الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40896" data-attributes="member: 329"><p>ج - السّفه : </p><p>4 - السّفه في اللّغة : خفّة العقل والطّيش والحركة . وفي الشّريعة : تضييع المال وإتلافه على خلاف مقتضى الشّرع والعقل . وقد عرّفه بعضهم بالتّبذير والإسراف في النّفقة ، فقد جاء في بلغة السّالك : أنّ السّفه هو التّبذير ، وورد في أسنى المطالب أنّ السّفيه هو : المبذّر ، والأصل أنّ السّفه سبب التّبذير والإسراف ، وهما أثران للسّفه ، كما يتبيّن ممّا قاله الجرجانيّ في التّعريفات : السّفه خفّةٌ تعرض للإنسان من الفرح والغضب ، فيحمله على العمل بخلاف طور العقل ومقتضى الشّرع . وجاء في دستور العلماء ما يؤيّد ذلك ، حيث قال : ومن عادة السّفيه التّبذير والإسراف في النّفقة . ويؤيّد هذه التّفرقة المعنى اللّغويّ للسّفه من أنّه : خفّة العقل . وعلى ذلك فالعلاقة بين السّفه والإسراف علاقة السّبب والمسبّب .</p><p>حكم الإسراف : </p><p>5 - يختلف حكم الإسراف بحسب متعلّقه ، كما تبيّن في تعريف الإسراف ، فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ صرف المال الكثير في أمور البرّ والخير والإحسان لا يعتبر إسرافاً ، فلا يكون ممنوعاً . أمّا صرفه في المعاصي والتّرف وفيما لا ينبغي فيعتبر إسرافاً منهيّاً عنه ، ولو كان المال قليلاً . وقد نقل عن مجاهدٍ أنّه قال : لو كان جبل أبي قبيسٍ ذهباً لرجلٍ ، فأنفقه في طاعة اللّه لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً أو مدّاً في معصية اللّه كان مسرفاً ، ويرى بعض الفقهاء أنّ الإسراف كما يكون في الشّرّ ، يكون في الخير ، كمن تصدّق بجميع ماله ، واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفوا } أي لا تعطوا أموالكم كلّها فتقعدوا فقراء ، وروي أنّ ثابت بن قيس بن شمّاسٍ أنفق جذاذ خمسمائة نخلةٍ ، ولم يترك لأهله شيئاً ، فنزلت الآية السّابقة . وقيل : إنّها نزلت في معاذ بن جبلٍ بفعله مثل ذلك . كذلك يختلف حكم الإسراف إذا كان في العبادات عمّا إذا كان في المحظورات أو المباحات ، أو في استعمال الحقّ والعقوبات ، وسيأتي تفصيل هذه الأنواع .</p><p>الإسراف في الطّاعات :</p><p>أوّلاً - الإسراف في العبادات البدنيّة : </p><p> أ - الإسراف في الوضوء :</p><p> وذلك يتحقّق في حالتين :</p><p> الحالة الأولى : تكرار غسل الأعضاء : </p><p>6 - صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ تكرار غسل الأعضاء إلى ثلاثٍ مسنونٌ . جاء في المغني أنّ الوضوء مرّةً أو مرّتين يجزئ ، والثّلاث أفضل . والمشهور في مذهب مالكٍ أنّ الغسلة الثّانية والثّالثة فضيلتان . وعلى ذلك فغسل الأعضاء ثلاث مرّاتٍ لا يعتبر إسرافاً ، بل هو سنّةٌ أو مندوبٌ . أمّا الزّيادة على الثّلاث الموعبة فمكروهٌ عند الجمهور : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو الرّاجح في مذهب المالكيّة ، لأنّها من السّرف في الماء ، والقول الثّاني للمالكيّة أنّها تمنع . والكراهة فيما إذا كان الماء مملوكاً أو مباحاً ، أمّا الماء الموقوف على من يتطهّر به - ومنه ماء المدارس - فإنّ الزّيادة فيه على الثّلاث حرامٌ عند الجميع ، لكونها غير مأذونٍ بها ، لأنّه إنّما يوقف ويساق لمن يتوضّأ الوضوء الشّرعيّ ، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك . واستدلّوا على كراهة الزّيادة على الثّلاث بحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه « أنّ رجلاً أتاه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه كيف الطّهور ؟ فدعا بماءٍ في إناءٍ فغسل كفّيه ثلاثاً ، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ، ثمّ غسل ذراعيه ثلاثاً ، ثمّ مسح برأسه ، وأدخل أصبعيه السّبّاحتين في أذنيه ، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ، وبالسّبّاحتي ن باطن أذنيه ، ثمّ غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ، ثمّ قال : هكذا الوضوء ، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء » . وقد ذكر بعض الفقهاء أنّ الوعيد في الحديث لمن زاد أو نقص مع عدم اعتقاد الثّلاث سنّةٌ ، أمّا إذا زاد - مع اعتقاد سنّيّة الثّلاث - لطمأنينة القلب عند الشّكّ ، أو بنيّة وضوءٍ آخر فلا بأس به ، فإنّ الوضوء على الوضوء نورٌ على نورٍ ، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ولهذا جاء في ابن عابدين نقلاً عن البدائع : إذا زاد أو نقص ، واعتقد أنّ الثّلاث سنّةٌ ، لا يلحقه الوعيد . ثمّ بيّن أنّ المنفيّ في هذه الحالة إنّما هو الكراهة التّحريميّة ، فتبقى الكراهة التّنزيهيّة . وقيّد الشّافعيّة ، وبعض الحنفيّة ، أفضليّة الوضوء على الوضوء بألاّ يكون في مجلسٍ واحدٍ ، أو كان قد صلّى بالضّوء الأوّل صلاةً ، وإلاّ يكره التّكرار ويعتبر إسرافاً ، وقال القليوبيّ : الوجه الحرمة . أمّا لو كرّره ثالثاً أو رابعاً بغير أن تتخلّله صلاةٌ فيعتبر إسرافاً محضاً عند الجميع .</p><p> الحالة الثّانية - استعمال الماء أكثر ممّا يكفيه : </p><p>7 - اتّفق الفقهاء على أنّ ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدّرٍ بمقدارٍ معيّنٍ ، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك وقال : إنّ ما ورد في الحديث : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يتوضّأ بالمدّ ويغتسل بالصّاع » ليس بتقديرٍ لازمٍ ، بل هو بيان أدنى القدر المسنون ، حتّى إنّ من أسبغ بدون ذلك أجزأه ، وإن لم يكفه زاد عليه ، لأنّ طباع النّاس وأحوالهم مختلفةٌ . واتّفقوا كذلك على أنّ الإسراف في استعمال الماء مكروهٌ ، ولهذا صرّح الحنابلة بأنّه يجزئ المدّ وما دون ذلك في الوضوء ، وإن توضّأ بأكثر من ذلك جاز ، إلاّ أنّه يكره الإسراف . ومع ذلك قال الشّافعيّة : يسنّ أن لا ينقص ماء الوضوء فيمن اعتدل جسمه عن مدٍّ تقريباً ، لأنّه صلى الله عليه وسلم « كان يوضّئه المدّ » ولا حدّ لماء الوضوء ، لكنّه يشترط الإسباغ . وقال المالكيّة : من مستحبّات الوضوء تقليل الماء من غير تحديدٍ في ذلك ، وأنكر مالكٌ قول من قال : حتّى يقطر الماء أو يسيل ، يعني أنكر السّيلان عن العضو لا السّيلان على العضو ، إذ لا بدّ منه ، وإلاّ فهو مع عدم السّيلان مسحٌ بلا شكٍّ ، وإنّما يراعى القدر الكافي في حقّ كلّ واحدٍ ، فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعةٌ وإسرافٌ ، وإن اقتصر على قدر ما يكفيه فقد أدّى السّنّة ، فالمستحبّ لمن يقدر على الإسباغ بقليلٍ أن يقلّل الماء ، ولا يستعمل زيادةً على الإسباغ ، أي في كلّ مرّةٍ .</p><p> ومعيار الإسراف عند الحنفيّة هو أن يستعمل الماء فوق الحاجة الشّرعيّة ، وذكر أكثر الأحناف أنّ ترك التّقتير - بأن يقترب إلى حدّ الدّهن ، ويكون التّقاطر غير ظاهرٍ - وترك الإسراف - بأن يزيد على الحاجة الشّرعيّة - سنّةٌ مؤكّدةٌ ، وعلى هذا فيكون الإسراف في استعمال الماء في الوضوء مكروهاً تحريماً ، كما صرّح به صاحب الدّرّ ، لكن رجّح ابن عابدين كونه مكروهاً تنزيهاً . واستدلّ الفقهاء على كراهة الإسراف في الماء بحديث عبد اللّه بن عمر وأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « مرّ بسعدٍ وهو يتوضّأ ، فقال : ما هذا السّرف ؟ فقال : أفي الوضوء إسرافٌ ؟ فقال : نعم ، وإن كنت على نهرٍ جارٍ » .</p><p> وهذا كلّه في غير الموسوس ، أمّا الموسوس فيغتفر في حقّه لما ابتلي به .</p><p>ب - الإسراف في الغسل : </p><p>8 - من سنن الغسل التّثليث ، بأن يفيض الماء على كلّ بدنه ثلاثاً مستوعباً ، والزّائد على ذلك يعتبر إسرافاً مكروهاً ، ولا يقدّر الماء الّذي يجزئ الغسل به ، لأنّ الحاجة الشّرعيّة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فما زاد على الكفاية أو بعد تيقّن الواجب فهو سرفٌ مكروهٌ ، وهذا القدر متّفقٌ عليه ، أمّا ما ورد في الحديث : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصّاع » فهو بيانٌ لأقلّ ما يمكن به أداء السّنّة عادةً ، وليس تقديراً لازماً .</p><p>ج - الإسراف في الصّلاة والصّوم : </p><p>9 - الإنسان مأمورٌ بالاقتصاد ومراعاة الاعتدال في كلّ أمرٍ ، حتّى في العبادات الّتي تقرّب إلى اللّه تعالى كالصّلاة والصّيام ، قال اللّه تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . فالعبادات إنّما أمر بفعلها مشروطةً بنفي العسر والمشقّة الخارجة عن المعتاد ، ومن هنا أبيح الإفطار في حالة السّفر والحامل والمريض والمرضع وكلّ من خشي ضرر الصّوم على نفسه فعليه أن يفطر ، لأنّ في ترك الإفطار عسراً ، وقد نفى اللّه عن نفسه إرادة العسر . فلا يجوز فيها الإسراف والمبالغة . وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « هلك المتنطّعون » أي المبالغون في الأمر . وروي عن أنسٍ أنّه « جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر . قال أحدهم : أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدّهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبداً . فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللّه إنّي لأخشاكم للّه ، وأتقاكم له ، لكنّي أصوم وأفطر ، وأصلّي وأرقد ، وأتزوّج النّساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » .</p><p> قال في نيل الأوطار : فيه دليلٌ على أنّ المشروع هو الاقتصاد في الطّاعات ، لأنّ إتعاب النّفس فيها والتّشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع ، والدّين يسرٌ ، ولن يشادّ أحدٌ الدّين إلاّ غلبه ، والشّريعة النّبويّة بنيت على التّيسير وعدم التّنفير . ولهذا صرّح بعض الفقهاء بكراهة صوم الوصال وصوم الدّهر ، كما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من صام الدّهر فلا صام ولا أفطر » وقالوا بكراهة قيام اللّيل كلّه ، لما روي عن « عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : لا أعلم نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم قام ليلةً حتّى الصّباح ، ولا صام شهراً قطّ غير رمضان » . قال ابن عابدين : الظّاهر من إطلاق الأحاديث الواردة في إحياء اللّيل الاستيعاب ، لكنّه نقل عن بعض المتقدّمين أنّه فسّر ذلك بنصفه ، لأنّ من أحيا نصف اللّيل فقد أحيا اللّيل ، ويؤيّد هذا التّفسير حديث عائشة المتقدّم ، فيترجّح إرادة الأكثر أو النّصف ، والأكثر أقرب إلى الحقيقة . وأوضح ما جاء في منع الإسراف والمبالغة في الصّلاة والصّيام حديث عبد اللّه بن عمر وقال : « دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجرتي ، فقال : ألم أخبر أنّك تقوم اللّيل وتصوم النّهار ؟ ، قلت : بلى ، قال : فلا تفعلنّ ، نم وقم ، وصم وأفطر ، فإنّ لعينيك عليك حقّاً ، وإن لجسدك عليك حقّاً ، وإنّ لزوجتك عليك حقّاً ، وإنّ لصديقك عليك حقّاً ، وإنّ لضيفك عليك حقّاً ، وإن عسى أن يطول بك عمرٌ ، وأنّه حسبك أن تصوم من كلّ شهرٍ ثلاثاً ، فذلك صيام الدّهر كلّه ، وإنّ الحسنة بعشر أمثالها » . وقال النّوويّ من الشّافعيّة : ويكره أن يقوم كلّ اللّيل دائماً ، للحديث المذكور في الكتاب ، فإن قيل : ما الفرق بينه وبين صوم الدّهر - غير أيّام النّهي - فإنّه لا يكره عندنا ؟ فالجواب أنّ صلاة اللّيل كلّه دائماً يضمر العين وسائر البدن ، كما جاء في الحديث الصّحيح ، بخلاف الصّوم فإنّه يستوفي في اللّيل ما فاته من أكل النّهار ، ولا يمكنه نوم النّهار إذا صلّى اللّيل ، لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه . هذا حكم قيام اللّيل دائماً ، فأمّا بعض اللّيل فلا يكره إحياؤه ، فقد ثبت في الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا اللّيل » واتّفق أصحابنا على إحياء ليلتي العيدين ، واللّه أعلم .</p><p>ثانياً - الإسراف في العبادات الماليّة : </p><p> أ - الإسراف في الصّدقة : </p><p>10 - الصّدقات الواجبة المحدّدة المقدار ، كالزّكاة والنّذر وصدقة الفطر ، لا يتصوّر فيها الإسراف ، لأنّ أداءها بالقدر المحدّد واجبٌ شرعاً . وتفصيل شروط الوجوب ، ومقدار ما وجب في هذه الصّدقات مذكورٌ في موضعها .</p><p> أمّا الصّدقات المندوبة - وهي الّتي تعطى للمحتاجين لثواب الآخرة - فرغم حثّ الإسلام على الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين في كثيرٍ من الآيات والأحاديث ، فقد أمر اللّه بالقصد والاعتدال وعدم التّجاوز إلى حدٍّ يعتبر إسرافاً ، بحيث يؤدّي إلى فقر المنفق نفسه حتّى يتكفّف النّاس . قال اللّه تعالى في صفات المؤمنين : { والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وكان بين ذلك قواماً } . وكذلك قال سبحانه : { ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ، ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً } قال المفسّرون في تفسير هذه الآية : ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه ، فتقعد منقطعاً عن النّفقة والتّصرّف ، كما يكون البعير الحسير ، وهو الّذي ذهبت قوّته فلا انبعاث به ، وقيل : لئلاّ تبقى ملوماً ذا حسرةٍ على ما في يدك ، لكنّ المراد بالخطاب غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّه لم يكن ممّن يتحسّر على إنفاق ما حوته يده في سبيل اللّه ، وإنّما نهى اللّه عن الإفراط في الإنفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج عن يده ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يأتي أحدكم بما يملك ، فيقول : هذه صدقةٌ ، ثمّ يقعد يستكفّ النّاس ، ، خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنًى » فأمّا من وثق بموعود اللّه وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مرادٍ بالآية ، وقد كان كثيرٌ من فضلاء الصّحابة ينفقون في سبيل اللّه جميع أموالهم ، فلم يعنّفهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصحّة يقينهم وشدّة بصائرهم . وفي ضوء هذه الآيات والأحاديث صرّح الفقهاء أنّ الأولى أن يتصدّق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يموّنه على الدّوام ، ومن أسرف بأن تصدّق بما ينقصه عن كفاية من تلزمه مؤنته ، أو ما يحتاج إليه لنفقة نفسه - ولا كسب له - فقد أثم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يموّنه » ولأنّ نفقة من يموّنه واجبةٌ ، والتّطوّع نافلةٌ ، وتقديم النّفل على الفرض غير جائزٍ ، ولأنّ الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدّة نزاع النّفس إلى ما خرج منه ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره ، ويصير كلاًّ على النّاس . أمّا من يعلم من نفسه حسن التّوكّل ، والصّبر على الفقر ، والتّعفّف عن المسألة ، أو كان ذا مكسبٍ واثقاً من نفسه ، فله أن يتصدّق بكلّ ماله عند الحاجة ، ولا يعتبر هذا في حقّه إسرافاً . لما روي أنّ أبا بكرٍ أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكلّ ما عنده ، فقال له : « ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم اللّه ورسوله » فهذا كان فضيلةً في حقّ أبي بكرٍ ، لقوّة يقينه وكمال إيمانه ، وكان أيضاً تاجراً ذا مكسبٍ .</p><p>ب - الإسراف في الوصيّة : </p><p>11 - الوصيّة تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت بطريق التّبرّع ، أو هي التّبرّع بالمال بعد الموت ، وهي مستحبّةٌ بجزءٍ من المال لمن ترك خيراً في حقّ من لا يرث ، وقد حدّد الشّرع حدودها بأن لا تزيد عن الثّلث ، ورغّب في التّقليل من الثّلث ، وذلك لتجنّب الإسراف ، وإيقاع الضّرر بالورثة .</p><p> فإذا وجد للميّت وارثٌ ، نفّذت الوصيّة في الثّلث ، وبطلت في الزّائد منه اتّفاقاً إن لم يجزها الورثة ، لحديث سعد بن أبي وقّاصٍ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجّة الوداع من وجعٍ اشتدّ بي ، فقلت : إنّي قد بلغ بي من الوجع ، وأنا ذو مالٍ ، ولا يرثني إلاّ ابنةٌ ، أفأتصدّق بثلثي مالي ؟ قال : لا ، فقلت : بالشّطر ، فقال : لا ، ثمّ قال : الثّلث ، والثّلث كبيرٌ أو كثيرٌ ، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس » . فالثّلث هو الحدّ الأعلى في الوصيّة إذا كان للميّت وارثٌ ، ولم يتّفقوا على الحدّ الأدنى ، مع استحبابهم الأقلّ من الثّلث ، وأن تكون الوصيّة للأقارب غير الوارثين ، لتكون صدقةً وصلةً معاً . وذكر صاحب المغني أنّ الأفضل للغنيّ الوصيّة بالخمس ، ونحو ذلك يروى عن أبي بكرٍ وعليّ بن أبي طالبٍ أمّا إذا لم يكن للميّت وارثٌ ، أو كان له وارثٌ وأجاز الزّيادة على الثّلث ، ففيه خلافٌ وتفصيلٌ موضعه مصطلح ( وصيّةٌ ) .</p><p>ثالثاً : الإسراف في سفك دماء العدوّ في القتال : </p><p>12 - الإسراف بمعنى مجاوزة الحدّ منهيٌّ عنه في كلّ حالةٍ ، حتّى في المقابلة مع الأعداء في الجهاد والقتال ، فالمسلم مأمورٌ بمراعاة القصد والاعتدال في جميع الأحوال ، يقول اللّه تعالى : { ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } ويقول سبحانه : { ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتّقوى } .</p><p> ولهذا صرّح الفقهاء بأنّه إن كان العدوّ ممّن لم تبلغهم الدّعوة لم يجز قتالهم ، حتّى يدعوهم إلى الإسلام ، ويكره نقل رءوس المشركين ، على تفصيلٍ في ذلك ، وتكره المثلة بقتلاهم وتعذيبهم . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ أعفّ النّاس قتلةً أهل الإيمان » .</p><p> ولا يجوز قتل الصّبيان والمجانين بلا خلافٍ ، ولا تقتل امرأةٌ ولا شيخٌ فانٍ ، ولا يقتل زمنٌ ولا أعمى ولا راهبٌ عند الجمهور : الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وروايةٍ عند الشّافعيّة ، إلاّ إذا اشتركوا في المعركة ، أو كانوا ذا رأيٍ وتدبيرٍ ومكايد في الحرب ، أو أعانوا الكفّار بوجهٍ آخر ولا يجوز الغدر والغلول ، ولا يجوز الإحراق بالنّار إن أمكن التّغلّب عليهم بدونها ، ولا يجوز التّمثيل بالقتل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيءٍ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة » ويجوز معهم عقد الأمان والصّلح بمالٍ لو كان ذلك خيراً للمسلمين ، لقوله تعالى : { وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها } . ولو حاصرناهم دعوناهم إلى الإسلام ، فإن أسلموا فيها ، وإلاّ فرضنا عليهم الجزية إن لم يكونوا مرتدّين ولا من مشركي العرب ، فإن قبلوا ذلك فلهم منّا المعاملة بالعدل والقسط على حسب شروط عقد الذّمّة ، وإن أبوا قاتلناهم حتّى نغلبهم عنوةً .</p><p> وتفصيل هذه الأحكام ر : ( جهادٌ ) ( وجزيةٌ ) .</p><p>الإسراف في المباحات :</p><p>أ - الإسراف في الطّعام والشّراب : </p><p>13 - الأكل والشّرب بقدر ما يندفع به الهلاك فرضٌ ، وهو بقدر الشّبع مباحٌ ، فإذا نوى بالشّبع ازدياد قوّة البدن على الطّاعة وأداء الواجبات فهو مندوبٌ ، وما زاد على الشّبع فهو مكروهٌ أو محظورٌ ، على الخلاف بين الفقهاء ، إلاّ إذا قصد به التّقوّي على صوم الغد ، أو لئلاّ يستحي الضّيف . قال اللّه تعالى : { كلوا واشربوا ولا تسرفوا } .</p><p> فالإنسان مأمورٌ بأن يأكل ويشرب بحيث يتقوّى على أداء المطلوب ، ولا يتعدّى إلى الحرام ، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ، ولا يتناول مقداراً كثيراً يضرّه ولا يحتاج إليه ، فإن تعدّى ذلك إلى ما يمنعه القيام بالواجب حرم عليه ، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه ، ولأنّه إضاعة المال وإمراض النّفس . وقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنٍ ، بحسب ابن آدم أكلاتٌ يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه ، وثلثٌ لشرابه ، وثلثٌ لنفسه » . وقال صلى الله عليه وسلم : « إنّ من السّرف أن تأكل كلّ ما اشتهيت » .</p><p> وقد نقل القرطبيّ في الحضّ على تقليل الطّعام ما ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « قال لأبي جحيفة حينما أتاه يتجشّأ : اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة ، فإنّ أكثر النّاس شبعاً في الدّنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة » . وهذا القدر ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . وقال المالكيّة : يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطّعام والشّراب على قدرٍ لا يترتّب عليه ضررٌ ولا كسلٌ عن عبادةٍ ، فقد يكون للشّبع سبباً في عبادةٍ فيجب ، وقد يترتّب عليه ترك واجبٍ فيحرم ، أو ترك مستحبٍّ فيكره . وقال الغزاليّ : صرف المال إلى الأطعمة النّفيسة الّتي لا يليق بحاله تبذيرٌ . فيكون سبباً للحجر كما سيأتي .</p><p> وقال القليوبيّ : إنّ هذا هو أحد القولين عند الشّافعيّة ، والقول الثّاني عندهم أنّه لا يعتبر تبذيراً ما لم يصرف في محرّمٍ ، فيعتبر عندئذٍ إسرافاً وتبذيراً إجماعاً .</p><p> وصرف الحنابلة أنّ أكل المتخوم ، أو الأكل المفضي إلى تخمةٍ سببٌ لمرضه وإفساد بدنه ، وهو تضييع المال في غير فائدةٍ . وقالوا : لا بأس بالشّبع ، لكن يكره الإسراف ، والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحدّ ، وهو من العدوان المحرّم .</p><p>ب - الإسراف في الملبس والزّينة : </p><p>14 - الإسراف في الملبس والزّينة ممنوعٌ ، لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « البسوا ما لم يخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ » .</p><p> قال ابن عابدين : يلبس بين الخسيس والنّفيس ، إذ خير الأمور أوسطها ، وللنّهي عن الشّهرتين ، وهو ما كان في نهاية النّفاسة أو الخساسة . ويندب لبس الثّوب الجميل للتّزيّن في الأعياد والجمع ومجامع النّاس ، لحديث ابن مسعودٍ مرفوعاً : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه ذرّةٌ من كبرٍ ، قال رجلٌ : إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً ، قال : إنّ اللّه جميلٌ يحبّ الجمال ، الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس » .</p><p>الإسراف في المهر : </p><p>15 - المهر يجب إمّا بالتّسمية أو بالعقد . فإذا سمّي في العقد ، وعّين مقداره ، وجب المسمّى ، وإلاّ وجب مهر المثل ، وهذا متّفقٌ عليه بين الفقهاء .</p><p> ولم يحدّد الشّافعيّة والحنابلة ، وكذلك المالكيّة في روايةٍ أقلّ المهر ، وحدّد الحنفيّة أقلّ المهر بعشرة دراهم ، وقال المالكيّة في المشهور عندهم : أقلّه ربع دينارٍ شرعيٍّ ، أو ثلاثة دراهم فضّةً خالصةً . ولا حدّ لأكثر المهر إجماعاً بين الفقهاء . والدّليل عليه قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً } . لأنّ القنطار يطلق على المال الكثير .</p><p> ولكن حذّر الفقهاء من الإسراف والمغالاة في المهر ، وقالوا : تكره المغالاة في الصّداق ، لما روي عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أعظم النّساء بركةً أيسرهنّ مؤنةً » وفسّروا المغالاة في المهر بما خرج عن عادة أمثال الزّوجة ، وهي تختلف باختلاف أمثالها ، إذ المائة قد تكون كثيرةً جدّاً بالنّسبة لامرأةٍ ، وقليلةً جدّاً بالنّسبة لأخرى . واستدلّوا كذلك بكراهة الإسراف في المهر بأنّ الرّجل يغلي بصدقة المرأة ( أي فوق طاقته ) ، حتّى يكون لها عداوةٌ في قلبه ، ولأنّه إذا كثر بما تعذّر عليه فيتعرّض للضّرر في الدّنيا والآخرة . ولتفصيل الموضوع راجع مصطلح : ( مهرٌ ) .</p><p>الإسراف في التّكفين والتّجهيز : </p><p>16 - اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الكفن هو الثّوب الواحد . والإيتار فيه إلى ثلاثٍ للرّجل ، وإلى خمسٍ للمرأة سنّةٌ ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّن في ثلاثة أثوابٍ يمانيّةٍ بيضٍ سحوليّةٍ ... » . </p><p> وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « أعطى اللّواتي غسّلن ابنته خمسة أثوابٍ » ولأنّ عدد الثّلاث أكثر ما يلبسه الرّجل في حياته ، فكذا بعد مماته ، والمرأة تزيد في حال حياتها على الرّجل في السّتر ، لزيادة عورتها على عورته ، فكذلك بعد الموت .</p><p> وتكره الزّيادة على الأثواب الثّلاثة للرّجل ، والخمسة للمرأة عند الجمهور : الشّافعيّة ، والحنابلة ، وروايةٍ عند الحنفيّة ، لما فيها من الإسراف وإضاعة المال المنهيّ عنهما ، وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا تغالوا في الكفن ، فإنّه يسلب سلباً سريعاً » وما روى عنه صلى الله عليه وسلم في تحسين الكفن : « إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه » . معناه بياضه ونظافته ، لا كونه ثميناً حليةً .</p><p> ولا بأس عند المالكيّة بالزّيادة إلى خمسةٍ في الرّجل ، وإلى سبعةٍ في المرأة ، وقالوا : إنّ الزّيادة على الخمسة في الرّجل ، والسّبعة في المرأة إسرافٌ ، وثلاثةٌ أولى من أربعةٍ ، وخمسةٌ أولى من ستّةٍ . فعلم من ذلك أنّ الإسراف محظورٌ في الكفن في جميع المذاهب . والقاعدة في ذلك أنّ الكفن يكون وفقاً لما يلبسه الميّت حال حياته عادةً .</p><p> وينظر تفصيل هذا الموضوع في مصطلح ( كفنٌ ) .</p><p>الإسراف في المحرّمات :</p><p>17 - المحظور في اصطلاح الفقهاء : هو ما منع من استعماله شرعاً ، ويشمل بالمعنى الأعمّ الحرام والمكروه كراهة تحريمٍ ، فالمحظورات بهذا المعنى هي الممنوعات الشّرعيّة الّتي توجب العقاب . وارتكاب المحرّمات يعتبر بنفسه إسرافاً ، لأنّه مجاوزة الحدّ المشروع . يقول الرّازيّ في تفسير قوله تعالى : { ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } : الإسراف في كلّ شيءٍ الإفراط فيه ، والمراد هنا الذّنوب العظيمة الكبيرة . قال أبو حيّان الأندلسيّ : ( ذنوبنا وإسرافنا ) متقاربان من حيث المعنى ، فجاء ذلك على سبيل التّأكيد . وقيل : الذّنوب ما دون الكبائر . ثمّ إنّ المبالغة في ارتكاب الممنوع توجب تشديد العقاب ، فالعقوبة بقدر الجريمة ، كما قرّره الفقهاء ، والإصرار على الصّغيرة وإدامتها يأخذ حكم الكبيرة في إسقاط العدالة ، فلا تقبل شهادة من كثرت صغائره وأصرّ عليها .</p><p>18 - لكن هناك حالاتٌ خاصّةٌ يجوز للشّخص الإتيان بالمحرّم ، بشرط ألاّ يسرف أي لا يجاوز الحدّ المشروع وذلك مثل : </p><p>أ - حالة الإكراه : كما إذا أجبر شخصٌ آخر بأكل أو شرب ما حرّم اللّه ، كالميتة والدّم والخمر وغيرها .</p><p>ب - حالة الاضطرار : كما إذا وجد الشّخص في حالةٍ لو لم يتناول المحرّم هلك ، ولا تكون للخروج عن هذه الحالة وسيلةٌ أخرى ، كحالة الجوع والعطش الشّديدين .</p><p> ففي هذه الحالات يجوز اتّفاقاً - بل يجب عند الأكثر - أكل ما حرّم اللّه من الميتة والدّم والأموال المحرّمة ، بشرط ألاّ يسرف الآكل والشّارب ، ولا يتجاوز الحدود الشّرعيّة المقرّرة الّتي سيأتي تفصيلها . وتتّفق حالة الإكراه مع حالة الاضطرار في الحكم ، ولكنّهما تختلفان في سبب الفعل ، ففي الإكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل المحرّم شخصٌ آخر ويجبره على العمل ، أمّا في حالة الاضطرار فيوجد الفاعل في ظروفٍ تقتضي الخروج منها ، أن يرتكب الفعل المحرّم لينجي نفسه . وبهذا نكتفي بذكر حكم الإسراف في حالة الاضطرار فقط .</p><p>19 - اتّفق الفقهاء على أنّ المضطرّ يجوز له الانتفاع بالمحرّم ، ولو كان ميتةً أو دماً أو لحم خنزيرٍ أو مال الغير ، واستدلّوا بقوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } لكنّ الأكل والشّرب من المحرّم حال الاضطرار محدودٌ بحدودٍ لا يجوز التّجاوز عنها والإسراف فيها ، وإلاّ يعتبر مسيئاً وآثماً .</p><p> والجمهور : الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ، ذهبوا إلى أنّ مقدار ما يجوز للمضطرّ أكله أو شربه من المحرّم هو ما يسدّ الرّمق ، فمن زاد عن هذا المقدار يعتبر مجاوزاً للحدّ . فلا يجوز له الأكل إلى حدّ الشّبع والتّزوّد بالمحرّم ، لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قيّد جواز الانتفاع بالمحرّم في حالة الاضطرار بقوله : { غير باغٍ ولا عادٍ } ، والمراد ألاّ يكون المضطرّ باغياً في أكل المحرّم تلذّذاً ، ولا متعدّياً بالحدّ المشروع ، فيكون مسرفاً في الأكل إذا تناول منها أكثر من المقدار الّذي يمسك الرّمق ، فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضّرر في الحال فقد زالت الضّرورة ، ولا اعتبار في ذلك لسدّ الجوعة ، لأنّ الجوع في الابتلاء لا يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه .</p><p>ومذهب المالكيّة ، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، أنّ للمضطرّ أن يأكل من الميتة إلى حدّ الشّبع إذا لم يوجد غيرها ، لأنّ ما جاز سدّ الرّمق به جاز الشّبع منه كالمباح ، بل المالكيّة جوّزوا التّزوّد من الميتة ، وقالوا : إنّه يأكل منها حتّى يشبع ، ويتزوّد منها ، فإن وجد عنها غنًى طرحها ، لأنّ المضطرّ ليس ممّن حرمت عليه الميتة ، فإذا كانت حلالاً له الأكل منها ما شاء ، حتّى يجد غيرها فتحرم عليه ، وجواز التّزوّد للمضطرّ من لحم الميتة روايةٌ عند الحنابلة . وعلى ذلك فالأكل إلى حدّ الشّبع لا يعتبر إسرافاً عند هؤلاء ، كما أنّ التّزوّد من الميتة لا يعدّ إسرافاً عند المالكيّة ، وفي روايةٍ عند الحنابلة .</p><p> ولتفصيل الموضوع ر : ( اضطرارٌ ) .</p><p>الإسراف في العقوبة : </p><p>20 - الأصل في الشّريعة أنّ العقوبة بقدر الجريمة ، قال سبحانه وتعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقال سبحانه : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فلا تجوز فيها الزّيادة والإسراف قطعاً ، لأنّ الزّيادة تعتبر تعدّياً منهيّاً عنه بقوله تعالى : { ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } وبيان ذلك فيما يلي : </p><p>أ - الإسراف في القصاص : </p><p>21 - اتّفق الفقهاء على أنّ مبنى القصاص على المساواة ، فلا يجوز فيه الإسراف والزّيادة . قال اللّه تعالى : { ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنّه كان منصوراً } قال المفسّرون في تفسير هذه الآية : لا يسرف في القتل أي لا يتجاوز الحدّ المشروع فيه ، فلا يقتل غير قاتله ، ولا يمثّل بالقاتل كعادة الجاهليّة ، لأنّهم كانوا إذا قتل منهم واحدٌ قتلوا به جماعةً ، وإذا قتل من ليس شريفاً لم يقتلوه ، وقتلوا به شريفاً من قومه ، فنهي عن ذلك .</p><p>22 - وصرّح الفقهاء أنّه إذا وجب القصاص على حاملٍ لم تقتل حتّى تضع حملها ، وإذا وضعت لم تقتل حتّى تسقي ولدها اللّبأ ، فإن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتّى يجيء أوان فطامه ، لما ورد في الحديث : « إذا قتلت المرأة عمداً لم تقتل حتّى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً ، وحتّى تكفل ولدها » . ولأنّ في قتل الحامل قتلاً لولدها ، فيكون إسرافاً في القتل ، واللّه سبحانه قال : { فلا يسرف في القتل } ، ولأنّ في القصاص من الحامل قتلاً لغير الجاني وهو محرّمٌ ، إذ { لا تزر وازرةٌ وزر أخرى } .</p><p>23 - ونشترط المماثلة في قصاص الأعضاء في المحلّ والمقدار والصّفة ، بألاّ يكون العضو المقتصّ منه أحسن حالاً من العضو التّالف ، وإلاّ يعتبر إسرافاً منهيّاً عنه ، فلا تؤخذ يدٌ صحيحةٌ بيدٍ شلاّء ، ولا رجلٌ صحيحةٌ برجلٍ شلاّء ، ولا تؤخذ يدٌ كاملةٌ بيدٍ ناقصةٍ ، لأنّه ليس للمجنيّ عليه أن يأخذ فوق حقّه ، ولو وجب له قصاصٌ في أنملةٍ فقطع أنملتين ، فإن كان عامداً وجب عليه القصاص في الزّيادة ، وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء .</p><p>24 - ولكي يؤمن الإسراف والتّعدّي ، صرّح الفقهاء أنّه لا يستوفى القصاص فيما دون النّفس إلاّ بحضرة السّلطان أو نائبه ، لأنّه يفتقر إلى اجتهاده ، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التّشفّي ، ويلزم وليّ الأمر تفقّد آلة الاستيفاء ، والأمر بضبط المقتصّ منه في غير النّفس ، حذراً من الزّيادة واضطرابه ، وإذا سلّم الحاكم القاتل لوليّ الدّم ليقتله نهى الحاكم الوليّ عن التّمثيل بالقاتل والتّشديد عليه في قتله .</p><p> وفي قصاص الأطراف يشترط إمكان الاستيفاء من غير حيفٍ ولا زيادةٍ ، بأن يكون القطع من مفصلٍ ، فإن كان القطع من غير مفصلٍ فلا قصاص فيه من موضع القطع ، حذراً من الإسراف . ولأنّ الجرح الّذي يمكن استيفاء القصاص فيه من غير حيفٍ ولا زيادةٍ هو كلّ جرحٍ ينتهي إلى عظمٍ كالموضحة ، اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ فيها القصاص ، واتّفقوا كذلك على عدم القصاص فيما بعد الموضحة لأنّه يعظم فيه الخطر ، أمّا في غيرها من الجروح فاختلفوا في ذلك ، لاحتمال الزّيادة والحيف خوفاً من الإسراف ، ولو زاد المقتصّ عمداً في موضحةٍ على حقّه لزمه قصاص الزّيادة لتعمّده ، كما نصّوا على ذلك .</p><p> وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ( قصاصٌ ) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40896, member: 329"] ج - السّفه : 4 - السّفه في اللّغة : خفّة العقل والطّيش والحركة . وفي الشّريعة : تضييع المال وإتلافه على خلاف مقتضى الشّرع والعقل . وقد عرّفه بعضهم بالتّبذير والإسراف في النّفقة ، فقد جاء في بلغة السّالك : أنّ السّفه هو التّبذير ، وورد في أسنى المطالب أنّ السّفيه هو : المبذّر ، والأصل أنّ السّفه سبب التّبذير والإسراف ، وهما أثران للسّفه ، كما يتبيّن ممّا قاله الجرجانيّ في التّعريفات : السّفه خفّةٌ تعرض للإنسان من الفرح والغضب ، فيحمله على العمل بخلاف طور العقل ومقتضى الشّرع . وجاء في دستور العلماء ما يؤيّد ذلك ، حيث قال : ومن عادة السّفيه التّبذير والإسراف في النّفقة . ويؤيّد هذه التّفرقة المعنى اللّغويّ للسّفه من أنّه : خفّة العقل . وعلى ذلك فالعلاقة بين السّفه والإسراف علاقة السّبب والمسبّب . حكم الإسراف : 5 - يختلف حكم الإسراف بحسب متعلّقه ، كما تبيّن في تعريف الإسراف ، فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ صرف المال الكثير في أمور البرّ والخير والإحسان لا يعتبر إسرافاً ، فلا يكون ممنوعاً . أمّا صرفه في المعاصي والتّرف وفيما لا ينبغي فيعتبر إسرافاً منهيّاً عنه ، ولو كان المال قليلاً . وقد نقل عن مجاهدٍ أنّه قال : لو كان جبل أبي قبيسٍ ذهباً لرجلٍ ، فأنفقه في طاعة اللّه لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً أو مدّاً في معصية اللّه كان مسرفاً ، ويرى بعض الفقهاء أنّ الإسراف كما يكون في الشّرّ ، يكون في الخير ، كمن تصدّق بجميع ماله ، واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفوا } أي لا تعطوا أموالكم كلّها فتقعدوا فقراء ، وروي أنّ ثابت بن قيس بن شمّاسٍ أنفق جذاذ خمسمائة نخلةٍ ، ولم يترك لأهله شيئاً ، فنزلت الآية السّابقة . وقيل : إنّها نزلت في معاذ بن جبلٍ بفعله مثل ذلك . كذلك يختلف حكم الإسراف إذا كان في العبادات عمّا إذا كان في المحظورات أو المباحات ، أو في استعمال الحقّ والعقوبات ، وسيأتي تفصيل هذه الأنواع . الإسراف في الطّاعات : أوّلاً - الإسراف في العبادات البدنيّة : أ - الإسراف في الوضوء : وذلك يتحقّق في حالتين : الحالة الأولى : تكرار غسل الأعضاء : 6 - صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ تكرار غسل الأعضاء إلى ثلاثٍ مسنونٌ . جاء في المغني أنّ الوضوء مرّةً أو مرّتين يجزئ ، والثّلاث أفضل . والمشهور في مذهب مالكٍ أنّ الغسلة الثّانية والثّالثة فضيلتان . وعلى ذلك فغسل الأعضاء ثلاث مرّاتٍ لا يعتبر إسرافاً ، بل هو سنّةٌ أو مندوبٌ . أمّا الزّيادة على الثّلاث الموعبة فمكروهٌ عند الجمهور : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو الرّاجح في مذهب المالكيّة ، لأنّها من السّرف في الماء ، والقول الثّاني للمالكيّة أنّها تمنع . والكراهة فيما إذا كان الماء مملوكاً أو مباحاً ، أمّا الماء الموقوف على من يتطهّر به - ومنه ماء المدارس - فإنّ الزّيادة فيه على الثّلاث حرامٌ عند الجميع ، لكونها غير مأذونٍ بها ، لأنّه إنّما يوقف ويساق لمن يتوضّأ الوضوء الشّرعيّ ، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك . واستدلّوا على كراهة الزّيادة على الثّلاث بحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه « أنّ رجلاً أتاه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه كيف الطّهور ؟ فدعا بماءٍ في إناءٍ فغسل كفّيه ثلاثاً ، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ، ثمّ غسل ذراعيه ثلاثاً ، ثمّ مسح برأسه ، وأدخل أصبعيه السّبّاحتين في أذنيه ، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ، وبالسّبّاحتي ن باطن أذنيه ، ثمّ غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ، ثمّ قال : هكذا الوضوء ، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء » . وقد ذكر بعض الفقهاء أنّ الوعيد في الحديث لمن زاد أو نقص مع عدم اعتقاد الثّلاث سنّةٌ ، أمّا إذا زاد - مع اعتقاد سنّيّة الثّلاث - لطمأنينة القلب عند الشّكّ ، أو بنيّة وضوءٍ آخر فلا بأس به ، فإنّ الوضوء على الوضوء نورٌ على نورٍ ، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ولهذا جاء في ابن عابدين نقلاً عن البدائع : إذا زاد أو نقص ، واعتقد أنّ الثّلاث سنّةٌ ، لا يلحقه الوعيد . ثمّ بيّن أنّ المنفيّ في هذه الحالة إنّما هو الكراهة التّحريميّة ، فتبقى الكراهة التّنزيهيّة . وقيّد الشّافعيّة ، وبعض الحنفيّة ، أفضليّة الوضوء على الوضوء بألاّ يكون في مجلسٍ واحدٍ ، أو كان قد صلّى بالضّوء الأوّل صلاةً ، وإلاّ يكره التّكرار ويعتبر إسرافاً ، وقال القليوبيّ : الوجه الحرمة . أمّا لو كرّره ثالثاً أو رابعاً بغير أن تتخلّله صلاةٌ فيعتبر إسرافاً محضاً عند الجميع . الحالة الثّانية - استعمال الماء أكثر ممّا يكفيه : 7 - اتّفق الفقهاء على أنّ ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدّرٍ بمقدارٍ معيّنٍ ، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك وقال : إنّ ما ورد في الحديث : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يتوضّأ بالمدّ ويغتسل بالصّاع » ليس بتقديرٍ لازمٍ ، بل هو بيان أدنى القدر المسنون ، حتّى إنّ من أسبغ بدون ذلك أجزأه ، وإن لم يكفه زاد عليه ، لأنّ طباع النّاس وأحوالهم مختلفةٌ . واتّفقوا كذلك على أنّ الإسراف في استعمال الماء مكروهٌ ، ولهذا صرّح الحنابلة بأنّه يجزئ المدّ وما دون ذلك في الوضوء ، وإن توضّأ بأكثر من ذلك جاز ، إلاّ أنّه يكره الإسراف . ومع ذلك قال الشّافعيّة : يسنّ أن لا ينقص ماء الوضوء فيمن اعتدل جسمه عن مدٍّ تقريباً ، لأنّه صلى الله عليه وسلم « كان يوضّئه المدّ » ولا حدّ لماء الوضوء ، لكنّه يشترط الإسباغ . وقال المالكيّة : من مستحبّات الوضوء تقليل الماء من غير تحديدٍ في ذلك ، وأنكر مالكٌ قول من قال : حتّى يقطر الماء أو يسيل ، يعني أنكر السّيلان عن العضو لا السّيلان على العضو ، إذ لا بدّ منه ، وإلاّ فهو مع عدم السّيلان مسحٌ بلا شكٍّ ، وإنّما يراعى القدر الكافي في حقّ كلّ واحدٍ ، فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعةٌ وإسرافٌ ، وإن اقتصر على قدر ما يكفيه فقد أدّى السّنّة ، فالمستحبّ لمن يقدر على الإسباغ بقليلٍ أن يقلّل الماء ، ولا يستعمل زيادةً على الإسباغ ، أي في كلّ مرّةٍ . ومعيار الإسراف عند الحنفيّة هو أن يستعمل الماء فوق الحاجة الشّرعيّة ، وذكر أكثر الأحناف أنّ ترك التّقتير - بأن يقترب إلى حدّ الدّهن ، ويكون التّقاطر غير ظاهرٍ - وترك الإسراف - بأن يزيد على الحاجة الشّرعيّة - سنّةٌ مؤكّدةٌ ، وعلى هذا فيكون الإسراف في استعمال الماء في الوضوء مكروهاً تحريماً ، كما صرّح به صاحب الدّرّ ، لكن رجّح ابن عابدين كونه مكروهاً تنزيهاً . واستدلّ الفقهاء على كراهة الإسراف في الماء بحديث عبد اللّه بن عمر وأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « مرّ بسعدٍ وهو يتوضّأ ، فقال : ما هذا السّرف ؟ فقال : أفي الوضوء إسرافٌ ؟ فقال : نعم ، وإن كنت على نهرٍ جارٍ » . وهذا كلّه في غير الموسوس ، أمّا الموسوس فيغتفر في حقّه لما ابتلي به . ب - الإسراف في الغسل : 8 - من سنن الغسل التّثليث ، بأن يفيض الماء على كلّ بدنه ثلاثاً مستوعباً ، والزّائد على ذلك يعتبر إسرافاً مكروهاً ، ولا يقدّر الماء الّذي يجزئ الغسل به ، لأنّ الحاجة الشّرعيّة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فما زاد على الكفاية أو بعد تيقّن الواجب فهو سرفٌ مكروهٌ ، وهذا القدر متّفقٌ عليه ، أمّا ما ورد في الحديث : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصّاع » فهو بيانٌ لأقلّ ما يمكن به أداء السّنّة عادةً ، وليس تقديراً لازماً . ج - الإسراف في الصّلاة والصّوم : 9 - الإنسان مأمورٌ بالاقتصاد ومراعاة الاعتدال في كلّ أمرٍ ، حتّى في العبادات الّتي تقرّب إلى اللّه تعالى كالصّلاة والصّيام ، قال اللّه تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . فالعبادات إنّما أمر بفعلها مشروطةً بنفي العسر والمشقّة الخارجة عن المعتاد ، ومن هنا أبيح الإفطار في حالة السّفر والحامل والمريض والمرضع وكلّ من خشي ضرر الصّوم على نفسه فعليه أن يفطر ، لأنّ في ترك الإفطار عسراً ، وقد نفى اللّه عن نفسه إرادة العسر . فلا يجوز فيها الإسراف والمبالغة . وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « هلك المتنطّعون » أي المبالغون في الأمر . وروي عن أنسٍ أنّه « جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر . قال أحدهم : أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدّهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبداً . فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللّه إنّي لأخشاكم للّه ، وأتقاكم له ، لكنّي أصوم وأفطر ، وأصلّي وأرقد ، وأتزوّج النّساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . قال في نيل الأوطار : فيه دليلٌ على أنّ المشروع هو الاقتصاد في الطّاعات ، لأنّ إتعاب النّفس فيها والتّشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع ، والدّين يسرٌ ، ولن يشادّ أحدٌ الدّين إلاّ غلبه ، والشّريعة النّبويّة بنيت على التّيسير وعدم التّنفير . ولهذا صرّح بعض الفقهاء بكراهة صوم الوصال وصوم الدّهر ، كما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من صام الدّهر فلا صام ولا أفطر » وقالوا بكراهة قيام اللّيل كلّه ، لما روي عن « عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : لا أعلم نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم قام ليلةً حتّى الصّباح ، ولا صام شهراً قطّ غير رمضان » . قال ابن عابدين : الظّاهر من إطلاق الأحاديث الواردة في إحياء اللّيل الاستيعاب ، لكنّه نقل عن بعض المتقدّمين أنّه فسّر ذلك بنصفه ، لأنّ من أحيا نصف اللّيل فقد أحيا اللّيل ، ويؤيّد هذا التّفسير حديث عائشة المتقدّم ، فيترجّح إرادة الأكثر أو النّصف ، والأكثر أقرب إلى الحقيقة . وأوضح ما جاء في منع الإسراف والمبالغة في الصّلاة والصّيام حديث عبد اللّه بن عمر وقال : « دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجرتي ، فقال : ألم أخبر أنّك تقوم اللّيل وتصوم النّهار ؟ ، قلت : بلى ، قال : فلا تفعلنّ ، نم وقم ، وصم وأفطر ، فإنّ لعينيك عليك حقّاً ، وإن لجسدك عليك حقّاً ، وإنّ لزوجتك عليك حقّاً ، وإنّ لصديقك عليك حقّاً ، وإنّ لضيفك عليك حقّاً ، وإن عسى أن يطول بك عمرٌ ، وأنّه حسبك أن تصوم من كلّ شهرٍ ثلاثاً ، فذلك صيام الدّهر كلّه ، وإنّ الحسنة بعشر أمثالها » . وقال النّوويّ من الشّافعيّة : ويكره أن يقوم كلّ اللّيل دائماً ، للحديث المذكور في الكتاب ، فإن قيل : ما الفرق بينه وبين صوم الدّهر - غير أيّام النّهي - فإنّه لا يكره عندنا ؟ فالجواب أنّ صلاة اللّيل كلّه دائماً يضمر العين وسائر البدن ، كما جاء في الحديث الصّحيح ، بخلاف الصّوم فإنّه يستوفي في اللّيل ما فاته من أكل النّهار ، ولا يمكنه نوم النّهار إذا صلّى اللّيل ، لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه . هذا حكم قيام اللّيل دائماً ، فأمّا بعض اللّيل فلا يكره إحياؤه ، فقد ثبت في الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا اللّيل » واتّفق أصحابنا على إحياء ليلتي العيدين ، واللّه أعلم . ثانياً - الإسراف في العبادات الماليّة : أ - الإسراف في الصّدقة : 10 - الصّدقات الواجبة المحدّدة المقدار ، كالزّكاة والنّذر وصدقة الفطر ، لا يتصوّر فيها الإسراف ، لأنّ أداءها بالقدر المحدّد واجبٌ شرعاً . وتفصيل شروط الوجوب ، ومقدار ما وجب في هذه الصّدقات مذكورٌ في موضعها . أمّا الصّدقات المندوبة - وهي الّتي تعطى للمحتاجين لثواب الآخرة - فرغم حثّ الإسلام على الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين في كثيرٍ من الآيات والأحاديث ، فقد أمر اللّه بالقصد والاعتدال وعدم التّجاوز إلى حدٍّ يعتبر إسرافاً ، بحيث يؤدّي إلى فقر المنفق نفسه حتّى يتكفّف النّاس . قال اللّه تعالى في صفات المؤمنين : { والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وكان بين ذلك قواماً } . وكذلك قال سبحانه : { ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ، ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً } قال المفسّرون في تفسير هذه الآية : ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه ، فتقعد منقطعاً عن النّفقة والتّصرّف ، كما يكون البعير الحسير ، وهو الّذي ذهبت قوّته فلا انبعاث به ، وقيل : لئلاّ تبقى ملوماً ذا حسرةٍ على ما في يدك ، لكنّ المراد بالخطاب غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّه لم يكن ممّن يتحسّر على إنفاق ما حوته يده في سبيل اللّه ، وإنّما نهى اللّه عن الإفراط في الإنفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج عن يده ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يأتي أحدكم بما يملك ، فيقول : هذه صدقةٌ ، ثمّ يقعد يستكفّ النّاس ، ، خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنًى » فأمّا من وثق بموعود اللّه وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مرادٍ بالآية ، وقد كان كثيرٌ من فضلاء الصّحابة ينفقون في سبيل اللّه جميع أموالهم ، فلم يعنّفهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصحّة يقينهم وشدّة بصائرهم . وفي ضوء هذه الآيات والأحاديث صرّح الفقهاء أنّ الأولى أن يتصدّق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يموّنه على الدّوام ، ومن أسرف بأن تصدّق بما ينقصه عن كفاية من تلزمه مؤنته ، أو ما يحتاج إليه لنفقة نفسه - ولا كسب له - فقد أثم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يموّنه » ولأنّ نفقة من يموّنه واجبةٌ ، والتّطوّع نافلةٌ ، وتقديم النّفل على الفرض غير جائزٍ ، ولأنّ الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدّة نزاع النّفس إلى ما خرج منه ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره ، ويصير كلاًّ على النّاس . أمّا من يعلم من نفسه حسن التّوكّل ، والصّبر على الفقر ، والتّعفّف عن المسألة ، أو كان ذا مكسبٍ واثقاً من نفسه ، فله أن يتصدّق بكلّ ماله عند الحاجة ، ولا يعتبر هذا في حقّه إسرافاً . لما روي أنّ أبا بكرٍ أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكلّ ما عنده ، فقال له : « ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم اللّه ورسوله » فهذا كان فضيلةً في حقّ أبي بكرٍ ، لقوّة يقينه وكمال إيمانه ، وكان أيضاً تاجراً ذا مكسبٍ . ب - الإسراف في الوصيّة : 11 - الوصيّة تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت بطريق التّبرّع ، أو هي التّبرّع بالمال بعد الموت ، وهي مستحبّةٌ بجزءٍ من المال لمن ترك خيراً في حقّ من لا يرث ، وقد حدّد الشّرع حدودها بأن لا تزيد عن الثّلث ، ورغّب في التّقليل من الثّلث ، وذلك لتجنّب الإسراف ، وإيقاع الضّرر بالورثة . فإذا وجد للميّت وارثٌ ، نفّذت الوصيّة في الثّلث ، وبطلت في الزّائد منه اتّفاقاً إن لم يجزها الورثة ، لحديث سعد بن أبي وقّاصٍ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجّة الوداع من وجعٍ اشتدّ بي ، فقلت : إنّي قد بلغ بي من الوجع ، وأنا ذو مالٍ ، ولا يرثني إلاّ ابنةٌ ، أفأتصدّق بثلثي مالي ؟ قال : لا ، فقلت : بالشّطر ، فقال : لا ، ثمّ قال : الثّلث ، والثّلث كبيرٌ أو كثيرٌ ، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس » . فالثّلث هو الحدّ الأعلى في الوصيّة إذا كان للميّت وارثٌ ، ولم يتّفقوا على الحدّ الأدنى ، مع استحبابهم الأقلّ من الثّلث ، وأن تكون الوصيّة للأقارب غير الوارثين ، لتكون صدقةً وصلةً معاً . وذكر صاحب المغني أنّ الأفضل للغنيّ الوصيّة بالخمس ، ونحو ذلك يروى عن أبي بكرٍ وعليّ بن أبي طالبٍ أمّا إذا لم يكن للميّت وارثٌ ، أو كان له وارثٌ وأجاز الزّيادة على الثّلث ، ففيه خلافٌ وتفصيلٌ موضعه مصطلح ( وصيّةٌ ) . ثالثاً : الإسراف في سفك دماء العدوّ في القتال : 12 - الإسراف بمعنى مجاوزة الحدّ منهيٌّ عنه في كلّ حالةٍ ، حتّى في المقابلة مع الأعداء في الجهاد والقتال ، فالمسلم مأمورٌ بمراعاة القصد والاعتدال في جميع الأحوال ، يقول اللّه تعالى : { ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } ويقول سبحانه : { ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتّقوى } . ولهذا صرّح الفقهاء بأنّه إن كان العدوّ ممّن لم تبلغهم الدّعوة لم يجز قتالهم ، حتّى يدعوهم إلى الإسلام ، ويكره نقل رءوس المشركين ، على تفصيلٍ في ذلك ، وتكره المثلة بقتلاهم وتعذيبهم . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ أعفّ النّاس قتلةً أهل الإيمان » . ولا يجوز قتل الصّبيان والمجانين بلا خلافٍ ، ولا تقتل امرأةٌ ولا شيخٌ فانٍ ، ولا يقتل زمنٌ ولا أعمى ولا راهبٌ عند الجمهور : الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وروايةٍ عند الشّافعيّة ، إلاّ إذا اشتركوا في المعركة ، أو كانوا ذا رأيٍ وتدبيرٍ ومكايد في الحرب ، أو أعانوا الكفّار بوجهٍ آخر ولا يجوز الغدر والغلول ، ولا يجوز الإحراق بالنّار إن أمكن التّغلّب عليهم بدونها ، ولا يجوز التّمثيل بالقتل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيءٍ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة » ويجوز معهم عقد الأمان والصّلح بمالٍ لو كان ذلك خيراً للمسلمين ، لقوله تعالى : { وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها } . ولو حاصرناهم دعوناهم إلى الإسلام ، فإن أسلموا فيها ، وإلاّ فرضنا عليهم الجزية إن لم يكونوا مرتدّين ولا من مشركي العرب ، فإن قبلوا ذلك فلهم منّا المعاملة بالعدل والقسط على حسب شروط عقد الذّمّة ، وإن أبوا قاتلناهم حتّى نغلبهم عنوةً . وتفصيل هذه الأحكام ر : ( جهادٌ ) ( وجزيةٌ ) . الإسراف في المباحات : أ - الإسراف في الطّعام والشّراب : 13 - الأكل والشّرب بقدر ما يندفع به الهلاك فرضٌ ، وهو بقدر الشّبع مباحٌ ، فإذا نوى بالشّبع ازدياد قوّة البدن على الطّاعة وأداء الواجبات فهو مندوبٌ ، وما زاد على الشّبع فهو مكروهٌ أو محظورٌ ، على الخلاف بين الفقهاء ، إلاّ إذا قصد به التّقوّي على صوم الغد ، أو لئلاّ يستحي الضّيف . قال اللّه تعالى : { كلوا واشربوا ولا تسرفوا } . فالإنسان مأمورٌ بأن يأكل ويشرب بحيث يتقوّى على أداء المطلوب ، ولا يتعدّى إلى الحرام ، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ، ولا يتناول مقداراً كثيراً يضرّه ولا يحتاج إليه ، فإن تعدّى ذلك إلى ما يمنعه القيام بالواجب حرم عليه ، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه ، ولأنّه إضاعة المال وإمراض النّفس . وقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنٍ ، بحسب ابن آدم أكلاتٌ يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه ، وثلثٌ لشرابه ، وثلثٌ لنفسه » . وقال صلى الله عليه وسلم : « إنّ من السّرف أن تأكل كلّ ما اشتهيت » . وقد نقل القرطبيّ في الحضّ على تقليل الطّعام ما ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « قال لأبي جحيفة حينما أتاه يتجشّأ : اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة ، فإنّ أكثر النّاس شبعاً في الدّنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة » . وهذا القدر ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . وقال المالكيّة : يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطّعام والشّراب على قدرٍ لا يترتّب عليه ضررٌ ولا كسلٌ عن عبادةٍ ، فقد يكون للشّبع سبباً في عبادةٍ فيجب ، وقد يترتّب عليه ترك واجبٍ فيحرم ، أو ترك مستحبٍّ فيكره . وقال الغزاليّ : صرف المال إلى الأطعمة النّفيسة الّتي لا يليق بحاله تبذيرٌ . فيكون سبباً للحجر كما سيأتي . وقال القليوبيّ : إنّ هذا هو أحد القولين عند الشّافعيّة ، والقول الثّاني عندهم أنّه لا يعتبر تبذيراً ما لم يصرف في محرّمٍ ، فيعتبر عندئذٍ إسرافاً وتبذيراً إجماعاً . وصرف الحنابلة أنّ أكل المتخوم ، أو الأكل المفضي إلى تخمةٍ سببٌ لمرضه وإفساد بدنه ، وهو تضييع المال في غير فائدةٍ . وقالوا : لا بأس بالشّبع ، لكن يكره الإسراف ، والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحدّ ، وهو من العدوان المحرّم . ب - الإسراف في الملبس والزّينة : 14 - الإسراف في الملبس والزّينة ممنوعٌ ، لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « البسوا ما لم يخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ » . قال ابن عابدين : يلبس بين الخسيس والنّفيس ، إذ خير الأمور أوسطها ، وللنّهي عن الشّهرتين ، وهو ما كان في نهاية النّفاسة أو الخساسة . ويندب لبس الثّوب الجميل للتّزيّن في الأعياد والجمع ومجامع النّاس ، لحديث ابن مسعودٍ مرفوعاً : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه ذرّةٌ من كبرٍ ، قال رجلٌ : إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً ، قال : إنّ اللّه جميلٌ يحبّ الجمال ، الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس » . الإسراف في المهر : 15 - المهر يجب إمّا بالتّسمية أو بالعقد . فإذا سمّي في العقد ، وعّين مقداره ، وجب المسمّى ، وإلاّ وجب مهر المثل ، وهذا متّفقٌ عليه بين الفقهاء . ولم يحدّد الشّافعيّة والحنابلة ، وكذلك المالكيّة في روايةٍ أقلّ المهر ، وحدّد الحنفيّة أقلّ المهر بعشرة دراهم ، وقال المالكيّة في المشهور عندهم : أقلّه ربع دينارٍ شرعيٍّ ، أو ثلاثة دراهم فضّةً خالصةً . ولا حدّ لأكثر المهر إجماعاً بين الفقهاء . والدّليل عليه قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً } . لأنّ القنطار يطلق على المال الكثير . ولكن حذّر الفقهاء من الإسراف والمغالاة في المهر ، وقالوا : تكره المغالاة في الصّداق ، لما روي عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أعظم النّساء بركةً أيسرهنّ مؤنةً » وفسّروا المغالاة في المهر بما خرج عن عادة أمثال الزّوجة ، وهي تختلف باختلاف أمثالها ، إذ المائة قد تكون كثيرةً جدّاً بالنّسبة لامرأةٍ ، وقليلةً جدّاً بالنّسبة لأخرى . واستدلّوا كذلك بكراهة الإسراف في المهر بأنّ الرّجل يغلي بصدقة المرأة ( أي فوق طاقته ) ، حتّى يكون لها عداوةٌ في قلبه ، ولأنّه إذا كثر بما تعذّر عليه فيتعرّض للضّرر في الدّنيا والآخرة . ولتفصيل الموضوع راجع مصطلح : ( مهرٌ ) . الإسراف في التّكفين والتّجهيز : 16 - اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الكفن هو الثّوب الواحد . والإيتار فيه إلى ثلاثٍ للرّجل ، وإلى خمسٍ للمرأة سنّةٌ ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّن في ثلاثة أثوابٍ يمانيّةٍ بيضٍ سحوليّةٍ ... » . وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « أعطى اللّواتي غسّلن ابنته خمسة أثوابٍ » ولأنّ عدد الثّلاث أكثر ما يلبسه الرّجل في حياته ، فكذا بعد مماته ، والمرأة تزيد في حال حياتها على الرّجل في السّتر ، لزيادة عورتها على عورته ، فكذلك بعد الموت . وتكره الزّيادة على الأثواب الثّلاثة للرّجل ، والخمسة للمرأة عند الجمهور : الشّافعيّة ، والحنابلة ، وروايةٍ عند الحنفيّة ، لما فيها من الإسراف وإضاعة المال المنهيّ عنهما ، وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا تغالوا في الكفن ، فإنّه يسلب سلباً سريعاً » وما روى عنه صلى الله عليه وسلم في تحسين الكفن : « إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه » . معناه بياضه ونظافته ، لا كونه ثميناً حليةً . ولا بأس عند المالكيّة بالزّيادة إلى خمسةٍ في الرّجل ، وإلى سبعةٍ في المرأة ، وقالوا : إنّ الزّيادة على الخمسة في الرّجل ، والسّبعة في المرأة إسرافٌ ، وثلاثةٌ أولى من أربعةٍ ، وخمسةٌ أولى من ستّةٍ . فعلم من ذلك أنّ الإسراف محظورٌ في الكفن في جميع المذاهب . والقاعدة في ذلك أنّ الكفن يكون وفقاً لما يلبسه الميّت حال حياته عادةً . وينظر تفصيل هذا الموضوع في مصطلح ( كفنٌ ) . الإسراف في المحرّمات : 17 - المحظور في اصطلاح الفقهاء : هو ما منع من استعماله شرعاً ، ويشمل بالمعنى الأعمّ الحرام والمكروه كراهة تحريمٍ ، فالمحظورات بهذا المعنى هي الممنوعات الشّرعيّة الّتي توجب العقاب . وارتكاب المحرّمات يعتبر بنفسه إسرافاً ، لأنّه مجاوزة الحدّ المشروع . يقول الرّازيّ في تفسير قوله تعالى : { ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } : الإسراف في كلّ شيءٍ الإفراط فيه ، والمراد هنا الذّنوب العظيمة الكبيرة . قال أبو حيّان الأندلسيّ : ( ذنوبنا وإسرافنا ) متقاربان من حيث المعنى ، فجاء ذلك على سبيل التّأكيد . وقيل : الذّنوب ما دون الكبائر . ثمّ إنّ المبالغة في ارتكاب الممنوع توجب تشديد العقاب ، فالعقوبة بقدر الجريمة ، كما قرّره الفقهاء ، والإصرار على الصّغيرة وإدامتها يأخذ حكم الكبيرة في إسقاط العدالة ، فلا تقبل شهادة من كثرت صغائره وأصرّ عليها . 18 - لكن هناك حالاتٌ خاصّةٌ يجوز للشّخص الإتيان بالمحرّم ، بشرط ألاّ يسرف أي لا يجاوز الحدّ المشروع وذلك مثل : أ - حالة الإكراه : كما إذا أجبر شخصٌ آخر بأكل أو شرب ما حرّم اللّه ، كالميتة والدّم والخمر وغيرها . ب - حالة الاضطرار : كما إذا وجد الشّخص في حالةٍ لو لم يتناول المحرّم هلك ، ولا تكون للخروج عن هذه الحالة وسيلةٌ أخرى ، كحالة الجوع والعطش الشّديدين . ففي هذه الحالات يجوز اتّفاقاً - بل يجب عند الأكثر - أكل ما حرّم اللّه من الميتة والدّم والأموال المحرّمة ، بشرط ألاّ يسرف الآكل والشّارب ، ولا يتجاوز الحدود الشّرعيّة المقرّرة الّتي سيأتي تفصيلها . وتتّفق حالة الإكراه مع حالة الاضطرار في الحكم ، ولكنّهما تختلفان في سبب الفعل ، ففي الإكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل المحرّم شخصٌ آخر ويجبره على العمل ، أمّا في حالة الاضطرار فيوجد الفاعل في ظروفٍ تقتضي الخروج منها ، أن يرتكب الفعل المحرّم لينجي نفسه . وبهذا نكتفي بذكر حكم الإسراف في حالة الاضطرار فقط . 19 - اتّفق الفقهاء على أنّ المضطرّ يجوز له الانتفاع بالمحرّم ، ولو كان ميتةً أو دماً أو لحم خنزيرٍ أو مال الغير ، واستدلّوا بقوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } لكنّ الأكل والشّرب من المحرّم حال الاضطرار محدودٌ بحدودٍ لا يجوز التّجاوز عنها والإسراف فيها ، وإلاّ يعتبر مسيئاً وآثماً . والجمهور : الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ، ذهبوا إلى أنّ مقدار ما يجوز للمضطرّ أكله أو شربه من المحرّم هو ما يسدّ الرّمق ، فمن زاد عن هذا المقدار يعتبر مجاوزاً للحدّ . فلا يجوز له الأكل إلى حدّ الشّبع والتّزوّد بالمحرّم ، لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قيّد جواز الانتفاع بالمحرّم في حالة الاضطرار بقوله : { غير باغٍ ولا عادٍ } ، والمراد ألاّ يكون المضطرّ باغياً في أكل المحرّم تلذّذاً ، ولا متعدّياً بالحدّ المشروع ، فيكون مسرفاً في الأكل إذا تناول منها أكثر من المقدار الّذي يمسك الرّمق ، فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضّرر في الحال فقد زالت الضّرورة ، ولا اعتبار في ذلك لسدّ الجوعة ، لأنّ الجوع في الابتلاء لا يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه . ومذهب المالكيّة ، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، أنّ للمضطرّ أن يأكل من الميتة إلى حدّ الشّبع إذا لم يوجد غيرها ، لأنّ ما جاز سدّ الرّمق به جاز الشّبع منه كالمباح ، بل المالكيّة جوّزوا التّزوّد من الميتة ، وقالوا : إنّه يأكل منها حتّى يشبع ، ويتزوّد منها ، فإن وجد عنها غنًى طرحها ، لأنّ المضطرّ ليس ممّن حرمت عليه الميتة ، فإذا كانت حلالاً له الأكل منها ما شاء ، حتّى يجد غيرها فتحرم عليه ، وجواز التّزوّد للمضطرّ من لحم الميتة روايةٌ عند الحنابلة . وعلى ذلك فالأكل إلى حدّ الشّبع لا يعتبر إسرافاً عند هؤلاء ، كما أنّ التّزوّد من الميتة لا يعدّ إسرافاً عند المالكيّة ، وفي روايةٍ عند الحنابلة . ولتفصيل الموضوع ر : ( اضطرارٌ ) . الإسراف في العقوبة : 20 - الأصل في الشّريعة أنّ العقوبة بقدر الجريمة ، قال سبحانه وتعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقال سبحانه : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فلا تجوز فيها الزّيادة والإسراف قطعاً ، لأنّ الزّيادة تعتبر تعدّياً منهيّاً عنه بقوله تعالى : { ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } وبيان ذلك فيما يلي : أ - الإسراف في القصاص : 21 - اتّفق الفقهاء على أنّ مبنى القصاص على المساواة ، فلا يجوز فيه الإسراف والزّيادة . قال اللّه تعالى : { ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنّه كان منصوراً } قال المفسّرون في تفسير هذه الآية : لا يسرف في القتل أي لا يتجاوز الحدّ المشروع فيه ، فلا يقتل غير قاتله ، ولا يمثّل بالقاتل كعادة الجاهليّة ، لأنّهم كانوا إذا قتل منهم واحدٌ قتلوا به جماعةً ، وإذا قتل من ليس شريفاً لم يقتلوه ، وقتلوا به شريفاً من قومه ، فنهي عن ذلك . 22 - وصرّح الفقهاء أنّه إذا وجب القصاص على حاملٍ لم تقتل حتّى تضع حملها ، وإذا وضعت لم تقتل حتّى تسقي ولدها اللّبأ ، فإن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتّى يجيء أوان فطامه ، لما ورد في الحديث : « إذا قتلت المرأة عمداً لم تقتل حتّى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً ، وحتّى تكفل ولدها » . ولأنّ في قتل الحامل قتلاً لولدها ، فيكون إسرافاً في القتل ، واللّه سبحانه قال : { فلا يسرف في القتل } ، ولأنّ في القصاص من الحامل قتلاً لغير الجاني وهو محرّمٌ ، إذ { لا تزر وازرةٌ وزر أخرى } . 23 - ونشترط المماثلة في قصاص الأعضاء في المحلّ والمقدار والصّفة ، بألاّ يكون العضو المقتصّ منه أحسن حالاً من العضو التّالف ، وإلاّ يعتبر إسرافاً منهيّاً عنه ، فلا تؤخذ يدٌ صحيحةٌ بيدٍ شلاّء ، ولا رجلٌ صحيحةٌ برجلٍ شلاّء ، ولا تؤخذ يدٌ كاملةٌ بيدٍ ناقصةٍ ، لأنّه ليس للمجنيّ عليه أن يأخذ فوق حقّه ، ولو وجب له قصاصٌ في أنملةٍ فقطع أنملتين ، فإن كان عامداً وجب عليه القصاص في الزّيادة ، وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء . 24 - ولكي يؤمن الإسراف والتّعدّي ، صرّح الفقهاء أنّه لا يستوفى القصاص فيما دون النّفس إلاّ بحضرة السّلطان أو نائبه ، لأنّه يفتقر إلى اجتهاده ، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التّشفّي ، ويلزم وليّ الأمر تفقّد آلة الاستيفاء ، والأمر بضبط المقتصّ منه في غير النّفس ، حذراً من الزّيادة واضطرابه ، وإذا سلّم الحاكم القاتل لوليّ الدّم ليقتله نهى الحاكم الوليّ عن التّمثيل بالقاتل والتّشديد عليه في قتله . وفي قصاص الأطراف يشترط إمكان الاستيفاء من غير حيفٍ ولا زيادةٍ ، بأن يكون القطع من مفصلٍ ، فإن كان القطع من غير مفصلٍ فلا قصاص فيه من موضع القطع ، حذراً من الإسراف . ولأنّ الجرح الّذي يمكن استيفاء القصاص فيه من غير حيفٍ ولا زيادةٍ هو كلّ جرحٍ ينتهي إلى عظمٍ كالموضحة ، اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ فيها القصاص ، واتّفقوا كذلك على عدم القصاص فيما بعد الموضحة لأنّه يعظم فيه الخطر ، أمّا في غيرها من الجروح فاختلفوا في ذلك ، لاحتمال الزّيادة والحيف خوفاً من الإسراف ، ولو زاد المقتصّ عمداً في موضحةٍ على حقّه لزمه قصاص الزّيادة لتعمّده ، كما نصّوا على ذلك . وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ( قصاصٌ ) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية