لأنّه انتفاع بمحرّم . وقال أبو حنيفة يجوز . ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها ، ولا على حمل الخنزير . وبهذا قال أبو يوسف ومحمّد والشّافعيّ . وقال أبو حنيفة : يجوز ، لأنّ العمل لا يتعيّن عليه ، بدليل أنّه لو حمل مثله جاز . وروي عن أحمد فيمن حمل خنزيراً أو خمراً لنصرانيّ قوله : إنّي أكره أكل كرائه ، ولكن يقضى للحمّال بالكراء . والمذهب خلاف هذه الرّوايات ، لأنّه استئجار لفعل محرّم ، فلم يصحّ ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعن حاملها والمحمولة إليه . وأمّا حمل هذه الأشياء لإراقتها وإتلافها فجائز إجماعاً . 109 - والأصل أنّ كلّ طاعة يختصّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها ، كالإمامة والأذان والحجّ وتعليم القرآن والجهاد . وهو قول عطاء والضّحّاك بن قيس وأبي حنيفة ومذهب أحمد ، لما روى عثمان بن أبي العاص ، قال : إنّ « آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً » . وما رواه عبادة بن الصّامت ، قال : « علّمت ناساً من أهل الصّفّة القرآن والكتابة . فأهدى إليّ رجل منهم قوساً . قال : قلت : قوس . وليست بمال ، أتقلّدها في سبيل اللّه . فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم . فقال : إن سرّك أن يقلّدك اللّه قوساً من نار فاقبلها » وعن عبد الرّحمن بن شبل الأنصاريّ قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول « : اقرءوا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به » ولأنّ من شرط صحّة هذه الأفعال كونها قربةً إلى اللّه تعالى ، فلم يجز أخذ الأجر عليها . وقد نصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز قراءة القرآن بأجر ، وأنّه لا يترتّب على ذلك ثواب ، والآخذ والمعطي آثمان ، وأنّ ما يحدث في زماننا من قراءة القرآن بأجر عند المقابر وفي المآتم لا يجوز . والإجارة على مجرّد القراءة باطلة ، وأنّ الأصل أنّ الإجارة على تعليمه غير جائزة . لكنّ المتأخّرين أجازوا الإجارة على تعليمه استحساناً . وكذا ما يتّصل بإقامة الشّعائر كالإمامة والأذان للحاجة . 110 - وأجاز مالك والشّافعيّ أخذ الأجر على قراءة القرآن وتعليمه . وهو رواية عن أحمد . وقال به أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر ، « لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بما معه من القرآن ، وجعل ذلك يقوم مقام المهر » ، فجاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة . وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصّحيح أنّه قال : « إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه » . ولا يكاد يوجد متبرّع بذلك ، فيحتاج إلى بذل الأجر فيه . وقد نصّ المالكيّة على كراهة الأجرة على قراءة القرآن بلحن ، لأنّ القراءة على هذا الوجه مكروهة إذا لم يخرج عن حدّه . قال الصّاويّ : أمّا الإجارة على أصل القراءة فجائز . وصرّح الشّافعيّة بجواز قراءة القرآن عند القبر ، والاستئجار على ذلك . 111 - وقد أجاز المالكيّة أيضاً أخذ الأجرة على الإمامة . كما أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق . وقالوا : يجوز الإجارة للمندوبات وفروض الكفاية . وكذلك أجاز الشّافعيّة أخذ الأجرة على الحجّ والعمرة عن الغير مع التّعيين . كما أجازوا للحاكم أن يستأجر الكافر للجهاد . أمّا المسلم ، ولو صبيّاً ، فلا تصحّ إجارته للجهاد ، لتعيّنه عليه . 112 - وربّ العمل ملتزم بالوفاء بأجر العامل بتسليم نفسه ، كما تقدّم قبل ، وإن لم يعمل ، وبشرط ألاّ يمتنع عمّا يطلب منه من عمل . فإن امتنع بغير حقّ فلا يستحقّ الأجر ، بغير خلاف في هذا . 113 - والعطيّة الّتي تقدّم للأجير من الخارج لا تحسب من الأجرة . ولو قال شخص لآخر اعمل هذا العمل أكرمك ، ولم يبيّن مقدار ما يكرمه به ، فعمل ما طلب منه استحقّ أجر المثل ، لأنّها إجارة فاسدة ، لجهالة الأجر . 114 - والأصل أن يكون الأجر معلوماً ، فإذا ما تراضيا على أن يكون الأجر هنا طعام الأجير وكسوته . أو جعل له أجراً وشرط طعامه وكسوته ، فإنّ في المسألة ثلاثة اتّجاهات : فالمالكيّة ، والرّواية المعتبرة عند أحمد ، أنّه يجوز ، لما روى ابن ماجه عن عتبة بن النّدّر قال : « كنّا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقرأ { طسم } سورة القصص ، حتّى بلغ قصّة موسى ، قال : إنّ موسى آجر نفسه على عفّة فرجه وطعام بطنه » ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه . وعن أبي هريرة أنّه قال : كنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، أحطب لهم إذا نزلوا ، وأحدو بهم إذا ركبوا ولأنّ جواز ذلك ثبت في الظّئر بالنّصّ ، وهو قوله تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ } فيثبت في غيرها بالقياس عليها ، ولأنّه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التّسمية ، وإن تشاحّا في مقدار الطّعام والكسوة رجع في القوت إلى الإطعام في الكفّارات ، وفي الكسوة إلى أقلّ ملبوس مثله ، أو يحكّم العرف . وإن اشترط الأجير كسوةً ونفقةً معلومةً موصوفةً جاز ذلك عند الجميع . ويرى الحنفيّة ، وهي الرّواية الثّانية عن أحمد . اختارها القاضي ، أنّ ذلك لا يجوز لما في ذلك من جهالة بالأجر . واستثنوا إجارة الظّئر ، لأنّ العادة جرت بإكرام الظّئر . ويرى الشّافعيّة والصّاحبان من الحنفيّة ، وأبو ثور وابن المنذر ، وهو رواية عن أحمد ، عدم جواز ذلك مطلقاً في الظّئر وغيرها ، لأنّه يختلف اختلافاً كثيراً متبايناً فيكون مجهولاً ، ومن شرط الأجر أن يكون معلوماً .</p><p>انقضاء إجارة الأجير الخاصّ :</p><p>115 - تنقضي إجارة الأجير الخاصّ بالأسباب العامّة الّتي ذكرناها . وإذا أكرى الأجير نفسه ، فهرب ، فإن كانت الإجارة على موصوف في الذّمّة استؤجر بدله من ماله ، وإن لم يكن يثبت للمستأجر الخيار في الفسخ أو الانتظار ، وذلك كما لو استأجر سيّارةً بسائقها من غير أن يعيّن السّائق ، أو جمالاً بقائدها دون تعيين ، فهرب السّائق أو القائد ، فإن انتظر فإنّ الإجارة تنفسخ عن كلّ يوم يمضي ، لأنّ المنافع تتلف بمضيّ الزّمن . وإن كانت الإجارة على عمل معيّن لم ينفسخ لأنّه يمكن استيفاؤه إذا وجده .</p><p>إجارة الظّئر ( المرضع ) :</p><p>116 - إجارة الظّئر ورد بها الشّرع كما سبق . وينبغي أن تكون بأجر معلوم . وتكلّم الفقهاء عن المعقود عليه هنا ، فقيل : إنّ العقد ينصبّ على المنافع ، وهي خدمتها للصّبيّ ، والقيام به . واللّبن يستحقّ عن طريق التّبع ، بمنزلة الصّبغ في الثّوب ، لأنّ اللّبن عين فلا يعقد عليه في الإجارة . وقيل : إنّ العقد يقع على اللّبن أصلاً ، والخدمة تبع ، فلو أرضعته بلبن شاة لا تستحقّ الأجر ، ولو أرضعته دون أن تخدمه استحقّت الأجرة . ولو خدمته بدون الرّضاع لم تستحقّ شيئاً . وأمّا كونه عيناً فإنّ العقد مرخّص فيه في الإجارة للضّرورة لحفظ الآدميّ . ويجوز استئجارها بالطّعام والكسوة إذا تحدّد ذلك في العقد وبيّن اتّفاقاً . جاء في الجامع الصّغير : « فإن سمّى الطّعام ، ووصف جنس الكسوة ، وأجلها ، وذرعها ، فهو جائز بالإجماع » . أمّا إذا لم يتحدّد ذلك فإنّه يجوز عند الجمهور على ما سبق » . 117 - وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدرّ لبنها ويصلح به . وللمكتري مطالبتها بذلك ، لأنّه من تمام التّمكين من الإرضاع ، وفي تركه إضرار بالرّضيع . وإن دفعته إلى خادمتها فأرضعته فلا أجر لها . وبه قال أبو ثور . وقال أصحاب الرّأي : لها أجرها . لأنّ رضاعه حصل بفعلها . وعليها أن تقوم بشئون الرّضيع من تنظيفه وغسل ثيابه عند الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة ، لأنّ المعقود عليه في الإجارة هو الخدمة ، وتستحقّ بالعقد . ويتّفق معهم سائر الفقهاء إن اشترط ذلك في العقد ، أو جرى العرف به ، وإن كان الأصل عند مالك وبعض الشّافعيّة أنّ ذلك على الأب ، لأنّ الحضانة والرّضاعة منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى ، فلا يلزم من العقد على الإرضاع دخول الحضانة . 118 - ولا يجوز استئجار الظّئر بدون إذن زوجها . وله حقّ فسخ الإجارة إذا لم يعلم بها ، صيانةً لحقّه . وله أن يطلبها عنده لاستيفاء حقّه الشّرعيّ منها . وليس للمستأجر أن يمنعها من ذلك عند الحنفيّة . وإذا حبلت حقّ للمستأجر فسخ الإجارة إن خشي على الصّبيّ من لبنها بعد الحبل . وقال المالكيّة : إنّ للمستأجر أن يمنع الزّوج من وطئها ما دام قد أذن لها في الإرضاع ، لأنّ ضرر الطّفل بسببه محتمل . 119 - ولو مات الصّبيّ المعقود على إرضاعه انفسخ العقد ، لأنّه تعذّر استيفاؤه ، فلا يمكن إقامة غير الصّبيّ المعقود عليه مقامه لاختلاف الصّبية في الرّضاعة . ومن الشّافعيّة من قال : لا ينفسخ ، لأنّ المنفعة باقية ، وإنّما هلك المستوفي ، فلو تراضيا على إرضاع صبيّ آخر جاز . وللظّئر حقّ الفسخ إن مات المستأجر " وليّ الطّفل " وكانت لم تقبض الأجرة منه قبل موته ، ولم يترك له مالاً تستوفي أجرها منه ، ولا مال للولد ، ولم يتطوّع أحد بالأجرة . ويصرّح الحنابلة بأنّ الإجارة تنفسخ بموت المرضعة لفوات المنفعة بهلاك محلّها . وحكي عن أبي بكر أنّها لا تنفسخ ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت إن كانت قد عجّلت لها الأجرة ، لأنّه دين في ذمّتها . وصرّح الشّافعيّة بأنّ العقد لا يصحّ حتّى يعرف الصّبيّ الّذي عقد على إرضاعه ، لأنّه يختلف الرّضاع باختلافه ، ولا يعرف ذلك إلاّ بالتّعيين . كما أنّه لا بدّ من ذكر موضع الرّضاع . وزاد الحنابلة التّصريح بمعرفة العوض ومدّة الرّضاعة . كما صرّح به الحنفيّة أيضاً .</p><p>إجارة العاملين في الدّولة :</p><p>120 - عالج الفقهاء قديماً هذه المسألة واعتبروا بعض الوظائف ممّا تصحّ الإجارة عليه ممّا لا يتّصل بالقربات ، ولا تشترط له النّيّة ، كتنفيذ الحدود ، والكتابة في الدّواوين ، وجباية الأموال ، ونحو ذلك . وهؤلاء يطبّق عليهم أحكام الأجير الخاصّ في أكثر الأقوال وفي أكثر الأحوال . وقالوا : إنّ لوليّ الأمر أن ينهي الإجارة متى رأى المصلحة في ذلك ، وليس لأحد هؤلاء أن يستقيل باختياره . 121 - وهناك وظائف أخرى ، كوظائف الولاة والقضاة ، وكلّ من يقوم بعمل فيه قربة تحتاج إلى نيّة ، فمرتّباتهم من قبيل الأرزاق لا من قبيل الأجرة ، لدفع الحاجة ، وهم غير مقيّدين بوقت . وقد تقدّم رأي الفقهاء في جواز أو عدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن وتعليمه والأذان والإمامة وغيرها . هذا حاصل ما أورده الفقهاء في هذه المسألة . .</p><p>( المطلب الثّاني</p><p>) ثانياً - الأجير المشترك 122 - الأجير المشترك هو الّذي يعمل للمؤجّر ولغيره ، كالبنّاء الّذي يبني لكلّ أحد ، والملاّح الّذي يحمل لكلّ أحد . وهذا ما يؤخذ من تعريفات الفقهاء جميعاً . 123 - ولا خلاف في أنّ الأجير المشترك عقده يقع على العمل ، ولا تصحّ إجارته إلاّ ببيان نوع العمل أوّلاً . ولا يمنع هذا من ذكر المدّة أيضاً . فإن قال للرّاعي : ترعى غنمي مدّة شهر ، كان أجيراً مشتركاً ، إلاّ إذا شرط عليه عدم الرّعي لغيره على ما سيأتي . 124 - ولا مانع من أن يؤجّر المسلم نفسه من ذمّيّ إجارةً مشتركةً ، كأن يكون طبيباً أو خيّاطاً أو معلّماً . فيقدّم عمله لمن يطلبه منه ، لأنّ ذلك لا يخرجه إلى حدّ التّبعيّة والخضوع له ، وليس فيه استذلال . 125 - والأصل أن يكون العمل من الصّانع - الأجير - والعين من صاحب العمل . غير أنّ العرف جرى على أن يقدّم الأجير المشترك الخيط من عنده في الخياطة ، والصّبغ من عنده في الصّباغة ، ممّا يعتبر تابعاً للصّنعة ، ولا يخرجه ذلك من كونه عقد إجارة إلى عقد استصناع . 126 - وقد يتمّ العقد مع الأجير المشترك بالتّعاطي - مع مراعاة خلاف الشّافعيّة السّابق في عقود المعاطاة - كما في الرّكوب في سيّارات النّقل العامّ ، كما يصحّ أن يكون العاقد واحداً ، أو جماعةً كالحكومة والمؤسّسات والشّركات . 127 - ويجب أن تكون المنفعة الّتي يستأجر عليها محدّدةً معلومة القدر . وقد تحدّد بتحديد محلّها ، ويكون للأجير المشترك خيار الرّؤية في كلّ عمل يختلف باختلاف المحلّ كما يرى الحنفيّة والحنابلة ، ويكون له خيار الرّؤية في إجارة الأعيان عموماً عند الشّافعيّة . وقد تحدّد المنفعة بتحديد المدّة وحدها ، كما تحدّد بتحديد العمل ، كإجارة خياطة الثّوب وقد تتحدّد بالعمل والمدّة معاً عند الصّاحبين وهو مذهب المالكيّة إذا تساوى الزّمن والعمل ، ورواية عند الحنابلة ، وقالوا : إنّ المعقود عليه أوّلاً هو العمل وهو المقصود من العقد ، وذكر المدّة لمجرّد التّعجيل . وإن أوفى الشّرط استحقّ الأجر المسمّى وإلاّ استحقّ أجر المثل بشرط ألاّ يتجاوز الأجر المسمّى . وذهب أبو حنيفة والشّافعيّ - وهو رواية أخرى عند الحنابلة - إلى فساد هذا العقد لأنّه يفضي إلى الجهالة والتّعارض ، لأنّ ذكر المدّة يجعله أجيراً خاصّاً ، والعقد على العمل يجعله أجيراً مشتركاً وهما متعارضان ، ويؤدّي ذلك للجهالة . 128 - والإجارة على المعاصي باطلة اتّفاقاً مع الأجير المشترك أيضاً كما سبق بالنّسبة للأجير الخاصّ . وكذلك يسري ما سبق هناك بالنّسبة للإجارة على بعض الطّاعات . وقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة بجواز الإجارة على غسل الميّت وحمله . وصرّح الحنابلة بجواز الإجارة على ذبح الأضحيّة والهدي وتفريق الصّدقات وإعطاء الشّاهد ما يستعين به على الوصول إلى مجلس القضاء . ومنع المالكيّة استئجار الجنب والحائض والكافر لكنس المسجد واعتبروه من الإجارة على المعاصي . وفي كتب المذاهب العديد من الصّور . وهي في جملتها ترجع إلى حرمة الاستئجار على المعصية مطلقاً ، سواء أكانت محرّمةً لذاتها أم لغيرها . أمّا من أجاز الاستئجار على الطّاعات فيرى أنّ إباحة مثل هذه العقود للحاجة إليها . 129 - وممّا يتّصل بذلك استئجار المصحف للتّلاوة . فذهب الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى عدم جواز إجارته إجلالاً لكلام اللّه عن المعاوضة ، وأجاز الشّافعيّة والمالكيّة ذلك وهو وجه عند الحنابلة ذلك لأنّه انتفاع مباح تجوز الإجارة من أجله فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب . غير أنّ المالكيّة قالوا : إنّه لا يتّفق مع مكارم الأخلاق .</p><p>التزامات الأجير المشترك :</p><p>130 - يلتزم الأجير المشترك بإنجاز العمل المتعاقد عليه ، وكلّ ما كان من توابع ذلك العمل لزم الأجير حسب العرف ما لم يشترط غير ذلك . فمن تعاقد مع خيّاط ليخيط له ثوباً فالخيط والإبرة على الخيّاط ، كما هو العرف ، إلاّ إذا كان هناك شرط أو تغيّر العرف . 131 - وإذا شرط المكتري على الأجير أن يعمل بنفسه لزمه ذلك لأنّ العامل تعيّن بالشّرط ، فإن لم يشترط ذلك فله أن يستأجر من يعمله لأنّ المستحقّ عمل في الذّمّة إلاّ إن كان العمل لا يقوم فيه غيره مقامه كالنّسخ لأنّ الغرض لا يحصل من غيره كحصوله منه . وكذا كلّ ما يختلف باختلاف العامل ، مع ملاحظة أنّ الصّانع إذا ما استعان بتلميذه كان عمل التّلميذ - المساعد - مضافاً إلى أستاذه الأجير الّذي تمّ معه التّعاقد . 132 - ولا خلاف في أنّ الأجير يلتزم بتسليم العمل ، فإذا كان العمل في يد المستأجر كأن يستأجر رجلاً ليبني له جداراً أو داراً أو يحفر له قناةً أو بئراً ، فكلّما أتمّ منه قدراً حقّ له أن يطالب بما يقابله من أجر لأنّ التّسليم قد تحقّق . أمّا إذا كان العمل ليس في حوزة ربّ العمل فليس من حقّ الأجير المطالبة بالأجرة قبل الفراغ من العمل وتسليمه للمكتري ، لتوقّف وجوب الأجر على ذلك . فالقصّار والصّبّاغ والنّسّاج ونحوهم ممّن يعملون في حوانيتهم أو دورهم الخاصّة لا يستحقّون الأجر إلاّ بردّ العمل إلاّ إذا اشترط التّعجيل أو عجّل بالفعل .</p><p>تضمين الأجير المشترك :</p><p>133 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعدّ أو تفريط جسيم : يضمن . أمّا إذا تلف بغير هذين ففيه تفصيل في المذاهب : فالصّاحبان ( أبو يوسف ومحمّد ) والحنابلة اعتبروا التّلف بفعله سواء كان عن قصد أو غير قصد ، أو بتقصير أو دونه ، موجباً للضّمان ، تابعوا في ذلك عمر وعليّاً ، حفظاً لأموال النّاس . ومثل ذلك إذا كان التّلف بغير فعله . وكان من الممكن دفعه كالسّرقة العاديّة والحريق العاديّ . وإلى هذا ذهب بعض متأخّري المالكيّة . وهو قول للشّافعيّة . ومتقدّمو المالكيّة وزفر ذهبوا إلى عدم التّضمين . وهو قول للشّافعيّة أيضاً . وذهب أبو حنيفة إلى الضّمان إذا كان التّلف بفعله ، أو بفعل تلميذه ، سواء قصد أو لا ، لأنّه مضاف إلى فعله ، وهو لم يؤمر إلاّ بعمل فيه صلاح ، وعمل التّلميذ منسوب إليه ، وإلى عدم الضّمان ، إذا كان بفعل غيره ، وهو القياس . وذهب ابن أبي ليلى إلى تضمين الأجير المشترك مطلقاً في جميع الأحوال . 134 - وإذا وجب الضّمان على الأجير المشترك ، فإن كانت العين هلكت بعد العمل فالمكتري بالخيار : إن شاء ضمّنه قيمته معمولاً ، ويحطّ الأجرة من الضّمان ، وإن شاء ضمّنه قيمته غير معمول ولم يكن عليه أجرة . وإن كان الهلاك الموجب للضّمان حصل قبل العمل ضمن قيمته غير معمول . وهو لم يعمل شيئاً يستحقّ أجراً عليه . وهذا ما اتّجه إليه الجمهور . وكذلك إذا هلكت العين هلاكاً لا يوجب الضّمان فإنّ الأجير المشترك لا يستحقّ أجراً لأنّ الأجر يستحقّ بالتّسليم بعد الفراغ . الوقت المعتبر لتقدير الضّمان :</p><p>135 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة في قول عندهم وهو المستفاد من مذهب الحنابلة إلى أنّ العبرة في تقدير الضّمان هو يوم حصول سبب الضّمان ، وهو التّلف أو التّعدّي . أمّا المالكيّة فقالوا : تقدّر قيمتها بيوم تسليمها إلى الأجير المشترك ، لا يوم التّلف ولا يوم الحكم . والقول الآخر للشّافعيّة : أنّ القيمة تعتبر أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التّلف ، كالغاصب . وأمّا إن قيل بعدم الضّمان إلاّ بالتّعدّي فتقدّر القيمة ما كانت من حين التّعدّي إلى حين التّلف لأنّ الضّمان بالتّعدّي . 136 - ولا يجوز لربّ العمل أن يشترط الضّمان على الأجير فيما لا يجب عليه ضمانه ، لأنّ شرط الضّمان في الأمانة باطل ، لمنافاته لمقتضى العقد . وكذا لا يجوز اشتراط نفي الضّمان عن الأجير فيما يجب فيه عليه الضّمان . ويفسد العقد بهذا الاشتراط لمنافاته لمقتضى العقد . وللصّانع أجر المثل ، لا المسمّى ، لأنّه إنّما رضي به لإسقاط الضّمان عنه . هذا ما نصّ عليه الحنفيّة والمالكيّة ، وهو أحد وجهين عند الحنابلة . وعند الحنابلة وجه آخر . فقد سئل أحمد عن اشتراط الضّمان ونفيه ، فقال : المسلمون على شروطهم . قال ابن قدامة : وهذا يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، ووجوبه بشرطه .</p><p>التزامات ربّ العمل إزاء الأجير المشترك :</p><p>137 - يلزم الآجر أن يسلّم العين المراد إجراء العمل عليها للأجير في الوقت المشروط الملفوظ أو الملحوظ ، إذ لا يتحقّق التّمكين إلاّ بذلك . وفي تسليم التّوابع يعتبر العرف ما لم يكن هنا شرط ، على ما ذكر عند الكلام عن التزامات الأجير المشترك . 138 - ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة للأجير المشترك بعد انقضاء العمل وتسلّمه ، ما لم يكن بينهما شرط بالتّعجيل أو بالتّأجيل ، وما لم يكن العمل المأجور فيه ممّا ليس له أثر في العين ، كالحمّال والسّمسار ونحوهما ، إذ لا يتوقّف الأجر فيها على التّسليم ، فلو هلك المحمول عن رأس الحمّال قبل تسليمه ، أو هلك الشّيء الّذي طلب من السّمسار بيعه أو شراؤه ، استحقّ أجرةً بما عمل . أمّا ما كان للعمل أثر فيه ، كالثّوب المطلوب صبغه ، فإنّه لا أجر له إلاّ بعد الفراغ من العمل وتسليمه ، ما لم يكن هناك شرط مخالف ، فلو هلك الثّوب قبل التّسليم سقط الأجر . هذا بالنّسبة لما كان يعمله بعيداً عن المستأجر . أمّا إن كان الأجير يعمل في بيت المستأجر أو تحت يده ، فقيل إنّه يستحقّ الأجر بحساب ما عمل . وقيل : لا يستحقّه إلاّ بعد الفراغ من العمل ، على ما سبق في بحث الأجرة . وتنقضي إجارة الأجير المشترك بإتمام العمل وتسليمه ، كما تنقضي بهلاك العين محلّ العمل ، إلى غير ذلك من الأسباب الّتي ذكرناها قبل في انقضاء الإجارة بوجه عامّ وما فيها من تفصيل .</p><p>أنواع من الأجير المشترك : إجارة الحجّام والطّبيب وتضمينهما :</p><p>139 - الحجامة جائزة اتّفاقاً . وفي أخذ الأجرة عليها ثلاثة اتّجاهات لتعارض الآثار : فقال البعض : إنّه مباح عند الجمهور ، « لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجّام أجراً » . فقد روى البخاريّ بسنده عن ابن عبّاس قال : « احتجم النّبيّ وأعطى الحجّام أجره » ولو كان ذلك غير مشروع لما أقدم عليه الرّسول صلى الله عليه وسلم . وذهب البعض إلى كراهة ذلك ، لما روي مسنداً إلى رافع بن خديج من أنّ الرّسول عليه الصلاة والسلام قال : « كسب الحجّام خبيث » ، ويردّ عليه بأنّه منسوخ بما روي « أنّه عليه الصلاة والسلام قال له رجل : إنّ لي عيالاً وغلاماً حجّاماً ، أفأطعم عيالي من كسبه ؟ قال : نعم » وقال الأتقانيّ : إنّ حديث النّهي محمول على الكراهة من طريق المروءة . الاتّجاه الثّالث : أنّه حرام ، لما روي عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال : « من السّحت كسب الحجّام » وبعد أن عرضت كتب الفقه أدلّة كلّ اتّجاه ، وناقشتها بما ينتج عدم التّحريم ، قال ابن قدامة : ليس في المسألة قول بالتّحريم ، وإنّما يكره للحرّ أكل كسب الحجّام . ويكره تعلّم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها ، لما فيها من دناءة . قال ابن عابدين : وإن شرط الحجّام شيئاً على الحجامة كره .</p><p>140 - وإذا ما استأجر شخص حجّاماً ، ثمّ بدا له ألاّ يفعل ، فله حقّ الفسخ لأنّ فيه استهلاك مال أو غرماً أو ضرراً .</p><p>ضمان الحجّام :</p><p>141 - لا ضمان على الحجّام إلاّ إذا جاوز المعتاد . فإن لم يجاوزه فلا ضمان عليه ، لأنّ ضرر الحجامة ينبني على قوّة الطّبع وضعفه ولا يعرف الحجّام ذلك بنفسه ، وهو ما يتحمّل المحجوم من الجرح ، فلا يمكن اعتبار السّلامة ، فيسقط الضّمان . وفي المغني : لا ضمان على حجّام ولا ختّان ولا طبيب إذا توافر أنّهم ذوو حذق في صناعتهم وألاّ يتجاوزوا ما ينبغي عمله . فإن تحقّق هذان الشّرطان فلا ضمان ، لأنّ فعلهم مأذون فيه . أمّا إن كان الحجّام ونحوه حاذقاً وتجاوز ، أو لم يكن حاذقاً ، ضمن ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال ، ولأنّه فعل محرّم فيضمن سرايته . وهذا مذهب الشّافعيّ وأصحاب الرّأي . ولا نعلم فيه خلافاً . 142 - واستئجار الحجّام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشّعر وتقصيره والختان وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه ، جائز بغير خلاف ، لأنّ هذه الأمور تدعو الحاجة إليها ، ولا تحرم فيها ، فجازت الإجازة فيها وأخذ الأجر عليها . 143 - واستئجار الطّبيب للعلاج جائز ، وأخذه أجراً على ذلك مباح ، بشرط أن يكون خطؤه نادراً كما يصرّح الشّافعيّة . فإن لم يكن كذلك لم يصحّ العقد ، ويضمن . وقالوا : إذا استأجره للمداواة في مدّة معيّنة لم يجز ، لأنّه جمع بين العمل والزّمن . وفي قول آخر لهم ، وهو ما أخذ به الحنابلة : يقدّر الاستئجار للمداواة بالمدّة دون البرء ، إذ البرء غير معلوم . فإن داواه المدّة ولم يبرأ استحقّ الأجر ، لأنّه وفّى العمل . وإن برئ في أثنائها ، أو مات ، انفسخت الإجارة فيما بقي ، ويستحقّ من الأجر بالقسط . وعند الإمام مالك أنّه لا يستحقّ أجراً حتّى يبرأ . ولم يحك ذلك أصحابه . 144 - وإن امتنع المريض من العلاج مع بقاء المرض استحقّ الطّبيب الأجر ما دام قد سلّم نفسه ومضى زمن المعالجة ، لأنّ الإجارة عقد لازم ، وقد بذل الأجير ما عليه . ويملك الطّبيب الأجرة ما دام قد قام بالمعتاد . 145 - ولا تجوز مشارطة الطّبيب على البرء . ونقل ابن قدامة عن ابن أبي موسى الجواز ، وقال : إنّه الصّحيح ، لكن يكون جعالةً لا إجارةً ، إذ الإجارة لا بدّ فيها من مدّة أو عمل معلوم . وقال : إنّ أبا سعيد حين رقى الرّجل شارطه على البرء . وقد أجاز ذلك مالك ، ففي الشّرح الصّغير . لو شارطه طبيب على البرء فلا يستحقّ الأجر إلاّ بحصوله . ولا ضمان على الطّبيب إلاّ بالتّفريط ما دام من أهل المعرفة ولم يخطئ ، وإلاّ ضمن . 146 - وإذا زال الألم ، وشفي المريض قبل مباشرة الطّبيب ، كان عذراً تنفسخ به الإجارة . يقول ابن عابدين : وإذا سكن الضّرس الّذي استؤجر الطّبيب لخلعه فهذا عذر تنفسخ به الإجارة . ولم يخالف في ذلك أحد حتّى من لم يعتبروا العذر موجباً للفسخ ، فقد نصّ كلّ من الشّافعيّة والحنابلة على أنّ من استأجر رجلاً ليقلع له ضرساً ، فسكن الوجع ، أو ليكحّل له عيناً ، فبرئت انفسخ العقد لتعذّر استيفاء المعقود عليه .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40472, member: 329"] الإجارة على المعاصي والطّاعات : 108 - الإجارة على المنافع المحرّمة كالزّنى والنّوح والغناء والملاهي محرّمة . وعقدها باطل لا يستحقّ به أجرة . ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناءً ونوحاً ، لأنّه انتفاع بمحرّم . وقال أبو حنيفة يجوز . ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها ، ولا على حمل الخنزير . وبهذا قال أبو يوسف ومحمّد والشّافعيّ . وقال أبو حنيفة : يجوز ، لأنّ العمل لا يتعيّن عليه ، بدليل أنّه لو حمل مثله جاز . وروي عن أحمد فيمن حمل خنزيراً أو خمراً لنصرانيّ قوله : إنّي أكره أكل كرائه ، ولكن يقضى للحمّال بالكراء . والمذهب خلاف هذه الرّوايات ، لأنّه استئجار لفعل محرّم ، فلم يصحّ ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعن حاملها والمحمولة إليه . وأمّا حمل هذه الأشياء لإراقتها وإتلافها فجائز إجماعاً . 109 - والأصل أنّ كلّ طاعة يختصّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها ، كالإمامة والأذان والحجّ وتعليم القرآن والجهاد . وهو قول عطاء والضّحّاك بن قيس وأبي حنيفة ومذهب أحمد ، لما روى عثمان بن أبي العاص ، قال : إنّ « آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً » . وما رواه عبادة بن الصّامت ، قال : « علّمت ناساً من أهل الصّفّة القرآن والكتابة . فأهدى إليّ رجل منهم قوساً . قال : قلت : قوس . وليست بمال ، أتقلّدها في سبيل اللّه . فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم . فقال : إن سرّك أن يقلّدك اللّه قوساً من نار فاقبلها » وعن عبد الرّحمن بن شبل الأنصاريّ قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول « : اقرءوا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به » ولأنّ من شرط صحّة هذه الأفعال كونها قربةً إلى اللّه تعالى ، فلم يجز أخذ الأجر عليها . وقد نصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز قراءة القرآن بأجر ، وأنّه لا يترتّب على ذلك ثواب ، والآخذ والمعطي آثمان ، وأنّ ما يحدث في زماننا من قراءة القرآن بأجر عند المقابر وفي المآتم لا يجوز . والإجارة على مجرّد القراءة باطلة ، وأنّ الأصل أنّ الإجارة على تعليمه غير جائزة . لكنّ المتأخّرين أجازوا الإجارة على تعليمه استحساناً . وكذا ما يتّصل بإقامة الشّعائر كالإمامة والأذان للحاجة . 110 - وأجاز مالك والشّافعيّ أخذ الأجر على قراءة القرآن وتعليمه . وهو رواية عن أحمد . وقال به أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر ، « لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بما معه من القرآن ، وجعل ذلك يقوم مقام المهر » ، فجاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة . وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصّحيح أنّه قال : « إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه » . ولا يكاد يوجد متبرّع بذلك ، فيحتاج إلى بذل الأجر فيه . وقد نصّ المالكيّة على كراهة الأجرة على قراءة القرآن بلحن ، لأنّ القراءة على هذا الوجه مكروهة إذا لم يخرج عن حدّه . قال الصّاويّ : أمّا الإجارة على أصل القراءة فجائز . وصرّح الشّافعيّة بجواز قراءة القرآن عند القبر ، والاستئجار على ذلك . 111 - وقد أجاز المالكيّة أيضاً أخذ الأجرة على الإمامة . كما أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق . وقالوا : يجوز الإجارة للمندوبات وفروض الكفاية . وكذلك أجاز الشّافعيّة أخذ الأجرة على الحجّ والعمرة عن الغير مع التّعيين . كما أجازوا للحاكم أن يستأجر الكافر للجهاد . أمّا المسلم ، ولو صبيّاً ، فلا تصحّ إجارته للجهاد ، لتعيّنه عليه . 112 - وربّ العمل ملتزم بالوفاء بأجر العامل بتسليم نفسه ، كما تقدّم قبل ، وإن لم يعمل ، وبشرط ألاّ يمتنع عمّا يطلب منه من عمل . فإن امتنع بغير حقّ فلا يستحقّ الأجر ، بغير خلاف في هذا . 113 - والعطيّة الّتي تقدّم للأجير من الخارج لا تحسب من الأجرة . ولو قال شخص لآخر اعمل هذا العمل أكرمك ، ولم يبيّن مقدار ما يكرمه به ، فعمل ما طلب منه استحقّ أجر المثل ، لأنّها إجارة فاسدة ، لجهالة الأجر . 114 - والأصل أن يكون الأجر معلوماً ، فإذا ما تراضيا على أن يكون الأجر هنا طعام الأجير وكسوته . أو جعل له أجراً وشرط طعامه وكسوته ، فإنّ في المسألة ثلاثة اتّجاهات : فالمالكيّة ، والرّواية المعتبرة عند أحمد ، أنّه يجوز ، لما روى ابن ماجه عن عتبة بن النّدّر قال : « كنّا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقرأ { طسم } سورة القصص ، حتّى بلغ قصّة موسى ، قال : إنّ موسى آجر نفسه على عفّة فرجه وطعام بطنه » ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه . وعن أبي هريرة أنّه قال : كنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، أحطب لهم إذا نزلوا ، وأحدو بهم إذا ركبوا ولأنّ جواز ذلك ثبت في الظّئر بالنّصّ ، وهو قوله تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ } فيثبت في غيرها بالقياس عليها ، ولأنّه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التّسمية ، وإن تشاحّا في مقدار الطّعام والكسوة رجع في القوت إلى الإطعام في الكفّارات ، وفي الكسوة إلى أقلّ ملبوس مثله ، أو يحكّم العرف . وإن اشترط الأجير كسوةً ونفقةً معلومةً موصوفةً جاز ذلك عند الجميع . ويرى الحنفيّة ، وهي الرّواية الثّانية عن أحمد . اختارها القاضي ، أنّ ذلك لا يجوز لما في ذلك من جهالة بالأجر . واستثنوا إجارة الظّئر ، لأنّ العادة جرت بإكرام الظّئر . ويرى الشّافعيّة والصّاحبان من الحنفيّة ، وأبو ثور وابن المنذر ، وهو رواية عن أحمد ، عدم جواز ذلك مطلقاً في الظّئر وغيرها ، لأنّه يختلف اختلافاً كثيراً متبايناً فيكون مجهولاً ، ومن شرط الأجر أن يكون معلوماً . انقضاء إجارة الأجير الخاصّ : 115 - تنقضي إجارة الأجير الخاصّ بالأسباب العامّة الّتي ذكرناها . وإذا أكرى الأجير نفسه ، فهرب ، فإن كانت الإجارة على موصوف في الذّمّة استؤجر بدله من ماله ، وإن لم يكن يثبت للمستأجر الخيار في الفسخ أو الانتظار ، وذلك كما لو استأجر سيّارةً بسائقها من غير أن يعيّن السّائق ، أو جمالاً بقائدها دون تعيين ، فهرب السّائق أو القائد ، فإن انتظر فإنّ الإجارة تنفسخ عن كلّ يوم يمضي ، لأنّ المنافع تتلف بمضيّ الزّمن . وإن كانت الإجارة على عمل معيّن لم ينفسخ لأنّه يمكن استيفاؤه إذا وجده . إجارة الظّئر ( المرضع ) : 116 - إجارة الظّئر ورد بها الشّرع كما سبق . وينبغي أن تكون بأجر معلوم . وتكلّم الفقهاء عن المعقود عليه هنا ، فقيل : إنّ العقد ينصبّ على المنافع ، وهي خدمتها للصّبيّ ، والقيام به . واللّبن يستحقّ عن طريق التّبع ، بمنزلة الصّبغ في الثّوب ، لأنّ اللّبن عين فلا يعقد عليه في الإجارة . وقيل : إنّ العقد يقع على اللّبن أصلاً ، والخدمة تبع ، فلو أرضعته بلبن شاة لا تستحقّ الأجر ، ولو أرضعته دون أن تخدمه استحقّت الأجرة . ولو خدمته بدون الرّضاع لم تستحقّ شيئاً . وأمّا كونه عيناً فإنّ العقد مرخّص فيه في الإجارة للضّرورة لحفظ الآدميّ . ويجوز استئجارها بالطّعام والكسوة إذا تحدّد ذلك في العقد وبيّن اتّفاقاً . جاء في الجامع الصّغير : « فإن سمّى الطّعام ، ووصف جنس الكسوة ، وأجلها ، وذرعها ، فهو جائز بالإجماع » . أمّا إذا لم يتحدّد ذلك فإنّه يجوز عند الجمهور على ما سبق » . 117 - وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدرّ لبنها ويصلح به . وللمكتري مطالبتها بذلك ، لأنّه من تمام التّمكين من الإرضاع ، وفي تركه إضرار بالرّضيع . وإن دفعته إلى خادمتها فأرضعته فلا أجر لها . وبه قال أبو ثور . وقال أصحاب الرّأي : لها أجرها . لأنّ رضاعه حصل بفعلها . وعليها أن تقوم بشئون الرّضيع من تنظيفه وغسل ثيابه عند الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة ، لأنّ المعقود عليه في الإجارة هو الخدمة ، وتستحقّ بالعقد . ويتّفق معهم سائر الفقهاء إن اشترط ذلك في العقد ، أو جرى العرف به ، وإن كان الأصل عند مالك وبعض الشّافعيّة أنّ ذلك على الأب ، لأنّ الحضانة والرّضاعة منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى ، فلا يلزم من العقد على الإرضاع دخول الحضانة . 118 - ولا يجوز استئجار الظّئر بدون إذن زوجها . وله حقّ فسخ الإجارة إذا لم يعلم بها ، صيانةً لحقّه . وله أن يطلبها عنده لاستيفاء حقّه الشّرعيّ منها . وليس للمستأجر أن يمنعها من ذلك عند الحنفيّة . وإذا حبلت حقّ للمستأجر فسخ الإجارة إن خشي على الصّبيّ من لبنها بعد الحبل . وقال المالكيّة : إنّ للمستأجر أن يمنع الزّوج من وطئها ما دام قد أذن لها في الإرضاع ، لأنّ ضرر الطّفل بسببه محتمل . 119 - ولو مات الصّبيّ المعقود على إرضاعه انفسخ العقد ، لأنّه تعذّر استيفاؤه ، فلا يمكن إقامة غير الصّبيّ المعقود عليه مقامه لاختلاف الصّبية في الرّضاعة . ومن الشّافعيّة من قال : لا ينفسخ ، لأنّ المنفعة باقية ، وإنّما هلك المستوفي ، فلو تراضيا على إرضاع صبيّ آخر جاز . وللظّئر حقّ الفسخ إن مات المستأجر " وليّ الطّفل " وكانت لم تقبض الأجرة منه قبل موته ، ولم يترك له مالاً تستوفي أجرها منه ، ولا مال للولد ، ولم يتطوّع أحد بالأجرة . ويصرّح الحنابلة بأنّ الإجارة تنفسخ بموت المرضعة لفوات المنفعة بهلاك محلّها . وحكي عن أبي بكر أنّها لا تنفسخ ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت إن كانت قد عجّلت لها الأجرة ، لأنّه دين في ذمّتها . وصرّح الشّافعيّة بأنّ العقد لا يصحّ حتّى يعرف الصّبيّ الّذي عقد على إرضاعه ، لأنّه يختلف الرّضاع باختلافه ، ولا يعرف ذلك إلاّ بالتّعيين . كما أنّه لا بدّ من ذكر موضع الرّضاع . وزاد الحنابلة التّصريح بمعرفة العوض ومدّة الرّضاعة . كما صرّح به الحنفيّة أيضاً . إجارة العاملين في الدّولة : 120 - عالج الفقهاء قديماً هذه المسألة واعتبروا بعض الوظائف ممّا تصحّ الإجارة عليه ممّا لا يتّصل بالقربات ، ولا تشترط له النّيّة ، كتنفيذ الحدود ، والكتابة في الدّواوين ، وجباية الأموال ، ونحو ذلك . وهؤلاء يطبّق عليهم أحكام الأجير الخاصّ في أكثر الأقوال وفي أكثر الأحوال . وقالوا : إنّ لوليّ الأمر أن ينهي الإجارة متى رأى المصلحة في ذلك ، وليس لأحد هؤلاء أن يستقيل باختياره . 121 - وهناك وظائف أخرى ، كوظائف الولاة والقضاة ، وكلّ من يقوم بعمل فيه قربة تحتاج إلى نيّة ، فمرتّباتهم من قبيل الأرزاق لا من قبيل الأجرة ، لدفع الحاجة ، وهم غير مقيّدين بوقت . وقد تقدّم رأي الفقهاء في جواز أو عدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن وتعليمه والأذان والإمامة وغيرها . هذا حاصل ما أورده الفقهاء في هذه المسألة . . ( المطلب الثّاني ) ثانياً - الأجير المشترك 122 - الأجير المشترك هو الّذي يعمل للمؤجّر ولغيره ، كالبنّاء الّذي يبني لكلّ أحد ، والملاّح الّذي يحمل لكلّ أحد . وهذا ما يؤخذ من تعريفات الفقهاء جميعاً . 123 - ولا خلاف في أنّ الأجير المشترك عقده يقع على العمل ، ولا تصحّ إجارته إلاّ ببيان نوع العمل أوّلاً . ولا يمنع هذا من ذكر المدّة أيضاً . فإن قال للرّاعي : ترعى غنمي مدّة شهر ، كان أجيراً مشتركاً ، إلاّ إذا شرط عليه عدم الرّعي لغيره على ما سيأتي . 124 - ولا مانع من أن يؤجّر المسلم نفسه من ذمّيّ إجارةً مشتركةً ، كأن يكون طبيباً أو خيّاطاً أو معلّماً . فيقدّم عمله لمن يطلبه منه ، لأنّ ذلك لا يخرجه إلى حدّ التّبعيّة والخضوع له ، وليس فيه استذلال . 125 - والأصل أن يكون العمل من الصّانع - الأجير - والعين من صاحب العمل . غير أنّ العرف جرى على أن يقدّم الأجير المشترك الخيط من عنده في الخياطة ، والصّبغ من عنده في الصّباغة ، ممّا يعتبر تابعاً للصّنعة ، ولا يخرجه ذلك من كونه عقد إجارة إلى عقد استصناع . 126 - وقد يتمّ العقد مع الأجير المشترك بالتّعاطي - مع مراعاة خلاف الشّافعيّة السّابق في عقود المعاطاة - كما في الرّكوب في سيّارات النّقل العامّ ، كما يصحّ أن يكون العاقد واحداً ، أو جماعةً كالحكومة والمؤسّسات والشّركات . 127 - ويجب أن تكون المنفعة الّتي يستأجر عليها محدّدةً معلومة القدر . وقد تحدّد بتحديد محلّها ، ويكون للأجير المشترك خيار الرّؤية في كلّ عمل يختلف باختلاف المحلّ كما يرى الحنفيّة والحنابلة ، ويكون له خيار الرّؤية في إجارة الأعيان عموماً عند الشّافعيّة . وقد تحدّد المنفعة بتحديد المدّة وحدها ، كما تحدّد بتحديد العمل ، كإجارة خياطة الثّوب وقد تتحدّد بالعمل والمدّة معاً عند الصّاحبين وهو مذهب المالكيّة إذا تساوى الزّمن والعمل ، ورواية عند الحنابلة ، وقالوا : إنّ المعقود عليه أوّلاً هو العمل وهو المقصود من العقد ، وذكر المدّة لمجرّد التّعجيل . وإن أوفى الشّرط استحقّ الأجر المسمّى وإلاّ استحقّ أجر المثل بشرط ألاّ يتجاوز الأجر المسمّى . وذهب أبو حنيفة والشّافعيّ - وهو رواية أخرى عند الحنابلة - إلى فساد هذا العقد لأنّه يفضي إلى الجهالة والتّعارض ، لأنّ ذكر المدّة يجعله أجيراً خاصّاً ، والعقد على العمل يجعله أجيراً مشتركاً وهما متعارضان ، ويؤدّي ذلك للجهالة . 128 - والإجارة على المعاصي باطلة اتّفاقاً مع الأجير المشترك أيضاً كما سبق بالنّسبة للأجير الخاصّ . وكذلك يسري ما سبق هناك بالنّسبة للإجارة على بعض الطّاعات . وقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة بجواز الإجارة على غسل الميّت وحمله . وصرّح الحنابلة بجواز الإجارة على ذبح الأضحيّة والهدي وتفريق الصّدقات وإعطاء الشّاهد ما يستعين به على الوصول إلى مجلس القضاء . ومنع المالكيّة استئجار الجنب والحائض والكافر لكنس المسجد واعتبروه من الإجارة على المعاصي . وفي كتب المذاهب العديد من الصّور . وهي في جملتها ترجع إلى حرمة الاستئجار على المعصية مطلقاً ، سواء أكانت محرّمةً لذاتها أم لغيرها . أمّا من أجاز الاستئجار على الطّاعات فيرى أنّ إباحة مثل هذه العقود للحاجة إليها . 129 - وممّا يتّصل بذلك استئجار المصحف للتّلاوة . فذهب الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى عدم جواز إجارته إجلالاً لكلام اللّه عن المعاوضة ، وأجاز الشّافعيّة والمالكيّة ذلك وهو وجه عند الحنابلة ذلك لأنّه انتفاع مباح تجوز الإجارة من أجله فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب . غير أنّ المالكيّة قالوا : إنّه لا يتّفق مع مكارم الأخلاق . التزامات الأجير المشترك : 130 - يلتزم الأجير المشترك بإنجاز العمل المتعاقد عليه ، وكلّ ما كان من توابع ذلك العمل لزم الأجير حسب العرف ما لم يشترط غير ذلك . فمن تعاقد مع خيّاط ليخيط له ثوباً فالخيط والإبرة على الخيّاط ، كما هو العرف ، إلاّ إذا كان هناك شرط أو تغيّر العرف . 131 - وإذا شرط المكتري على الأجير أن يعمل بنفسه لزمه ذلك لأنّ العامل تعيّن بالشّرط ، فإن لم يشترط ذلك فله أن يستأجر من يعمله لأنّ المستحقّ عمل في الذّمّة إلاّ إن كان العمل لا يقوم فيه غيره مقامه كالنّسخ لأنّ الغرض لا يحصل من غيره كحصوله منه . وكذا كلّ ما يختلف باختلاف العامل ، مع ملاحظة أنّ الصّانع إذا ما استعان بتلميذه كان عمل التّلميذ - المساعد - مضافاً إلى أستاذه الأجير الّذي تمّ معه التّعاقد . 132 - ولا خلاف في أنّ الأجير يلتزم بتسليم العمل ، فإذا كان العمل في يد المستأجر كأن يستأجر رجلاً ليبني له جداراً أو داراً أو يحفر له قناةً أو بئراً ، فكلّما أتمّ منه قدراً حقّ له أن يطالب بما يقابله من أجر لأنّ التّسليم قد تحقّق . أمّا إذا كان العمل ليس في حوزة ربّ العمل فليس من حقّ الأجير المطالبة بالأجرة قبل الفراغ من العمل وتسليمه للمكتري ، لتوقّف وجوب الأجر على ذلك . فالقصّار والصّبّاغ والنّسّاج ونحوهم ممّن يعملون في حوانيتهم أو دورهم الخاصّة لا يستحقّون الأجر إلاّ بردّ العمل إلاّ إذا اشترط التّعجيل أو عجّل بالفعل . تضمين الأجير المشترك : 133 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعدّ أو تفريط جسيم : يضمن . أمّا إذا تلف بغير هذين ففيه تفصيل في المذاهب : فالصّاحبان ( أبو يوسف ومحمّد ) والحنابلة اعتبروا التّلف بفعله سواء كان عن قصد أو غير قصد ، أو بتقصير أو دونه ، موجباً للضّمان ، تابعوا في ذلك عمر وعليّاً ، حفظاً لأموال النّاس . ومثل ذلك إذا كان التّلف بغير فعله . وكان من الممكن دفعه كالسّرقة العاديّة والحريق العاديّ . وإلى هذا ذهب بعض متأخّري المالكيّة . وهو قول للشّافعيّة . ومتقدّمو المالكيّة وزفر ذهبوا إلى عدم التّضمين . وهو قول للشّافعيّة أيضاً . وذهب أبو حنيفة إلى الضّمان إذا كان التّلف بفعله ، أو بفعل تلميذه ، سواء قصد أو لا ، لأنّه مضاف إلى فعله ، وهو لم يؤمر إلاّ بعمل فيه صلاح ، وعمل التّلميذ منسوب إليه ، وإلى عدم الضّمان ، إذا كان بفعل غيره ، وهو القياس . وذهب ابن أبي ليلى إلى تضمين الأجير المشترك مطلقاً في جميع الأحوال . 134 - وإذا وجب الضّمان على الأجير المشترك ، فإن كانت العين هلكت بعد العمل فالمكتري بالخيار : إن شاء ضمّنه قيمته معمولاً ، ويحطّ الأجرة من الضّمان ، وإن شاء ضمّنه قيمته غير معمول ولم يكن عليه أجرة . وإن كان الهلاك الموجب للضّمان حصل قبل العمل ضمن قيمته غير معمول . وهو لم يعمل شيئاً يستحقّ أجراً عليه . وهذا ما اتّجه إليه الجمهور . وكذلك إذا هلكت العين هلاكاً لا يوجب الضّمان فإنّ الأجير المشترك لا يستحقّ أجراً لأنّ الأجر يستحقّ بالتّسليم بعد الفراغ . الوقت المعتبر لتقدير الضّمان : 135 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة في قول عندهم وهو المستفاد من مذهب الحنابلة إلى أنّ العبرة في تقدير الضّمان هو يوم حصول سبب الضّمان ، وهو التّلف أو التّعدّي . أمّا المالكيّة فقالوا : تقدّر قيمتها بيوم تسليمها إلى الأجير المشترك ، لا يوم التّلف ولا يوم الحكم . والقول الآخر للشّافعيّة : أنّ القيمة تعتبر أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التّلف ، كالغاصب . وأمّا إن قيل بعدم الضّمان إلاّ بالتّعدّي فتقدّر القيمة ما كانت من حين التّعدّي إلى حين التّلف لأنّ الضّمان بالتّعدّي . 136 - ولا يجوز لربّ العمل أن يشترط الضّمان على الأجير فيما لا يجب عليه ضمانه ، لأنّ شرط الضّمان في الأمانة باطل ، لمنافاته لمقتضى العقد . وكذا لا يجوز اشتراط نفي الضّمان عن الأجير فيما يجب فيه عليه الضّمان . ويفسد العقد بهذا الاشتراط لمنافاته لمقتضى العقد . وللصّانع أجر المثل ، لا المسمّى ، لأنّه إنّما رضي به لإسقاط الضّمان عنه . هذا ما نصّ عليه الحنفيّة والمالكيّة ، وهو أحد وجهين عند الحنابلة . وعند الحنابلة وجه آخر . فقد سئل أحمد عن اشتراط الضّمان ونفيه ، فقال : المسلمون على شروطهم . قال ابن قدامة : وهذا يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، ووجوبه بشرطه . التزامات ربّ العمل إزاء الأجير المشترك : 137 - يلزم الآجر أن يسلّم العين المراد إجراء العمل عليها للأجير في الوقت المشروط الملفوظ أو الملحوظ ، إذ لا يتحقّق التّمكين إلاّ بذلك . وفي تسليم التّوابع يعتبر العرف ما لم يكن هنا شرط ، على ما ذكر عند الكلام عن التزامات الأجير المشترك . 138 - ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة للأجير المشترك بعد انقضاء العمل وتسلّمه ، ما لم يكن بينهما شرط بالتّعجيل أو بالتّأجيل ، وما لم يكن العمل المأجور فيه ممّا ليس له أثر في العين ، كالحمّال والسّمسار ونحوهما ، إذ لا يتوقّف الأجر فيها على التّسليم ، فلو هلك المحمول عن رأس الحمّال قبل تسليمه ، أو هلك الشّيء الّذي طلب من السّمسار بيعه أو شراؤه ، استحقّ أجرةً بما عمل . أمّا ما كان للعمل أثر فيه ، كالثّوب المطلوب صبغه ، فإنّه لا أجر له إلاّ بعد الفراغ من العمل وتسليمه ، ما لم يكن هناك شرط مخالف ، فلو هلك الثّوب قبل التّسليم سقط الأجر . هذا بالنّسبة لما كان يعمله بعيداً عن المستأجر . أمّا إن كان الأجير يعمل في بيت المستأجر أو تحت يده ، فقيل إنّه يستحقّ الأجر بحساب ما عمل . وقيل : لا يستحقّه إلاّ بعد الفراغ من العمل ، على ما سبق في بحث الأجرة . وتنقضي إجارة الأجير المشترك بإتمام العمل وتسليمه ، كما تنقضي بهلاك العين محلّ العمل ، إلى غير ذلك من الأسباب الّتي ذكرناها قبل في انقضاء الإجارة بوجه عامّ وما فيها من تفصيل . أنواع من الأجير المشترك : إجارة الحجّام والطّبيب وتضمينهما : 139 - الحجامة جائزة اتّفاقاً . وفي أخذ الأجرة عليها ثلاثة اتّجاهات لتعارض الآثار : فقال البعض : إنّه مباح عند الجمهور ، « لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجّام أجراً » . فقد روى البخاريّ بسنده عن ابن عبّاس قال : « احتجم النّبيّ وأعطى الحجّام أجره » ولو كان ذلك غير مشروع لما أقدم عليه الرّسول صلى الله عليه وسلم . وذهب البعض إلى كراهة ذلك ، لما روي مسنداً إلى رافع بن خديج من أنّ الرّسول عليه الصلاة والسلام قال : « كسب الحجّام خبيث » ، ويردّ عليه بأنّه منسوخ بما روي « أنّه عليه الصلاة والسلام قال له رجل : إنّ لي عيالاً وغلاماً حجّاماً ، أفأطعم عيالي من كسبه ؟ قال : نعم » وقال الأتقانيّ : إنّ حديث النّهي محمول على الكراهة من طريق المروءة . الاتّجاه الثّالث : أنّه حرام ، لما روي عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال : « من السّحت كسب الحجّام » وبعد أن عرضت كتب الفقه أدلّة كلّ اتّجاه ، وناقشتها بما ينتج عدم التّحريم ، قال ابن قدامة : ليس في المسألة قول بالتّحريم ، وإنّما يكره للحرّ أكل كسب الحجّام . ويكره تعلّم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها ، لما فيها من دناءة . قال ابن عابدين : وإن شرط الحجّام شيئاً على الحجامة كره . 140 - وإذا ما استأجر شخص حجّاماً ، ثمّ بدا له ألاّ يفعل ، فله حقّ الفسخ لأنّ فيه استهلاك مال أو غرماً أو ضرراً . ضمان الحجّام : 141 - لا ضمان على الحجّام إلاّ إذا جاوز المعتاد . فإن لم يجاوزه فلا ضمان عليه ، لأنّ ضرر الحجامة ينبني على قوّة الطّبع وضعفه ولا يعرف الحجّام ذلك بنفسه ، وهو ما يتحمّل المحجوم من الجرح ، فلا يمكن اعتبار السّلامة ، فيسقط الضّمان . وفي المغني : لا ضمان على حجّام ولا ختّان ولا طبيب إذا توافر أنّهم ذوو حذق في صناعتهم وألاّ يتجاوزوا ما ينبغي عمله . فإن تحقّق هذان الشّرطان فلا ضمان ، لأنّ فعلهم مأذون فيه . أمّا إن كان الحجّام ونحوه حاذقاً وتجاوز ، أو لم يكن حاذقاً ، ضمن ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال ، ولأنّه فعل محرّم فيضمن سرايته . وهذا مذهب الشّافعيّ وأصحاب الرّأي . ولا نعلم فيه خلافاً . 142 - واستئجار الحجّام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشّعر وتقصيره والختان وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه ، جائز بغير خلاف ، لأنّ هذه الأمور تدعو الحاجة إليها ، ولا تحرم فيها ، فجازت الإجازة فيها وأخذ الأجر عليها . 143 - واستئجار الطّبيب للعلاج جائز ، وأخذه أجراً على ذلك مباح ، بشرط أن يكون خطؤه نادراً كما يصرّح الشّافعيّة . فإن لم يكن كذلك لم يصحّ العقد ، ويضمن . وقالوا : إذا استأجره للمداواة في مدّة معيّنة لم يجز ، لأنّه جمع بين العمل والزّمن . وفي قول آخر لهم ، وهو ما أخذ به الحنابلة : يقدّر الاستئجار للمداواة بالمدّة دون البرء ، إذ البرء غير معلوم . فإن داواه المدّة ولم يبرأ استحقّ الأجر ، لأنّه وفّى العمل . وإن برئ في أثنائها ، أو مات ، انفسخت الإجارة فيما بقي ، ويستحقّ من الأجر بالقسط . وعند الإمام مالك أنّه لا يستحقّ أجراً حتّى يبرأ . ولم يحك ذلك أصحابه . 144 - وإن امتنع المريض من العلاج مع بقاء المرض استحقّ الطّبيب الأجر ما دام قد سلّم نفسه ومضى زمن المعالجة ، لأنّ الإجارة عقد لازم ، وقد بذل الأجير ما عليه . ويملك الطّبيب الأجرة ما دام قد قام بالمعتاد . 145 - ولا تجوز مشارطة الطّبيب على البرء . ونقل ابن قدامة عن ابن أبي موسى الجواز ، وقال : إنّه الصّحيح ، لكن يكون جعالةً لا إجارةً ، إذ الإجارة لا بدّ فيها من مدّة أو عمل معلوم . وقال : إنّ أبا سعيد حين رقى الرّجل شارطه على البرء . وقد أجاز ذلك مالك ، ففي الشّرح الصّغير . لو شارطه طبيب على البرء فلا يستحقّ الأجر إلاّ بحصوله . ولا ضمان على الطّبيب إلاّ بالتّفريط ما دام من أهل المعرفة ولم يخطئ ، وإلاّ ضمن . 146 - وإذا زال الألم ، وشفي المريض قبل مباشرة الطّبيب ، كان عذراً تنفسخ به الإجارة . يقول ابن عابدين : وإذا سكن الضّرس الّذي استؤجر الطّبيب لخلعه فهذا عذر تنفسخ به الإجارة . ولم يخالف في ذلك أحد حتّى من لم يعتبروا العذر موجباً للفسخ ، فقد نصّ كلّ من الشّافعيّة والحنابلة على أنّ من استأجر رجلاً ليقلع له ضرساً ، فسكن الوجع ، أو ليكحّل له عيناً ، فبرئت انفسخ العقد لتعذّر استيفاء المعقود عليه . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية