الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40864" data-attributes="member: 329"><p>أوّلاً : الاستدراك بمعنى تلافي النّقص عن الأوضاع الشّرعيّة : </p><p>12 - هذا النّقص يقع في العبادات الّتي لها أوضاعٌ شرعيّةٌ مقرّرةٌ ، كالوضوء والصّلاة ، فإنّ لكلٍّ منهما أركاناً وسنناً وهيئاتٍ ، تفعل بترتيباتٍ معيّنةٍ . ثمّ قد يترك المكلّف فعل شيءٍ منها في محلّه لسببٍ من الأسباب الخارجة عن إرادته ، كالمسبوق في الصّلاة أو النّاسي أو المكره ، وقد يترك ذلك عمداً ، وقد يفعل المكلّف الفعل عمداً على غير الوجه المطلوب شرعاً ، أو يقع عليه بغير إرادته ما يمنع صحّة العبادة أو صحّة جزءٍ منها . والشّريعة قد أتاحت الفرصة في كثيرٍ من الصّور لاستدراك النّقص الحاصل في العمل .</p><p>وسائل استدراك النّقص في العبادة : </p><p>13 - لاستدراك النّقص في العبادة طرقٌ مختلفةٌ بحسب أحوال ذلك النّقص . ومن تلك الوسائل :</p><p>( أ ) القضاء : ويكون الاستدراك بالقضاء في العبادة الواجبة أو المسنونة بعد خروج وقتها المقدّر لها شرعاً ، سواءٌ فاتت عمداً ، أو سهواً كما تقدّم . وسواءٌ كان المكلّف لم يفعل العبادة أصلاً ، أو فعلها على فسادٍ ؛ لترك ركنٍ ، أو لفوات شرطٍ من شروط الصّحّة ، أو لوجود مانعٍ . وفي استدراك العبادة المسنونة بالقضاء خلافٌ بين الفقهاء ، وتفصيله في ( قضاء الفوائت ) .</p><p>( ب ) الإعادة : وهي فعل العبادة مرّةً أخرى في وقتها لما وقع في فعلها أوّلاً من الخلل . ولمعرفة مواقع الاستدراك بالإعادة وأحكام الإعادة ( ر : إعادةٌ ) </p><p>( ج ) الاستئناف : فعل العبادة من أوّلها مرّةً أخرى بعد قطعها والتّوقّف فيها لسببٍ من الأسباب ، ولمعرفة مواقع الاستدراك بالاستئناف ( ر : استئنافٌ ) .</p><p>( د ) الفدية : كاستدراك فائت الصّوم بفدية طعام مسكينٍ لكلّ يومٍ ممّن لم يستطع الصّوم ؛ لكبرٍ أو مرضٍ مزمنٍ . وكاستدراك النّقص الحاصل في الإحرام ممّن قصّ شعره ، أو لبس ثياباً بفديةٍ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ( ر : إحرامٌ ) وشبيهٌ بذلك هدي الجبران في الحجّ . وتفصيل ذلك في ( الحجّ ) .</p><p>(هـ ) الكفّارة : كاستدراك المكلّف ما أفسده من الصّوم بالجماع بالكفّارة ( ر : كفّارةٌ ) .</p><p>( و ) سجود السّهو : يستدرك به النّقص الحاصل في الصّلاة في بعض الأحوال . ( ر : سجود السّهو ) .</p><p>( ز ) التّدارك : هو الإتيان بجزء العبادة بعد موضعه المقرّر شرعاً . ثمّ قد يكون الاستدراك بواحدٍ ممّا ذكر ، وقد يكون بأكثر ، كما في ترك شيءٍ من أركان الصّلاة ، فإنّ المكلّف يتداركه ويسجد للسّهو ، وكما في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لو صامتا ، فإنّ لهما الإفطار ، ويلزمهما القضاء والفدية على قول الحنابلة ، والشّافعيّة على المشهور عندهم .</p><p>ثانياً : تلافي القصور في الإخبار والإنشاء . </p><p>14 - من تكلّم بكلامٍ خبريٍّ أو إنشائيٍّ ثمّ بدا له أنّه غلط في كلامه ، أو نقص من الحقيقة ، أو زاد عليها ، أو بدا له أن ينشئ كلاماً مخالفاً لما كان قد قاله فله أن يفعل ذلك ، بل قد يجب عليه في بعض الأحوال ، وخاصّةً في الكلام الخبريّ ، إذ أنّه بذلك يتدارك ما وقع في كلامه من الكذب والإخبار بخلاف الحقّ ، ولكن إن ثبت بالكلام الأوّل حقٌّ ، كمن حلف يميناً ، أو قذف غيره ، أو أقرّ له ، ففي حكم الكلام المخالف التّالي له تفصيلٌ ، فإنّ له صورتين . الصّورة الأولى : أن يكون متّصلاً بالأوّل . فله حالتان . </p><p>الحالة الأولى : أن يرتبط الثّاني بالأوّل بطريقٍ من طرق التّخصيص ، فيثبت حكمهما تبعاً حيث أمكن ، سواءٌ أكان ممّا يمكن الرّجوع عنه كالوصايا ، أم كان ممّا لا رجوع فيه كالإقرار ، فلو كان الثّاني استثناءً ثبت حكم المستثنى ، وخرج من حكم المستثنى منه ، كمن قال : له عليّ عشرةٌ إلاّ ثلاثةً ، أو قال : أعطه عشرةً إلاّ ثلاثةً ، كان الباقي سبعةً في كلٍّ من المسألتين . وهكذا في كلّ ما يتغيّر به الحكم في المتكلّم به ، كالشّرط والصّفة والغاية وسائر المخصّصات المتّصلة . فالشّرط كما لو قال : وهبتك مائة دينارٍ إن نجحت . والصّفة كما لو قال : أبرأتك من ثمن الإبل الّتي هلكت عندك . والغاية كما لو قال للوصيّ : أعطه كلّ يومٍ درهماً إلى شهرٍ ، فإنّ كلاًّ من هذه المخصّصات تغيّر به الحكم كلاًّ أو بعضاً . قال القرافيّ : القاعدة أنّ كلّ كلامٍ لا يستقلّ بنفسه إذا اتّصل بكلامٍ مستقلٍّ بنفسه صيّره غير مستقلٍّ بنفسه ، وكذلك الصّفة والاستثناء والشّرط والغاية ونحوها . وجعل منه ما لو قال المقرّ : « له عليّ ألفٌ من ثمن خمرٍ » فقال فيها : لا يلزمه شيءٌ ، وتقييد حكم هذه الحالة بأنّه « حيث أمكن » ليخرج نحو قول المقرّ : له عليّ عشرةٌ إلاّ تسعةً ، إذ تلزمه عند الحنابلة العشرة ويسقط حكم الاستثناء ؛ لأنّه لا يجوز عندهم استثناء أكثر من النّصف . ومثلها عندهم لو قال : له عليّ ألفٌ من ثمن خمرٍ . ولا خلاف في ذلك في المخصّصات . </p><p>الحالة الثّانية : أن يتغيّر الحكم بكلامٍ مستقلٍّ ، ومثاله ما لو قال المقرّ : له الدّار وهذا البيت منها لي ، فيؤخذ بإقراره ، ويعمل بالقيد في الجملة الثّانية ، وهو المذهب عند الحنابلة ؛ لأنّ المعطوف بالواو مع المعطوف عليه في حكم الجملة الواحدة ، خلافاً لاختيار ابن عقيلٍ بأنّه لا يعمل القيد قضاءً ؛ لأنّ المعطوف بالواو جملةٌ مستقلّةٌ . وعند المالكيّة ما يفيد أنّ مذهبهم كمذهب الحنابلة . لكن لو عطف في الإثبات أو الأمر بـ « بل » . قال صدر الشّريعة « إنّ ( بل ) للإعراض عمّا قبله وإثبات ما بعده على سبيل التّدارك » فإن كان فيما يقبل الرّجوع فيه كالوصيّة أو التّولية أو الخبر المجرّد ، لغا الأوّل وثبت الثّاني ، كما لو قال : أوصيت لزيدٍ بألفٍ بل بألفين ، يثبت ألفان فقط . أو قول الإمام : ولّيت فلاناً قضاء كذا بل فلاناً ، أو قول القائل : ذهبت إلى زيدٍ بل إلى عمرٍو . وإن كان ممّا لا رجوع فيه كالإقرار والطّلاق ثبت حكم الأوّل ، ولم يمكن إبطاله ، فلو قال المقرّ : له عليّ ألف درهمٍ ، بل ألف ثوبٍ ، يلزمه الجميع ؛ لأنّهما من جنسين . ولو قال : له عليّ ألف درهمٍ ، بل ألفان يثبت الألفان ، قال التّفتازانيّ : « لأنّ التّدارك في الأعداد يراد به نفي انفراد ما أقرّ به أوّلاً ، لا نفي أصله ، فكأنّه قال أوّلاً : له عليّ ألفٌ ليس معه غيره ، ثمّ تدارك ذلك الانفراد وأبطله » ، وفي هذه المسألة خلاف زفر إذ قال : « بل يثبت ثلاثة آلافٍ » . ولم يختلف قول الحنفيّة في أنّه لو قال : أنت طالقٌ طلقةً بل طلقتين أنّه يقع به – في المدخول بها – ثلاث طلقاتٍ . ووجّه صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه الفرق بين مسألتي الإقرار والطّلاق بأنّ الإقرار إخبارٌ على الأصحّ فلا يثبت شيئاً ، فله أن يعرض عن خبرٍ كان أخبر به ، ويخبر بدله بخبرٍ آخر ، بخلاف الإنشاء إذ به يثبت الحكم ، وليس في يده بعد ثبوته أن يعرض عنه . أمّا عند الحنابلة : فلا يقع في مسألة الطّلاق المذكورة إلاّ طلقتان ، كما لا يلزمه في مسألة الإقرار إلاّ ألفان . </p><p>الصّورة الثّانية : أن يكون الكلام الثّاني متراخياً عن الأوّل منفصلاً عنه . فله حالتان : </p><p>الحالة الأولى : أن يكون في كلامٍ لا يمكن الرّجوع عنه ، ولا يقبل منه ، كالأقارير والعقود ، فلا يكون الإقرار الثّاني ولا العقد الثّاني رجوعاً عن الأوّل . فلو أقرّ له بمائة درهمٍ ، ثمّ سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ، ثمّ قال « زائفةٌ » أو « إلى شهرٍ » لزمه مائةٌ جيّدةٌ حالّةٌ . </p><p>الحالة الثّانية : أن يكون رجوعه ممكناً ، كالوصيّة وعزل الإمام أحداً ممّن يمكنه عزلهم وتوليتهم ، فإن صرّح برجوعه عن الأوّل ، أو بإلحاقه شرطاً ، أو تقييده بحالٍ ، أو غير ذلك لحق - وإن لم يتبيّن أنّه قصد الرّجوع - فهذا يشبه التّعارض في الأدلّة الشّرعيّة ، فهو تبديلٌ عند الحنفيّة مطلقاً . ولو كان خاصّاً بعد عامٍّ أو عكسه فالعمل بالثّاني بكلّ حالٍ . وعند غيرهم قد يجري فيه تقديم الخاصّ على العامّ سواءٌ أكان الخاصّ سابقاً أم متأخّراً .</p><p></p><p></p><p>*استدلالٌ</p><p>التعريف</p><p>1 - الاستدلال لغةً : طلب الدّليل ، وهو من دلّه على الطّريق دلالةً : إذا أرشده إليه . وله في عرف الأصوليّين إطلاقاتٌ . أهمّها اثنان : الأوّل : أنّه إقامة الدّليل مطلقاً ، أي سواءٌ أكان الدّليل نصّاً ، أم إجماعاً ، أم غيرهما . والثّاني : أنّه الدّليل الّذي ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ . وفي قولٍ : الدّليل الّذي ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ علّةٌ . قال الشّربينيّ : « الاستفعال يرد لمعانٍ . وعندي أنّ المراد منها هنا ( أي في هذا الإطلاق الثّاني ) الاتّخاذ . والمعنى أنّ هذه الأشياء اتّخذت أدلّةً ، أمّا الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس فقيامها أدلّةً لم ينشأ عن صنيع المجتهدين واجتهادهم ، أمّا الاستصحاب ونحوه ممّا اعتبر استدلالاً فشيءٌ قاله كلّ إمامٍ بمقتضى اجتهاده ، فكأنّه اتّخذه دليلاً » .</p><p>2 - فعلى هذا الإطلاق الثّاني يدخل في الاستدلال الأدلّة التّالية :</p><p>( أ ، ب ) - القياس الاقترانيّ ، والقياس الاستثنائيّ ، وهما نوعا القياس المنطقيّ . مثال الاقترانيّ : النّبيذ مسكرٌ ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ ، ينتج : النّبيذ حرامٌ . ومثال الاستثنائيّ : إن كان النّبيذ مسكراً فهو حرامٌ ، لكنّه مسكرٌ ، ينتج : فهو حرامٌ . أو : إن كان النّبيذ مباحاً فهو ليس بمسكرٍ ، لكنّه مسكرٌ ، ينتج : فهو ليس بمباحٍ .</p><p>( ج ) وقياس العكس : ذكر السّبكيّ أنّه من الاستدلال . وقياس العكس هو : إثبات عكس حكم شيءٍ لمثله ، لتعاكسهما في العلّة ، كما في حديث مسلمٍ : « وفي بضع أحدكم صدقةٌ قالوا : أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجرٌ ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ » </p><p>( د ) وقول العلماء : الدّليل يقتضي ألاّ يكون الأمر كذا ، خولف في صورة كذا ، لمعنًى مفقودٍ في صورة النّزاع ، فتبقى هي على الأصل الّذي اقتضاه الدّليل .</p><p>( هـ ) انتفاء الحكم لانتفاء دليله ، بأن لم يجده المجتهد بعد الفحص الشّديد ، فعدم وجدانه دليلٌ على انتفاء الحكم . قال في المحلّى : خلافاً للأكثر .</p><p>( و ) قول العلماء : وجد السّبب فوجد الحكم ، أو وجد المانع أو فقد الشّرط فانتفى الحكم ، قال السّبكيّ : خلافاً للأكثر .</p><p>( ز ) الاستقراء وهو : الاستدلال بالجزئيّ على الكلّيّ . قال السّبكيّ : فإن كان تامّاً بكلّ الجزئيّات إلاّ صورة النّزاع ، فهو دليلٌ قطعيٌّ عند الأكثر ، وإن كان ناقصاً ، أي بأكثر الجزئيّات ، فدليلٌ ظنّيٌّ . ويسمّى هذا عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب .</p><p>( ح ) الاستصحاب وهو كما عرّفه السّعد : الحكم ببقاء أمرٍ كان في الزّمان الأوّل ، ولم يظنّ عدمه ، وينظر تفصيل القول فيه في بحث الاستصحاب ، وفي الملحق الأصوليّ . ونفى قومٌ أن يكون استدلالاً .</p><p>( ط ) شرع من قبلنا ، على تفصيلٍ فيه ، يرجع إليه في الملحق الأصوليّ . ونفى قومٌ أن يكون استدلالاً . ذكر هذه الأنواع التّسعة السّبكيّ في جمع الجوامع .</p><p>( ي ) وزاد الحنفيّة الاستحسان ، واستدلّ به غيرهم لكن سمّوه بأسماءٍ أخرى .</p><p>( ك ) وزاد المالكيّة المصالح المرسلة . وسمّاه الغزاليّ الاستدلال المرسل . وسمّاه أيضاً الاستصلاح ، واستدلّ به غيرهم .</p><p>( ل ) ويدخل في الاستدلال أيضاً : القياس في معنى الأصل ، وهو المسمّى بتنقيح المناط .</p><p>( م ) وفي كشف الأسرار للبزدويّ : الاستدلال هو : انتقال الذّهن من المؤثّر إلى الأثر ، وقيل بالعكس ، وقيل مطلقاً . وقيل : بل الانتقال من المؤثّر إلى الأثر يسمّى تعليلاً ، والانتقال من الأثر إلى المؤثّر يسمّى استدلالاً .</p><p>3 - وأكثر هذه الأنواع يفصّل القول فيها تحت مصطلحاتها الخاصّة ، ويرجع إليها أيضاً في الملحق الأصوليّ .</p><p>مواطن البحث في كلام الفقهاء : </p><p>4 - يرد عند الفقهاء ذكر الاستدلال في مواطن كثيرةٍ . منها في مبحث استقبال القبلة : الاستدلال بالنّجوم ، ومهابّ الرّياح ، والمحاريب المنصوبة وغير ذلك ، على القبلة . ومنها في مبحث مواقيت الصّلاة : الاستدلال بالنّجوم ومقادير الظّلال على ساعات اللّيل والنّهار ، ومواعيد الصّلاة . ومنها في مبحث الدّعاوى والبيّنات : الاستدلال على الحقّ بالشّهادات ، والقرائن والفراسة ونحو ذلك .</p><p></p><p></p><p>*استراق السّمع</p><p>التعريف</p><p>1 - قال أهل اللّغة : استراق السّمع يعني التّسمّع مستخفياً . وقال القرطبيّ في تفسيره : هو الخطفة اليسيرة .</p><p>الألفاظ ذات الصّلة</p><p></p><p>أ - التّجسّس :</p><p>2 - التّجسّس هو : التّفتيش عن بواطن الأمور ، ومن الفروق بين التّجسّس واستراق السّمع ما يلي : أنّ التّجسّس هو التّنقيب عن أمورٍ معيّنةٍ ، يبغي المتجسّس الحصول عليها ، أمّا استراق السّمع فيكون بحمل ما يقع له من معلوماتٍ . وأنّ التّجسّس مبناه على الصّبر والتّأنّي للحصول على المعلومات المطلوبة ، أمّا استراق السّمع فإنّ مبناه على التّعجّل . ويرى البعض : أنّ التّجسّس يعني البحث عن العورات ، وأنّه أكثر ما يقال في الشّرّ . أمّا استراق السّمع فيكون فيه حمل ما يقع له من أقوالٍ ، خيراً كانت أم شرّاً .</p><p>ب - التّحسّس :</p><p>3 - التّحسّس أعمّ من استراق السّمع ، قال في عون المعبود في شرح قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تحسّسوا » أي : لا تطلبوا الشّيء بالحاسّة ، كاستراق السّمع . ويقرب من هذا ما في شرح النّوويّ لصحيح مسلمٍ ، وما في فتح الباري وعمدة القاريّ لشرح صحيح البخاريّ .</p><p>الحكم التّكليفيّ : </p><p>4 - الأصل تحريم استراق السّمع ، وقد ورد النّهي عنه على لسان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : « من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون ، أو يفرّون منه ، صبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة » . ولقوله صلى الله عليه وسلم « إيّاكم والظّنّ ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث ، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا » ولأنّ الأسرار الشّخصيّة للنّاس محترمةٌ لا يجوز انتهاكها إلاّ بحقٍّ مشروعٍ .</p><p>5 - يستثنى من هذا النّهي : الحالات الّتي يشرع فيها التّجسّس ( الّذي هو أشدّ تحريماً من استراق السّمع ) كما لو تعيّن التّجسّس أو استراق السّمع طريقاً إلى إنقاذ نفسٍ من الهلاك ، كأن يخبر ثقةٌ بأنّ فلاناً خلا بشخصٍ ليقتله ظلماً ، فيشرع في هذه الصّورة التّجسّس ، وما هو أدنى منه من استراق السّمع . كما يستثنى من ذلك أيضاً : استراق وليّ الأمر السّمع بنيّة معرفة الخلل الواقع في المجتمع ؛ ليقوم بإصلاحه ، فيحلّ للمحتسب استراق السّمع ، كما يحلّ له أن ينشر عيونه ؛ لينقلوا له أخبار النّاس وأحوال السّوقة ، ليعرف ألاعيبهم وطرق تحايلهم ، فيضع لهم من أساليب القمع ما يدرأ ضررهم عن المجتمع ، قال في نهاية الرّتبة في طلب الحسبة : « ويلازم المحتسب الأسواق والدّروب في أوقات الغفلة عنه ، ويتّخذ له فيها عيوناً يوصّلون إليه الأخبار وأحوال السّوقة » . وقد كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يعسّ في شوارع المدينة المنوّرة ليلاً يسترق السّمع ، ويتسقّط أخبار المسلمين لمعرفة أحوالهم ، ويعين ذا الحاجة ، ويرفع الظّلم عن المظلوم ، ويكتشف الخلل ليسارع إلى إصلاحه ، وقصصه في ذلك كثيرةٌ لا تحصى . </p><p>عقوبة استراق السّمع :</p><p>6 - إذا كان استراق السّمع منهيّاً عنه في الجملة إلاّ في حالاتٍ - وإتيان المنهيّ عنه يوجب التّعزير - فإنّ استراق السّمع في غير الحالات المسموح به فيها يستحقّ فاعله التّعزير . ويرجع في تفصيل أحكام استراق السّمع إلى مصطلح ( تجسّسٌ ) . وإلى باب الجهاد ( قتل الجاسوس ) وإلى الحظر والإباحة ( أحكام النّظر ) .</p><p></p><p></p><p>*استرجاعٌ</p><p>التعريف</p><p>1 - الاسترجاع لغةً : مادّتها رجع ، أي : انصرف . واسترجعت منه الشّيء : إذا أخذت منه ما دفعته إليه . واسترجع الرّجل عند المصيبة : قال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . </p><p>ويستعمل عند الفقهاء بمعنيين : </p><p>أ - بمعنى استردادٍ ، ومن ذلك قولهم : للمشتري - بعد فسخه بالعيب - حبس المبيع إلى حين استرجاع ثمنه من البائع . وقولهم : السّلع المبيعة أو المجعولة ثمناً إذا علم بعيوبها من صارت إليه بعد العقد فإنّ له الفسخ ، واسترجاع عوضها من قابضه إن كان باقياً ، أو بدله إن تعذّر ردّه . ( ر : استردادٌ ) .</p><p>ب - بمعنى قول : « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » ، عند المصيبة . وتفصيل الكلام في ذلك على الوجه الآتي : </p><p>متى يشرع الاسترجاع عند المصيبة ؟ ومتى لا يشرع ؟ .</p><p>2 - يشرع الاسترجاع عند كلّ ما يبتلى به الإنسان من مصائب ، عظمت أو صغرت . والأصل فيه قول اللّه عزّ وجلّ : { ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون } وإنّما يشرع الاسترجاع عند كلّ شيءٍ يؤذي الإنسان ويضرّه ؛ لما روي « أنّه طفئ سراج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون فقيل : أمصيبةٌ هي ؟ قال : نعم ، كلّ شيءٍ يؤذي المؤمن فهو له مصيبةٌ » وقال صلى الله عليه وسلم : « ليسترجع أحدكم في كلّ شيءٍ ، حتّى في شسع نعله ، فإنّها من المصائب » . وغير ذلك كثيرٌ ممّا روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .</p><p>3 - والحكمة في الاسترجاع عند المصائب : الإقرار بعبوديّة اللّه ووحدانيّته ، والتّصديق بالمعاد ، والرّجوع إليه ، والتّسليم بقضائه ، والرّجاء في ثوابه . ولذلك يقول النّبيّ : « من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه » .</p><p>4 - أمّا متى لا يشرع : فمعلومٌ أنّ الاسترجاع بعض آيةٍ من القرآن الكريم ، وأنّه يحرم على غير الطّاهر قراءة أيّ شيءٍ منه ، ولو بعض آيةٍ . وقد ذكر الفقهاء في كتبهم : أنّه يحرم على الجنب والحائض والنّفساء قراءة شيءٍ من القرآن وإن قلّ ، حتّى بعض آيةٍ ، ولو كان يقرأ في كتاب فقهٍ أو غيره فيه احتجاجٌ بآيةٍ حرم عليه قراءتها ؛ لأنّه يقصد القرآن للاحتجاج ، أمّا إذا كان لا يقصد القرآن فلا بأس ؛ لأنّهم قالوا : يجوز للجنب والحائض والنّفساء أن تقول عند المصيبة : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، إذا لم تقصد القرآن .</p><p> حكمه التّكليفيّ :</p><p>5 - يذكر الفقهاء أنّ الاسترجاع ينطوي على أمرين : </p><p>أ - قولٍ باللّسان ، وهو أن يقول عند المصيبة : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وهذا مستحبٌّ .</p><p>ب - عملٍ بالقلب ، وهو الاستسلام والصّبر والتّوكّل ، وما يتبع ذلك ، وهذا واجبٌ .</p><p></p><p></p><p>*استردادٌ</p><p>التعريف</p><p>1 - الاسترداد في اللّغة : طلب الرّدّ ، يقال : استردّ الشّيء وارتدّه : طلب ردّه عليه ، ويقال : وهب هبةً ثمّ ارتدّها أي : استردّها ، واستردّه الشّيء : سأله أن يردّه عليه . ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم عن المعنى اللّغويّ .</p><p> الألفاظ ذات الصّلة : </p><p>أ - الردٌّ : </p><p>2 - الرّدّ : هو صرف الشّيء ورجعه . فالرّدّ قد يكون أثراً للاسترداد ، وقد يحصل الرّدّ بلا استردادٍ .</p><p>ب - الارتجاعٌ - الاسترجاعٌ : </p><p>3 - يقال رجع في هبته : إذا أعادها إلى ملكه ، وارتجعها واسترجعها كذلك ، واسترجعت منه الشّيء : إذا أخذت منه ما دفعته إليه . ويتبيّن من ذلك أنّ الاسترداد والارتجاع والاسترجاع بمعنًى واحدٍ لغةً واصطلاحاً .</p><p>صفته : حكمه التّكليفيّ : </p><p>4 - الاسترداد من التّصرّفات الجائزة ، وقد يعرض له الوجوب ، كما في البيوع الفاسدة ، حيث يجب الفسخ ، فإن كانت السّلعة قائمةً ردّت بعينها ، وإن كانت فائتةً ردّت قيمتها على البائع بالغةً ما بلغت ، وردّ الثّمن على المشتري ، وذلك في الجملة ، على خلافٍ تفصيله في مصطلحي : ( فسادٌ - وبطلانٌ ) لأنّ الفسخ حقّ الشّرع . وقد يحرم الاسترداد ، كمن أخرج صدقةً ، فإنّه يحرم عليه استردادها ؛ لقول عمر : من وهب هبةً على وجه صدقةٍ فإنّه لا يرجع فيها ولأنّ المقصود هو الثّواب وقد حصل .</p><p>أسباب حقّ الاسترداد :</p><p>للاسترداد أسبابٌ متنوّعةٌ منها : الاستحقاق ، والتّصرّفات الّتي لا تلزم ، وفساد العقد .. إلخ وبيان ذلك فيما يأتي : </p><p>أوّلاً : الاستحقاق :</p><p>5 - الاستحقاق - بمعناه الأعمّ - ظهور كون الشّيء حقّاً واجباً للغير . وهذا التعريـف يشمل الغصب والسّرقة ، فالمغصوب منه والمسروق منه يثبت لهما حقّ الاسترداد ، ويجب على الغاصب والسّارق ردّ المغصوب والمسروق لربّه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » . ويشمل استحقاق المبيع على المشتري ، أو الموهوب على المتّهب ، فيوجب الفسخ والاسترداد ، لفساد العقد في الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة ، ويتوقّف العقد على إجازة ربّه عند الحنفيّة والمالكيّة . والقول بالتّوقّف هو أيضاً مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة . وإذا فسخ البيع ثبت للمشتري في الجملة حقّ استرداد الثّمن ، على تفصيلٍ بين ما إذا كان ثبوت الاستحقاق بالبيّنة ، أو بالإقرار . وينظر تفصيل ذلك في ( استحقاقٌ ) .</p><p>ثانياً : التّصرّفات الّتي لا تلزم : التّصرّفات الّتي لا تلزم متنوّعةٌ ، منها :</p><p>أ - العقود غير اللاّزمة : </p><p>6 - وهي الّتي تقبل بطبيعتها أن يرجع فيها أحد العاقدين كالوديعة ، والعاريّة ، والمضاربة ، والشّركة ، والوكالة . فهذه العقود غير لازمةٍ ، ويجوز الرّجوع فيها في الجملة ، ويثبت عند فسخها حقّ الاسترداد للمالك ، ويجب الرّدّ عند الطّلب ؛ لأنّها أماناتٌ يجب ردّها ؛ لقول اللّه تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } ، ولذلك لو حبسها بعد الطّلب فضاعت ضمن ، ولو هلكت بلا تعدٍّ أو تفريطٍ لم يضمن . وهذه الأحكام متّفقٌ عليها في الجملة ، إذا توافرت الشّروط المعتبرة شرعاً ، كنضو رأس المال في المضاربة ، أي تحوّل السّلع إلى نقودٍ . ولو كان في الاسترداد ضررٌ فإنّه يتوقّف حتّى يزول الضّرر ، كالأرض إذا استعيرت للزّراعة ، وأراد المعير الرّجوع ، فيتوقّف الاسترداد حتّى يحصد الزّرع . والعاريّة المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ عند المالكيّة لا تستردّ حتّى ينقضي الأجل أو العمل . هذا حكم الاسترداد في الجملة في هذه التّصرّفات ، وفي ذلك تفاصيل كثيرةٌ يرجع إليها في موضوعاتها .</p><p>ب - العقود الّتي يدخلها الخيار :</p><p>7 -كخيار الشّرط ، وخيار العيب ونحوهما كثيرةٌ من أهمّها : البيع ، والإجارة . ففي البيع : بكون العقد في مدّة خيار الشّرط غير لازمٍ ، ولمن له الخيار حقّ الفسخ والرّدّ . جاء في بدائع الصّنائع : البيع بشرط الخيار بيعٌ غير لازمٍ ، لأنّ الخيار يمنع لزوم الصّفقة ، قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه : البيع صفقةٌ أو خيارٌ ولأنّ الخيار هو التّخيير بين الفسخ والإجازة ، وهذا يمنع اللّزوم ، ومثل ذلك في بقيّة المذاهب مع التّفاصيل . كذلك خيار العيب يجعل العقد غير لازمٍ وقابلاً للفسخ ، فإذا نقض المشتري البيع بخيار العيب انفسخ العقد ، وردّ المشتري البيع معيباً إلى البائع واستردّ الثّمن . ويختلف الفقهاء في حقّ المشتري في إمساك المبيع معيباً ، والرّجوع على البائع بأرش العيب في المعيب ، فالحنفيّة والشّافعيّة لا يعطونه هذا الحقّ ، وإنّما له أن يردّ السّلعة ويستردّ الثّمن ، أو يمسك المعيب ولا رجوع له بنقصانٍ ؛ لأنّ الأوصاف لا يقابلها شيءٌ من الثّمن في مجرّد العقد ؛ ولأنّه لم يرض بزواله عن ملكه بأقلّ من المسمّى ، فيتضرّر به ، ودفع الضّرر عن المشتري ممكنٌ بالرّدّ بدون تضرّره . أمّا الحنابلة فإنّه يكون للمشتري عندهم الخيار بين الرّدّ والرّجوع بالثّمن ، وبين الإمساك والرّجوع بأرش العيب . ويفصّل المالكيّة بين العيب اليسير غير المؤثّر ، فلا شيء فيه ولا ردّ به ، وبين العيب المؤثّر الّذي له قيمةٌ فيرجع بأرشه ، وبين العيب الفاحش فيجب هنا الرّدّ ، حتّى إذا أمسكه ليس له الرّجوع بالنّقصان ، وفي خيار العيب تفصيلٌ يرجع إليه في مصطلحه . هذه أمثلةٌ لبعض الخيارات الّتي تجعل العقد غير لازمٍ ، ويثبت بها حقّ الاسترداد وهناك خياراتٌ أخرى تسير على هذا النّمط ، كخيار التّعيين ، وخيار الغبن ، وخيار التّدليس ، وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( خيارٌ ) .</p><p>8 - ويدخل الخيار كذلك عقد الإجارة ، فيثبت به حقّ الفسخ والرّدّ ، فمن استأجر داراً فوجد بها عيباً حادثاً يضرّ بالسّكنى ، فله الفسخ والرّدّ .</p><p>ثالثاً : العقد الموقوف عند عدم الإجازة : </p><p>9 - ومن أشهر أمثلته : بيع الفضوليّ ، فإنّه لا ينفذ لانعدام الملك ، لكنّه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإن أمضاه مضى ، وإن ردّه ردّ . وإذا أجاز المالك البيع صار الفضوليّ بمنزلة الوكيل ، وينتقل ملك المبيع إلى المشتري ، ويكون الثّمن للمالك ؛ لأنّه بدل ملكه . وبيع الفضوليّ قابلٌ للفسخ من جهة المشتري وجهة الفضوليّ عند الحنفيّة ، فلو فسخه الفضوليّ قبل الإجازة انفسخ ، واستردّ المبيع إن كان قد سلّم ، ويرجع المشتري بالثّمن على البائع إن كان قد نقده ، وكذا إذا فسخه المشتري ينفسخ . أمّا عند المالكيّة : فهو لازمٌ من جهة الفضوليّ ومن جهة المشتري ، منحلٌّ من جهة المالك . أمّا عند الشّافعيّة ، والحنابلة : فبيع الفضوليّ باطلٌ في الأصحّ ويجب ردّه ، وفي الرّواية الأخرى : أنّه يتوقّف على إجازة المالك . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ( ر : فضوليٌّ - بيعٌ ) .</p><p>رابعاً : فساد العقد : </p><p>10 - يفرّق الحنفيّة بين العقد الباطل والعقد الفاسد ، فالعقد الباطل عندهم : هو ما لم يشرع بأصله ولا وصفه ، والعقد الفاسد : هو ما شرع بأصله دون وصفه . أمّا حكم الاسترداد بالنّسبة لكلٍّ من الباطل والفاسد فيظهر فيما يأتي : العقد الباطل لا وجود له شرعاً ، ولا يفيد الملك ؛ لأنّه لا أثر له ، ولا يملك أحد العاقدين أن يجبر الآخر على تنفيذه . ففي البيع يقول الكاسانيّ : لا حكم لهذا البيع ( الباطل ) أصلاً ؛ لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة ؛ لأنّ التّصرّف الشّرعيّ لا وجود له بدون الأهليّة والمحلّيّة شرعاً ، كما لا وجود للتّصرّف الحقيقيّ إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، وذلك نحو بيع الميتة ، والدّم ، وكلّ ما ليس بمالٍ . وما دام العقد الباطل لا وجود له شرعاً ، ولا ينتج أيّ أثرٍ ، فإنّه يترتّب على ذلك أنّ البائع لو سلّم المبيع باختياره للمشتري ، أو دفع المشتري باختياره الثّمن للبائع ، كان للبائع أن يستردّ المبيع ، وللمشتري أن يستردّ الثّمن ؛ لأنّ البيع الباطل لا يفيد الملك ولو بالقبض ، ولذلك لو تصرّف المشتري فيه ببيعٍ ، أو هبةٍ ، أو عتقٍ ، فإنّ هذا التّصرّف لا يمنع البائع من استرداد المبيع من يد المشتري الثّاني ، ذلك أنّ البيع الباطل لم ينقل الملكيّة للمشتري ، فيكون المشتري قد باع مالاً غير مملوكٍ له . </p><p>11 - أمّا العقد الفاسد فإنّه وإن كان مشروعاً بأصله لكنّه غير مشروعٍ بوصفه ، فلذلك يفيد الملك بالقبض في الجملة ، إلاّ أنّه ملكٌ غير لازمٍ ، بل هو مستحقٌّ الفسخ ، حقّاً للّه تعالى ؛ لما في الفسخ من رفع الفساد ، ورفع الفساد حقّ اللّه تعالى ، والفسخ في البيع الفاسد يستلزم ردّ المبيع على بائعه ، وردّ الثّمن على المشتري ، هذا إذا كان المبيع قائماً في يد المشتري . أمّا إذا تصرّف فيه ببيعٍ أو هبةٍ ، فليس لواحدٍ منهما فسخه ؛ لأنّ المشتري ملكه بالقبض ، فتنفذ فيه تصرّفاته كلّها ، وينقطع به حقّ البائع في الاسترداد ؛ لأنّه تعلّق به حقّ العبد ، والاسترداد حقّ الشّرع ، وما اجتمع حقّ اللّه وحقّ العبد إلاّ غلب حقّ العبد لحاجته . وسواءٌ أكان التّصرّف يقبل الفسخ ، أو لا يقبله ، إلاّ الإجارة فإنّها لا تقطع حقّ البائع في الاسترداد ؛ لأنّ الإجارة عقدٌ ضعيفٌ يفسخ بالأعذار ، وفساد الشّراء عذرٌ ، هذا هو مذهب الحنفيّة .</p><p>12 - أمّا الجمهور : فإنّهم لا يفرّقون بين العقد الفاسد والعقد الباطل . فالفاسد والباطل عندهم شيءٌ واحدٌ ، ولا يحصل به الملك ، سواءٌ اتّصل به القبض ، أم لم يتّصل ، ويلزم ردّ المبيع على بائعه ، والثّمن على المشتري هذا إذا كان المبيع قائماً في يد المشتري . أمّا إذا تصرّف فيه المشتري ببيعٍ أو هبةٍ فقد اختلفوا في ذلك . فعند الشّافعيّة والحنابلة : لا ينفذ تصرّف المشتري بذلك ، ويكون من حقّ البائع استرداد المبيع ، ومن حقّ المشتري استرداد الثّمن . أمّا المالكيّة : فإنّه يجب عندهم ردّ المبيع الفاسد لربّه إن لم يفت ، كأن لم يخرج عن يده ببيعٍ ، أو بنيانٍ ، أو غرسٍ ، فإن فات بيد المشتري مضى المختلف فيه - ولو خارج المذهب المالكيّ - بالثّمن الّذي وقع به البيع ، وإن لم يكن مختلفاً فيه بل متّفقاً على فساده ، ضمن المشتري قيمته إن كان مقوّماً حين القبض ، وضمن مثل المثليّ إذا بيع كيلاً أو وزناً ، وعلم كيله أو وزنه ، ولم يتعذّر وجوده ، وإلاّ ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرّدّ .</p><p>خامساً : انتهاء مدّة العقد : </p><p>13 - انتهاء مدّة العقد في العقود المقيّدة بمدّةٍ يثبت حقّ الاسترداد ، ففي عقد الإجارة يكون للمؤجّر أن يستردّ ما آجره إذا انقضت مدّة الإجارة ، فمن استأجر أرضاً للبناء ، وغرس الأشجار ، ومضت مدّة الإجارة ، لزم المستأجر أن يقلع البناء والغرس ويسلّمها إلى ربّها فارغةً ، لأنّه يجب عليه ردّها إلى صاحبها غير مشغولةٍ ببنائه وغرسه ؛ لأنّ البناء والغرس ليس لهما حالةٌ منتظرةٌ ينتهيان إليها . وفي تركهما على الدّوام بأجرٍ أو بغير أجرٍ يتضرّر صاحب الأرض ، فيتعيّن القلع في الحال ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعاً ، ويتملّكه ، ( وذلك برضى صاحب الغرس والشّجر ، إلاّ أن تنقص الأرض بقلعهما ، فحينئذٍ يتملّكهما بغير رضاه ) أو يرضى بتركه على حاله ، فيكون البناء لهذا ، والأرض لهذا ؛ لأنّ الحقّ له ، فله ألاّ يستوفيه . هذا مذهب الحنفيّة . وعند الحنابلة : يخيّر المالك بين تملّك الغراس والبناء بقيمته ، أو تركه بأجرته ، أو قلعه وضمان نقصه ، ما لم يقلعه مالكه . ومثل ذلك مذهب الشّافعيّة ، إلاّ إذا كان صاحب الأرض شرط القلع عند انتهاء المدّة ، فإنّه يعمل بشرطه . وعند المالكيّة : يجبر صاحب الغرس على القلع بعد انتهاء المدّة ، ويجوز لربّ الأرض كراؤها له مدّةً مستقبلةً ، وهذا بالنّسبة للغرس والبناء . أمّا بالنّسبة للزّراعة إذا انقضت المدّة والزّرع لم يدرك ، فليس للمؤجّر في هذه الحالة أن يستردّ أرضه ، وإنّما يترك الزّرع على حاله إلى أن يستحصد ، ويكون للمالك أجر المثل ؛ لأنّ للزّرع نهايةً معلومةً ، فأمكن رعاية الجانبين . وهذا هو الحكم في الجملة عند الفقهاء . غير أنّ الحنابلة يقيّدون ذلك بعدم التّفريط من المستأجر ، فإن كان بتفريطٍ أجبر على القلع . وهذا هو رأي الشّافعيّة في الزّرع المطلق ، أي الّذي لم يحدّد نوعه ، فيكون للمالك عندهم أن يتملّكه بنقله . وأمّا في الزّرع المعيّن إن كان هناك شرطٌ بالقلع ، فله جبر صاحب الزّرع على قلعه ، وإن لم يكن هناك شرطٌ فقولان : بالجبر وعدمه . وعند المالكيّة : يلزمه البقاء إلى الحصاد . وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ) .</p><p>سادساً : الإقالة : </p><p>14 - الإقالة - سواءٌ اعتبرت فسخاً أم بيعاً - يثبت بها حقّ الاسترداد ، لأنّها من التّصرّفات الجائزة ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أقال مسلماً أقال اللّه عثرته يوم القيامة » . والقصد من الإقالة هو : ردّ كلّ حقٍّ إلى صاحبه . ففي البيع يعود بمقتضاها المبيع إلى البائع ، والثّمن إلى المشتري . وبالجملة فإنّه يجب ردّ الثّمن الأوّل ، أو مثله ، ولا يجوز ردّ زيادةٍ على الثّمن ، أو نقصه ، أو ردّ غير جنسه ؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر إلى ما كان عليه ، ورجوع كلٍّ منهما إلى ما كان له . وهذا بالاتّفاق في الجملة . وعند أبي يوسف : الإقالة جائزةٌ بما سمّيا كالبيع الجديد .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40864, member: 329"] أوّلاً : الاستدراك بمعنى تلافي النّقص عن الأوضاع الشّرعيّة : 12 - هذا النّقص يقع في العبادات الّتي لها أوضاعٌ شرعيّةٌ مقرّرةٌ ، كالوضوء والصّلاة ، فإنّ لكلٍّ منهما أركاناً وسنناً وهيئاتٍ ، تفعل بترتيباتٍ معيّنةٍ . ثمّ قد يترك المكلّف فعل شيءٍ منها في محلّه لسببٍ من الأسباب الخارجة عن إرادته ، كالمسبوق في الصّلاة أو النّاسي أو المكره ، وقد يترك ذلك عمداً ، وقد يفعل المكلّف الفعل عمداً على غير الوجه المطلوب شرعاً ، أو يقع عليه بغير إرادته ما يمنع صحّة العبادة أو صحّة جزءٍ منها . والشّريعة قد أتاحت الفرصة في كثيرٍ من الصّور لاستدراك النّقص الحاصل في العمل . وسائل استدراك النّقص في العبادة : 13 - لاستدراك النّقص في العبادة طرقٌ مختلفةٌ بحسب أحوال ذلك النّقص . ومن تلك الوسائل : ( أ ) القضاء : ويكون الاستدراك بالقضاء في العبادة الواجبة أو المسنونة بعد خروج وقتها المقدّر لها شرعاً ، سواءٌ فاتت عمداً ، أو سهواً كما تقدّم . وسواءٌ كان المكلّف لم يفعل العبادة أصلاً ، أو فعلها على فسادٍ ؛ لترك ركنٍ ، أو لفوات شرطٍ من شروط الصّحّة ، أو لوجود مانعٍ . وفي استدراك العبادة المسنونة بالقضاء خلافٌ بين الفقهاء ، وتفصيله في ( قضاء الفوائت ) . ( ب ) الإعادة : وهي فعل العبادة مرّةً أخرى في وقتها لما وقع في فعلها أوّلاً من الخلل . ولمعرفة مواقع الاستدراك بالإعادة وأحكام الإعادة ( ر : إعادةٌ ) ( ج ) الاستئناف : فعل العبادة من أوّلها مرّةً أخرى بعد قطعها والتّوقّف فيها لسببٍ من الأسباب ، ولمعرفة مواقع الاستدراك بالاستئناف ( ر : استئنافٌ ) . ( د ) الفدية : كاستدراك فائت الصّوم بفدية طعام مسكينٍ لكلّ يومٍ ممّن لم يستطع الصّوم ؛ لكبرٍ أو مرضٍ مزمنٍ . وكاستدراك النّقص الحاصل في الإحرام ممّن قصّ شعره ، أو لبس ثياباً بفديةٍ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ( ر : إحرامٌ ) وشبيهٌ بذلك هدي الجبران في الحجّ . وتفصيل ذلك في ( الحجّ ) . (هـ ) الكفّارة : كاستدراك المكلّف ما أفسده من الصّوم بالجماع بالكفّارة ( ر : كفّارةٌ ) . ( و ) سجود السّهو : يستدرك به النّقص الحاصل في الصّلاة في بعض الأحوال . ( ر : سجود السّهو ) . ( ز ) التّدارك : هو الإتيان بجزء العبادة بعد موضعه المقرّر شرعاً . ثمّ قد يكون الاستدراك بواحدٍ ممّا ذكر ، وقد يكون بأكثر ، كما في ترك شيءٍ من أركان الصّلاة ، فإنّ المكلّف يتداركه ويسجد للسّهو ، وكما في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لو صامتا ، فإنّ لهما الإفطار ، ويلزمهما القضاء والفدية على قول الحنابلة ، والشّافعيّة على المشهور عندهم . ثانياً : تلافي القصور في الإخبار والإنشاء . 14 - من تكلّم بكلامٍ خبريٍّ أو إنشائيٍّ ثمّ بدا له أنّه غلط في كلامه ، أو نقص من الحقيقة ، أو زاد عليها ، أو بدا له أن ينشئ كلاماً مخالفاً لما كان قد قاله فله أن يفعل ذلك ، بل قد يجب عليه في بعض الأحوال ، وخاصّةً في الكلام الخبريّ ، إذ أنّه بذلك يتدارك ما وقع في كلامه من الكذب والإخبار بخلاف الحقّ ، ولكن إن ثبت بالكلام الأوّل حقٌّ ، كمن حلف يميناً ، أو قذف غيره ، أو أقرّ له ، ففي حكم الكلام المخالف التّالي له تفصيلٌ ، فإنّ له صورتين . الصّورة الأولى : أن يكون متّصلاً بالأوّل . فله حالتان . الحالة الأولى : أن يرتبط الثّاني بالأوّل بطريقٍ من طرق التّخصيص ، فيثبت حكمهما تبعاً حيث أمكن ، سواءٌ أكان ممّا يمكن الرّجوع عنه كالوصايا ، أم كان ممّا لا رجوع فيه كالإقرار ، فلو كان الثّاني استثناءً ثبت حكم المستثنى ، وخرج من حكم المستثنى منه ، كمن قال : له عليّ عشرةٌ إلاّ ثلاثةً ، أو قال : أعطه عشرةً إلاّ ثلاثةً ، كان الباقي سبعةً في كلٍّ من المسألتين . وهكذا في كلّ ما يتغيّر به الحكم في المتكلّم به ، كالشّرط والصّفة والغاية وسائر المخصّصات المتّصلة . فالشّرط كما لو قال : وهبتك مائة دينارٍ إن نجحت . والصّفة كما لو قال : أبرأتك من ثمن الإبل الّتي هلكت عندك . والغاية كما لو قال للوصيّ : أعطه كلّ يومٍ درهماً إلى شهرٍ ، فإنّ كلاًّ من هذه المخصّصات تغيّر به الحكم كلاًّ أو بعضاً . قال القرافيّ : القاعدة أنّ كلّ كلامٍ لا يستقلّ بنفسه إذا اتّصل بكلامٍ مستقلٍّ بنفسه صيّره غير مستقلٍّ بنفسه ، وكذلك الصّفة والاستثناء والشّرط والغاية ونحوها . وجعل منه ما لو قال المقرّ : « له عليّ ألفٌ من ثمن خمرٍ » فقال فيها : لا يلزمه شيءٌ ، وتقييد حكم هذه الحالة بأنّه « حيث أمكن » ليخرج نحو قول المقرّ : له عليّ عشرةٌ إلاّ تسعةً ، إذ تلزمه عند الحنابلة العشرة ويسقط حكم الاستثناء ؛ لأنّه لا يجوز عندهم استثناء أكثر من النّصف . ومثلها عندهم لو قال : له عليّ ألفٌ من ثمن خمرٍ . ولا خلاف في ذلك في المخصّصات . الحالة الثّانية : أن يتغيّر الحكم بكلامٍ مستقلٍّ ، ومثاله ما لو قال المقرّ : له الدّار وهذا البيت منها لي ، فيؤخذ بإقراره ، ويعمل بالقيد في الجملة الثّانية ، وهو المذهب عند الحنابلة ؛ لأنّ المعطوف بالواو مع المعطوف عليه في حكم الجملة الواحدة ، خلافاً لاختيار ابن عقيلٍ بأنّه لا يعمل القيد قضاءً ؛ لأنّ المعطوف بالواو جملةٌ مستقلّةٌ . وعند المالكيّة ما يفيد أنّ مذهبهم كمذهب الحنابلة . لكن لو عطف في الإثبات أو الأمر بـ « بل » . قال صدر الشّريعة « إنّ ( بل ) للإعراض عمّا قبله وإثبات ما بعده على سبيل التّدارك » فإن كان فيما يقبل الرّجوع فيه كالوصيّة أو التّولية أو الخبر المجرّد ، لغا الأوّل وثبت الثّاني ، كما لو قال : أوصيت لزيدٍ بألفٍ بل بألفين ، يثبت ألفان فقط . أو قول الإمام : ولّيت فلاناً قضاء كذا بل فلاناً ، أو قول القائل : ذهبت إلى زيدٍ بل إلى عمرٍو . وإن كان ممّا لا رجوع فيه كالإقرار والطّلاق ثبت حكم الأوّل ، ولم يمكن إبطاله ، فلو قال المقرّ : له عليّ ألف درهمٍ ، بل ألف ثوبٍ ، يلزمه الجميع ؛ لأنّهما من جنسين . ولو قال : له عليّ ألف درهمٍ ، بل ألفان يثبت الألفان ، قال التّفتازانيّ : « لأنّ التّدارك في الأعداد يراد به نفي انفراد ما أقرّ به أوّلاً ، لا نفي أصله ، فكأنّه قال أوّلاً : له عليّ ألفٌ ليس معه غيره ، ثمّ تدارك ذلك الانفراد وأبطله » ، وفي هذه المسألة خلاف زفر إذ قال : « بل يثبت ثلاثة آلافٍ » . ولم يختلف قول الحنفيّة في أنّه لو قال : أنت طالقٌ طلقةً بل طلقتين أنّه يقع به – في المدخول بها – ثلاث طلقاتٍ . ووجّه صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه الفرق بين مسألتي الإقرار والطّلاق بأنّ الإقرار إخبارٌ على الأصحّ فلا يثبت شيئاً ، فله أن يعرض عن خبرٍ كان أخبر به ، ويخبر بدله بخبرٍ آخر ، بخلاف الإنشاء إذ به يثبت الحكم ، وليس في يده بعد ثبوته أن يعرض عنه . أمّا عند الحنابلة : فلا يقع في مسألة الطّلاق المذكورة إلاّ طلقتان ، كما لا يلزمه في مسألة الإقرار إلاّ ألفان . الصّورة الثّانية : أن يكون الكلام الثّاني متراخياً عن الأوّل منفصلاً عنه . فله حالتان : الحالة الأولى : أن يكون في كلامٍ لا يمكن الرّجوع عنه ، ولا يقبل منه ، كالأقارير والعقود ، فلا يكون الإقرار الثّاني ولا العقد الثّاني رجوعاً عن الأوّل . فلو أقرّ له بمائة درهمٍ ، ثمّ سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ، ثمّ قال « زائفةٌ » أو « إلى شهرٍ » لزمه مائةٌ جيّدةٌ حالّةٌ . الحالة الثّانية : أن يكون رجوعه ممكناً ، كالوصيّة وعزل الإمام أحداً ممّن يمكنه عزلهم وتوليتهم ، فإن صرّح برجوعه عن الأوّل ، أو بإلحاقه شرطاً ، أو تقييده بحالٍ ، أو غير ذلك لحق - وإن لم يتبيّن أنّه قصد الرّجوع - فهذا يشبه التّعارض في الأدلّة الشّرعيّة ، فهو تبديلٌ عند الحنفيّة مطلقاً . ولو كان خاصّاً بعد عامٍّ أو عكسه فالعمل بالثّاني بكلّ حالٍ . وعند غيرهم قد يجري فيه تقديم الخاصّ على العامّ سواءٌ أكان الخاصّ سابقاً أم متأخّراً . *استدلالٌ التعريف 1 - الاستدلال لغةً : طلب الدّليل ، وهو من دلّه على الطّريق دلالةً : إذا أرشده إليه . وله في عرف الأصوليّين إطلاقاتٌ . أهمّها اثنان : الأوّل : أنّه إقامة الدّليل مطلقاً ، أي سواءٌ أكان الدّليل نصّاً ، أم إجماعاً ، أم غيرهما . والثّاني : أنّه الدّليل الّذي ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ . وفي قولٍ : الدّليل الّذي ليس بنصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ علّةٌ . قال الشّربينيّ : « الاستفعال يرد لمعانٍ . وعندي أنّ المراد منها هنا ( أي في هذا الإطلاق الثّاني ) الاتّخاذ . والمعنى أنّ هذه الأشياء اتّخذت أدلّةً ، أمّا الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس فقيامها أدلّةً لم ينشأ عن صنيع المجتهدين واجتهادهم ، أمّا الاستصحاب ونحوه ممّا اعتبر استدلالاً فشيءٌ قاله كلّ إمامٍ بمقتضى اجتهاده ، فكأنّه اتّخذه دليلاً » . 2 - فعلى هذا الإطلاق الثّاني يدخل في الاستدلال الأدلّة التّالية : ( أ ، ب ) - القياس الاقترانيّ ، والقياس الاستثنائيّ ، وهما نوعا القياس المنطقيّ . مثال الاقترانيّ : النّبيذ مسكرٌ ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ ، ينتج : النّبيذ حرامٌ . ومثال الاستثنائيّ : إن كان النّبيذ مسكراً فهو حرامٌ ، لكنّه مسكرٌ ، ينتج : فهو حرامٌ . أو : إن كان النّبيذ مباحاً فهو ليس بمسكرٍ ، لكنّه مسكرٌ ، ينتج : فهو ليس بمباحٍ . ( ج ) وقياس العكس : ذكر السّبكيّ أنّه من الاستدلال . وقياس العكس هو : إثبات عكس حكم شيءٍ لمثله ، لتعاكسهما في العلّة ، كما في حديث مسلمٍ : « وفي بضع أحدكم صدقةٌ قالوا : أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجرٌ ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ » ( د ) وقول العلماء : الدّليل يقتضي ألاّ يكون الأمر كذا ، خولف في صورة كذا ، لمعنًى مفقودٍ في صورة النّزاع ، فتبقى هي على الأصل الّذي اقتضاه الدّليل . ( هـ ) انتفاء الحكم لانتفاء دليله ، بأن لم يجده المجتهد بعد الفحص الشّديد ، فعدم وجدانه دليلٌ على انتفاء الحكم . قال في المحلّى : خلافاً للأكثر . ( و ) قول العلماء : وجد السّبب فوجد الحكم ، أو وجد المانع أو فقد الشّرط فانتفى الحكم ، قال السّبكيّ : خلافاً للأكثر . ( ز ) الاستقراء وهو : الاستدلال بالجزئيّ على الكلّيّ . قال السّبكيّ : فإن كان تامّاً بكلّ الجزئيّات إلاّ صورة النّزاع ، فهو دليلٌ قطعيٌّ عند الأكثر ، وإن كان ناقصاً ، أي بأكثر الجزئيّات ، فدليلٌ ظنّيٌّ . ويسمّى هذا عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب . ( ح ) الاستصحاب وهو كما عرّفه السّعد : الحكم ببقاء أمرٍ كان في الزّمان الأوّل ، ولم يظنّ عدمه ، وينظر تفصيل القول فيه في بحث الاستصحاب ، وفي الملحق الأصوليّ . ونفى قومٌ أن يكون استدلالاً . ( ط ) شرع من قبلنا ، على تفصيلٍ فيه ، يرجع إليه في الملحق الأصوليّ . ونفى قومٌ أن يكون استدلالاً . ذكر هذه الأنواع التّسعة السّبكيّ في جمع الجوامع . ( ي ) وزاد الحنفيّة الاستحسان ، واستدلّ به غيرهم لكن سمّوه بأسماءٍ أخرى . ( ك ) وزاد المالكيّة المصالح المرسلة . وسمّاه الغزاليّ الاستدلال المرسل . وسمّاه أيضاً الاستصلاح ، واستدلّ به غيرهم . ( ل ) ويدخل في الاستدلال أيضاً : القياس في معنى الأصل ، وهو المسمّى بتنقيح المناط . ( م ) وفي كشف الأسرار للبزدويّ : الاستدلال هو : انتقال الذّهن من المؤثّر إلى الأثر ، وقيل بالعكس ، وقيل مطلقاً . وقيل : بل الانتقال من المؤثّر إلى الأثر يسمّى تعليلاً ، والانتقال من الأثر إلى المؤثّر يسمّى استدلالاً . 3 - وأكثر هذه الأنواع يفصّل القول فيها تحت مصطلحاتها الخاصّة ، ويرجع إليها أيضاً في الملحق الأصوليّ . مواطن البحث في كلام الفقهاء : 4 - يرد عند الفقهاء ذكر الاستدلال في مواطن كثيرةٍ . منها في مبحث استقبال القبلة : الاستدلال بالنّجوم ، ومهابّ الرّياح ، والمحاريب المنصوبة وغير ذلك ، على القبلة . ومنها في مبحث مواقيت الصّلاة : الاستدلال بالنّجوم ومقادير الظّلال على ساعات اللّيل والنّهار ، ومواعيد الصّلاة . ومنها في مبحث الدّعاوى والبيّنات : الاستدلال على الحقّ بالشّهادات ، والقرائن والفراسة ونحو ذلك . *استراق السّمع التعريف 1 - قال أهل اللّغة : استراق السّمع يعني التّسمّع مستخفياً . وقال القرطبيّ في تفسيره : هو الخطفة اليسيرة . الألفاظ ذات الصّلة أ - التّجسّس : 2 - التّجسّس هو : التّفتيش عن بواطن الأمور ، ومن الفروق بين التّجسّس واستراق السّمع ما يلي : أنّ التّجسّس هو التّنقيب عن أمورٍ معيّنةٍ ، يبغي المتجسّس الحصول عليها ، أمّا استراق السّمع فيكون بحمل ما يقع له من معلوماتٍ . وأنّ التّجسّس مبناه على الصّبر والتّأنّي للحصول على المعلومات المطلوبة ، أمّا استراق السّمع فإنّ مبناه على التّعجّل . ويرى البعض : أنّ التّجسّس يعني البحث عن العورات ، وأنّه أكثر ما يقال في الشّرّ . أمّا استراق السّمع فيكون فيه حمل ما يقع له من أقوالٍ ، خيراً كانت أم شرّاً . ب - التّحسّس : 3 - التّحسّس أعمّ من استراق السّمع ، قال في عون المعبود في شرح قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تحسّسوا » أي : لا تطلبوا الشّيء بالحاسّة ، كاستراق السّمع . ويقرب من هذا ما في شرح النّوويّ لصحيح مسلمٍ ، وما في فتح الباري وعمدة القاريّ لشرح صحيح البخاريّ . الحكم التّكليفيّ : 4 - الأصل تحريم استراق السّمع ، وقد ورد النّهي عنه على لسان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : « من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون ، أو يفرّون منه ، صبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة » . ولقوله صلى الله عليه وسلم « إيّاكم والظّنّ ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث ، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا » ولأنّ الأسرار الشّخصيّة للنّاس محترمةٌ لا يجوز انتهاكها إلاّ بحقٍّ مشروعٍ . 5 - يستثنى من هذا النّهي : الحالات الّتي يشرع فيها التّجسّس ( الّذي هو أشدّ تحريماً من استراق السّمع ) كما لو تعيّن التّجسّس أو استراق السّمع طريقاً إلى إنقاذ نفسٍ من الهلاك ، كأن يخبر ثقةٌ بأنّ فلاناً خلا بشخصٍ ليقتله ظلماً ، فيشرع في هذه الصّورة التّجسّس ، وما هو أدنى منه من استراق السّمع . كما يستثنى من ذلك أيضاً : استراق وليّ الأمر السّمع بنيّة معرفة الخلل الواقع في المجتمع ؛ ليقوم بإصلاحه ، فيحلّ للمحتسب استراق السّمع ، كما يحلّ له أن ينشر عيونه ؛ لينقلوا له أخبار النّاس وأحوال السّوقة ، ليعرف ألاعيبهم وطرق تحايلهم ، فيضع لهم من أساليب القمع ما يدرأ ضررهم عن المجتمع ، قال في نهاية الرّتبة في طلب الحسبة : « ويلازم المحتسب الأسواق والدّروب في أوقات الغفلة عنه ، ويتّخذ له فيها عيوناً يوصّلون إليه الأخبار وأحوال السّوقة » . وقد كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يعسّ في شوارع المدينة المنوّرة ليلاً يسترق السّمع ، ويتسقّط أخبار المسلمين لمعرفة أحوالهم ، ويعين ذا الحاجة ، ويرفع الظّلم عن المظلوم ، ويكتشف الخلل ليسارع إلى إصلاحه ، وقصصه في ذلك كثيرةٌ لا تحصى . عقوبة استراق السّمع : 6 - إذا كان استراق السّمع منهيّاً عنه في الجملة إلاّ في حالاتٍ - وإتيان المنهيّ عنه يوجب التّعزير - فإنّ استراق السّمع في غير الحالات المسموح به فيها يستحقّ فاعله التّعزير . ويرجع في تفصيل أحكام استراق السّمع إلى مصطلح ( تجسّسٌ ) . وإلى باب الجهاد ( قتل الجاسوس ) وإلى الحظر والإباحة ( أحكام النّظر ) . *استرجاعٌ التعريف 1 - الاسترجاع لغةً : مادّتها رجع ، أي : انصرف . واسترجعت منه الشّيء : إذا أخذت منه ما دفعته إليه . واسترجع الرّجل عند المصيبة : قال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . ويستعمل عند الفقهاء بمعنيين : أ - بمعنى استردادٍ ، ومن ذلك قولهم : للمشتري - بعد فسخه بالعيب - حبس المبيع إلى حين استرجاع ثمنه من البائع . وقولهم : السّلع المبيعة أو المجعولة ثمناً إذا علم بعيوبها من صارت إليه بعد العقد فإنّ له الفسخ ، واسترجاع عوضها من قابضه إن كان باقياً ، أو بدله إن تعذّر ردّه . ( ر : استردادٌ ) . ب - بمعنى قول : « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » ، عند المصيبة . وتفصيل الكلام في ذلك على الوجه الآتي : متى يشرع الاسترجاع عند المصيبة ؟ ومتى لا يشرع ؟ . 2 - يشرع الاسترجاع عند كلّ ما يبتلى به الإنسان من مصائب ، عظمت أو صغرت . والأصل فيه قول اللّه عزّ وجلّ : { ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون } وإنّما يشرع الاسترجاع عند كلّ شيءٍ يؤذي الإنسان ويضرّه ؛ لما روي « أنّه طفئ سراج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون فقيل : أمصيبةٌ هي ؟ قال : نعم ، كلّ شيءٍ يؤذي المؤمن فهو له مصيبةٌ » وقال صلى الله عليه وسلم : « ليسترجع أحدكم في كلّ شيءٍ ، حتّى في شسع نعله ، فإنّها من المصائب » . وغير ذلك كثيرٌ ممّا روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . 3 - والحكمة في الاسترجاع عند المصائب : الإقرار بعبوديّة اللّه ووحدانيّته ، والتّصديق بالمعاد ، والرّجوع إليه ، والتّسليم بقضائه ، والرّجاء في ثوابه . ولذلك يقول النّبيّ : « من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه » . 4 - أمّا متى لا يشرع : فمعلومٌ أنّ الاسترجاع بعض آيةٍ من القرآن الكريم ، وأنّه يحرم على غير الطّاهر قراءة أيّ شيءٍ منه ، ولو بعض آيةٍ . وقد ذكر الفقهاء في كتبهم : أنّه يحرم على الجنب والحائض والنّفساء قراءة شيءٍ من القرآن وإن قلّ ، حتّى بعض آيةٍ ، ولو كان يقرأ في كتاب فقهٍ أو غيره فيه احتجاجٌ بآيةٍ حرم عليه قراءتها ؛ لأنّه يقصد القرآن للاحتجاج ، أمّا إذا كان لا يقصد القرآن فلا بأس ؛ لأنّهم قالوا : يجوز للجنب والحائض والنّفساء أن تقول عند المصيبة : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، إذا لم تقصد القرآن . حكمه التّكليفيّ : 5 - يذكر الفقهاء أنّ الاسترجاع ينطوي على أمرين : أ - قولٍ باللّسان ، وهو أن يقول عند المصيبة : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وهذا مستحبٌّ . ب - عملٍ بالقلب ، وهو الاستسلام والصّبر والتّوكّل ، وما يتبع ذلك ، وهذا واجبٌ . *استردادٌ التعريف 1 - الاسترداد في اللّغة : طلب الرّدّ ، يقال : استردّ الشّيء وارتدّه : طلب ردّه عليه ، ويقال : وهب هبةً ثمّ ارتدّها أي : استردّها ، واستردّه الشّيء : سأله أن يردّه عليه . ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم عن المعنى اللّغويّ . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الردٌّ : 2 - الرّدّ : هو صرف الشّيء ورجعه . فالرّدّ قد يكون أثراً للاسترداد ، وقد يحصل الرّدّ بلا استردادٍ . ب - الارتجاعٌ - الاسترجاعٌ : 3 - يقال رجع في هبته : إذا أعادها إلى ملكه ، وارتجعها واسترجعها كذلك ، واسترجعت منه الشّيء : إذا أخذت منه ما دفعته إليه . ويتبيّن من ذلك أنّ الاسترداد والارتجاع والاسترجاع بمعنًى واحدٍ لغةً واصطلاحاً . صفته : حكمه التّكليفيّ : 4 - الاسترداد من التّصرّفات الجائزة ، وقد يعرض له الوجوب ، كما في البيوع الفاسدة ، حيث يجب الفسخ ، فإن كانت السّلعة قائمةً ردّت بعينها ، وإن كانت فائتةً ردّت قيمتها على البائع بالغةً ما بلغت ، وردّ الثّمن على المشتري ، وذلك في الجملة ، على خلافٍ تفصيله في مصطلحي : ( فسادٌ - وبطلانٌ ) لأنّ الفسخ حقّ الشّرع . وقد يحرم الاسترداد ، كمن أخرج صدقةً ، فإنّه يحرم عليه استردادها ؛ لقول عمر : من وهب هبةً على وجه صدقةٍ فإنّه لا يرجع فيها ولأنّ المقصود هو الثّواب وقد حصل . أسباب حقّ الاسترداد : للاسترداد أسبابٌ متنوّعةٌ منها : الاستحقاق ، والتّصرّفات الّتي لا تلزم ، وفساد العقد .. إلخ وبيان ذلك فيما يأتي : أوّلاً : الاستحقاق : 5 - الاستحقاق - بمعناه الأعمّ - ظهور كون الشّيء حقّاً واجباً للغير . وهذا التعريـف يشمل الغصب والسّرقة ، فالمغصوب منه والمسروق منه يثبت لهما حقّ الاسترداد ، ويجب على الغاصب والسّارق ردّ المغصوب والمسروق لربّه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » . ويشمل استحقاق المبيع على المشتري ، أو الموهوب على المتّهب ، فيوجب الفسخ والاسترداد ، لفساد العقد في الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة ، ويتوقّف العقد على إجازة ربّه عند الحنفيّة والمالكيّة . والقول بالتّوقّف هو أيضاً مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة . وإذا فسخ البيع ثبت للمشتري في الجملة حقّ استرداد الثّمن ، على تفصيلٍ بين ما إذا كان ثبوت الاستحقاق بالبيّنة ، أو بالإقرار . وينظر تفصيل ذلك في ( استحقاقٌ ) . ثانياً : التّصرّفات الّتي لا تلزم : التّصرّفات الّتي لا تلزم متنوّعةٌ ، منها : أ - العقود غير اللاّزمة : 6 - وهي الّتي تقبل بطبيعتها أن يرجع فيها أحد العاقدين كالوديعة ، والعاريّة ، والمضاربة ، والشّركة ، والوكالة . فهذه العقود غير لازمةٍ ، ويجوز الرّجوع فيها في الجملة ، ويثبت عند فسخها حقّ الاسترداد للمالك ، ويجب الرّدّ عند الطّلب ؛ لأنّها أماناتٌ يجب ردّها ؛ لقول اللّه تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } ، ولذلك لو حبسها بعد الطّلب فضاعت ضمن ، ولو هلكت بلا تعدٍّ أو تفريطٍ لم يضمن . وهذه الأحكام متّفقٌ عليها في الجملة ، إذا توافرت الشّروط المعتبرة شرعاً ، كنضو رأس المال في المضاربة ، أي تحوّل السّلع إلى نقودٍ . ولو كان في الاسترداد ضررٌ فإنّه يتوقّف حتّى يزول الضّرر ، كالأرض إذا استعيرت للزّراعة ، وأراد المعير الرّجوع ، فيتوقّف الاسترداد حتّى يحصد الزّرع . والعاريّة المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ عند المالكيّة لا تستردّ حتّى ينقضي الأجل أو العمل . هذا حكم الاسترداد في الجملة في هذه التّصرّفات ، وفي ذلك تفاصيل كثيرةٌ يرجع إليها في موضوعاتها . ب - العقود الّتي يدخلها الخيار : 7 -كخيار الشّرط ، وخيار العيب ونحوهما كثيرةٌ من أهمّها : البيع ، والإجارة . ففي البيع : بكون العقد في مدّة خيار الشّرط غير لازمٍ ، ولمن له الخيار حقّ الفسخ والرّدّ . جاء في بدائع الصّنائع : البيع بشرط الخيار بيعٌ غير لازمٍ ، لأنّ الخيار يمنع لزوم الصّفقة ، قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه : البيع صفقةٌ أو خيارٌ ولأنّ الخيار هو التّخيير بين الفسخ والإجازة ، وهذا يمنع اللّزوم ، ومثل ذلك في بقيّة المذاهب مع التّفاصيل . كذلك خيار العيب يجعل العقد غير لازمٍ وقابلاً للفسخ ، فإذا نقض المشتري البيع بخيار العيب انفسخ العقد ، وردّ المشتري البيع معيباً إلى البائع واستردّ الثّمن . ويختلف الفقهاء في حقّ المشتري في إمساك المبيع معيباً ، والرّجوع على البائع بأرش العيب في المعيب ، فالحنفيّة والشّافعيّة لا يعطونه هذا الحقّ ، وإنّما له أن يردّ السّلعة ويستردّ الثّمن ، أو يمسك المعيب ولا رجوع له بنقصانٍ ؛ لأنّ الأوصاف لا يقابلها شيءٌ من الثّمن في مجرّد العقد ؛ ولأنّه لم يرض بزواله عن ملكه بأقلّ من المسمّى ، فيتضرّر به ، ودفع الضّرر عن المشتري ممكنٌ بالرّدّ بدون تضرّره . أمّا الحنابلة فإنّه يكون للمشتري عندهم الخيار بين الرّدّ والرّجوع بالثّمن ، وبين الإمساك والرّجوع بأرش العيب . ويفصّل المالكيّة بين العيب اليسير غير المؤثّر ، فلا شيء فيه ولا ردّ به ، وبين العيب المؤثّر الّذي له قيمةٌ فيرجع بأرشه ، وبين العيب الفاحش فيجب هنا الرّدّ ، حتّى إذا أمسكه ليس له الرّجوع بالنّقصان ، وفي خيار العيب تفصيلٌ يرجع إليه في مصطلحه . هذه أمثلةٌ لبعض الخيارات الّتي تجعل العقد غير لازمٍ ، ويثبت بها حقّ الاسترداد وهناك خياراتٌ أخرى تسير على هذا النّمط ، كخيار التّعيين ، وخيار الغبن ، وخيار التّدليس ، وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( خيارٌ ) . 8 - ويدخل الخيار كذلك عقد الإجارة ، فيثبت به حقّ الفسخ والرّدّ ، فمن استأجر داراً فوجد بها عيباً حادثاً يضرّ بالسّكنى ، فله الفسخ والرّدّ . ثالثاً : العقد الموقوف عند عدم الإجازة : 9 - ومن أشهر أمثلته : بيع الفضوليّ ، فإنّه لا ينفذ لانعدام الملك ، لكنّه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإن أمضاه مضى ، وإن ردّه ردّ . وإذا أجاز المالك البيع صار الفضوليّ بمنزلة الوكيل ، وينتقل ملك المبيع إلى المشتري ، ويكون الثّمن للمالك ؛ لأنّه بدل ملكه . وبيع الفضوليّ قابلٌ للفسخ من جهة المشتري وجهة الفضوليّ عند الحنفيّة ، فلو فسخه الفضوليّ قبل الإجازة انفسخ ، واستردّ المبيع إن كان قد سلّم ، ويرجع المشتري بالثّمن على البائع إن كان قد نقده ، وكذا إذا فسخه المشتري ينفسخ . أمّا عند المالكيّة : فهو لازمٌ من جهة الفضوليّ ومن جهة المشتري ، منحلٌّ من جهة المالك . أمّا عند الشّافعيّة ، والحنابلة : فبيع الفضوليّ باطلٌ في الأصحّ ويجب ردّه ، وفي الرّواية الأخرى : أنّه يتوقّف على إجازة المالك . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ( ر : فضوليٌّ - بيعٌ ) . رابعاً : فساد العقد : 10 - يفرّق الحنفيّة بين العقد الباطل والعقد الفاسد ، فالعقد الباطل عندهم : هو ما لم يشرع بأصله ولا وصفه ، والعقد الفاسد : هو ما شرع بأصله دون وصفه . أمّا حكم الاسترداد بالنّسبة لكلٍّ من الباطل والفاسد فيظهر فيما يأتي : العقد الباطل لا وجود له شرعاً ، ولا يفيد الملك ؛ لأنّه لا أثر له ، ولا يملك أحد العاقدين أن يجبر الآخر على تنفيذه . ففي البيع يقول الكاسانيّ : لا حكم لهذا البيع ( الباطل ) أصلاً ؛ لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة ؛ لأنّ التّصرّف الشّرعيّ لا وجود له بدون الأهليّة والمحلّيّة شرعاً ، كما لا وجود للتّصرّف الحقيقيّ إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، وذلك نحو بيع الميتة ، والدّم ، وكلّ ما ليس بمالٍ . وما دام العقد الباطل لا وجود له شرعاً ، ولا ينتج أيّ أثرٍ ، فإنّه يترتّب على ذلك أنّ البائع لو سلّم المبيع باختياره للمشتري ، أو دفع المشتري باختياره الثّمن للبائع ، كان للبائع أن يستردّ المبيع ، وللمشتري أن يستردّ الثّمن ؛ لأنّ البيع الباطل لا يفيد الملك ولو بالقبض ، ولذلك لو تصرّف المشتري فيه ببيعٍ ، أو هبةٍ ، أو عتقٍ ، فإنّ هذا التّصرّف لا يمنع البائع من استرداد المبيع من يد المشتري الثّاني ، ذلك أنّ البيع الباطل لم ينقل الملكيّة للمشتري ، فيكون المشتري قد باع مالاً غير مملوكٍ له . 11 - أمّا العقد الفاسد فإنّه وإن كان مشروعاً بأصله لكنّه غير مشروعٍ بوصفه ، فلذلك يفيد الملك بالقبض في الجملة ، إلاّ أنّه ملكٌ غير لازمٍ ، بل هو مستحقٌّ الفسخ ، حقّاً للّه تعالى ؛ لما في الفسخ من رفع الفساد ، ورفع الفساد حقّ اللّه تعالى ، والفسخ في البيع الفاسد يستلزم ردّ المبيع على بائعه ، وردّ الثّمن على المشتري ، هذا إذا كان المبيع قائماً في يد المشتري . أمّا إذا تصرّف فيه ببيعٍ أو هبةٍ ، فليس لواحدٍ منهما فسخه ؛ لأنّ المشتري ملكه بالقبض ، فتنفذ فيه تصرّفاته كلّها ، وينقطع به حقّ البائع في الاسترداد ؛ لأنّه تعلّق به حقّ العبد ، والاسترداد حقّ الشّرع ، وما اجتمع حقّ اللّه وحقّ العبد إلاّ غلب حقّ العبد لحاجته . وسواءٌ أكان التّصرّف يقبل الفسخ ، أو لا يقبله ، إلاّ الإجارة فإنّها لا تقطع حقّ البائع في الاسترداد ؛ لأنّ الإجارة عقدٌ ضعيفٌ يفسخ بالأعذار ، وفساد الشّراء عذرٌ ، هذا هو مذهب الحنفيّة . 12 - أمّا الجمهور : فإنّهم لا يفرّقون بين العقد الفاسد والعقد الباطل . فالفاسد والباطل عندهم شيءٌ واحدٌ ، ولا يحصل به الملك ، سواءٌ اتّصل به القبض ، أم لم يتّصل ، ويلزم ردّ المبيع على بائعه ، والثّمن على المشتري هذا إذا كان المبيع قائماً في يد المشتري . أمّا إذا تصرّف فيه المشتري ببيعٍ أو هبةٍ فقد اختلفوا في ذلك . فعند الشّافعيّة والحنابلة : لا ينفذ تصرّف المشتري بذلك ، ويكون من حقّ البائع استرداد المبيع ، ومن حقّ المشتري استرداد الثّمن . أمّا المالكيّة : فإنّه يجب عندهم ردّ المبيع الفاسد لربّه إن لم يفت ، كأن لم يخرج عن يده ببيعٍ ، أو بنيانٍ ، أو غرسٍ ، فإن فات بيد المشتري مضى المختلف فيه - ولو خارج المذهب المالكيّ - بالثّمن الّذي وقع به البيع ، وإن لم يكن مختلفاً فيه بل متّفقاً على فساده ، ضمن المشتري قيمته إن كان مقوّماً حين القبض ، وضمن مثل المثليّ إذا بيع كيلاً أو وزناً ، وعلم كيله أو وزنه ، ولم يتعذّر وجوده ، وإلاّ ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرّدّ . خامساً : انتهاء مدّة العقد : 13 - انتهاء مدّة العقد في العقود المقيّدة بمدّةٍ يثبت حقّ الاسترداد ، ففي عقد الإجارة يكون للمؤجّر أن يستردّ ما آجره إذا انقضت مدّة الإجارة ، فمن استأجر أرضاً للبناء ، وغرس الأشجار ، ومضت مدّة الإجارة ، لزم المستأجر أن يقلع البناء والغرس ويسلّمها إلى ربّها فارغةً ، لأنّه يجب عليه ردّها إلى صاحبها غير مشغولةٍ ببنائه وغرسه ؛ لأنّ البناء والغرس ليس لهما حالةٌ منتظرةٌ ينتهيان إليها . وفي تركهما على الدّوام بأجرٍ أو بغير أجرٍ يتضرّر صاحب الأرض ، فيتعيّن القلع في الحال ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعاً ، ويتملّكه ، ( وذلك برضى صاحب الغرس والشّجر ، إلاّ أن تنقص الأرض بقلعهما ، فحينئذٍ يتملّكهما بغير رضاه ) أو يرضى بتركه على حاله ، فيكون البناء لهذا ، والأرض لهذا ؛ لأنّ الحقّ له ، فله ألاّ يستوفيه . هذا مذهب الحنفيّة . وعند الحنابلة : يخيّر المالك بين تملّك الغراس والبناء بقيمته ، أو تركه بأجرته ، أو قلعه وضمان نقصه ، ما لم يقلعه مالكه . ومثل ذلك مذهب الشّافعيّة ، إلاّ إذا كان صاحب الأرض شرط القلع عند انتهاء المدّة ، فإنّه يعمل بشرطه . وعند المالكيّة : يجبر صاحب الغرس على القلع بعد انتهاء المدّة ، ويجوز لربّ الأرض كراؤها له مدّةً مستقبلةً ، وهذا بالنّسبة للغرس والبناء . أمّا بالنّسبة للزّراعة إذا انقضت المدّة والزّرع لم يدرك ، فليس للمؤجّر في هذه الحالة أن يستردّ أرضه ، وإنّما يترك الزّرع على حاله إلى أن يستحصد ، ويكون للمالك أجر المثل ؛ لأنّ للزّرع نهايةً معلومةً ، فأمكن رعاية الجانبين . وهذا هو الحكم في الجملة عند الفقهاء . غير أنّ الحنابلة يقيّدون ذلك بعدم التّفريط من المستأجر ، فإن كان بتفريطٍ أجبر على القلع . وهذا هو رأي الشّافعيّة في الزّرع المطلق ، أي الّذي لم يحدّد نوعه ، فيكون للمالك عندهم أن يتملّكه بنقله . وأمّا في الزّرع المعيّن إن كان هناك شرطٌ بالقلع ، فله جبر صاحب الزّرع على قلعه ، وإن لم يكن هناك شرطٌ فقولان : بالجبر وعدمه . وعند المالكيّة : يلزمه البقاء إلى الحصاد . وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ) . سادساً : الإقالة : 14 - الإقالة - سواءٌ اعتبرت فسخاً أم بيعاً - يثبت بها حقّ الاسترداد ، لأنّها من التّصرّفات الجائزة ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أقال مسلماً أقال اللّه عثرته يوم القيامة » . والقصد من الإقالة هو : ردّ كلّ حقٍّ إلى صاحبه . ففي البيع يعود بمقتضاها المبيع إلى البائع ، والثّمن إلى المشتري . وبالجملة فإنّه يجب ردّ الثّمن الأوّل ، أو مثله ، ولا يجوز ردّ زيادةٍ على الثّمن ، أو نقصه ، أو ردّ غير جنسه ؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر إلى ما كان عليه ، ورجوع كلٍّ منهما إلى ما كان له . وهذا بالاتّفاق في الجملة . وعند أبي يوسف : الإقالة جائزةٌ بما سمّيا كالبيع الجديد . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية