الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40863" data-attributes="member: 329"><p>ب - الاستلاف : </p><p>3 - الاستلاف لغةً : أخذ السّلف ، وسلف في كذا وأسلف : إذا قدّم الثّمن فيه . والسّلف كالسّلم والقرض بلا منفعةٍ أيضاً . يقال : أسلفه مالاً إذا أقرضه . صفة الاستدانة </p><p> حكمها التّكليفيّ :</p><p>4 - الأصل في الاستدانة الإباحة ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه } . ولأنّ النّبيّ كان يستدين .</p><p> وقد تعتريها أحكامٌ أخرى بحسب السّبب الباعث ، كالنّدب في حال عسر المدين ، وكالوجوب للمضطرّ ، وكالتّحريم فيمن يستدين قاصداً المماطلة ، أو جحد الدّين . وكالكراهة إذا كان غير قادرٍ على الوفاء ، وليس مضطرّاً ولا قاصداً المماطلة .</p><p>صيغة الاستدانة : </p><p>5 - تكون الاستدانة بكلّ ما يدلّ على التزام الذّمّة بدينٍ ، قرضاً كان أو سلماً ، أو ثمناً لمبيعٍ بأجلٍ ويفصّل الفقهاء ذلك عند الكلام في مصطلح : ( عقدٌ ) ( وقرضٌ ) ( ودينٌ ) .</p><p>الأسباب الباعثة على الاستدانة :</p><p>أوّلاً : الاستدانة لحقوق اللّه تعالى : </p><p>6 - حقوق اللّه تعالى الماليّة ، كالزّكاة ، لا تثبت في الذّمّة إلاّ على الغنيّ القادر عليها - والغنيّ في كلّ تكليفٍ بحسبه - فلا يكلّف بالاستدانة ليصير ملزماً بشيءٍ منها بالاتّفاق . أمّا ما شرط اللّه لوجوبه الاستطاعة ، كالحجّ ، فإن كان لا يرجو الوفاء فالاستدانة لأجله مكروهةٌ أو حرامٌ عند المالكيّة ، وخلاف الأفضل عند الحنفيّة . أمّا إن كان يرجو الوفاء فيجب عليه عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو الأفضل عند الحنفيّة . وعند الحنابلة - يفهم ممّا في المغني - أنّه إن أمكنه الحجّ بالاستدانة لم يلزمه ذلك ، ولكن يستحبّ له إن لم يكن عليه في ذلك ضررٌ أو على غيره . فإذا وجبت حقوق اللّه تعالى الماليّة على عبدٍ حال غناه ، ثمّ افتقر قبل أدائها ، فهل يكلّف بالاستدانة لأدائها ؟ يفرّق فقهاء الحنفيّة في ذلك بين الحالتين : إن لم يكن عنده مالٌ وأراد أن يستقرض ، فإن كان في أكبر رأيه أنّه إذا استقرض وأدّى الزّكاة ، واجتهد لقضاء دينه يقدر على ذلك ، كان الأفضل له أن يستقرض ، فإن استقرض وأدّى ولم يقدر على قضاء الدّين حتّى مات ، يرجى أن يقضي اللّه تعالى دينه في الآخرة . وإن كان أكبر رأيه أنّه إذا استقرض لا يقدر على قضاء الدّين ، كان الأفضل له ألاّ يستقرض ، لأنّ خصومة صاحب الدّين أشدّ . وظاهر هذا أنّه لا يجب عليه الاستقراض على كلّ حالٍ . ومذهب الحنابلة أنّه إذا وجبت عليه الزّكاة ، فتلف المال بعد وجوبها ، فأمكنه أداؤها أدّاها ، وإلاّ أمهل إلى ميسرته وتمكّنه من أدائها من غير مضرّةٍ عليه ولا على غيره ، قالوا : لأنّه إذا لزم الإنظار في دين الآدميّ المعيّن فهذا أولى . ولم يتعرّض الشّافعيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه .</p><p>ثانياً : الاستدانة لأداء حقوق العباد : </p><p>أ - الاستدانة لحقّ النّفس :</p><p>7 - تجب الاستدانة على المضطرّ لإحياء نفسه ؛ لأنّ حفظ النّفس مقدّمٌ على حفظ المال ، صرّح به الشّافعيّة ، وقواعد غيرهم لا تأباه ؛ لما ورد في الضّرورة من نصوصٍ معروفةٍ . أمّا الاستدانة لسدّ حاجةٍ من الحاجيّات ، فهو جائزٌ إن كان يرجو وفاءً ، وإن كان الأولى له أن يصبر . لما في الاستدانة من المنّة ، قال في الفتاوى الهنديّة . لا بأس أن يستدين الرّجل إذا كانت له حاجةٌ لا بدّ منها ، وهو يريد قضاءها . وكلمة « لا بأس » إذا أطلقها فقهاء الحنفيّة فإنّهم يعنون بها : ما كان تركه أولى من فعله . أمّا إذا كان لا يرجو وفاءً فتحرم عليه الاستدانة ، والصّبر واجبٌ ؛ لما في الاستدانة من تعريض مال الغير إلى الإتلاف . أمّا الاستدانة من أجل غايةٍ غير مشروعةٍ فإنّه لا يجوز ، كما إذا استدان لينفق في وجهٍ غير مشروعٍ ، مثل أن يكون عنده من المال ما يكفيه ، فيتوسّع في النّفقة . ويستدين لأجل أن يأخذ من الزّكاة ، فإنّه لا يعطى منها ؛ لأنّ قصده مذمومٌ .</p><p>ب - الاستدانة لحقّ الغير :</p><p>أوّلاً - الاستدانة لوفاء الدّين : </p><p>8 - لا يلزم المعسر بالاستدانة لقضاء دين غرمائه ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . ولما في ذلك من منّةٍ . ولأنّ الضّرر لا يزال بمثله ، صرّح بذلك المالكيّة والحنابلة ، وقواعد غيرهم لا تأباه .</p><p>ثانياً : الاستدانة للنّفقة على الزّوجة : </p><p>9 - اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة الزّوجة واجبةٌ ، سواءٌ أكان الزّوج موسراً أم معسراً ، فإن كان الزّوج حاضراً ، وله مالٌ ، أنفق من ماله جبراً عنه ، وإن كان معسراً فإنّ أئمّة الحنفيّة يرون أنّ القاضي يفرض لها النّفقة ، ثمّ يأمرها بالاستدانة عليه ، فإن لم تجد من تستدين منه أوجب القاضي نفقتها على من تجب عليه من أقاربها لو لم تكن متزوّجةً ، أمّا إن كان غائباً وليس له مالٌ حاضرٌ ، فإنّه لا تفرض لها نفقةٌ عليه ، خلافاً لزفر ، وقوله هو المفتى به عند الحنفيّة . وذهب الحنابلة إلى أنّ لها الاستدانة ، لها ولأولادها ولو بغير إذنٍ ، وترجع عليه بما استدانت . ومذهب المالكيّة أنّ نفقة الزّوجة تسقط بالإعسار إذا ثبت ، أمّا إذا لم يثبت إعساره فلها أن تستدين عليه . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كان له مالٌ حاضرٌ ينفق عليها منه جبراً عنه . وإذا كان لا مال له وهو قادرٌ على الكسب ، أجبر على التّكسّب ، ويستدين للنّفقة الحاضرة ، أمّا إن كان ماله غائباً فإنّه يجبر على الاستدانة ، فإن لم يستدن كان لها طلب الفسخ .</p><p>ثالثاً : الاستدانة للإنفاق على الأولاد والأقارب : </p><p>10 - نفقة الصّغار من الأولاد الفقراء غير المتكسّبين واجبةٌ في الجملة على الوالد دون غيره في الأصل ، فإن امتنع عن الإنفاق عليهم ، وكان موسراً ، أجبر على ذلك ، ويؤمرون بالاستدانة عليه . وإن كان معسراً فعند الحنفيّة : تؤمر الأمّ بالإنفاق عليهم من مالها إن كانت موسرةً ، وإلاّ ألزم بنفقتهم من تجب عليه لو كان الأب ميّتاً ، ثمّ يرجع المنفق على الأب إن أيسر . وإن كان الأب زمناً اعتبر كالميّت ، فلا رجوع للمنفق بل هو تبرّعٌ . ومذهب المالكيّة كالحنفيّة في حال اليسار ، وينوب عن إذن القاضي عندهم إشهاد المنفق على أنّه أنفق على سبيل الرّجوع ، أو يحلف على ذلك . أمّا إذا كان معسراً فيعتبر الإنفاق على أولاده تبرّعاً من المنفق ، لا رجوع له ولو أيسر الأب بعدئذٍ . وعند الشّافعيّة : للأولاد الاستدانة بإذن القاضي ، ولا رجوع إلاّ إذا حصل الاقتراض بالفعل للمنفق المأذون . وذهب الحنابلة إلى أنّه يستدان للأولاد بإذنٍ ، لكن لو استدانت الأمّ لها ولأولادها بلا إذنٍ جاز تبعاً للأمّ . أمّا الاستدانة لغير الزّوجة والأولاد ففي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ كبيرٌ ، موطنه « نفقةٌ » .</p><p>الاستدانة ليتمحّض المال حلالاً : </p><p>11 - إذا أراد أن يحجّ فيستحبّ أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، فإن لم يتوفّر له إلاّ مالٌ فيه شبهةٌ ، وأراد أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، ففي فتاوى قاضي خان : يستدين للحجّ ، ويقضي دينه من ماله .</p><p>شروط صحّة الاستدانة :</p><p>الشّرط الأوّل : عدم انتفاع الدّائن : </p><p>12 - إنّ انتفاع الدّائن من عمليّة الاستدانة إمّا أن يتمّ بشرطٍ في العقد ، أو بغير شرطٍ ، فإن كان بشرطٍ فهو حرامٌ بلا خلافٍ ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أنّ المسلف - أي الدّائن - إذا شرط على المستلف زيادةً أو هديّةً ، فأسلف على ذلك ، أنّ أخذ الزّيادة على ذلك رباً ، وقد روى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قوله : « كلّ قرضٍ جرّ منفعةً فهو رباً » . وهو وإن كان ضعيف السّند إلاّ أنّه صحيحٌ معنًى ، وروي عن أبيّ بن كعبٍ ، وعبد اللّه بن عبّاسٍ ، وعبد اللّه بن مسعودٍ ، أنّهم نهوا عن كلّ قرضٍ جرّ منفعةً للمقرض . ولأنّ عقد الاستدانة عقد إرفاقٍ وقربةٍ ، واشتراط المنفعة فيه للدّائن إخراجٌ له عن موضوعه ، وهو شرطٌ لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وقد أورد الفقهاء كثيراً من التّطبيقات العمليّة على القرض الّذي يجرّ نفعاً للدّائن . ومن ذلك : أن يشترط الدّائن أن يردّ له المدين أكثر ممّا أخذ ، أو أجود ممّا أخذ ، وهذا هو الرّبا بعينه ( ر : رباً ) . وليس من ذلك اشتراط الدّائن على المدين أن يعطيه رهناً بالدّين ، أو كفيلاً ضماناً لدينه ؛ لأنّ هذا شرطٌ يلائم العقد كما سيأتي . أمّا إن كانت المنفعة الّتي حصل عليها الدّائن من المدين غير مشروطةٍ ، فيجوز ذلك عند جمهور الفقهاء : الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . وهو مرويٌّ عن عبد اللّه بن عمر ، وسعيد بن المسيّب ، والحسن البصريّ ، وعامرٍ الشّعبيّ ، والزّهريّ ، ومكحولٍ ، وقتادة ، وإسحاق بن راهويه ، وهو إحدى الرّوايتين عن إبراهيم النّخعيّ . واستدلّ هؤلاء بما رواه مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال : « أقبلنا من مكّة إلى المدينة مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاعتلّ جملي » . وساق الحديث بقصّته ، وفيه « ثمّ قال : بعني جملك هذا ، قال : فقلت : لا ، بل هو لك ، قال : بل بعنيه ، قال : قلت : لا ، بل هو لك يا رسول اللّه ، قال : لا ، بل بعنيه ، قال : قلت : فإنّ لرجلٍ عليّ أوقيّة ذهبٍ فهو لك بها ، قال : قد أخذته ، فتبلّغ عليه إلى المدينة ، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبلالٍ : أعطه أوقيّةً من ذهبٍ وزيادةً ، قال : فأعطاني أوقيّةً من ذهبٍ وزادني قيراطاً » وهذه زيادةٌ في القدر .</p><p>13 - أمّا الزّيادة في الصّفة : فعن أبي رافعٍ مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّ رسول اللّه استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع أبو رافعٍ فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً بعيراً رباعيّاً ، فقال : أعطه إيّاه ، إنّ خير النّاس أحسنهم قضاءً » . ولأنّه لم يجعل تلك الزّيادة عوضاً عن القرض ، ولا وسيلةً إليه ، ولا إلى استيفاء دينه . وقال بعض المالكيّة ، وهي إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وهو المرويّ عن أبيٍّ ، وابن عبّاسٍ ، وابن عمر ، وإحدى الرّوايتين عن النّخعيّ : لا يجوز للمقرض قبول هديّة المقترض ، ولا الحصول على ما به الانتفاع له ، كركوب دابّته ، وشرب شيءٍ عنده في بيته ، إن لم يكن ذلك معروفاً بينهما قبل القرض ، أو حدث ما يستدعي ذلك ؛ لزواجٍ وولادةٍ ونحو ذلك . قال الدّسوقيّ : « والمعتمد جواز الشّرب والتّظلّل ، وكذلك الأكل إن كان لأجل الإكرام لا لأجل الدّين » لأنّه إن أخذ فضلاً ، أو حصل على منفعةٍ يكون قد تعاطى قرضاً جرّ منفعةً بالفعل ، فقد روى الأثرم أنّ رجلاً كان له على ، سمّاكٍ عشرون درهماً ، فجعل يهدي إليه السّمك ويقوّمه ، حتّى بلغ ثلاثة عشر درهماً ، فسأل ابن عبّاسٍ ، فقال له : أعطه سبعة دراهم . وعن ابن سيرين أنّ عمر أسلف أبيّ بن كعبٍ عشرة دراهم ، فأهدى إليه أبيّ بن كعبٍ من ثمرة أرضه ، فردّها عليه ولم يقبلها ، فأتاه أبيٍّ فقال : لقد علم أهل المدينة أنّي من أطيبهم ثمرةً ، وأنّه لا حاجة لنا ، فبم منعت هديّتنا ؟ ثمّ أهدى إليه بعد ذلك فقبل . وهذا يدلّ على ردّها عند الشّبهة ، وقبولها عند انتفائها . وعن زرّ بن حبيشٍ قال : قلت لأبيّ بن كعبٍ : إنّي أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق ، فقال : إنّك تأتي أرضاً فاشٍ فيها الرّبا ، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ، ومعه هديّةٌ ، فاقبض قرضك ، وأردد عليه هديّته . الشّرط الثّاني : عدم انضمام عقدٍ آخر : </p><p>14 - يشترط لصحّة الاستدانة ألاّ ينضمّ إليها عقدٌ آخر ، سواءٌ اشترط ذلك في عقد الاستدانة ، أم تمّ التّوافق عليه خارجه ، كأن يؤجّر المستقرض داره للمقرض ، أو يستأجر المستقرض دار المقرض ، لأنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعٍ وسلفٍ » . وفي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ يرجع إليه في ( البيوع المنهيّ عنها ) .</p><p>الاستدانة من بيت المال ، ولبيت المال ، ونحوه ، كالوقف : </p><p>15 - الأصل في ذلك أنّ الاستدانة لبيت المال ، أو منه جائزةٌ شرعاً . أمّا الاستدانة منه : فلما ورد أنّ أبا بكرٍ استقرض من بيت المال سبعة آلاف درهمٍ ، فمات وهي عليه ، فأوصى أن تقضى عنه . وقال عمر : إنّي أنزلت مال اللّه منّي منزلة مال اليتيم ، إن احتجت إليه أخذت منه ، فإذا أيسرت قضيت . أمّا الاستدانة عليه : فلما روى أبو رافعٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره » ... الحديث . فهذه استدانةٌ على بيت المال ؛ لأنّ الرّدّ كان من مال الصّدقة ، وكلّ هذا يراعى فيه المصلحة العامّة ، والحيطة الشّديدة في توثيق الدّين ، والقدرة على استيفائه . ويشترط لذلك على ما صرّح به الحنفيّة في الوقف - وبيت المال مثله - أن يكون بإذن من له الولاية ، وأن يكون الإقراض لمليءٍ مؤتمنٍ ، وألاّ يوجد من يقبل المال مضاربةً ، وألاّ يوجد مستغلاّتٌ تشترى بذلك المال . وقد صرّح الشّافعيّة بالنّسبة للوقف بأنّه يستغنى بشرط الواقف عن إذن القاضي . وكذلك الحكم في مال اليتيم ومال الغائب واللّقطة . وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ ، موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) ( ودينٌ ) .</p><p>آثار الاستدانة : </p><p>أ - ثبوت الملك :</p><p>16 - يملك المستدين المحلّ المقابل للدّين بالعقد نفسه إلاّ في القرض ، ففيه ثلاثة اتّجاهاتٍ هي : أنّه يملك بالعقد ، أو بالقبض ، أو بالاستهلاك ، على تفصيلٍ موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) .</p><p>ب - حقّ المطالبة ، وحقّ الاستيفاء :</p><p>17 - من آثار الاستدانة وجوب الوفاء على المستدين عند حلول الأجل ، لقوله تعالى : { وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلمٌ » . وندب الإحسان في المطالبة ، ووجوب إنظار المدين المعسر إلى حين الميسرة بالاتّفاق . واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } وأنّها عامّةٌ في الدّيون كلّها وليست خاصّةً بالرّبا .</p><p>ج - حقّ المنع من السّفر :</p><p>18 - للدّائن في الجملة حقّ منع المدين من السّفر في الدّين الحالّ ، إن لم يكن للمدين مالٌ حاضرٌ يمكنه الاستيفاء منه ، أو كفيلٌ ، أو رهنٌ . وإنّما ثبت هذا الحقّ لأنّ سفر المدين قد يفوّت على الدّائن حقّ المطالبة والملازمة ، وفي ذلك تفصيلٌ تبعاً لنوع الدّين ، والأجل ، والسّفر ، والمدين . ( ر : دينٌ ) .</p><p>د - حقّ ملازمة المدين :</p><p>19 - من حقّ الدّائن أن يلازم المدين - على تفصيلٍ في هذه الملازمة - إلاّ إذا كان الدّائن رجلاً والمدين امرأةً ؛ لما في ملازمتها من الإفضاء إلى الخلوة بالأجنبيّة ، ولكن يجوز للدّائن أن يبعث بالمرأة تنوب عنه في ملازمتها ، وكذلك العكس .</p><p>هـ - طلب الإجبار على الوفاء :</p><p>20 - يلزم المدين وفاء دينه ما دام قادراً على ذلك ، فإن امتنع وكان الدّين الّذي عليه مثليّاً وعنده مثله ، قضى القاضي الدّين ممّا عنده جبراً عنه . وأمّا إن كان الدّين مثليّاً ، وما عنده قيميٌّ ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، ومحمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ) إلى أنّ القاضي يبيع ما عند المدين جبراً عنه - عدا حاجاته الضّروريّة - ويقضي دينه . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يجبره القاضي على البيع ، ولكن يحبسه إلى أن يؤدّي الدّين .</p><p>و - الحجر على المدين المفلس :</p><p>21 - الحجر على المدين المفلس أجازه جمهور الفقهاء ، ومنعه الإمام أبو حنيفة ، وتفصيل ذلك سيأتي في ( حجرٌ ) ( وإفلاسٌ ) .</p><p>ز - حبس المدين :</p><p>22 - للدّائن أن يطلب حبس المدين الغنيّ الممتنع عن الوفاء .</p><p>اختلاف الدّائن والمدين : </p><p>23 - إذا اختلف الدّائن والمدين ولا بيّنة لهما ، فالقول قول المدين مع يمينه في الصّفة ، والقدر ، واليسار . وإن كانت لهما بيّنةٌ ، فالبيّنة بيّنة الدّائن في اليسار والإعسار ، وتفصيل ذلك مكانه مبحث ( دعوى ) .</p><p></p><p></p><p>*استدراكٌ</p><p>التّعريف</p><p>1 - الاستدراك لغةً : استفعالٌ من ( درك ) . والدّرك الدّرك : اللّحاق والبلوغ . يقال : أدرك الشّيء إذا بلغ وقته وانتهى ، وعشت حتّى أدركت زمانه . وللاستدراك في اللّغة استعمالان : الأوّل : أن يستدرك الشّيء بالشّيء ، إذا حاول اللّحاق به ، يقال : استدرك النّجاة بالفرار . والثّاني : في مثل قولهم : استدرك الرّأي والأمر ، إذا تلافى ما فرّط فيه من الخطأ أو النّقص . وللاستدراك في الاصطلاح معنيان : </p><p>الأوّل . وهو للأصوليّين والنّحويّين : رفع ما يتوهّم ثبوته من كلامٍ سابقٍ . أو إثبات ما يتوهّم نفيه . وزاد بعضهم : ( باستعمال أداة الاستدراك وهي لكنّ ، أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء ) . </p><p>الثّاني : وهو ما يرد في كلام الفقهاء كثيراً وهو : إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خللٍ أو قصورٍ أو فواتٍ . ومنه عندهم : استدراك نقص الصّلاة بسجود السّهو ، واستدراك الصّلاة إذا بطلت بإعادتها ، واستدراك الصّلاة المنسيّة بقضائها ، والاستدراك بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه . ويخصّ الاستدراك الّذي بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه بعنوان « التّدارك » سواءٌ ترك سهواً أو ترك عمداً . كقول الرّمليّ : « إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها » وقوله : « لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذّكّرها - وقد شرع في القراءة - فاتت فلا يتداركها » .</p><p> الألفاظ ذات الصّلة :</p><p>أـ الإضراب : </p><p>2 - وهو لغةً : الإعراض عن الشّيء والكفّ عنه ، بعد الإقبال عليه . وفي اصطلاح النّحويّين قد يلتبس بالاستدراك « بالمعنى الأوّل » فالإضراب : إبطال الحكم السّابق ببل ، أو نحوها من الأدوات الموضوعة لذلك ، أو ببدل الإضراب . والفرق بينه وبين الاستدراك ، أنّك في الاستدراك لا تبطل الحكم السّابق ، كما في قولك : جاء زيدٌ لكنّ أخاه لم يأت ، فإثبات المجيء لزيدٍ لم يلغ ، بل نفي المجيء عن أخيه ، وفي الإضراب تبطل الحكم السّابق ، فإذا قلت : جاء زيدٌ ، ثمّ ظهر لك أنّك غلطت فيه فقلت : بل عمرٌو أبطلت حكمك الأوّل بإثبات المجيء لزيدٍ ، وجعلته في حكم المسكوت عنه .</p><p>ب ـ الاستثناء : </p><p>3 - حقيقة الاستثناء : إخراج بعض ما دخل في الكلام السّابق بإلاّ ، أو إحدى أخواتها . ومن هنا كان الاستثناء معيار العموم . أمّا الاستدراك فهو إثبات نقيض الحكم السّابق لما يتوهّم انطباق الحكم عليه . فالفرق أنّ الاستثناء للدّاخل في الأوّل ، وأنّ الاستدراك لما لم يدخل في الأوّل ، ولكن توهّم دخوله ، أو سريان الحكم عليه . ولأجل هذا التّقارب تستعمل أدوات الاستثناء مجازاً في الاستدراك . وهو ما يسمّى في عرف النّحاة : الاستثناء المنقطع ، وحقيقته الاستدراك ( ر : استثناءٌ ) كقوله تعالى : { ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ } كما يجوز استعمال لكنّ - مثل غيرها ممّا يؤدّي مؤدّاها - في الاستثناء بالمعنى ، إذ الاستثناء بالمعنى ليس له صيغةٌ محدّدةٌ ، كقولك : ما جاء القوم لكن جاء بعضهم .</p><p>ج ـ القضاء : </p><p>4 - المراد به هنا : فعل العبادة إذا خرج وقتها المقدّر لها شرعاً قبل فعلها صحيحةً ، سواءٌ أتركت عمداً أم سهواً ، وسواءٌ أكان المكلّف قد تمكّن من فعلها في الوقت ، كالمسافر بالنّسبة إلى الصّوم . أم لم يتمكّن ، كالنّائم والنّاسي بالنّسبة للصّلاة . أمّا الاستدراك فهو أعمّ من القضاء ، إذ أنّه يشمل تلافي النّقص بكلّ وسيلةٍ مشروعةٍ ، ومنه قول صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه : « القضاء فعل الواجب بعد وقته المقدّر شرعا استدراكاً لما فات » فجعل القضاء استدراكاً .</p><p>د ـ الإعادة : </p><p>5 - هي : فعل العبادة ثانياً في الوقت لخللٍ واقعٍ في الفعل الأوّل والاستدراك أعمّ من الإعادة كذلك .</p><p>هـ ـ التّدارك : </p><p>6 - لم نجد أحداً من الفقهاء عرّف التّدارك ، ولكنّه دائرٌ في كلامهم كثيراً ، ويعنون به في الأفعال : فعل العبادة أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعاً ما لم يفت . كما في قول صاحب كشّاف القناع : « لو دفن الميّت قبل الغسل وقد أمكن غسله لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل تداركاً لواجب غسله » . وقد يقع الغلط في الأقوال فيحتاج الإنسان إلى تداركه ، بأن يبطله ويثبت الصّواب ، ولذلك طرقٌ منها : بدل الغلط ، ومنها « بل » في الإيجاب والأمر . وفسّر بعضهم التّدارك ببل بكون الإخبار الأوّل أولى منه الإخبار الثّاني ، فيعرض عن الأوّل إلى الثّاني ، لا أنّه إبطال الأوّل وإثبات الثّاني .</p><p>و ـ الإصلاح : </p><p>7 - وهو اصطلاحٌ للمالكيّة ذكروه في باب سجود السّهو في مواضع منها : قول الدّردير « من كثر منه الشّكّ فلا إصلاح عليه ، فإن أصلح بأن أتى بما شكّ فيه لم تبطل صلاته » ( فهو بمعنى التّدارك ) .</p><p>ز ـ الاستئناف : </p><p>8 – استئناف العمل : ابتداؤه ، أي فعله مرّةً أخرى إذا نقض الفعل الأوّل قبل تمامه . فاستئناف الصّلاة تجديد التّحريمة بعد إبطال التّحريمة الأولى ، وبهذا المعنى وقع في قولهم : « المصلّي إذا سبقه الحدث يتوضّأ ، ثمّ يبني على صلاته ، أو يستأنف ، والاستئناف أولى » وكاستئناف الأذان إذا قطعه بفاصلٍ طويلٍ ، واستئناف الصّوم في كفّارة الظّهار إذا انقطع التّتابع . فالاستئناف على هذا طريقةٌ من طرق الاستدراك ، والتّفصيل في مصطلح ( استئنافٌ ) . </p><p>هذا وبسبب استعمال هذا المصطلح « الاستدراك » بمعنيين : </p><p>أحدهما : الاستدراك القوليّ بأداة الاستدراك وما يقوم مقامها ، </p><p>والآخر : الاستدراك بإصلاح الخلل في الأفعال والأقوال ، ينقسم البحث قسمين تبعاً لذلك . القسم الأوّل الاستدراك القوليّ بـ « لكنّ » وأخواتها</p><p>صيغ الاستدراك :</p><p>هي : لكنّ ( مشدّدةٌ ) ولكن ( مخفّفةٌ ) وبل وعلى ، وأدوات الاستثناء .</p><p>9 - أ - لكنّ : وهي أمّ الباب . وهي الموضوعة له . وقد ذكر بعض الأصوليّين أنّه يشترط في استعمال « لكنّ » وما في معناها للاستدراك : الاختلاف بين ما قبل ( لكنّ ) وما بعدها بالإيجاب والسّلب لفظاً ، نحو ما جاء زيدٌ لكنّ أخاه جاء . ولو كان الاختلاف معنويّاً جاز أيضاً . كقول القائل : عليٌّ حاضرٌ لكنّ أخاه مسافرٌ ، أي ليس بحاضرٍ .</p><p>ب - لكن : « بسكون النّون » فهي في الأصل مخفّفةٌ من « لكنّ » ، وتكون على حالين : أحدهما : وهو الأغلب أن تكون ابتدائيّةً فتليها جملةٌ ، كقوله تعالى : { وإن من شيءٍ إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } والحال الثّاني : أن تكون عاطفةً ، ويشترط لذلك : أن يسبقها نفيٌ أو نهيٌ ، وأن يليها مفردٌ ، وألاّ تدخل عليها الواو مثل : ما جاء زيدٌ لكن عمرٌو . ولا تخلو في كلا الحالين من معنى الاستدراك ، فتقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها .</p><p>ج - بل : إذا سبقها نفيٌ أو نهيٌ تكون حرف استدراكٍ مثل ( لكن ) تقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها . فإن وقعت بعد إيجابٍ أو أمرٍ لم تفد ذلك ، بل تفيد الإضراب عن الأوّل ، حتّى كأنّه مسكوتٌ عنه ، وتنقل حكمه لما بعدها ، كقولك : جاء زيدٌ بل عمرٌو ، وهذا ما يسمّى بالإضراب الإبطاليّ . قال السّعد : « أي إنّ الإخبار عنه ما كان ينبغي أن يقع . وإذا انضمّ إليه « لا » صار نصّاً في نفي الأوّل » . ولذا لا يقع مثله في القرآن ولا في السّنّة ، إلاّ على سبيل الحكاية . وقد تكون للإضراب الانتقاليّ ، أي من غرضٍ إلى آخر ، ومنه قوله تعالى : { قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا } .</p><p>د - على : تستعمل للاستدراك ، كما في قول الشّاعر : بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا على أنّ قرب الدّار خيرٌ من البعد على أنّ قرب الدّار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ .</p><p>هـ - ( أدوات الاستثناء ) : قد تستخدم أدوات الاستثناء في الاستدراك ، فيقولون : زيدٌ غنيٌّ غير أنّه بخيلٌ ، ومنه قوله تعالى { قال لا عاصم اليوم من أمر اللّه إلاّ من رحم } وهذا ما يسمّى الاستثناء المنقطع ( ر : استثناءٌ ) ، فيستعمل في ذلك ( إلاّ وغير ) ، ويستعمل فيه أيضاً ( سوى ) على الأصحّ عند أهل اللّغة .</p><p>شروط الاستدراك : </p><p>10 - يشترط لصحّة الاستدراك شروطٌ ، وهي : الشّرط الأوّل : اتّصاله بما قبله ولو حكماً . فلا يضرّ انفصاله بما له تعلّقٌ بالكلام الأوّل ، أو بما لا بدّ له منه ، كتنفّسٍ وسعالٍ ونحو ذلك . فإن حال بينه وبين الأوّل سكوتٌ يمكنه الكلام فيه ، أو كلامٌ أجنبيٌّ عن الموضوع ، استقرّ حكم الكلام الأوّل ، وبطل الاستدراك . فلو أقرّ لزيدٍ بثوبٍ ، فقال زيدٌ : ما كان لي قطّ ، لكن لعمرٍو ، فإن وصل فلعمرٍو ، وإن فصل فللمقرّ ، لأنّ النّفي يحتمل أمرين : يحتمل أن يكون تكذيباً للمقرّ وردّاً لإقراره ، وهو الظّاهر من الكلام ، فيكون النّفي ردّاً إلى المقرّ . ويحتمل ألاّ يكون تكذيباً ، إذ يجوز أن يكون الثّوب معروفاً بكونه لزيدٍ ، ثمّ وقع في يد المقرّ فأقرّ به لزيدٍ ، فقال زيدٌ : الثّوب معروفٌ بكونه لي ، لكنّه في الحقيقة لعمرٍو ، فقوله : « لكنّه لعمرٍو » بيان تغييرٍ لذلك النّفي ، فيتوقّف على الاتّصال ؛ لأنّ بيان التّغيير عند الحنفيّة لا يصحّ إلاّ موصولاً ، ولا يصحّ متراخياً ، فإن وصل يثبت النّفي عن زيدٍ والإثبات لعمرٍو معاً ، إذ صدر الكلام موقوفٌ على آخره فيثبت حكمهما معاً . ولو فصل يصير النّفي ردّاً للإقرار . ثمّ لا تثبت الملكيّة لعمرٍو بمجرّد إخباره بذلك . الشّرط الثّاني : اتّساق الكلام أي انتظامه وارتباطه . والمراد أن يصلح للاستدراك ، بأن يكون الكلام السّابق للأداة بحيث يفهم منه المخاطب عكس الكلام اللاّحق لها ، أو يكون فيما بعد الأداة تداركٌ لما فات من مضمون الكلام . نحو : ما قام زيدٌ لكن عمرٌو ، بخلاف نحو : ما جاء زيدٌ لكن ركب الأمير ، وفسّر صاحب المنار الاتّساق : بكون محلّ النّفي غير محلّ الإثبات ، ليمكن الجمع بينهما ولا يناقض آخر الكلام أوّله ، ثمّ إن اتّسق الكلام فهو استدراكٌ ، وإلاّ فهو كلامٌ مستأنفٌ . ومثّل في التّوضيح للمتّسق من الاستدراك بما لو قال المقرّ : لك عليّ ألفٌ قرضٌ ، فقال له المقرّ له : لا ، لكن غصبٌ . الكلام متّسقٌ فصحّ الوصل على أنّه نفيٌ لسبب الحقّ ، وهو كون المقرّ به عن قرضٍ ، لا نفيٍ للواجب وهو الألف . فإنّ قوله : « لا » لا يمكن حمله على نفي الواجب ؛ لأنّ حمله على نفي الواجب لا يستقيم مع قوله : « لكن غصبٌ » ولا يكون الكلام متّسقاً مرتبطاً . فلمّا نفى كونه قرضاً تدارك بكونه غصباً ، فصار الكلام مرتبطاً ، ولا يكون ردّاً لإقراره بل يكون لمجرّد نفي السّبب . ومن أمثلة ما يجب حمله على الاستئناف عند الحنفيّة : ما إذا تزوّجت الصّغيرة المميّزة من كفءٍ بغير إذن وليّها بمائةٍ ، فقال الوليّ : لا أجيز النّكاح لكن أجيزه بمائتين . قالوا : ينفسخ النّكاح ، ويجعل « لكن » وما بعدها كلاماً مبتدأً ؛ لأنّه لمّا قال : « لا أجيز النّكاح » انفسخ النّكاح الأوّل ، فإنّ النّفي انصرف إلى أصل النّكاح ، فلا يمكن إثبات ذلك النّكاح بعد ذلك بمائتين ؛ لأنّه يكون نفي النّكاح وإثباته بعينه ، فيعلم أنّه غير متّسقٍ ، فيحمل « لكن بمائتين » على أنّه كلامٌ مستأنفٌ ، فيكون إجازةً لنكاحٍ آخر ، المهر فيه مائتان . وإنّما يكون كلامه متّسقاً لو قال بدل ذلك : لا أجيز هذا النّكاح بمائةٍ لكن أجيزه بمائتين ؛ لأنّ النّفي ينصرف إلى القيد وهو كونه بمائةٍ ، لا إلى أصل النّكاح ، فيكون الاستدراك في المهر لا في أصل النّكاح . وبذلك لا يكون قوله إبطالاً للنّكاح ، فلا ينفسخ به . وفي عدم الاتّساق في هذا المثال اختلافٌ بين الأصوليّين من الحنفيّة . الشّرط الثّالث : أن يكون الاستدراك بلفظٍ مسموعٍ إن تعلّق به حقٌّ . وأدناه أن يسمع نفسه ومن بقربه . قال الحصكفيّ : يجري ذلك في كلّ ما يتعلّق بنطقٍ كتسميته على ذبيحةٍ ، وطلاقٍ ، واستثناءٍ وغيرها . فلو طلّق أو استثنى ولم يسمع نفسه ، لم يصحّ في الأصحّ . وقيل في نحو البيع : يشترط سماع المشتري .</p><p> القسم الثّاني </p><p>الاستدراك بمعنى تلافي النّقص والقصور .</p><p>11 -الاستدراك إمّا أن يكون لما فعله الإنسان ناقصاً عن الوضع الشّرعيّ المقرّر للعبادة ، كمن ترك ركعةً من الصّلاة أو سجوداً فيها ، وإمّا أن يكون فيما أخبر به ، ثمّ تبيّن له خطؤه ، أو فيما فعله من التّصرّفات ، ثمّ تبيّن له أنّ التّصرّف على غير ذلك الوضع أتمّ وأولى ، كمن باع شيئاً ولم يشترط ، ثمّ بدا له أن . يشترط شرطاً لمصلحته . فالكلام في هذا القسم يرجع إلى مبحثين : الأوّل : الاستدراك بمعنى تلافي القصور عن الوضع الشّرعيّ . والثّاني : تلافي القصور عن الحقيقة ، حقيقةً أو ادّعاءً في باب الإخبار ، أو عمّا فيه المصلحة للمكلّف بحسب تصوّره ، في باب الإنشاء .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40863, member: 329"] ب - الاستلاف : 3 - الاستلاف لغةً : أخذ السّلف ، وسلف في كذا وأسلف : إذا قدّم الثّمن فيه . والسّلف كالسّلم والقرض بلا منفعةٍ أيضاً . يقال : أسلفه مالاً إذا أقرضه . صفة الاستدانة حكمها التّكليفيّ : 4 - الأصل في الاستدانة الإباحة ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه } . ولأنّ النّبيّ كان يستدين . وقد تعتريها أحكامٌ أخرى بحسب السّبب الباعث ، كالنّدب في حال عسر المدين ، وكالوجوب للمضطرّ ، وكالتّحريم فيمن يستدين قاصداً المماطلة ، أو جحد الدّين . وكالكراهة إذا كان غير قادرٍ على الوفاء ، وليس مضطرّاً ولا قاصداً المماطلة . صيغة الاستدانة : 5 - تكون الاستدانة بكلّ ما يدلّ على التزام الذّمّة بدينٍ ، قرضاً كان أو سلماً ، أو ثمناً لمبيعٍ بأجلٍ ويفصّل الفقهاء ذلك عند الكلام في مصطلح : ( عقدٌ ) ( وقرضٌ ) ( ودينٌ ) . الأسباب الباعثة على الاستدانة : أوّلاً : الاستدانة لحقوق اللّه تعالى : 6 - حقوق اللّه تعالى الماليّة ، كالزّكاة ، لا تثبت في الذّمّة إلاّ على الغنيّ القادر عليها - والغنيّ في كلّ تكليفٍ بحسبه - فلا يكلّف بالاستدانة ليصير ملزماً بشيءٍ منها بالاتّفاق . أمّا ما شرط اللّه لوجوبه الاستطاعة ، كالحجّ ، فإن كان لا يرجو الوفاء فالاستدانة لأجله مكروهةٌ أو حرامٌ عند المالكيّة ، وخلاف الأفضل عند الحنفيّة . أمّا إن كان يرجو الوفاء فيجب عليه عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو الأفضل عند الحنفيّة . وعند الحنابلة - يفهم ممّا في المغني - أنّه إن أمكنه الحجّ بالاستدانة لم يلزمه ذلك ، ولكن يستحبّ له إن لم يكن عليه في ذلك ضررٌ أو على غيره . فإذا وجبت حقوق اللّه تعالى الماليّة على عبدٍ حال غناه ، ثمّ افتقر قبل أدائها ، فهل يكلّف بالاستدانة لأدائها ؟ يفرّق فقهاء الحنفيّة في ذلك بين الحالتين : إن لم يكن عنده مالٌ وأراد أن يستقرض ، فإن كان في أكبر رأيه أنّه إذا استقرض وأدّى الزّكاة ، واجتهد لقضاء دينه يقدر على ذلك ، كان الأفضل له أن يستقرض ، فإن استقرض وأدّى ولم يقدر على قضاء الدّين حتّى مات ، يرجى أن يقضي اللّه تعالى دينه في الآخرة . وإن كان أكبر رأيه أنّه إذا استقرض لا يقدر على قضاء الدّين ، كان الأفضل له ألاّ يستقرض ، لأنّ خصومة صاحب الدّين أشدّ . وظاهر هذا أنّه لا يجب عليه الاستقراض على كلّ حالٍ . ومذهب الحنابلة أنّه إذا وجبت عليه الزّكاة ، فتلف المال بعد وجوبها ، فأمكنه أداؤها أدّاها ، وإلاّ أمهل إلى ميسرته وتمكّنه من أدائها من غير مضرّةٍ عليه ولا على غيره ، قالوا : لأنّه إذا لزم الإنظار في دين الآدميّ المعيّن فهذا أولى . ولم يتعرّض الشّافعيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه . ثانياً : الاستدانة لأداء حقوق العباد : أ - الاستدانة لحقّ النّفس : 7 - تجب الاستدانة على المضطرّ لإحياء نفسه ؛ لأنّ حفظ النّفس مقدّمٌ على حفظ المال ، صرّح به الشّافعيّة ، وقواعد غيرهم لا تأباه ؛ لما ورد في الضّرورة من نصوصٍ معروفةٍ . أمّا الاستدانة لسدّ حاجةٍ من الحاجيّات ، فهو جائزٌ إن كان يرجو وفاءً ، وإن كان الأولى له أن يصبر . لما في الاستدانة من المنّة ، قال في الفتاوى الهنديّة . لا بأس أن يستدين الرّجل إذا كانت له حاجةٌ لا بدّ منها ، وهو يريد قضاءها . وكلمة « لا بأس » إذا أطلقها فقهاء الحنفيّة فإنّهم يعنون بها : ما كان تركه أولى من فعله . أمّا إذا كان لا يرجو وفاءً فتحرم عليه الاستدانة ، والصّبر واجبٌ ؛ لما في الاستدانة من تعريض مال الغير إلى الإتلاف . أمّا الاستدانة من أجل غايةٍ غير مشروعةٍ فإنّه لا يجوز ، كما إذا استدان لينفق في وجهٍ غير مشروعٍ ، مثل أن يكون عنده من المال ما يكفيه ، فيتوسّع في النّفقة . ويستدين لأجل أن يأخذ من الزّكاة ، فإنّه لا يعطى منها ؛ لأنّ قصده مذمومٌ . ب - الاستدانة لحقّ الغير : أوّلاً - الاستدانة لوفاء الدّين : 8 - لا يلزم المعسر بالاستدانة لقضاء دين غرمائه ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . ولما في ذلك من منّةٍ . ولأنّ الضّرر لا يزال بمثله ، صرّح بذلك المالكيّة والحنابلة ، وقواعد غيرهم لا تأباه . ثانياً : الاستدانة للنّفقة على الزّوجة : 9 - اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة الزّوجة واجبةٌ ، سواءٌ أكان الزّوج موسراً أم معسراً ، فإن كان الزّوج حاضراً ، وله مالٌ ، أنفق من ماله جبراً عنه ، وإن كان معسراً فإنّ أئمّة الحنفيّة يرون أنّ القاضي يفرض لها النّفقة ، ثمّ يأمرها بالاستدانة عليه ، فإن لم تجد من تستدين منه أوجب القاضي نفقتها على من تجب عليه من أقاربها لو لم تكن متزوّجةً ، أمّا إن كان غائباً وليس له مالٌ حاضرٌ ، فإنّه لا تفرض لها نفقةٌ عليه ، خلافاً لزفر ، وقوله هو المفتى به عند الحنفيّة . وذهب الحنابلة إلى أنّ لها الاستدانة ، لها ولأولادها ولو بغير إذنٍ ، وترجع عليه بما استدانت . ومذهب المالكيّة أنّ نفقة الزّوجة تسقط بالإعسار إذا ثبت ، أمّا إذا لم يثبت إعساره فلها أن تستدين عليه . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كان له مالٌ حاضرٌ ينفق عليها منه جبراً عنه . وإذا كان لا مال له وهو قادرٌ على الكسب ، أجبر على التّكسّب ، ويستدين للنّفقة الحاضرة ، أمّا إن كان ماله غائباً فإنّه يجبر على الاستدانة ، فإن لم يستدن كان لها طلب الفسخ . ثالثاً : الاستدانة للإنفاق على الأولاد والأقارب : 10 - نفقة الصّغار من الأولاد الفقراء غير المتكسّبين واجبةٌ في الجملة على الوالد دون غيره في الأصل ، فإن امتنع عن الإنفاق عليهم ، وكان موسراً ، أجبر على ذلك ، ويؤمرون بالاستدانة عليه . وإن كان معسراً فعند الحنفيّة : تؤمر الأمّ بالإنفاق عليهم من مالها إن كانت موسرةً ، وإلاّ ألزم بنفقتهم من تجب عليه لو كان الأب ميّتاً ، ثمّ يرجع المنفق على الأب إن أيسر . وإن كان الأب زمناً اعتبر كالميّت ، فلا رجوع للمنفق بل هو تبرّعٌ . ومذهب المالكيّة كالحنفيّة في حال اليسار ، وينوب عن إذن القاضي عندهم إشهاد المنفق على أنّه أنفق على سبيل الرّجوع ، أو يحلف على ذلك . أمّا إذا كان معسراً فيعتبر الإنفاق على أولاده تبرّعاً من المنفق ، لا رجوع له ولو أيسر الأب بعدئذٍ . وعند الشّافعيّة : للأولاد الاستدانة بإذن القاضي ، ولا رجوع إلاّ إذا حصل الاقتراض بالفعل للمنفق المأذون . وذهب الحنابلة إلى أنّه يستدان للأولاد بإذنٍ ، لكن لو استدانت الأمّ لها ولأولادها بلا إذنٍ جاز تبعاً للأمّ . أمّا الاستدانة لغير الزّوجة والأولاد ففي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ كبيرٌ ، موطنه « نفقةٌ » . الاستدانة ليتمحّض المال حلالاً : 11 - إذا أراد أن يحجّ فيستحبّ أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، فإن لم يتوفّر له إلاّ مالٌ فيه شبهةٌ ، وأراد أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، ففي فتاوى قاضي خان : يستدين للحجّ ، ويقضي دينه من ماله . شروط صحّة الاستدانة : الشّرط الأوّل : عدم انتفاع الدّائن : 12 - إنّ انتفاع الدّائن من عمليّة الاستدانة إمّا أن يتمّ بشرطٍ في العقد ، أو بغير شرطٍ ، فإن كان بشرطٍ فهو حرامٌ بلا خلافٍ ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أنّ المسلف - أي الدّائن - إذا شرط على المستلف زيادةً أو هديّةً ، فأسلف على ذلك ، أنّ أخذ الزّيادة على ذلك رباً ، وقد روى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قوله : « كلّ قرضٍ جرّ منفعةً فهو رباً » . وهو وإن كان ضعيف السّند إلاّ أنّه صحيحٌ معنًى ، وروي عن أبيّ بن كعبٍ ، وعبد اللّه بن عبّاسٍ ، وعبد اللّه بن مسعودٍ ، أنّهم نهوا عن كلّ قرضٍ جرّ منفعةً للمقرض . ولأنّ عقد الاستدانة عقد إرفاقٍ وقربةٍ ، واشتراط المنفعة فيه للدّائن إخراجٌ له عن موضوعه ، وهو شرطٌ لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وقد أورد الفقهاء كثيراً من التّطبيقات العمليّة على القرض الّذي يجرّ نفعاً للدّائن . ومن ذلك : أن يشترط الدّائن أن يردّ له المدين أكثر ممّا أخذ ، أو أجود ممّا أخذ ، وهذا هو الرّبا بعينه ( ر : رباً ) . وليس من ذلك اشتراط الدّائن على المدين أن يعطيه رهناً بالدّين ، أو كفيلاً ضماناً لدينه ؛ لأنّ هذا شرطٌ يلائم العقد كما سيأتي . أمّا إن كانت المنفعة الّتي حصل عليها الدّائن من المدين غير مشروطةٍ ، فيجوز ذلك عند جمهور الفقهاء : الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . وهو مرويٌّ عن عبد اللّه بن عمر ، وسعيد بن المسيّب ، والحسن البصريّ ، وعامرٍ الشّعبيّ ، والزّهريّ ، ومكحولٍ ، وقتادة ، وإسحاق بن راهويه ، وهو إحدى الرّوايتين عن إبراهيم النّخعيّ . واستدلّ هؤلاء بما رواه مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال : « أقبلنا من مكّة إلى المدينة مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاعتلّ جملي » . وساق الحديث بقصّته ، وفيه « ثمّ قال : بعني جملك هذا ، قال : فقلت : لا ، بل هو لك ، قال : بل بعنيه ، قال : قلت : لا ، بل هو لك يا رسول اللّه ، قال : لا ، بل بعنيه ، قال : قلت : فإنّ لرجلٍ عليّ أوقيّة ذهبٍ فهو لك بها ، قال : قد أخذته ، فتبلّغ عليه إلى المدينة ، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبلالٍ : أعطه أوقيّةً من ذهبٍ وزيادةً ، قال : فأعطاني أوقيّةً من ذهبٍ وزادني قيراطاً » وهذه زيادةٌ في القدر . 13 - أمّا الزّيادة في الصّفة : فعن أبي رافعٍ مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّ رسول اللّه استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع أبو رافعٍ فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً بعيراً رباعيّاً ، فقال : أعطه إيّاه ، إنّ خير النّاس أحسنهم قضاءً » . ولأنّه لم يجعل تلك الزّيادة عوضاً عن القرض ، ولا وسيلةً إليه ، ولا إلى استيفاء دينه . وقال بعض المالكيّة ، وهي إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وهو المرويّ عن أبيٍّ ، وابن عبّاسٍ ، وابن عمر ، وإحدى الرّوايتين عن النّخعيّ : لا يجوز للمقرض قبول هديّة المقترض ، ولا الحصول على ما به الانتفاع له ، كركوب دابّته ، وشرب شيءٍ عنده في بيته ، إن لم يكن ذلك معروفاً بينهما قبل القرض ، أو حدث ما يستدعي ذلك ؛ لزواجٍ وولادةٍ ونحو ذلك . قال الدّسوقيّ : « والمعتمد جواز الشّرب والتّظلّل ، وكذلك الأكل إن كان لأجل الإكرام لا لأجل الدّين » لأنّه إن أخذ فضلاً ، أو حصل على منفعةٍ يكون قد تعاطى قرضاً جرّ منفعةً بالفعل ، فقد روى الأثرم أنّ رجلاً كان له على ، سمّاكٍ عشرون درهماً ، فجعل يهدي إليه السّمك ويقوّمه ، حتّى بلغ ثلاثة عشر درهماً ، فسأل ابن عبّاسٍ ، فقال له : أعطه سبعة دراهم . وعن ابن سيرين أنّ عمر أسلف أبيّ بن كعبٍ عشرة دراهم ، فأهدى إليه أبيّ بن كعبٍ من ثمرة أرضه ، فردّها عليه ولم يقبلها ، فأتاه أبيٍّ فقال : لقد علم أهل المدينة أنّي من أطيبهم ثمرةً ، وأنّه لا حاجة لنا ، فبم منعت هديّتنا ؟ ثمّ أهدى إليه بعد ذلك فقبل . وهذا يدلّ على ردّها عند الشّبهة ، وقبولها عند انتفائها . وعن زرّ بن حبيشٍ قال : قلت لأبيّ بن كعبٍ : إنّي أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق ، فقال : إنّك تأتي أرضاً فاشٍ فيها الرّبا ، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ، ومعه هديّةٌ ، فاقبض قرضك ، وأردد عليه هديّته . الشّرط الثّاني : عدم انضمام عقدٍ آخر : 14 - يشترط لصحّة الاستدانة ألاّ ينضمّ إليها عقدٌ آخر ، سواءٌ اشترط ذلك في عقد الاستدانة ، أم تمّ التّوافق عليه خارجه ، كأن يؤجّر المستقرض داره للمقرض ، أو يستأجر المستقرض دار المقرض ، لأنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعٍ وسلفٍ » . وفي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ يرجع إليه في ( البيوع المنهيّ عنها ) . الاستدانة من بيت المال ، ولبيت المال ، ونحوه ، كالوقف : 15 - الأصل في ذلك أنّ الاستدانة لبيت المال ، أو منه جائزةٌ شرعاً . أمّا الاستدانة منه : فلما ورد أنّ أبا بكرٍ استقرض من بيت المال سبعة آلاف درهمٍ ، فمات وهي عليه ، فأوصى أن تقضى عنه . وقال عمر : إنّي أنزلت مال اللّه منّي منزلة مال اليتيم ، إن احتجت إليه أخذت منه ، فإذا أيسرت قضيت . أمّا الاستدانة عليه : فلما روى أبو رافعٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره » ... الحديث . فهذه استدانةٌ على بيت المال ؛ لأنّ الرّدّ كان من مال الصّدقة ، وكلّ هذا يراعى فيه المصلحة العامّة ، والحيطة الشّديدة في توثيق الدّين ، والقدرة على استيفائه . ويشترط لذلك على ما صرّح به الحنفيّة في الوقف - وبيت المال مثله - أن يكون بإذن من له الولاية ، وأن يكون الإقراض لمليءٍ مؤتمنٍ ، وألاّ يوجد من يقبل المال مضاربةً ، وألاّ يوجد مستغلاّتٌ تشترى بذلك المال . وقد صرّح الشّافعيّة بالنّسبة للوقف بأنّه يستغنى بشرط الواقف عن إذن القاضي . وكذلك الحكم في مال اليتيم ومال الغائب واللّقطة . وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ ، موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) ( ودينٌ ) . آثار الاستدانة : أ - ثبوت الملك : 16 - يملك المستدين المحلّ المقابل للدّين بالعقد نفسه إلاّ في القرض ، ففيه ثلاثة اتّجاهاتٍ هي : أنّه يملك بالعقد ، أو بالقبض ، أو بالاستهلاك ، على تفصيلٍ موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) . ب - حقّ المطالبة ، وحقّ الاستيفاء : 17 - من آثار الاستدانة وجوب الوفاء على المستدين عند حلول الأجل ، لقوله تعالى : { وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلمٌ » . وندب الإحسان في المطالبة ، ووجوب إنظار المدين المعسر إلى حين الميسرة بالاتّفاق . واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } وأنّها عامّةٌ في الدّيون كلّها وليست خاصّةً بالرّبا . ج - حقّ المنع من السّفر : 18 - للدّائن في الجملة حقّ منع المدين من السّفر في الدّين الحالّ ، إن لم يكن للمدين مالٌ حاضرٌ يمكنه الاستيفاء منه ، أو كفيلٌ ، أو رهنٌ . وإنّما ثبت هذا الحقّ لأنّ سفر المدين قد يفوّت على الدّائن حقّ المطالبة والملازمة ، وفي ذلك تفصيلٌ تبعاً لنوع الدّين ، والأجل ، والسّفر ، والمدين . ( ر : دينٌ ) . د - حقّ ملازمة المدين : 19 - من حقّ الدّائن أن يلازم المدين - على تفصيلٍ في هذه الملازمة - إلاّ إذا كان الدّائن رجلاً والمدين امرأةً ؛ لما في ملازمتها من الإفضاء إلى الخلوة بالأجنبيّة ، ولكن يجوز للدّائن أن يبعث بالمرأة تنوب عنه في ملازمتها ، وكذلك العكس . هـ - طلب الإجبار على الوفاء : 20 - يلزم المدين وفاء دينه ما دام قادراً على ذلك ، فإن امتنع وكان الدّين الّذي عليه مثليّاً وعنده مثله ، قضى القاضي الدّين ممّا عنده جبراً عنه . وأمّا إن كان الدّين مثليّاً ، وما عنده قيميٌّ ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، ومحمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ) إلى أنّ القاضي يبيع ما عند المدين جبراً عنه - عدا حاجاته الضّروريّة - ويقضي دينه . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يجبره القاضي على البيع ، ولكن يحبسه إلى أن يؤدّي الدّين . و - الحجر على المدين المفلس : 21 - الحجر على المدين المفلس أجازه جمهور الفقهاء ، ومنعه الإمام أبو حنيفة ، وتفصيل ذلك سيأتي في ( حجرٌ ) ( وإفلاسٌ ) . ز - حبس المدين : 22 - للدّائن أن يطلب حبس المدين الغنيّ الممتنع عن الوفاء . اختلاف الدّائن والمدين : 23 - إذا اختلف الدّائن والمدين ولا بيّنة لهما ، فالقول قول المدين مع يمينه في الصّفة ، والقدر ، واليسار . وإن كانت لهما بيّنةٌ ، فالبيّنة بيّنة الدّائن في اليسار والإعسار ، وتفصيل ذلك مكانه مبحث ( دعوى ) . *استدراكٌ التّعريف 1 - الاستدراك لغةً : استفعالٌ من ( درك ) . والدّرك الدّرك : اللّحاق والبلوغ . يقال : أدرك الشّيء إذا بلغ وقته وانتهى ، وعشت حتّى أدركت زمانه . وللاستدراك في اللّغة استعمالان : الأوّل : أن يستدرك الشّيء بالشّيء ، إذا حاول اللّحاق به ، يقال : استدرك النّجاة بالفرار . والثّاني : في مثل قولهم : استدرك الرّأي والأمر ، إذا تلافى ما فرّط فيه من الخطأ أو النّقص . وللاستدراك في الاصطلاح معنيان : الأوّل . وهو للأصوليّين والنّحويّين : رفع ما يتوهّم ثبوته من كلامٍ سابقٍ . أو إثبات ما يتوهّم نفيه . وزاد بعضهم : ( باستعمال أداة الاستدراك وهي لكنّ ، أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء ) . الثّاني : وهو ما يرد في كلام الفقهاء كثيراً وهو : إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خللٍ أو قصورٍ أو فواتٍ . ومنه عندهم : استدراك نقص الصّلاة بسجود السّهو ، واستدراك الصّلاة إذا بطلت بإعادتها ، واستدراك الصّلاة المنسيّة بقضائها ، والاستدراك بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه . ويخصّ الاستدراك الّذي بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه بعنوان « التّدارك » سواءٌ ترك سهواً أو ترك عمداً . كقول الرّمليّ : « إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها » وقوله : « لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذّكّرها - وقد شرع في القراءة - فاتت فلا يتداركها » . الألفاظ ذات الصّلة : أـ الإضراب : 2 - وهو لغةً : الإعراض عن الشّيء والكفّ عنه ، بعد الإقبال عليه . وفي اصطلاح النّحويّين قد يلتبس بالاستدراك « بالمعنى الأوّل » فالإضراب : إبطال الحكم السّابق ببل ، أو نحوها من الأدوات الموضوعة لذلك ، أو ببدل الإضراب . والفرق بينه وبين الاستدراك ، أنّك في الاستدراك لا تبطل الحكم السّابق ، كما في قولك : جاء زيدٌ لكنّ أخاه لم يأت ، فإثبات المجيء لزيدٍ لم يلغ ، بل نفي المجيء عن أخيه ، وفي الإضراب تبطل الحكم السّابق ، فإذا قلت : جاء زيدٌ ، ثمّ ظهر لك أنّك غلطت فيه فقلت : بل عمرٌو أبطلت حكمك الأوّل بإثبات المجيء لزيدٍ ، وجعلته في حكم المسكوت عنه . ب ـ الاستثناء : 3 - حقيقة الاستثناء : إخراج بعض ما دخل في الكلام السّابق بإلاّ ، أو إحدى أخواتها . ومن هنا كان الاستثناء معيار العموم . أمّا الاستدراك فهو إثبات نقيض الحكم السّابق لما يتوهّم انطباق الحكم عليه . فالفرق أنّ الاستثناء للدّاخل في الأوّل ، وأنّ الاستدراك لما لم يدخل في الأوّل ، ولكن توهّم دخوله ، أو سريان الحكم عليه . ولأجل هذا التّقارب تستعمل أدوات الاستثناء مجازاً في الاستدراك . وهو ما يسمّى في عرف النّحاة : الاستثناء المنقطع ، وحقيقته الاستدراك ( ر : استثناءٌ ) كقوله تعالى : { ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ } كما يجوز استعمال لكنّ - مثل غيرها ممّا يؤدّي مؤدّاها - في الاستثناء بالمعنى ، إذ الاستثناء بالمعنى ليس له صيغةٌ محدّدةٌ ، كقولك : ما جاء القوم لكن جاء بعضهم . ج ـ القضاء : 4 - المراد به هنا : فعل العبادة إذا خرج وقتها المقدّر لها شرعاً قبل فعلها صحيحةً ، سواءٌ أتركت عمداً أم سهواً ، وسواءٌ أكان المكلّف قد تمكّن من فعلها في الوقت ، كالمسافر بالنّسبة إلى الصّوم . أم لم يتمكّن ، كالنّائم والنّاسي بالنّسبة للصّلاة . أمّا الاستدراك فهو أعمّ من القضاء ، إذ أنّه يشمل تلافي النّقص بكلّ وسيلةٍ مشروعةٍ ، ومنه قول صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه : « القضاء فعل الواجب بعد وقته المقدّر شرعا استدراكاً لما فات » فجعل القضاء استدراكاً . د ـ الإعادة : 5 - هي : فعل العبادة ثانياً في الوقت لخللٍ واقعٍ في الفعل الأوّل والاستدراك أعمّ من الإعادة كذلك . هـ ـ التّدارك : 6 - لم نجد أحداً من الفقهاء عرّف التّدارك ، ولكنّه دائرٌ في كلامهم كثيراً ، ويعنون به في الأفعال : فعل العبادة أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعاً ما لم يفت . كما في قول صاحب كشّاف القناع : « لو دفن الميّت قبل الغسل وقد أمكن غسله لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل تداركاً لواجب غسله » . وقد يقع الغلط في الأقوال فيحتاج الإنسان إلى تداركه ، بأن يبطله ويثبت الصّواب ، ولذلك طرقٌ منها : بدل الغلط ، ومنها « بل » في الإيجاب والأمر . وفسّر بعضهم التّدارك ببل بكون الإخبار الأوّل أولى منه الإخبار الثّاني ، فيعرض عن الأوّل إلى الثّاني ، لا أنّه إبطال الأوّل وإثبات الثّاني . و ـ الإصلاح : 7 - وهو اصطلاحٌ للمالكيّة ذكروه في باب سجود السّهو في مواضع منها : قول الدّردير « من كثر منه الشّكّ فلا إصلاح عليه ، فإن أصلح بأن أتى بما شكّ فيه لم تبطل صلاته » ( فهو بمعنى التّدارك ) . ز ـ الاستئناف : 8 – استئناف العمل : ابتداؤه ، أي فعله مرّةً أخرى إذا نقض الفعل الأوّل قبل تمامه . فاستئناف الصّلاة تجديد التّحريمة بعد إبطال التّحريمة الأولى ، وبهذا المعنى وقع في قولهم : « المصلّي إذا سبقه الحدث يتوضّأ ، ثمّ يبني على صلاته ، أو يستأنف ، والاستئناف أولى » وكاستئناف الأذان إذا قطعه بفاصلٍ طويلٍ ، واستئناف الصّوم في كفّارة الظّهار إذا انقطع التّتابع . فالاستئناف على هذا طريقةٌ من طرق الاستدراك ، والتّفصيل في مصطلح ( استئنافٌ ) . هذا وبسبب استعمال هذا المصطلح « الاستدراك » بمعنيين : أحدهما : الاستدراك القوليّ بأداة الاستدراك وما يقوم مقامها ، والآخر : الاستدراك بإصلاح الخلل في الأفعال والأقوال ، ينقسم البحث قسمين تبعاً لذلك . القسم الأوّل الاستدراك القوليّ بـ « لكنّ » وأخواتها صيغ الاستدراك : هي : لكنّ ( مشدّدةٌ ) ولكن ( مخفّفةٌ ) وبل وعلى ، وأدوات الاستثناء . 9 - أ - لكنّ : وهي أمّ الباب . وهي الموضوعة له . وقد ذكر بعض الأصوليّين أنّه يشترط في استعمال « لكنّ » وما في معناها للاستدراك : الاختلاف بين ما قبل ( لكنّ ) وما بعدها بالإيجاب والسّلب لفظاً ، نحو ما جاء زيدٌ لكنّ أخاه جاء . ولو كان الاختلاف معنويّاً جاز أيضاً . كقول القائل : عليٌّ حاضرٌ لكنّ أخاه مسافرٌ ، أي ليس بحاضرٍ . ب - لكن : « بسكون النّون » فهي في الأصل مخفّفةٌ من « لكنّ » ، وتكون على حالين : أحدهما : وهو الأغلب أن تكون ابتدائيّةً فتليها جملةٌ ، كقوله تعالى : { وإن من شيءٍ إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } والحال الثّاني : أن تكون عاطفةً ، ويشترط لذلك : أن يسبقها نفيٌ أو نهيٌ ، وأن يليها مفردٌ ، وألاّ تدخل عليها الواو مثل : ما جاء زيدٌ لكن عمرٌو . ولا تخلو في كلا الحالين من معنى الاستدراك ، فتقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها . ج - بل : إذا سبقها نفيٌ أو نهيٌ تكون حرف استدراكٍ مثل ( لكن ) تقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها . فإن وقعت بعد إيجابٍ أو أمرٍ لم تفد ذلك ، بل تفيد الإضراب عن الأوّل ، حتّى كأنّه مسكوتٌ عنه ، وتنقل حكمه لما بعدها ، كقولك : جاء زيدٌ بل عمرٌو ، وهذا ما يسمّى بالإضراب الإبطاليّ . قال السّعد : « أي إنّ الإخبار عنه ما كان ينبغي أن يقع . وإذا انضمّ إليه « لا » صار نصّاً في نفي الأوّل » . ولذا لا يقع مثله في القرآن ولا في السّنّة ، إلاّ على سبيل الحكاية . وقد تكون للإضراب الانتقاليّ ، أي من غرضٍ إلى آخر ، ومنه قوله تعالى : { قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا } . د - على : تستعمل للاستدراك ، كما في قول الشّاعر : بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا على أنّ قرب الدّار خيرٌ من البعد على أنّ قرب الدّار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ . هـ - ( أدوات الاستثناء ) : قد تستخدم أدوات الاستثناء في الاستدراك ، فيقولون : زيدٌ غنيٌّ غير أنّه بخيلٌ ، ومنه قوله تعالى { قال لا عاصم اليوم من أمر اللّه إلاّ من رحم } وهذا ما يسمّى الاستثناء المنقطع ( ر : استثناءٌ ) ، فيستعمل في ذلك ( إلاّ وغير ) ، ويستعمل فيه أيضاً ( سوى ) على الأصحّ عند أهل اللّغة . شروط الاستدراك : 10 - يشترط لصحّة الاستدراك شروطٌ ، وهي : الشّرط الأوّل : اتّصاله بما قبله ولو حكماً . فلا يضرّ انفصاله بما له تعلّقٌ بالكلام الأوّل ، أو بما لا بدّ له منه ، كتنفّسٍ وسعالٍ ونحو ذلك . فإن حال بينه وبين الأوّل سكوتٌ يمكنه الكلام فيه ، أو كلامٌ أجنبيٌّ عن الموضوع ، استقرّ حكم الكلام الأوّل ، وبطل الاستدراك . فلو أقرّ لزيدٍ بثوبٍ ، فقال زيدٌ : ما كان لي قطّ ، لكن لعمرٍو ، فإن وصل فلعمرٍو ، وإن فصل فللمقرّ ، لأنّ النّفي يحتمل أمرين : يحتمل أن يكون تكذيباً للمقرّ وردّاً لإقراره ، وهو الظّاهر من الكلام ، فيكون النّفي ردّاً إلى المقرّ . ويحتمل ألاّ يكون تكذيباً ، إذ يجوز أن يكون الثّوب معروفاً بكونه لزيدٍ ، ثمّ وقع في يد المقرّ فأقرّ به لزيدٍ ، فقال زيدٌ : الثّوب معروفٌ بكونه لي ، لكنّه في الحقيقة لعمرٍو ، فقوله : « لكنّه لعمرٍو » بيان تغييرٍ لذلك النّفي ، فيتوقّف على الاتّصال ؛ لأنّ بيان التّغيير عند الحنفيّة لا يصحّ إلاّ موصولاً ، ولا يصحّ متراخياً ، فإن وصل يثبت النّفي عن زيدٍ والإثبات لعمرٍو معاً ، إذ صدر الكلام موقوفٌ على آخره فيثبت حكمهما معاً . ولو فصل يصير النّفي ردّاً للإقرار . ثمّ لا تثبت الملكيّة لعمرٍو بمجرّد إخباره بذلك . الشّرط الثّاني : اتّساق الكلام أي انتظامه وارتباطه . والمراد أن يصلح للاستدراك ، بأن يكون الكلام السّابق للأداة بحيث يفهم منه المخاطب عكس الكلام اللاّحق لها ، أو يكون فيما بعد الأداة تداركٌ لما فات من مضمون الكلام . نحو : ما قام زيدٌ لكن عمرٌو ، بخلاف نحو : ما جاء زيدٌ لكن ركب الأمير ، وفسّر صاحب المنار الاتّساق : بكون محلّ النّفي غير محلّ الإثبات ، ليمكن الجمع بينهما ولا يناقض آخر الكلام أوّله ، ثمّ إن اتّسق الكلام فهو استدراكٌ ، وإلاّ فهو كلامٌ مستأنفٌ . ومثّل في التّوضيح للمتّسق من الاستدراك بما لو قال المقرّ : لك عليّ ألفٌ قرضٌ ، فقال له المقرّ له : لا ، لكن غصبٌ . الكلام متّسقٌ فصحّ الوصل على أنّه نفيٌ لسبب الحقّ ، وهو كون المقرّ به عن قرضٍ ، لا نفيٍ للواجب وهو الألف . فإنّ قوله : « لا » لا يمكن حمله على نفي الواجب ؛ لأنّ حمله على نفي الواجب لا يستقيم مع قوله : « لكن غصبٌ » ولا يكون الكلام متّسقاً مرتبطاً . فلمّا نفى كونه قرضاً تدارك بكونه غصباً ، فصار الكلام مرتبطاً ، ولا يكون ردّاً لإقراره بل يكون لمجرّد نفي السّبب . ومن أمثلة ما يجب حمله على الاستئناف عند الحنفيّة : ما إذا تزوّجت الصّغيرة المميّزة من كفءٍ بغير إذن وليّها بمائةٍ ، فقال الوليّ : لا أجيز النّكاح لكن أجيزه بمائتين . قالوا : ينفسخ النّكاح ، ويجعل « لكن » وما بعدها كلاماً مبتدأً ؛ لأنّه لمّا قال : « لا أجيز النّكاح » انفسخ النّكاح الأوّل ، فإنّ النّفي انصرف إلى أصل النّكاح ، فلا يمكن إثبات ذلك النّكاح بعد ذلك بمائتين ؛ لأنّه يكون نفي النّكاح وإثباته بعينه ، فيعلم أنّه غير متّسقٍ ، فيحمل « لكن بمائتين » على أنّه كلامٌ مستأنفٌ ، فيكون إجازةً لنكاحٍ آخر ، المهر فيه مائتان . وإنّما يكون كلامه متّسقاً لو قال بدل ذلك : لا أجيز هذا النّكاح بمائةٍ لكن أجيزه بمائتين ؛ لأنّ النّفي ينصرف إلى القيد وهو كونه بمائةٍ ، لا إلى أصل النّكاح ، فيكون الاستدراك في المهر لا في أصل النّكاح . وبذلك لا يكون قوله إبطالاً للنّكاح ، فلا ينفسخ به . وفي عدم الاتّساق في هذا المثال اختلافٌ بين الأصوليّين من الحنفيّة . الشّرط الثّالث : أن يكون الاستدراك بلفظٍ مسموعٍ إن تعلّق به حقٌّ . وأدناه أن يسمع نفسه ومن بقربه . قال الحصكفيّ : يجري ذلك في كلّ ما يتعلّق بنطقٍ كتسميته على ذبيحةٍ ، وطلاقٍ ، واستثناءٍ وغيرها . فلو طلّق أو استثنى ولم يسمع نفسه ، لم يصحّ في الأصحّ . وقيل في نحو البيع : يشترط سماع المشتري . القسم الثّاني الاستدراك بمعنى تلافي النّقص والقصور . 11 -الاستدراك إمّا أن يكون لما فعله الإنسان ناقصاً عن الوضع الشّرعيّ المقرّر للعبادة ، كمن ترك ركعةً من الصّلاة أو سجوداً فيها ، وإمّا أن يكون فيما أخبر به ، ثمّ تبيّن له خطؤه ، أو فيما فعله من التّصرّفات ، ثمّ تبيّن له أنّ التّصرّف على غير ذلك الوضع أتمّ وأولى ، كمن باع شيئاً ولم يشترط ، ثمّ بدا له أن . يشترط شرطاً لمصلحته . فالكلام في هذا القسم يرجع إلى مبحثين : الأوّل : الاستدراك بمعنى تلافي القصور عن الوضع الشّرعيّ . والثّاني : تلافي القصور عن الحقيقة ، حقيقةً أو ادّعاءً في باب الإخبار ، أو عمّا فيه المصلحة للمكلّف بحسب تصوّره ، في باب الإنشاء . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية