الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40894" data-attributes="member: 329"><p>أ - كيفيّة استيفاء القصاص في النّفس :</p><p>14 - قال الحنفيّة ، وهو روايةٌ عن الحنابلة : إنّ القصاص لا يستوفى إلاّ بالسّيف ، لقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « لا قود إلاّ بالسّيف » . والقود هو القصاص ، فكان هذا نفي استيفاء القصاص بغير السّيف . وإن أراد الوليّ أن يقتل بغير السّيف لا يمكّن للحديث ، ولو فعل يعزّر ، لكن لا ضمان عليه ، لأنّ القتل حقّه ، فإذا قتله فقد استوفى حقّه بأيّ طريقٍ كان ، إلاّ أنّه يأثم بالاستيفاء بطريقٍ غير مشروعٍ ، لمجاوزته حدّ الشّرع .</p><p> وعند المالكيّة والشّافعيّة - وهو إحدى روايتين للحنابلة - أنّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به ، ودليله : حديث « اليهوديّ الّذي رضّ رأس مسلمةٍ بين حجرين ، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرضّ رأسه كذلك » . وهذا إن ثبت القتل ببيّنةٍ أو اعترافٍ .</p><p> فإن ثبت بقسامةٍ قتل بالسّيف ، إلاّ أن يقع القتل بما هو محرّمٌ .</p><p>ب - تأخير استيفاء القصاص : </p><p>15 - إذا كان وليّ الدّم واحداً أو أكثر ، وكانوا جميعاً عقلاء بالغين حاضرين ، وطلبوا الاستيفاء أجيبوا . أمّا إذا كان وليّ الدّم واحداً صغيراً أو مجنوناً ، فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة - وهو قولٌ للحنفيّة - إلى أنّه ينتظر البلوغ أو الإفاقة ، لاحتمال العفو آنئذٍ . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا ينتظر ، بل الاستيفاء لوليّ الصّغير ، والقيّم على المجنون . والقول الآخر للحنفيّة أنّ الّذي يستوفي القصاص في هذه الحال هو القاضي .</p><p> وللحنفيّة قولٌ ثالثٌ بأنّ الوليّ إذا كان أباً أو جدّاً يستوفي القصاص عن الصّغير ، وليس ذلك للوصيّ .</p><p> أمّا إذا تعدّد أولياء الدّم وكان فيهم كبارٌ وصغارٌ ، فقد ذهب الشّافعيّة وأبو يوسف - وهو روايةٌ عن أحمد - إلى أنّه ينتظر بلوغ الصّغير . وذهب المالكيّة وأبو حنيفة - وهو الرّواية الثّانية عن أحمد - إلى أنّه يستوفيه الكبار . أمّا إن كان بعض الأولياء غائبين فإنّ انتظارهم واجبٌ عند أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد ، وفصّل المالكيّة فقالوا : ينتظر الغائب إن كانت غيبته قريبةً دون الغائب غيبةً بعيدةً ، وكذلك المجنون جنوناً غير مطبقٍ فإنّه ينتظر .</p><p>ج - وقت استيفاء القصاص فيما دون النّفس : </p><p>16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يقام القصاص فيما دون النّفس قبل برء المجروح ، لحديث : « لا يستقاد من الجراحة حتّى يبرأ » . والشّافعيّة قالوا : إنّه يقتصّ من الجاني على الفور . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( قصاصٌ ) .</p><p>ثانياً : استيفاء حقوق العباد الماليّة : </p><p> أ - استيفاء الحقّ من مال الغير بصفةٍ عامّةٍ : </p><p>17 - قال ابن قدامة : إذا كان لرجلٍ على غيره حقٌّ ، وهو مقرٌّ به باذلٌ له ، لم يكن له أن يأخذ من ماله إلاّ ما يدليه بلا خلافٍ بين أهل العلم ، فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه لزمه ردّه إليه ، وإن كان قدر حقّه ، لأنّه لا يجوز له أن يملك عليه عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورةٍ ، وإن كانت من جنس حقّه ، لأنّه قد يكون للإنسان غرضٌ في العين ، فإن أتلفه أو تلفت فصارت ديناً في ذمّته ، وكان الثّابت في ذمّته من جنس حقّه تقاصّا في قياس المذهب . والمشهور من مذهب الشّافعيّ ، وإن كان المدين مانعاً لأداء الدّين لأمرٍ يبيح المنع كالتّأجيل والإعسار لم يجز أخذ شيءٍ من ماله بغير خلافٍ ، وإن أخذ شيئاً لزمه ردّه إن كان باقياً ، أو عوّضه إن كان تالفاً ، ولا يحصل التّقاصّ هاهنا ، لأنّ الدّين الّذي له لا يستحقّ أخذه في الحال بخلاف ما ذكر قبل .</p><p> وإن كان مانعاً له بغير حقٍّ ، وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السّلطان لم يجز له الأخذ أيضاً بغير السّلطان أو الحاكم ، لأنّه قدر على استيفاء حقّه بمن يقوم مقامه ، فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله . وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحداً له ، ولا بيّنة له به ، أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك ، أو نحو هذا ، فالمشهور في المذهب أنّه ليس له أخذ قدر حقّه ، وهو إحدى الرّوايتين عن مالكٍ .</p><p> قال ابن عقيلٍ : وقد جعل أصحابنا المحدّثون لجواز الأخذ وجهاً في المذهب ، أخذاً من حديث هندٍ حين قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » . قال أبو الخطّاب : ويتخرّج لنا جواز الأخذ ، فإن كان المقدور عليه من جنس حقّه أخذ بقدره ، وإن كان من غير جنسه تحرّى واجتهد في تقويمه ، مأخوذٌ من حديث هندٍ ، ومن قول أحمد في المرتهن " يركب ويحلب بقدر ما ينفق " . والمرأة تأخذ مئونتها وبائع السّلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضاً . واحتجّ من أجاز الأخذ بحديث هندٍ السّابق .</p><p> وقال الشّافعيّ : إن لم يقدر على استخلاص حقّه بعينه فله أخذ قدر حقّه من جنسه ، أو من غير جنسه ، إن لم يخف الفتنة . وإن كانت له بيّنةٌ وقدر على استخلاص حقّه فالمذهب عند الشّافعيّة : أنّ له أخذ جنس حقّه من ماله ، وكذا غير جنسه للضّرورة .</p><p> وفي قولٍ آخر : المنع ، لأنّه لا يتمكّن من تملّكه ، وما كان كذلك لا بدّ فيه من التّراضي .</p><p>18 - هذا ، وانفرد الشّافعيّة على المذهب أيضاً بأنّ لصاحب الحقّ أخذ حقّه استقلالاً ، ولو كان على مقرٍّ ممتنعٍ ، أو على منكرٍ ولصاحب الحقّ عليه بيّنةٌ ، لأنّ في الرّفع إلى القضاء مئونةً ومشقّةً وتضييع زمانٍ . والقول الآخر عندهم : يجب الرّفع إلى القاضي ، لإمكان حصوله على حقّه مع وجود الإقرار أو البيّنة .</p><p> والرّواية الأخرى من مذهب مالكٍ : أنّه إن لم يكن لغيره عليه دينٌ فله أن يأخذ بقدر حقّه ، وإن كان عليه دينٌ لم يجز ، لأنّهما يتحاصّان في ماله إذا أفلس . وقال أبو حنيفة : له أن يأخذ بقدر حقّه إن كان نقداً أو من جنس حقّه ، وإن كان المال عرضاً لم يجز ، لأنّ أخذ العوض عن حقّه اعتياضٌ ، ولا تجوز المعاوضة إلاّ بالتّراضي ، لكنّ المفتى به عند الحنفيّة جواز الأخذ من خلاف الجنس . واحتجّ المانعون من الحنابلة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » ، ومن أخذ منه قدر حقّه من ماله بغير علمه فقد خانه ، فيدخل في عموم الخبر . وقال صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ عن طيب نفسٍ منه » . ولأنّه إن أخذ من غير جنس حقّه ، كان معاوضةً بغير تراضٍ ، وإن أخذ من جنس حقّه ، فليس له تعيين الحقّ بغير رضا صاحبه فإنّ التّعيين إليه ، ألا ترى أنّه لا يجوز له أن يقول : اقض حقّي من هذا الكيس دون هذا ، ولأنّ كلّ ما لا يجوز له تملّكه إذا لم يكن له دينٌ لا يجوز له أخذه إذا كان له دينٌ ، كما لو كان باذلاً له . لكنّ المانعين استثنوا النّفقة ، لأنّها تراد لإحياء النّفس وإبقاء المهجة ، وهذا ممّا لا يصبر عنه ، ولا سبيل إلى تركه ، فجاز أخذ ما تندفع به الحاجة ، بخلاف الدّين ، ولذلك لو صارت النّفقة ماضيةً لم يكن لها أخذها ، ولو وجب لها عليه دينٌ آخر غير النّفقة لم يكن لها أخذه . وتفصيل ذلك في مصطلح ( نفقةٌ ) .</p><p>ب - استيفاء المرتهن قيمة الرّهن من المرهون : </p><p>19 - حقّ المرتهن في الرّهن أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ، فإن لم يأت به عند حلول الأجل كان له أن يرفعه إلى القاضي فيبيع عليه الرّهن ، وينصفه منه ، إن لم يجبه الرّاهن إلى البيع . وكذلك إن كان غائباً ، خلافاً للحنفيّة . وإن وكّل الرّاهن المرتهن على بيع الرّهن عند حلول الأجل جاز ، وكرهه الإمام مالكٌ ، إلاّ أن يرفع الأمر إلى القاضي .</p><p> والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه وببعضه . على معنى أنّ الرّاهن لو أدّى بعض الدّين وبقي بعضه ، فإنّ الرّهن جميعه يبقى بيد المرتهن حتّى يستوفي كلّ حقّه . وقال بعض الفقهاء : بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحقّ .</p><p> وحجّة الجمهور أنّه محبوسٌ بحقٍّ ، فوجب أن يكون محبوساً بكلّ جزءٍ منه ، أصله حبس التّركة عن الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت . وحجّة الفريق الثّاني أنّ جميعه محبوسٌ بجميعه ، فوجب أن تكون أبعاضه محبوسةً بأبعاضه ، أصله الكفالة .</p><p> والمرتهن أحقّ بثمن الرّهن من جميع الغرماء ، حتّى يستوفي حقّه ، حيّاً كان الرّاهن أو ميّتاً ، فإذا ضاق مال الرّاهن عن ديونه وطالب الغرماء بديونهم ، أو حجر عليه لفلسه ، وأريد قسمة ماله بين غرمائه ، فإنّ من له رهنٌ يختصّ بثمنه عن سائر الغرماء ، لأنّ حقّه متعلّقٌ بعين الرّهن وذمّة الرّاهن معاً ، وباقي الغرماء يتعلّق حقّهم بذمّة الرّاهن دون عين الرّهن ، فكان حقّ المرتهن أقوى ، وهذا من أكثر فوائد الرّهن ، وهو تقديمه بحقّه عند تزاحم الغرماء ، وليس في هذا خلافٌ بين المذاهب ، فيباع الرّهن ، فإن كان ثمنه قدر الدّين أخذه المرتهن ، وإن كان فيه زيادةٌ عن دينه ردّ الباقي على الغرماء ، وإن فضل من دينه شيءٌ أخذ ثمنه وشارك الغرماء ببقيّة دينه . وللتّفصيل يرجع إلى باب الرّهن .</p><p>ج - حبس المبيع لاستيفاء الثّمن : </p><p>20 - المنصوص عليه عند المالكيّة والحنفيّة - وهو قول الحنابلة اختاره ابن قدامة - أنّه إن كان الثّمن ديناً فللبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري حتّى يقضي الثّمن ، ويجبر المشتري على تسليم الثّمن قبل الاستيفاء كالمرتهن . واستدلّوا بأنّه لمّا كان الثّمن غير معيّنٍ وجب دفعه أوّلاً ليتعيّن . وفي رأيٍ للشّافعيّة والحنابلة أنّه إن قال البائع : لا أسلّم المبيع حتّى أقبض الثّمن ، وقال المشتري : لا أسلّمه حتّى أقبض المبيع ، وكان الثّمن عيناً أو عرضاً ، جعل بينهما عدلٌ يقبض منهما ، ويسلّم إليهما . مستدلّين على ذلك بأنّ حقّ البائع قد تعلّق بعين الثّمن ، كما تعلّق حقّ المشتري بعين المبيع فاستويا ، وقد وجب لكلّ واحدٍ منهما على الآخر حقٌّ قد استحقّ قبضه ، فأجبر كلّ واحدٍ منهما على إيفاء صاحبه حقّه ، وهذا قول الثّوريّ . وفي قولٍ للإمام أحمد ، وهو قولٌ ثانٍ للإمام الشّافعيّ : أنّه يجب تسليم المبيع أوّلاً ، ويجبر على ذلك البائع ، لأنّ تسليم المبيع يتعلّق به استقرار البيع وتمامه ، فكان تقديمه أولى ، وإن كان ديناً أجبر البائع على تسليم المبيع ، ثمّ أجبر المشتري على تسليم الثّمن ، لأنّ حقّ المشتري تعلّق بعين المبيع ، وحقّ البائع تعلّق بالذّمّة ، وتقديم ما تعلّق بالعين أولى لتأكّده ، وهذا إن كان الثّمن غير مؤجّلٍ .</p><p>د - الاستيفاء في الإجارة :</p><p> 1 - استيفاء المنفعة : </p><p>21 - المنفعة تختلف في كلّ عقدٍ بحسب المعقود عليه ، واستيفاؤها يكون بتمكين المؤجّر للمستأجر من محلّ العقد . ويكون الاستيفاء في الأجير الخاصّ ( ويسمّى أجير الوحد ) بتسليم نفسه مع استعداده للعمل . واستيفاء الإجارة على عملٍ في عينٍ - كخياطة ثوبٍ مثلاً - يكون بتسليم العين مصنوعةً حسب الاتّفاق .</p><p> 2 - استيفاء الأجرة : </p><p>22 - استيفاء الأجرة يكون بأحد أمورٍ : إمّا بتعجيل الأجرة من غير شرطٍ ، وإمّا باستيفاء المنفعة فعلاً ، أو التّمكّن منها ، وإمّا باشتراط تعجيلها ، أو التّعارف على التّعجيل كما صرّح به المالكيّة . وفي المسألة خلافٌ وتفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( إجارةٌ ) .</p><p>هـ - استيفاء المستعير منفعة ما استعاره : </p><p>23 - أورد صاحب المغني أحكام استيفاء المنفعة في الإعارة فقال : وإن استعار شيئاً فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله ، لأنّ وكيله نائبٌ عنه ، ويده كيده ، وليس له أن يؤجّره ، لأنّه لم يملك المنافع ، فلا يصحّ أن يملكها ، ولا نعلم في هذا خلافاً ، ولا خلاف بينهم أنّ المستعير لا يملك العين ، وأجمعوا على أنّ للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه ، أمّا إعارته لغيره ففيه خلافٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلح ( إعارةٌ ) .</p><p>و - النّيابة في الاستيفاء :</p><p> 1 - استخلاف الإمام غيره في إقامة الحدود : </p><p>24 - أجمع فقهاء المذاهب على أنّ للإمام أن يستخلف غيره على إقامة الحدود ، لأنّه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه ، لأنّ أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام ، ولا يمكنه الذّهاب إليها ، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرجٌ عظيمٌ ، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطّلت الحدود وهذا لا يجوز ، ولهذا « كان عليه الصلاة والسلام يجعل إلى أمرائه تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود » . والاستخلاف نوعان : تنصيصٌ ، وتوليةٌ .</p><p> أمّا التّنصيص : فهو أن ينصّ على إقامة الحدود ، فيجوز للنّائب إقامتها بلا شكٍّ .</p><p> والتّولية على نوعين : خاصّةٌ ، وعامّةٌ .</p><p> فالعامّة : هي أن يولّي الإمام رجلاً ولايةً عامّةً ، مثل إمارة إقليمٍ أو بلدٍ عظيمٍ ، فيملك المولّى إقامة الحدود وإن لم ينصّ عليها ، لأنّه لمّا قلّده إمارة ذلك البلد فقد فوّض إليه القيام بمصالح المسلمين ، وإقامة الحدود من أعظم مصالحهم ، فيملكها .</p><p> والخاصّة : هي أن يولّي رجلاً ولايةً خاصّةً ، مثل جباية الخراج ونحو ذلك ، فلا يملك إقامة الحدود ، لأنّ هذه التّولية لم تتناول إقامة الحدود ، ولو استعمل أميراً على الجيش الكبير ، فإن كان أمير مصرٍ أو مدينةٍ فغزا بجنده ، فإنّه يملك إقامة الحدود في معسكره ، لأنّه كان يملك الإقامة في بلده ، فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك فيهم قبل الخروج ، وأمّا من أخرجه أمير البلد غازياً فمن كان يملك إقامة الحدود عليهم قبل خروجه وبعده لم يفوّض إليه الإقامة ، فلا يملك الإقامة .</p><p> 2 - الوكالة بالاستيفاء : </p><p>25 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة إلى أنّ كلّ ما يملك الإنسان من التّصرّفات فله أن يوكّل فيه ، ومن ذلك القود والحدود . وقال الحنفيّة : كلّ ما يملك الإنسان أن يستوفيه من الحقوق بنفسه ، يجوز أن يوكّل فيه إلاّ الحدود والقصاص ، فلا يجوز أن يستوفيها الوكيل في غيبة الموكّل عن مجلس الاستيفاء ، لأنّها تندرئ بالشّبهات . واستدلّ الأئمّة الثّلاثة على جواز التّوكيل في القود والحدود ، بأنّ النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال : « اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها . فاعترفت فرجمت » ولأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك ، لأنّ الإمام لا يمكنه تولّي ذلك بنفسه .</p><p> ويجوز التّوكيل في إثباتها . ووافق بعض الحنابلة الحنفيّة على ما قالوه من عدم جواز استيفاء القصاص وحدّ القذف في غيبة الموكّل .</p><p></p><p>استيلاءٌ *</p><p>التّعريف :</p><p>1 - من معاني الاستيلاء لغةً : وضع اليد على الشّيء ، والغلبة عليه ، والتّمكّن منه .</p><p> وفي اصطلاح الفقهاء : إثبات اليد على المحلّ ، أو الاقتدار على المحلّ حالاً ومآلاً ، أو القهر والغلبة ولو حكماً . وأمّا الفعل المادّيّ الّذي يتحقّق به الاستيلاء فإنّه يختلف تبعاً للأشياء والأشخاص ، أي أنّ مدار الاستيلاء على العرف .</p><p>الألفاظ ذات الصّلة :</p><p> أ - الحيازة : </p><p>2 - الحيازة والحوز لغةً : الجمع والضّمّ . وشرعاً : وضع اليد على الشّيء والاستيلاء عليه ، كما قال الدّردير .</p><p> ب - الغصب : </p><p>3 - الغصب لغةً : أخذ الشّيء قهراً وظلماً . وشرعاً : الاستيلاء على حقّ الغير بلا حقٍّ . فالغصب أخصّ من الاستيلاء ، لأنّ الاستيلاء يكون بحقٍّ وبغير حقٍّ .</p><p> ج - وضع اليد : </p><p>4 - يستفاد من كلام الفقهاء أنّ وضع اليد هو : الاستيلاء على الشّيء بالحيازة .</p><p> قال ابن عابدين : إنّ وضع اليد والتّصرّف من أقوى ما يستدلّ به على الملك ، ولذا تصحّ الشّهادة بأنّه ملكه ، وليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحدٍ إلاّ بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ ، وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ .</p><p> د - الغنيمة : </p><p>5 - الاغتنام : أخذ الغنيمة ، وهي كما قال أبو عبيدٍ : ما أخذ من أهل العدوّ عنوةً فالاغتنام أخصّ من الاستيلاء .</p><p> هـ- الإحراز : </p><p>6 – الإحراز لغةً : جعل الشّيء في الحرز ، وهو الموضع الحصين الّذي يحفظ فيه الشّيء . وفي الشّرع : حفظ المال فيما يحفظ فيه عادةً ، كالدّار والخيمة ، أو بالشّخص نفسه .</p><p> وبين الإحراز والاستيلاء عمومٌ وخصوصٌ . ولذا كان الإحراز شرطاً لترتّب الملك على الاستيلاء في بعض الصّور ، فينفرد الاستيلاء في مثل استيلاء الكفّار على أموال المسلمين في دار الإسلام ، فليس ذلك إحرازاً .</p><p>صفة الاستيلاء : حكمه التّكليفيّ : </p><p>7 - يختلف حكم الاستيلاء بحسب الشّيء المستولى عليه ، وتبعاً لكيفيّة الاستيلاء ، فالأصل بالنّسبة للمال المعصوم المملوك للغير أنّ الاستيلاء عليه محرّمٌ ، إلاّ إذا كان مستنداً إلى طريقٍ مشروعٍ . أمّا المال غير المعصوم فإنّه يجوز الاستيلاء عليه وإن كان مملوكاً ، وكذا المال المباح فإنّه يملك بالاستيلاء عليه على ما سيأتي بيانه .</p><p>أثر الاستيلاء في الملك والتّملّك : </p><p>8 - الاستيلاء يفيد الملك إذا ورد على مالٍ مباحٍ غير مملوكٍ لأحدٍ ، على تفصيلٍ يأتي بيانه ، أو كان في حكم المباح لعدم العصمة ، بأن كان مالاً للحربيّين في دار الحرب . وهذا إمّا أن يكون منقولاً ، أو عقاراً ، ولكلٍّ حكمه الخاصّ .</p><p>9 - فإن كان المال الّذي تمّ الاستيلاء عليه من الحربيّين منقولاً أخذ بالقهر والغلبة ، فإنّ الملك لا يتحقّق فيه إلاّ بالقسمة بين الغانمين ، فالملك موقوفٌ عليها . وفي قولٍ عند الشّافعيّة أنّ الملك يثبت بنفس الاستيلاء بدار الحرب بعد الفراغ من القتال ، لزوال ملك الكفّار بالاستيلاء ، ووجود مقتضى التّمليك ، وهو انقضاء القتال ، وفي قولٍ أنّ الملك موقوفٌ ، فإن سلّمت الغنيمة إلى القسمة بأنّ ملكهم على الشّيوع . وبالقسمة - ولو في دار الحرب - ثبت الملك ، ويستقرّ عند جمهور الفقهاء : المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . وبهذا قال الأوزاعيّ وابن المنذر وأبو ثورٍ ، لما روى أبو إسحاق الفزاريّ قال : قلت للأوزاعيّ : هل قسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شيئاً من الغنائم بالمدينة ؟ قال : لا أعلمه ، إنّما كان النّاس يتّبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوّهم ،« ولم يقفل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن غزاةٍ قطّ ، أصاب فيها غنيمةً إلاّ خمّسه وقسّمه من قبل أن يقفل »، ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء ، فصحّت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام ، لأنّ سبب الملك الاستيلاء التّامّ وقد وجد ، فإنّنا أثبتنا أيدينا عليها حقيقةً ، وقهرناهم ونفيناهم عنها ، والاستيلاء يدلّ على حاجة المستولي فيثبت الملك كالمباحات .</p><p>10 - لكنّ الحنفيّة يرون أنّ الملك لا يثبت للغزاة بدار الحرب بالاستيلاء ، ولكن ينعقد سبب الملك فيها ، على أن يصير علّةً عند الإحراز بدار الإسلام ، وعلى هذا فلم يعتبروا قسمة الغنائم في دار الحرب قسمة تمليكٍ ، وإنّما هي قسمة حملٍ ، لأنّ ملك الكفّار قائمٌ ، إذ الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ بإحرازها في دار الإسلام ، وما دام الغزاة في دار الحرب فاسترداد الكفّار ليس بنادرٍ بل هو محتملٌ .</p><p>11 - وأمّا إن كان المال المستولى عليه من الكفّار بالقهر والغلبة أرضاً ، فإنّ للفقهاء ثلاثة اتّجاهاتٍ : فالحنفيّة ، والحنابلة في روايةٍ - عليها المذهب عندهم - صرّحوا بأنّ الإمام مخيّرٌ بين أن يقسمها أو يتركها في يد أهلها بالخراج .</p><p> وقال المالكيّة في المشهور عندهم : إنّها لا تقسم ، ويرصد خراجها في مصالح المسلمين ، إلاّ أن يرى الإمام في وقتٍ أنّ المصلحة تقتضي القسمة ، والقول بأنّها تصير وقفاً بالاستيلاء ، ويرصد خراجها لصالح المسلمين روايةٌ عند الحنابلة . وقال الشّافعيّة : إنّها تملك للفاتحين كالمنقول . وهو روايةٌ عند الحنابلة ، وبه قال ابن رشدٍ المالكيّ ، وهو قولٌ عند المالكيّة يقابل المشهور ، وقالوا : إنّ الاستيلاء الحكميّ كالحقيقيّ في ترتّب الملك على الاستيلاء .</p><p>12 أمّا الأرض الّتي استولى عليها المسلمون بعد جلاء الكفّار عنها خوفاً ، فإنّها تصير بالاستيلاء عليها وقفاً لمصالح المسلمين . وأمّا الأرض الّتي استولى عليها المسلمون صلحاً فإنّها تبقى في أيدي أصحابها ، إذا كان الصّلح على أن تبقى في ملكيّتهم ، ويوضع عليها الخراج . أمّا إذا كان الصّلح على أن يتملّكها المسلمون فإنّها تكون وقفاً لمصالح المسلمين .</p><p>13 - وأمّا إذا كان الاستيلاء على مالٍ معصومٍ مملوكٍ للغير بطريقٍ من طرق التّملّك ، فإنّ الاستيلاء وحده لا يكسب ملكيّةً ، وإنّما حدوث التّملّك يكون بالسّبب المشروع الّذي يقتضيه كالشّراء والهبة ، وحقّ الاستيلاء في هذه الحالة يكون أثراً ونتيجةً للتّملّك وليس سبباً له . وأمّا إذا كان الاستيلاء عدواناً ، فإنّه لا يفيد ملكاً .</p><p> وبيان ذلك في مصطلحات ( غصبٌ ) ( وسرقةٌ ) .</p><p>14 - واستيلاء الحاكم على ما يحتكره التّجّار له أثرٌ في إزالة ملكيّتهم ، إذ للحاكم رفع يد المحتكرين عمّا احتكروه وبيعه للنّاس جبراً ، والثّمن لمالكيه ، على خلافٍ وتفصيلٍ مبيّنٍ في مصطلح ( احتكارٌ ) . ومن ذلك ما قالوه من استيلاء الحاكم على الفائض من الأقوات بالقيمة لإمداد جهةٍ انقطع عنها القوت أو إمداد جنوده ، لأنّ للإمام أن يخرج ذلك إذا كان بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ كما يفهم من حاشية ابن عابدين ، والاستيلاء على عمل الصّانع إذا احتاج النّاس إلى صناعة طائفةٍ كالفلاحة والنّساجة ، ومدار الاستيلاء في الصّورتين على العرف .</p><p>استيلاء الكفّار الحربيّين على أموال المسلمين : </p><p>15 - اختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة أقوالٍ مشهورةٍ :</p><p> 1 - إنّ ما استردّه المسلمون من أيدي الحربيّين فهو لأربابه ، بناءً على أنّ الكفّار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها أصلاً ، وممّن قال بهذا الشّافعيّة ، وأبو ثورٍ وأبو الخطّاب من الحنابلة ، واحتجّوا بما رواه عمران بن حصينٍ أنّه « أسرت امرأةٌ من الأنصار ، وأصيبت العضباء ، فكانت المرأة في الوثاق ، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم ، فانفلتت مع نعمها ذات ليلةٍ من الوثاق ، فأتت الإبل ، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه ، حتّى تنتهي إلى العضباء ، فلم ترغ . قال : وناقةٌ منوّقةٌ . فقعدت في عجزها ثمّ زجرتها فانطلقت ، ونذروا بها ، فطلبوها فأعجزتهم . قال : ونذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها ، فلمّا قدمت المدينة رآها النّاس ، فقالوا : العضباء ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إنّها نذرت إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها . فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال : سبحان اللّه ، بئسما جزتها ، نذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ ، ولا فيما لا يملك العبد » وفي رواية ابن حجرٍ « لا نذر في معصية اللّه » .</p><p>2- إنّ ما غنمه الكفّار يملكونه بمجرّد الاستيلاء عليه ، سواءٌ أحرزوه بدارهم أو لم يحرزوه ، وهو روايةٌ عن أحمد . ووجهه أنّ القهر سببٌ يملك به المسلم مال الكافر ، فملك به الكافر مال المسلم ، وعلى هذا إذا استردّ المسلمون ذلك كان غنيمةً سواءٌ بعد الإحراز أو قبله .</p><p>3- إنّ الكفّار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها شرط إحرازها بدارهم ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة وروايةٌ عن أحمد ، ودليله « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة : وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ » ولأنّ العصمة تزول بالإحراز بدار الحرب ، إذ المالك لا يمكنه الانتفاع به إلاّ بعد الدّخول لما فيه من مخاطرةٍ ، إذ الدّار دارهم ، فإذا زال معنى الملك أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورةً ، فباسترداد المسلمين لذلك يكون غنيمةً .</p><p>استيلاء الكفّار على بلدٍ إسلاميٍّ : </p><p>16 - إذا استولى الكفّار على بلدٍ إسلاميٍّ فهل تصير دار حربٍ أم تبقى كما هي دار إسلامٍ ؟ في هذه المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ، فذهب أبو يوسف ومحمّدٌ إلى أنّ دار الإسلام تصير دار كفرٍ بشرطٍ واحدٍ ، وهو إظهار أحكام الكفر . وتفصيل ذلك في مصطلح ( دار الإسلام ودار الحرب ) .</p><p>إسلام الحربيّ بعد استيلائه على مال المسلم : </p><p>17 - إذا استولى الحربيّ على مال مسلمٍ بالقهر والغلبة ، وحكم بملكيّته له شرعاً ، ثمّ دخل إلى دار الإسلام مسلماً وهو في يده ، فهو له ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « من أسلم على شيءٍ فهو له » ولأنّ إسلامه يعصم دمه وماله لخبر الصّحيحين أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه ، وحسابه على اللّه » . واستثنى الجمهور من ذلك استيلاءه على الحرّ المسلم فلا يقرّ عليه . قال أبو يوسف : كلّ ملكٍ لا يجوز فيه البيع فإنّ أهل الحرب لا يملكونه إذا أصابوه وأسلموا عليه ، وصرّح المالكيّة بأنّ مثله : الوقف المحقّق ، والمسروق في فترة عهده ، واللّقطة ، والدّين في ذمّته ، الوديعة ، وما استأجره من المسلمين حال كفره فلا يقرّ على شيءٍ من ذلك . وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك .</p><p>18 - وإذا استولى الكافر الحربيّ على مال مسلمٍ بطريق السّرقة ، أو الاغتصاب من حربيٍّ آخر ، ثمّ أسلم ودخل دار الإسلام وهو في يده ، فهو له أيضاً عند جمهور الفقهاء ، لأنّه استولى عليه حال كفره فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلمين . وعن أحمد أنّ صاحبه أحقّ به بالقيمة .</p><p>الاستيلاء على المال المباح : </p><p>19 - المال المباح كلّ ما خلقه اللّه لينتفع به النّاس على وجهٍ معتادٍ ، وليس في حيازة أحدٍ مع إمكان حيازته ، ويكون حيواناً : برّيّاً أو بحريّاً ، ويكون نباتاً : حشائش وأعشاباً وحطباً ، ويكون جماداً : أرضاً مواتاً وركازاً ، كما يكون ماءً وهواءً ، ومن حقّ أيّ إنسانٍ أن يتملّك منه ، ويكون ذلك بالاستيلاء عليه ، ويتحقّق الاستيلاء وتستقرّ الملكيّة إذا كان الاستيلاء بفعلٍ يؤدّي إلى التّمكّن من وضع اليد . روى أبو داود عن أمّ جندبٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلمٌ فهو له » وعن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له » وفي روايةٍ : « من أحيا أرضاً ميّتةً فهي له » وإذا ثبت هذا بالنّسبة للعقار المباح فهو بالنّسبة للمنقول من المباحات أولى ، لظهور الاستئثار به ظهوراً لا يكون في العقار .</p><p> ولا يحدّ من سلطان النّاس في الاستيلاء على المال المباح إلاّ القواعد العامّة لتنظيم الانتفاع ومنع الضّرر .</p><p>20 - ولكلّ نوعٍ من الأموال المباحة طريقٌ للاستيلاء عليه ، فالاستيلاء على الماء المباح والرّكاز يكون بالحوز والكشف ، والاستيلاء على الكلأ والعشب يكون بالحشّ ، والاستيلاء على حيوان البرّ والبحر يكون بالاصطياد ، والاستيلاء على الأرض الموات يكون بالإحياء ، وبإقطاع التّمليك .</p><p>تنوّع الاستيلاء : </p><p>21 - الاستيلاء يكون حقيقيّاً بوضع اليد على الشّيء المباح فعلاً ، وهذا لا يحتاج إلى نيّةٍ وقصدٍ ، صرّح بذلك الشّافعيّة ، قال الرّمليّ في نهاية المحتاج : يملك الصّيد بضبطه باليد ، لأنّه مباحٌ ، فملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات ، سواءٌ أقصد بذلك ملكه أم لا ، حتّى لو أخذه لينظر إليه ملكه . ويفهم ذلك من كلام سائر المذاهب ، وإنّما تثبت بالاستيلاء الحقيقيّ الملكيّة مستقرّةٌ ، وكذلك يكون الاستيلاء حقيقيّاً إذا كان بآلةٍ أعدّت لذلك ، وكان واضعها قريباً منها ، بحيث لو مدّ يده إليها لأمسك الصّيد ، لأنّه ليس بممتنعٍ عليه .</p><p> ومن هذا لو نصب شبكةً للصّيد فوقع فيها طائرٌ وامتنع عليه الطّيران ، أو أغرى كلباً معلّماً فاصطاد حيواناً ، فإنّ من نصب الشّبكة ومن أغرى الكلب يتملّك الصّيد ، سواءٌ أكان هو مالك الشّبكة والكلب أم كان المالك غيره .</p><p>22 - ويكون الاستيلاء حكميّاً ، وهو ما كان بواسطة الآلة وحدها الّتي تهيّئ المباح لوضع اليد عليه ، ولم يكن واضعها قريباً منها . كحفرةٍ في جورة المنتفع بالأرض أو مالكها تجمّع فيها ماء المطر ، فلا بدّ لتملّك ما تجمّع فيها من ماءٍ من وجود القصد ، أمّا من غير قصدٍ فإنّ الملكيّة تثبت غير مستقرّةٍ ، ولا تستقرّ إلاّ بصيرورة الاستيلاء حقيقيّاً ، وهذا باتّفاق المذاهب .</p><p>23 - وقد سئل الحلوانيّ الحنفيّ عمّن علّق كوزه ، أو وضعه في سطحه ، فأمطر السّحاب وامتلأ الكوز من المطر ، فجاء إنسانٌ وأخذ ذلك الكوز مع الماء ، هل لصاحب الكوز أن يستردّه مع الماء ؟ فقال : لا إشكال في استرداد الكوز ، وأمّا الماء فإن كان قد أعدّ الكوز لذلك حقّ له أن يستردّه ، وإن لم يعدّه لذلك لم يستردّه .</p><p> ولو التجأ صيدٌ إلى أرض رجلٍ أو إلى داره ، فلا يعدّ ذلك استيلاءً من صاحب الأرض أو الدّار ، لأنّهما لم يعدّا للاصطياد ، لأنّه لم يحدث منه فعل الاستيلاء ، أمّا إذا ردّ عليه صاحب الدّار الباب بنيّة أخذه ملكه ، لتحقّق الاستيلاء عليه بفعله مع إمكان أخذه .</p><p> ومن نصب فسطاطاً فالتجأ إليه صيدٌ لم يملك ، لأنّ الفسطاط لم يكن آلة صيدٍ ، وما كان نصبه بقصد الاستيلاء على الصّيد ، وكذا لو نصب شبكةً للتّجفيف فتعلّق بها صيدٌ ولم يكن من علّق الشّبكة حاضراً بالقرب منها فإنّه لا يملكه ، إذ القصد مرعيٌّ في التّملّك ، ومع هذا فإنّه أحقّ به من غيره إن حضر وهو معلّقٌ بالشّبكة .</p><p> وتفصيل كلّ ذلك في مصطلح ( اصطيادٌ ) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40894, member: 329"] أ - كيفيّة استيفاء القصاص في النّفس : 14 - قال الحنفيّة ، وهو روايةٌ عن الحنابلة : إنّ القصاص لا يستوفى إلاّ بالسّيف ، لقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « لا قود إلاّ بالسّيف » . والقود هو القصاص ، فكان هذا نفي استيفاء القصاص بغير السّيف . وإن أراد الوليّ أن يقتل بغير السّيف لا يمكّن للحديث ، ولو فعل يعزّر ، لكن لا ضمان عليه ، لأنّ القتل حقّه ، فإذا قتله فقد استوفى حقّه بأيّ طريقٍ كان ، إلاّ أنّه يأثم بالاستيفاء بطريقٍ غير مشروعٍ ، لمجاوزته حدّ الشّرع . وعند المالكيّة والشّافعيّة - وهو إحدى روايتين للحنابلة - أنّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به ، ودليله : حديث « اليهوديّ الّذي رضّ رأس مسلمةٍ بين حجرين ، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرضّ رأسه كذلك » . وهذا إن ثبت القتل ببيّنةٍ أو اعترافٍ . فإن ثبت بقسامةٍ قتل بالسّيف ، إلاّ أن يقع القتل بما هو محرّمٌ . ب - تأخير استيفاء القصاص : 15 - إذا كان وليّ الدّم واحداً أو أكثر ، وكانوا جميعاً عقلاء بالغين حاضرين ، وطلبوا الاستيفاء أجيبوا . أمّا إذا كان وليّ الدّم واحداً صغيراً أو مجنوناً ، فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة - وهو قولٌ للحنفيّة - إلى أنّه ينتظر البلوغ أو الإفاقة ، لاحتمال العفو آنئذٍ . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا ينتظر ، بل الاستيفاء لوليّ الصّغير ، والقيّم على المجنون . والقول الآخر للحنفيّة أنّ الّذي يستوفي القصاص في هذه الحال هو القاضي . وللحنفيّة قولٌ ثالثٌ بأنّ الوليّ إذا كان أباً أو جدّاً يستوفي القصاص عن الصّغير ، وليس ذلك للوصيّ . أمّا إذا تعدّد أولياء الدّم وكان فيهم كبارٌ وصغارٌ ، فقد ذهب الشّافعيّة وأبو يوسف - وهو روايةٌ عن أحمد - إلى أنّه ينتظر بلوغ الصّغير . وذهب المالكيّة وأبو حنيفة - وهو الرّواية الثّانية عن أحمد - إلى أنّه يستوفيه الكبار . أمّا إن كان بعض الأولياء غائبين فإنّ انتظارهم واجبٌ عند أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد ، وفصّل المالكيّة فقالوا : ينتظر الغائب إن كانت غيبته قريبةً دون الغائب غيبةً بعيدةً ، وكذلك المجنون جنوناً غير مطبقٍ فإنّه ينتظر . ج - وقت استيفاء القصاص فيما دون النّفس : 16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يقام القصاص فيما دون النّفس قبل برء المجروح ، لحديث : « لا يستقاد من الجراحة حتّى يبرأ » . والشّافعيّة قالوا : إنّه يقتصّ من الجاني على الفور . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( قصاصٌ ) . ثانياً : استيفاء حقوق العباد الماليّة : أ - استيفاء الحقّ من مال الغير بصفةٍ عامّةٍ : 17 - قال ابن قدامة : إذا كان لرجلٍ على غيره حقٌّ ، وهو مقرٌّ به باذلٌ له ، لم يكن له أن يأخذ من ماله إلاّ ما يدليه بلا خلافٍ بين أهل العلم ، فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه لزمه ردّه إليه ، وإن كان قدر حقّه ، لأنّه لا يجوز له أن يملك عليه عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورةٍ ، وإن كانت من جنس حقّه ، لأنّه قد يكون للإنسان غرضٌ في العين ، فإن أتلفه أو تلفت فصارت ديناً في ذمّته ، وكان الثّابت في ذمّته من جنس حقّه تقاصّا في قياس المذهب . والمشهور من مذهب الشّافعيّ ، وإن كان المدين مانعاً لأداء الدّين لأمرٍ يبيح المنع كالتّأجيل والإعسار لم يجز أخذ شيءٍ من ماله بغير خلافٍ ، وإن أخذ شيئاً لزمه ردّه إن كان باقياً ، أو عوّضه إن كان تالفاً ، ولا يحصل التّقاصّ هاهنا ، لأنّ الدّين الّذي له لا يستحقّ أخذه في الحال بخلاف ما ذكر قبل . وإن كان مانعاً له بغير حقٍّ ، وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السّلطان لم يجز له الأخذ أيضاً بغير السّلطان أو الحاكم ، لأنّه قدر على استيفاء حقّه بمن يقوم مقامه ، فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله . وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحداً له ، ولا بيّنة له به ، أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك ، أو نحو هذا ، فالمشهور في المذهب أنّه ليس له أخذ قدر حقّه ، وهو إحدى الرّوايتين عن مالكٍ . قال ابن عقيلٍ : وقد جعل أصحابنا المحدّثون لجواز الأخذ وجهاً في المذهب ، أخذاً من حديث هندٍ حين قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » . قال أبو الخطّاب : ويتخرّج لنا جواز الأخذ ، فإن كان المقدور عليه من جنس حقّه أخذ بقدره ، وإن كان من غير جنسه تحرّى واجتهد في تقويمه ، مأخوذٌ من حديث هندٍ ، ومن قول أحمد في المرتهن " يركب ويحلب بقدر ما ينفق " . والمرأة تأخذ مئونتها وبائع السّلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضاً . واحتجّ من أجاز الأخذ بحديث هندٍ السّابق . وقال الشّافعيّ : إن لم يقدر على استخلاص حقّه بعينه فله أخذ قدر حقّه من جنسه ، أو من غير جنسه ، إن لم يخف الفتنة . وإن كانت له بيّنةٌ وقدر على استخلاص حقّه فالمذهب عند الشّافعيّة : أنّ له أخذ جنس حقّه من ماله ، وكذا غير جنسه للضّرورة . وفي قولٍ آخر : المنع ، لأنّه لا يتمكّن من تملّكه ، وما كان كذلك لا بدّ فيه من التّراضي . 18 - هذا ، وانفرد الشّافعيّة على المذهب أيضاً بأنّ لصاحب الحقّ أخذ حقّه استقلالاً ، ولو كان على مقرٍّ ممتنعٍ ، أو على منكرٍ ولصاحب الحقّ عليه بيّنةٌ ، لأنّ في الرّفع إلى القضاء مئونةً ومشقّةً وتضييع زمانٍ . والقول الآخر عندهم : يجب الرّفع إلى القاضي ، لإمكان حصوله على حقّه مع وجود الإقرار أو البيّنة . والرّواية الأخرى من مذهب مالكٍ : أنّه إن لم يكن لغيره عليه دينٌ فله أن يأخذ بقدر حقّه ، وإن كان عليه دينٌ لم يجز ، لأنّهما يتحاصّان في ماله إذا أفلس . وقال أبو حنيفة : له أن يأخذ بقدر حقّه إن كان نقداً أو من جنس حقّه ، وإن كان المال عرضاً لم يجز ، لأنّ أخذ العوض عن حقّه اعتياضٌ ، ولا تجوز المعاوضة إلاّ بالتّراضي ، لكنّ المفتى به عند الحنفيّة جواز الأخذ من خلاف الجنس . واحتجّ المانعون من الحنابلة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » ، ومن أخذ منه قدر حقّه من ماله بغير علمه فقد خانه ، فيدخل في عموم الخبر . وقال صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ عن طيب نفسٍ منه » . ولأنّه إن أخذ من غير جنس حقّه ، كان معاوضةً بغير تراضٍ ، وإن أخذ من جنس حقّه ، فليس له تعيين الحقّ بغير رضا صاحبه فإنّ التّعيين إليه ، ألا ترى أنّه لا يجوز له أن يقول : اقض حقّي من هذا الكيس دون هذا ، ولأنّ كلّ ما لا يجوز له تملّكه إذا لم يكن له دينٌ لا يجوز له أخذه إذا كان له دينٌ ، كما لو كان باذلاً له . لكنّ المانعين استثنوا النّفقة ، لأنّها تراد لإحياء النّفس وإبقاء المهجة ، وهذا ممّا لا يصبر عنه ، ولا سبيل إلى تركه ، فجاز أخذ ما تندفع به الحاجة ، بخلاف الدّين ، ولذلك لو صارت النّفقة ماضيةً لم يكن لها أخذها ، ولو وجب لها عليه دينٌ آخر غير النّفقة لم يكن لها أخذه . وتفصيل ذلك في مصطلح ( نفقةٌ ) . ب - استيفاء المرتهن قيمة الرّهن من المرهون : 19 - حقّ المرتهن في الرّهن أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ، فإن لم يأت به عند حلول الأجل كان له أن يرفعه إلى القاضي فيبيع عليه الرّهن ، وينصفه منه ، إن لم يجبه الرّاهن إلى البيع . وكذلك إن كان غائباً ، خلافاً للحنفيّة . وإن وكّل الرّاهن المرتهن على بيع الرّهن عند حلول الأجل جاز ، وكرهه الإمام مالكٌ ، إلاّ أن يرفع الأمر إلى القاضي . والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه وببعضه . على معنى أنّ الرّاهن لو أدّى بعض الدّين وبقي بعضه ، فإنّ الرّهن جميعه يبقى بيد المرتهن حتّى يستوفي كلّ حقّه . وقال بعض الفقهاء : بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحقّ . وحجّة الجمهور أنّه محبوسٌ بحقٍّ ، فوجب أن يكون محبوساً بكلّ جزءٍ منه ، أصله حبس التّركة عن الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت . وحجّة الفريق الثّاني أنّ جميعه محبوسٌ بجميعه ، فوجب أن تكون أبعاضه محبوسةً بأبعاضه ، أصله الكفالة . والمرتهن أحقّ بثمن الرّهن من جميع الغرماء ، حتّى يستوفي حقّه ، حيّاً كان الرّاهن أو ميّتاً ، فإذا ضاق مال الرّاهن عن ديونه وطالب الغرماء بديونهم ، أو حجر عليه لفلسه ، وأريد قسمة ماله بين غرمائه ، فإنّ من له رهنٌ يختصّ بثمنه عن سائر الغرماء ، لأنّ حقّه متعلّقٌ بعين الرّهن وذمّة الرّاهن معاً ، وباقي الغرماء يتعلّق حقّهم بذمّة الرّاهن دون عين الرّهن ، فكان حقّ المرتهن أقوى ، وهذا من أكثر فوائد الرّهن ، وهو تقديمه بحقّه عند تزاحم الغرماء ، وليس في هذا خلافٌ بين المذاهب ، فيباع الرّهن ، فإن كان ثمنه قدر الدّين أخذه المرتهن ، وإن كان فيه زيادةٌ عن دينه ردّ الباقي على الغرماء ، وإن فضل من دينه شيءٌ أخذ ثمنه وشارك الغرماء ببقيّة دينه . وللتّفصيل يرجع إلى باب الرّهن . ج - حبس المبيع لاستيفاء الثّمن : 20 - المنصوص عليه عند المالكيّة والحنفيّة - وهو قول الحنابلة اختاره ابن قدامة - أنّه إن كان الثّمن ديناً فللبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري حتّى يقضي الثّمن ، ويجبر المشتري على تسليم الثّمن قبل الاستيفاء كالمرتهن . واستدلّوا بأنّه لمّا كان الثّمن غير معيّنٍ وجب دفعه أوّلاً ليتعيّن . وفي رأيٍ للشّافعيّة والحنابلة أنّه إن قال البائع : لا أسلّم المبيع حتّى أقبض الثّمن ، وقال المشتري : لا أسلّمه حتّى أقبض المبيع ، وكان الثّمن عيناً أو عرضاً ، جعل بينهما عدلٌ يقبض منهما ، ويسلّم إليهما . مستدلّين على ذلك بأنّ حقّ البائع قد تعلّق بعين الثّمن ، كما تعلّق حقّ المشتري بعين المبيع فاستويا ، وقد وجب لكلّ واحدٍ منهما على الآخر حقٌّ قد استحقّ قبضه ، فأجبر كلّ واحدٍ منهما على إيفاء صاحبه حقّه ، وهذا قول الثّوريّ . وفي قولٍ للإمام أحمد ، وهو قولٌ ثانٍ للإمام الشّافعيّ : أنّه يجب تسليم المبيع أوّلاً ، ويجبر على ذلك البائع ، لأنّ تسليم المبيع يتعلّق به استقرار البيع وتمامه ، فكان تقديمه أولى ، وإن كان ديناً أجبر البائع على تسليم المبيع ، ثمّ أجبر المشتري على تسليم الثّمن ، لأنّ حقّ المشتري تعلّق بعين المبيع ، وحقّ البائع تعلّق بالذّمّة ، وتقديم ما تعلّق بالعين أولى لتأكّده ، وهذا إن كان الثّمن غير مؤجّلٍ . د - الاستيفاء في الإجارة : 1 - استيفاء المنفعة : 21 - المنفعة تختلف في كلّ عقدٍ بحسب المعقود عليه ، واستيفاؤها يكون بتمكين المؤجّر للمستأجر من محلّ العقد . ويكون الاستيفاء في الأجير الخاصّ ( ويسمّى أجير الوحد ) بتسليم نفسه مع استعداده للعمل . واستيفاء الإجارة على عملٍ في عينٍ - كخياطة ثوبٍ مثلاً - يكون بتسليم العين مصنوعةً حسب الاتّفاق . 2 - استيفاء الأجرة : 22 - استيفاء الأجرة يكون بأحد أمورٍ : إمّا بتعجيل الأجرة من غير شرطٍ ، وإمّا باستيفاء المنفعة فعلاً ، أو التّمكّن منها ، وإمّا باشتراط تعجيلها ، أو التّعارف على التّعجيل كما صرّح به المالكيّة . وفي المسألة خلافٌ وتفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( إجارةٌ ) . هـ - استيفاء المستعير منفعة ما استعاره : 23 - أورد صاحب المغني أحكام استيفاء المنفعة في الإعارة فقال : وإن استعار شيئاً فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله ، لأنّ وكيله نائبٌ عنه ، ويده كيده ، وليس له أن يؤجّره ، لأنّه لم يملك المنافع ، فلا يصحّ أن يملكها ، ولا نعلم في هذا خلافاً ، ولا خلاف بينهم أنّ المستعير لا يملك العين ، وأجمعوا على أنّ للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه ، أمّا إعارته لغيره ففيه خلافٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلح ( إعارةٌ ) . و - النّيابة في الاستيفاء : 1 - استخلاف الإمام غيره في إقامة الحدود : 24 - أجمع فقهاء المذاهب على أنّ للإمام أن يستخلف غيره على إقامة الحدود ، لأنّه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه ، لأنّ أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام ، ولا يمكنه الذّهاب إليها ، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرجٌ عظيمٌ ، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطّلت الحدود وهذا لا يجوز ، ولهذا « كان عليه الصلاة والسلام يجعل إلى أمرائه تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود » . والاستخلاف نوعان : تنصيصٌ ، وتوليةٌ . أمّا التّنصيص : فهو أن ينصّ على إقامة الحدود ، فيجوز للنّائب إقامتها بلا شكٍّ . والتّولية على نوعين : خاصّةٌ ، وعامّةٌ . فالعامّة : هي أن يولّي الإمام رجلاً ولايةً عامّةً ، مثل إمارة إقليمٍ أو بلدٍ عظيمٍ ، فيملك المولّى إقامة الحدود وإن لم ينصّ عليها ، لأنّه لمّا قلّده إمارة ذلك البلد فقد فوّض إليه القيام بمصالح المسلمين ، وإقامة الحدود من أعظم مصالحهم ، فيملكها . والخاصّة : هي أن يولّي رجلاً ولايةً خاصّةً ، مثل جباية الخراج ونحو ذلك ، فلا يملك إقامة الحدود ، لأنّ هذه التّولية لم تتناول إقامة الحدود ، ولو استعمل أميراً على الجيش الكبير ، فإن كان أمير مصرٍ أو مدينةٍ فغزا بجنده ، فإنّه يملك إقامة الحدود في معسكره ، لأنّه كان يملك الإقامة في بلده ، فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك فيهم قبل الخروج ، وأمّا من أخرجه أمير البلد غازياً فمن كان يملك إقامة الحدود عليهم قبل خروجه وبعده لم يفوّض إليه الإقامة ، فلا يملك الإقامة . 2 - الوكالة بالاستيفاء : 25 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة إلى أنّ كلّ ما يملك الإنسان من التّصرّفات فله أن يوكّل فيه ، ومن ذلك القود والحدود . وقال الحنفيّة : كلّ ما يملك الإنسان أن يستوفيه من الحقوق بنفسه ، يجوز أن يوكّل فيه إلاّ الحدود والقصاص ، فلا يجوز أن يستوفيها الوكيل في غيبة الموكّل عن مجلس الاستيفاء ، لأنّها تندرئ بالشّبهات . واستدلّ الأئمّة الثّلاثة على جواز التّوكيل في القود والحدود ، بأنّ النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال : « اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها . فاعترفت فرجمت » ولأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك ، لأنّ الإمام لا يمكنه تولّي ذلك بنفسه . ويجوز التّوكيل في إثباتها . ووافق بعض الحنابلة الحنفيّة على ما قالوه من عدم جواز استيفاء القصاص وحدّ القذف في غيبة الموكّل . استيلاءٌ * التّعريف : 1 - من معاني الاستيلاء لغةً : وضع اليد على الشّيء ، والغلبة عليه ، والتّمكّن منه . وفي اصطلاح الفقهاء : إثبات اليد على المحلّ ، أو الاقتدار على المحلّ حالاً ومآلاً ، أو القهر والغلبة ولو حكماً . وأمّا الفعل المادّيّ الّذي يتحقّق به الاستيلاء فإنّه يختلف تبعاً للأشياء والأشخاص ، أي أنّ مدار الاستيلاء على العرف . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الحيازة : 2 - الحيازة والحوز لغةً : الجمع والضّمّ . وشرعاً : وضع اليد على الشّيء والاستيلاء عليه ، كما قال الدّردير . ب - الغصب : 3 - الغصب لغةً : أخذ الشّيء قهراً وظلماً . وشرعاً : الاستيلاء على حقّ الغير بلا حقٍّ . فالغصب أخصّ من الاستيلاء ، لأنّ الاستيلاء يكون بحقٍّ وبغير حقٍّ . ج - وضع اليد : 4 - يستفاد من كلام الفقهاء أنّ وضع اليد هو : الاستيلاء على الشّيء بالحيازة . قال ابن عابدين : إنّ وضع اليد والتّصرّف من أقوى ما يستدلّ به على الملك ، ولذا تصحّ الشّهادة بأنّه ملكه ، وليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحدٍ إلاّ بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ ، وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ . د - الغنيمة : 5 - الاغتنام : أخذ الغنيمة ، وهي كما قال أبو عبيدٍ : ما أخذ من أهل العدوّ عنوةً فالاغتنام أخصّ من الاستيلاء . هـ- الإحراز : 6 – الإحراز لغةً : جعل الشّيء في الحرز ، وهو الموضع الحصين الّذي يحفظ فيه الشّيء . وفي الشّرع : حفظ المال فيما يحفظ فيه عادةً ، كالدّار والخيمة ، أو بالشّخص نفسه . وبين الإحراز والاستيلاء عمومٌ وخصوصٌ . ولذا كان الإحراز شرطاً لترتّب الملك على الاستيلاء في بعض الصّور ، فينفرد الاستيلاء في مثل استيلاء الكفّار على أموال المسلمين في دار الإسلام ، فليس ذلك إحرازاً . صفة الاستيلاء : حكمه التّكليفيّ : 7 - يختلف حكم الاستيلاء بحسب الشّيء المستولى عليه ، وتبعاً لكيفيّة الاستيلاء ، فالأصل بالنّسبة للمال المعصوم المملوك للغير أنّ الاستيلاء عليه محرّمٌ ، إلاّ إذا كان مستنداً إلى طريقٍ مشروعٍ . أمّا المال غير المعصوم فإنّه يجوز الاستيلاء عليه وإن كان مملوكاً ، وكذا المال المباح فإنّه يملك بالاستيلاء عليه على ما سيأتي بيانه . أثر الاستيلاء في الملك والتّملّك : 8 - الاستيلاء يفيد الملك إذا ورد على مالٍ مباحٍ غير مملوكٍ لأحدٍ ، على تفصيلٍ يأتي بيانه ، أو كان في حكم المباح لعدم العصمة ، بأن كان مالاً للحربيّين في دار الحرب . وهذا إمّا أن يكون منقولاً ، أو عقاراً ، ولكلٍّ حكمه الخاصّ . 9 - فإن كان المال الّذي تمّ الاستيلاء عليه من الحربيّين منقولاً أخذ بالقهر والغلبة ، فإنّ الملك لا يتحقّق فيه إلاّ بالقسمة بين الغانمين ، فالملك موقوفٌ عليها . وفي قولٍ عند الشّافعيّة أنّ الملك يثبت بنفس الاستيلاء بدار الحرب بعد الفراغ من القتال ، لزوال ملك الكفّار بالاستيلاء ، ووجود مقتضى التّمليك ، وهو انقضاء القتال ، وفي قولٍ أنّ الملك موقوفٌ ، فإن سلّمت الغنيمة إلى القسمة بأنّ ملكهم على الشّيوع . وبالقسمة - ولو في دار الحرب - ثبت الملك ، ويستقرّ عند جمهور الفقهاء : المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . وبهذا قال الأوزاعيّ وابن المنذر وأبو ثورٍ ، لما روى أبو إسحاق الفزاريّ قال : قلت للأوزاعيّ : هل قسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شيئاً من الغنائم بالمدينة ؟ قال : لا أعلمه ، إنّما كان النّاس يتّبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوّهم ،« ولم يقفل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن غزاةٍ قطّ ، أصاب فيها غنيمةً إلاّ خمّسه وقسّمه من قبل أن يقفل »، ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء ، فصحّت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام ، لأنّ سبب الملك الاستيلاء التّامّ وقد وجد ، فإنّنا أثبتنا أيدينا عليها حقيقةً ، وقهرناهم ونفيناهم عنها ، والاستيلاء يدلّ على حاجة المستولي فيثبت الملك كالمباحات . 10 - لكنّ الحنفيّة يرون أنّ الملك لا يثبت للغزاة بدار الحرب بالاستيلاء ، ولكن ينعقد سبب الملك فيها ، على أن يصير علّةً عند الإحراز بدار الإسلام ، وعلى هذا فلم يعتبروا قسمة الغنائم في دار الحرب قسمة تمليكٍ ، وإنّما هي قسمة حملٍ ، لأنّ ملك الكفّار قائمٌ ، إذ الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ بإحرازها في دار الإسلام ، وما دام الغزاة في دار الحرب فاسترداد الكفّار ليس بنادرٍ بل هو محتملٌ . 11 - وأمّا إن كان المال المستولى عليه من الكفّار بالقهر والغلبة أرضاً ، فإنّ للفقهاء ثلاثة اتّجاهاتٍ : فالحنفيّة ، والحنابلة في روايةٍ - عليها المذهب عندهم - صرّحوا بأنّ الإمام مخيّرٌ بين أن يقسمها أو يتركها في يد أهلها بالخراج . وقال المالكيّة في المشهور عندهم : إنّها لا تقسم ، ويرصد خراجها في مصالح المسلمين ، إلاّ أن يرى الإمام في وقتٍ أنّ المصلحة تقتضي القسمة ، والقول بأنّها تصير وقفاً بالاستيلاء ، ويرصد خراجها لصالح المسلمين روايةٌ عند الحنابلة . وقال الشّافعيّة : إنّها تملك للفاتحين كالمنقول . وهو روايةٌ عند الحنابلة ، وبه قال ابن رشدٍ المالكيّ ، وهو قولٌ عند المالكيّة يقابل المشهور ، وقالوا : إنّ الاستيلاء الحكميّ كالحقيقيّ في ترتّب الملك على الاستيلاء . 12 أمّا الأرض الّتي استولى عليها المسلمون بعد جلاء الكفّار عنها خوفاً ، فإنّها تصير بالاستيلاء عليها وقفاً لمصالح المسلمين . وأمّا الأرض الّتي استولى عليها المسلمون صلحاً فإنّها تبقى في أيدي أصحابها ، إذا كان الصّلح على أن تبقى في ملكيّتهم ، ويوضع عليها الخراج . أمّا إذا كان الصّلح على أن يتملّكها المسلمون فإنّها تكون وقفاً لمصالح المسلمين . 13 - وأمّا إذا كان الاستيلاء على مالٍ معصومٍ مملوكٍ للغير بطريقٍ من طرق التّملّك ، فإنّ الاستيلاء وحده لا يكسب ملكيّةً ، وإنّما حدوث التّملّك يكون بالسّبب المشروع الّذي يقتضيه كالشّراء والهبة ، وحقّ الاستيلاء في هذه الحالة يكون أثراً ونتيجةً للتّملّك وليس سبباً له . وأمّا إذا كان الاستيلاء عدواناً ، فإنّه لا يفيد ملكاً . وبيان ذلك في مصطلحات ( غصبٌ ) ( وسرقةٌ ) . 14 - واستيلاء الحاكم على ما يحتكره التّجّار له أثرٌ في إزالة ملكيّتهم ، إذ للحاكم رفع يد المحتكرين عمّا احتكروه وبيعه للنّاس جبراً ، والثّمن لمالكيه ، على خلافٍ وتفصيلٍ مبيّنٍ في مصطلح ( احتكارٌ ) . ومن ذلك ما قالوه من استيلاء الحاكم على الفائض من الأقوات بالقيمة لإمداد جهةٍ انقطع عنها القوت أو إمداد جنوده ، لأنّ للإمام أن يخرج ذلك إذا كان بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ كما يفهم من حاشية ابن عابدين ، والاستيلاء على عمل الصّانع إذا احتاج النّاس إلى صناعة طائفةٍ كالفلاحة والنّساجة ، ومدار الاستيلاء في الصّورتين على العرف . استيلاء الكفّار الحربيّين على أموال المسلمين : 15 - اختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة أقوالٍ مشهورةٍ : 1 - إنّ ما استردّه المسلمون من أيدي الحربيّين فهو لأربابه ، بناءً على أنّ الكفّار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها أصلاً ، وممّن قال بهذا الشّافعيّة ، وأبو ثورٍ وأبو الخطّاب من الحنابلة ، واحتجّوا بما رواه عمران بن حصينٍ أنّه « أسرت امرأةٌ من الأنصار ، وأصيبت العضباء ، فكانت المرأة في الوثاق ، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم ، فانفلتت مع نعمها ذات ليلةٍ من الوثاق ، فأتت الإبل ، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه ، حتّى تنتهي إلى العضباء ، فلم ترغ . قال : وناقةٌ منوّقةٌ . فقعدت في عجزها ثمّ زجرتها فانطلقت ، ونذروا بها ، فطلبوها فأعجزتهم . قال : ونذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها ، فلمّا قدمت المدينة رآها النّاس ، فقالوا : العضباء ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إنّها نذرت إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها . فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال : سبحان اللّه ، بئسما جزتها ، نذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ ، ولا فيما لا يملك العبد » وفي رواية ابن حجرٍ « لا نذر في معصية اللّه » . 2- إنّ ما غنمه الكفّار يملكونه بمجرّد الاستيلاء عليه ، سواءٌ أحرزوه بدارهم أو لم يحرزوه ، وهو روايةٌ عن أحمد . ووجهه أنّ القهر سببٌ يملك به المسلم مال الكافر ، فملك به الكافر مال المسلم ، وعلى هذا إذا استردّ المسلمون ذلك كان غنيمةً سواءٌ بعد الإحراز أو قبله . 3- إنّ الكفّار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها شرط إحرازها بدارهم ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة وروايةٌ عن أحمد ، ودليله « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة : وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ » ولأنّ العصمة تزول بالإحراز بدار الحرب ، إذ المالك لا يمكنه الانتفاع به إلاّ بعد الدّخول لما فيه من مخاطرةٍ ، إذ الدّار دارهم ، فإذا زال معنى الملك أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورةً ، فباسترداد المسلمين لذلك يكون غنيمةً . استيلاء الكفّار على بلدٍ إسلاميٍّ : 16 - إذا استولى الكفّار على بلدٍ إسلاميٍّ فهل تصير دار حربٍ أم تبقى كما هي دار إسلامٍ ؟ في هذه المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ، فذهب أبو يوسف ومحمّدٌ إلى أنّ دار الإسلام تصير دار كفرٍ بشرطٍ واحدٍ ، وهو إظهار أحكام الكفر . وتفصيل ذلك في مصطلح ( دار الإسلام ودار الحرب ) . إسلام الحربيّ بعد استيلائه على مال المسلم : 17 - إذا استولى الحربيّ على مال مسلمٍ بالقهر والغلبة ، وحكم بملكيّته له شرعاً ، ثمّ دخل إلى دار الإسلام مسلماً وهو في يده ، فهو له ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « من أسلم على شيءٍ فهو له » ولأنّ إسلامه يعصم دمه وماله لخبر الصّحيحين أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه ، وحسابه على اللّه » . واستثنى الجمهور من ذلك استيلاءه على الحرّ المسلم فلا يقرّ عليه . قال أبو يوسف : كلّ ملكٍ لا يجوز فيه البيع فإنّ أهل الحرب لا يملكونه إذا أصابوه وأسلموا عليه ، وصرّح المالكيّة بأنّ مثله : الوقف المحقّق ، والمسروق في فترة عهده ، واللّقطة ، والدّين في ذمّته ، الوديعة ، وما استأجره من المسلمين حال كفره فلا يقرّ على شيءٍ من ذلك . وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك . 18 - وإذا استولى الكافر الحربيّ على مال مسلمٍ بطريق السّرقة ، أو الاغتصاب من حربيٍّ آخر ، ثمّ أسلم ودخل دار الإسلام وهو في يده ، فهو له أيضاً عند جمهور الفقهاء ، لأنّه استولى عليه حال كفره فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلمين . وعن أحمد أنّ صاحبه أحقّ به بالقيمة . الاستيلاء على المال المباح : 19 - المال المباح كلّ ما خلقه اللّه لينتفع به النّاس على وجهٍ معتادٍ ، وليس في حيازة أحدٍ مع إمكان حيازته ، ويكون حيواناً : برّيّاً أو بحريّاً ، ويكون نباتاً : حشائش وأعشاباً وحطباً ، ويكون جماداً : أرضاً مواتاً وركازاً ، كما يكون ماءً وهواءً ، ومن حقّ أيّ إنسانٍ أن يتملّك منه ، ويكون ذلك بالاستيلاء عليه ، ويتحقّق الاستيلاء وتستقرّ الملكيّة إذا كان الاستيلاء بفعلٍ يؤدّي إلى التّمكّن من وضع اليد . روى أبو داود عن أمّ جندبٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلمٌ فهو له » وعن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له » وفي روايةٍ : « من أحيا أرضاً ميّتةً فهي له » وإذا ثبت هذا بالنّسبة للعقار المباح فهو بالنّسبة للمنقول من المباحات أولى ، لظهور الاستئثار به ظهوراً لا يكون في العقار . ولا يحدّ من سلطان النّاس في الاستيلاء على المال المباح إلاّ القواعد العامّة لتنظيم الانتفاع ومنع الضّرر . 20 - ولكلّ نوعٍ من الأموال المباحة طريقٌ للاستيلاء عليه ، فالاستيلاء على الماء المباح والرّكاز يكون بالحوز والكشف ، والاستيلاء على الكلأ والعشب يكون بالحشّ ، والاستيلاء على حيوان البرّ والبحر يكون بالاصطياد ، والاستيلاء على الأرض الموات يكون بالإحياء ، وبإقطاع التّمليك . تنوّع الاستيلاء : 21 - الاستيلاء يكون حقيقيّاً بوضع اليد على الشّيء المباح فعلاً ، وهذا لا يحتاج إلى نيّةٍ وقصدٍ ، صرّح بذلك الشّافعيّة ، قال الرّمليّ في نهاية المحتاج : يملك الصّيد بضبطه باليد ، لأنّه مباحٌ ، فملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات ، سواءٌ أقصد بذلك ملكه أم لا ، حتّى لو أخذه لينظر إليه ملكه . ويفهم ذلك من كلام سائر المذاهب ، وإنّما تثبت بالاستيلاء الحقيقيّ الملكيّة مستقرّةٌ ، وكذلك يكون الاستيلاء حقيقيّاً إذا كان بآلةٍ أعدّت لذلك ، وكان واضعها قريباً منها ، بحيث لو مدّ يده إليها لأمسك الصّيد ، لأنّه ليس بممتنعٍ عليه . ومن هذا لو نصب شبكةً للصّيد فوقع فيها طائرٌ وامتنع عليه الطّيران ، أو أغرى كلباً معلّماً فاصطاد حيواناً ، فإنّ من نصب الشّبكة ومن أغرى الكلب يتملّك الصّيد ، سواءٌ أكان هو مالك الشّبكة والكلب أم كان المالك غيره . 22 - ويكون الاستيلاء حكميّاً ، وهو ما كان بواسطة الآلة وحدها الّتي تهيّئ المباح لوضع اليد عليه ، ولم يكن واضعها قريباً منها . كحفرةٍ في جورة المنتفع بالأرض أو مالكها تجمّع فيها ماء المطر ، فلا بدّ لتملّك ما تجمّع فيها من ماءٍ من وجود القصد ، أمّا من غير قصدٍ فإنّ الملكيّة تثبت غير مستقرّةٍ ، ولا تستقرّ إلاّ بصيرورة الاستيلاء حقيقيّاً ، وهذا باتّفاق المذاهب . 23 - وقد سئل الحلوانيّ الحنفيّ عمّن علّق كوزه ، أو وضعه في سطحه ، فأمطر السّحاب وامتلأ الكوز من المطر ، فجاء إنسانٌ وأخذ ذلك الكوز مع الماء ، هل لصاحب الكوز أن يستردّه مع الماء ؟ فقال : لا إشكال في استرداد الكوز ، وأمّا الماء فإن كان قد أعدّ الكوز لذلك حقّ له أن يستردّه ، وإن لم يعدّه لذلك لم يستردّه . ولو التجأ صيدٌ إلى أرض رجلٍ أو إلى داره ، فلا يعدّ ذلك استيلاءً من صاحب الأرض أو الدّار ، لأنّهما لم يعدّا للاصطياد ، لأنّه لم يحدث منه فعل الاستيلاء ، أمّا إذا ردّ عليه صاحب الدّار الباب بنيّة أخذه ملكه ، لتحقّق الاستيلاء عليه بفعله مع إمكان أخذه . ومن نصب فسطاطاً فالتجأ إليه صيدٌ لم يملك ، لأنّ الفسطاط لم يكن آلة صيدٍ ، وما كان نصبه بقصد الاستيلاء على الصّيد ، وكذا لو نصب شبكةً للتّجفيف فتعلّق بها صيدٌ ولم يكن من علّق الشّبكة حاضراً بالقرب منها فإنّه لا يملكه ، إذ القصد مرعيٌّ في التّملّك ، ومع هذا فإنّه أحقّ به من غيره إن حضر وهو معلّقٌ بالشّبكة . وتفصيل كلّ ذلك في مصطلح ( اصطيادٌ ) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية