الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40898" data-attributes="member: 329"><p>رجوع الإمام في اختياره : </p><p>29 - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض لهذا ، إلاّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ الشّافعيّ من قولة : لم يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ الإمام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها أوّلاً ، ولا إلى أنّ اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو لا . وقال : والّذي يظهر لي في ذلك تفصيلٌ لا بدّ منه ، فلو اختار خصلةً وظهر له بالاجتهاد أنّها الأحظّ ، ثمّ ظهر له أنّ الأحظّ غيرها ، فإن كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، لأنّ الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم ، وإن كان قتلاً جاز له الرّجوع عنه ، تغليباً لحقن الدّماء ما أمكن ، وإن كان فداءً أو منّاً لم يعمل بالثّاني ، لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجبٍ ، إلاّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ثمّ زال السّبب ، وتعيّنت المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته . وليس هذا نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ، بل بما يشبه النّصّ ، لزوال موجبه الأوّل بالكلّيّة .</p><p> ما يكون به الاختيار : </p><p>30 - وأمّا توقّف الاختيار على لفظٍ ، فإنّ الاسترقاق لا بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عليه ، ولا يكفي فيه مجرّد الفعل ، وكذا الفداء ، نعم يكفي فيه لفظٌ ملتزمٌ البدل مع قبض الإمام له من غير لفظٍ ، بخلاف الخصلتين الأخريين لحصولهما بمجرّد الفعل .</p><p>إسلام الأسير : </p><p>31 - إذا أسلم الأسير بعد أسره وقبل قضاء الإمام فيه القتل أو المنّ أو الفداء ، فإنّه لا يقتل إجماعاً ، لأنّه بالإسلام قد عصم دمه .</p><p>أمّا استرقاقه ففيه رأيان : فالجمهور ، وقولٌ للشّافعيّة ، واحتمالٌ للحنابلة أنّ الإمام فيه مخيّرٌ فيما عدا القتل ، لأنّه لمّا سقط القتل بإسلامه بقيت باقي الخصال .</p><p>والقول الظّاهر للحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة أنّه يتعيّن استرقاقه ، لأنّ سبب الاسترقاق قد انعقد بالأسر قبل إسلامه ، فصار كالنّساء والذّراريّ ، فيتعيّن استرقاقه فقط ، فلا منّ ولا فداء ، ولكن يجوز أن يفادي به لتخليصه من الرّقّ .</p><p>أموال الأسير : </p><p>32 - الحكم في مال الأسير مبنيٌّ على الحكم في نفسه ، فلا عصمة له على ماله وما معه ، فهو فيءٌ لكلّ المسلمين ما دام أسر بقوّة الجيش ، أو كان الأسر مستنداً لقوّة الجيش ، ولو أسلم بعد أسره واسترقّ تبعه ماله ، أمّا لو كان إسلامه في دار الحرب قبل أخذه ، ولم يخرج إلينا حتّى ظهرنا على الدّار ، عصم نفسه وصغاره وكلّ ما في يده من مالٍ ، لحديث « من أسلم على مالٍ فهو له » وذلك باتّفاق المذاهب بالنّسبة للمنقول ، وكذا العقار عند المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة . وقال أبو حنيفة : وخرج عقاره لأنّه في يد أهل الدّار وسلطانها فيكون غنيمةً . وقيل : إنّ محمّداً جعله كسائر ماله . وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر فأصاب شيئاً فله من ذلك الرّبع ، وسمع هذه المقالة أسيرٌ من أهل الحرب ، فخرج فأصاب شيئاً فذلك كلّه للمسلمين ، لأنّ الأسير فيءٌ لهم وكسب العبد لمولاه .</p><p>33 - وإذا وقع السّبي في سهم رجلٍ من المسلمين ، فأخرج مالاً كان معه لم يعلم به ، فينبغي للّذي وقع في سهمه أن يردّه في الغنيمة ، لأنّ الأمير إنّما ملّكه بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال ، فإنّ ذلك لم يكن معلوماً له ، وهو مأمورٌ بالعدل في القسمة ، وإنّما يتحقّق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلاّ ما كان معلوماً . ويروى أنّ رجلاً اشترى جاريةً من المغنم ، فلمّا رأت أنّها قد خلصت له أخرجت حليّاً كان معها ، فقال الرّجل : ما أدري هذا ؟ وأتى سعد بن أبي وقّاصٍ فأخبره فقال : اجعله في غنائم المسلمين . لأنّ المال الّذي مع الأسير كان غنيمةً ، وفعل الأمير تناول الرّقبة دون المال ، فبقي المال غنيمةً .</p><p> وهذا الحكم يصدق أيضاً على الدّيون والودائع الّتي له لدى مسلمٍ أو ذمّيٍّ . فإن كانت لدى حربيٍّ فهي فيءٌ للغانمين .</p><p>34 - وإذا كان على الأسير دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ قضي من ماله الّذي لم يغنم قبل استرقاقه ، فإنّ حقّ الدّين مقدّمٌ على حقّ الغنيمة ، إلاّ إذا سبق الاغتنام رقّه .</p><p> ولو وقعا معاً فالظّاهر - على ما قال الغزاليّ من الشّافعيّة - تقديم الغنيمة ، فإن لم يكن مالٌ فهو في ذمّته إلى أن يعتق .</p><p>بم يعرف إسلامه : </p><p>35 - روي أنّه لمّا أسر المسلمون بعض المشركين وتكلّم بعضهم بالإسلام دون اعترافٍ جازمٍ ، بيّن اللّه أمرهم بقوله : { يا أيّها النّبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً ممّا أخذ منكم ويغفر لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم } . وإذا كان القرآن كشف نيّات بعض الأسرى لرسوله ، فإنّ المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه النّيّات ، ولقد حدّث المقداد بن الأسود أنّه قال :« يا رسول اللّه ، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فقاتلني ، فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها ، ثمّ لاذ منّي بشجرةٍ فقال : أسلمت للّه ، أفأقتله يا رسول اللّه بعد أن قالها ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله . قال فقلت : يا رسول اللّه إنّه قطع يدي ، ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال » .</p><p> وبمثل ذلك قال الرّسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيدٍ فيما رواه مسلمٌ : « أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم لا » . ولذا فإنّ الفقهاء قالوا : لو أنّ المسلمين أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا قتلهم ، فقال رجلٌ منهم : أنا مسلمٌ ، فلا ينبغي لهم أن يقتلوه حتّى يسألوه عن الإسلام ، فإن وصفه لهم فهو مسلمٌ ، وإن أبى أن يصفه فإنّه ينبغي للمسلمين أن يصفوه له ، ثمّ يقولوا له : هل أنت على هذا ؟ فإن قال : نعم ، فهو مسلمٌ ، ولو قال : لست بمسلمٍ ولكن ادعوني إلى الإسلام حتّى أسلم لم يحلّ قتله .</p><p> أسرى البغاة : </p><p>36 - البغي في اللّغة : مصدر بغى ، وهو بمعنى علا وظلم وعدل عن الحقّ واستطال . ومنه قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه } .</p><p> والبغاة في الاصطلاح : هم الخارجون على الإمام الحقّ بغير حقٍّ ولهم منعةٌ . ويجب قتالهم لردعهم لا لقتلهم وسنتصدّى للكلام عن حكم أسراهم .</p><p>37 - أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة الإسلاميّة معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن المحاربة ، وردّهم إلى الحقّ ، لا لكفرهم . روي عن ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال : فقلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : لا يتبع مدبرهم ، ولا يذفّف على جريحهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يقسم فيؤهم » .</p><p>38 - وقد اتّفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء البغاة وذراريّهم . بل ذهب بعض الفقهاء إلى قصر الأسر على الرّجال المقاتلين وتخلية سبيل الشّيوخ والصّبية ، وقد روي أنّ عليّاً رضي الله عنه لمّا وقع القتال بينه وبين معاوية ، قرّر عليٌّ عدم السّبي وعدم أخذ الغنيمة ، فاعترض عليه بعض من كانوا في صفوفه ، فقال ابن عبّاسٍ لهم : أفتسبون أمّكم عائشة ؟ أم تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها . فإن قلتم ليست أمّكم كفرتم ، لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } وإن قلتم : إنّها أمّكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم ، لقوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } . فلا يستباح منهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ويبقى حكم المال والذّرّيّة على أصل العصمة . ولفقهاء المذاهب تفصيلٌ في حكم أسرى البغاة .</p><p>39 - ويتّفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى البغاة ، لأنّ الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ، وقد روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل :" لا يقتل أسيرهم ، ولا يكشف سترٌ ، ولا يؤخذ مالٌ " أي لا يسترقّون ولذا فإنّه لا تسبى نساؤهم ولا ذراريّهم . والأصل أنّ أسيرهم لا يقتل لأنّه مسلمٌ ، وقد نصّ على تحريم ذلك كلٌّ من الشّافعيّة والحنابلة ، حتّى قال الحنابلة : وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أساراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، ويتّجه المالكيّة وجهة الشّافعيّة والحنابلة في عدم قتل الأسرى .</p><p> غير أنّه جاء في بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل . وقيل : يؤدّب ولا يقتل وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله . ولو كانوا جماعةً ، إذا خاف أن يكون منهم ضررٌ . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين ما إذا كان لأسرى البغاة فئةٌ ، وبين ما إذا لم تكن لهم فئةٌ ، فقالوا : لو كان للبغاة فئةٌ أجهز على جريحهم ، واتّبع هاربهم لقتله أو أسره ، فإن لم يكن له فئةٌ فلا ، والإمام بالخيار في أسرهم إن كان له فئةٌ : إن شاء قتله لئلاّ ينفلت ويلحق بهم ، وإن شاء حبسه حتّى يتوب أهل البغي ، قال الشرنبلالي : وهو الحسن ، لأنّ شرّه يندفع بذلك ، وقالوا : إنّ ما قاله عليٌّ رضي الله عنه من عدم قتل الأسير مؤوّلٌ بما إذا لم يكن لهم فئةٌ ، وقالوا : إنّ عليّاً كان إذا أخذ أسيراً استحلفه ألاّ يعين عليه وخلاّه ، أمّا إذا لم تكن لهم فئةٌ فلا يقتل أسيرهم . والمرأة من أهل البغي إذا أسرت وكانت تقاتل حبست ولا تقتل ، إلاّ في حال مقاتلتها . وكذا العبيد والصّبيان .</p><p>40 - ويتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز فداؤهم نظير مالٍ ، وإنّما إذا تركهم مع الأمن كان مجّاناً ، لأنّ الإسلام يعصم النّفس والمال ، كما أنّه لا يجوز للإمام موادعتهم على مالٍ ، وإن وادعهم على مالٍ بطلت الموادعة ونظر في المال ، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يردّه عليهم ، وصرف الصّدقات في أهلها ، والفيء في مستحقّيه ، وإن كان من خالص أموالهم وجب ردّه عليهم .</p><p>41 - ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ، ليتوصّلوا إلى تخليص أساراهم ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ويطلقون ، لأنّ المترتّب في أسارى أهل العدل لغيرهم .</p><p>42 - وعلى ما سبق من عدم جواز قتلهم ، فإنّهم يحبسون ولا يخلّى سبيلهم ، إن كان فيهم منعةٌ ، ولو كان الأسير صبيّاً أو امرأةً أو عبداً إن كانوا مقاتلين ، وإلاّ أطلقوا بمجرّد انقضاء الحرب ، وينبغي عرض التّوبة عليهم ومبايعة الإمام . ولو كانوا مراهقين وعبيداً ونساءً غير مقاتلين أو أطفالاً أطلقوا بعد الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة الإمام .</p><p> وفي وجهٍ عند الحنابلة يحبسون ، لأنّ فيه كسراً لقلوب البغاة . وقالوا : إن بطلت شوكتهم ويخاف اجتماعهم في الحال ، فالصّواب عدم إرسال أسيرهم والحالة هذه .</p><p>أسرى الحربيّين إذا أعانوا البغاة : </p><p>43 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا استعان البغاة على قتالنا بقومٍ من أهل الحرب وأمّنوهم ، أو لم يؤمنوهم ، فظهر أهل العدل عليهم ، فوقعوا في الأسر عند أهل العدل ، أخذوا حكم أسرى أهل الحرب ، واستثنى الشّافعيّة ما إذا قال الأسير : ظننت جواز إعانتهم ، أو أنّهم على حقٍّ ولي إعانة المحقّ ، وأمكن تصديقه فإنّه يبلّغ مأمنه ، ثمّ يقاتل كالبغاة .</p><p>الأسرى من أهل الذّمّة إذا أعانوا البغاة : </p><p>44 - إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل الذّمّة ، فوقع أحدٌ منهم في الأسر ، أخذ حكم الباغي عند الحنفيّة ، فلا يقتل إذا لم تكن له فئةٌ ، ويخيّر الإمام إذا كانت له فئةٌ ، ولا يجوز استرقاقه . وقال المالكيّة : إذا استعان الباغي المتأوّل بذمّيٍّ فلا يغرم الذّمّيّ ما أتلفه من نفسٍ أو مالٍ ، ولا يعدّ خروجه معه نقضاً للعهد .</p><p> أمّا إن كان الباغي معانداً - أي غير متأوّلٍ - فإنّ الذّمّيّ الّذي معه يكون ناقضاً للعهد ، ويكون هو وماله فيئاً . وهذا إن كان مختاراً ، أمّا إن كان مكرهاً فلا ينتقض عهده ، وإن قتل نفساً يؤخذ بها ، حتّى لو كان مكرهاً . وقول الشّافعيّة في ذلك كقول المالكيّة . قالوا : لو أعان الذّمّيّون البغاة في القتال ، وهم عالمون بالتّحريم مختارون انتقض عهدهم ، كما لو انفردوا بالقتال . أمّا إن قال الذّمّيّون : كنّا مكرهين ، أو ظننّا جواز القتال إعانةً ، أو ظننّا أنّهم محقّون فيما فعلوه ، وأنّ لنا إعانة المحقّ وأمكن صدقهم ، فلا ينتقض عهدهم ، لموافقتهم طائفةً مسلمةً مع عذرهم ، ويقاتلون كبغاةٍ . ومثلهم في ذلك المستأمنون ، على ما صرّح به الشّافعيّة . وللحنابلة قولان في انتقاض عهدهم ،</p><p> أحدهما : ينتقض عهدهم ، لأنّهم قاتلوا أهل الحقّ فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتلهم . ويصيرون كأهل الحرب في قتل مقبلهم واتّباع مدبرهم وجريحهم .</p><p> والثّاني : لا ينتقض ، لأنّ أهل الذّمّة لا يعرفون المحقّ من المبطل ، فيكون ذلك شبهةً لهم . ويكون حكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم ، والكفّ عن أسرهم ومدبرهم وجريحهم .</p><p> وإن أكرههم البغاة على معونتهم ، أو ادّعوا ذلك قبل منهم ، لأنّهم تحت أيديهم وقدرتهم . وكذلك إن قالوا : ظننّا أنّ من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته ، لأنّ ما ادّعوه محتملٌ ، فلا ينتقض عهدهم مع الشّبهة . وإن فعل ذلك المستأمنون نقض عهدهم . والفرق بينهما أنّ أهل الذّمّة أقوى حكماً ، لأنّ عهدهم مؤبّدٌ ، ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ، ويلزم الإمام الدّفع عنهم ، والمستأمنون بخلاف ذلك . وإذا أسر من يراد عقد الإمامة له ، وكان لا يقدر على الخلاص من الأسر ، منع ذلك من عقد الإمامة له .</p><p>أسرى الحرابة : </p><p>45 - المحاربون طائفةٌ من أهل الفساد ، اجتمعت على شهر السّلاح وقطع الطّريق ، ويجوز حبس من أسر منهم لاستبراء حاله ، ومن ظفر بالمحارب فلا يلي قتله ، ويرفعه إلى الإمام . قال المالكيّة : إلاّ أن يخاف ألاّ يقيم الإمام عليه الحكم .</p><p> ولا يجوز للإمام تأمينه ، وإن استحقّوا الهزيمة فجريحهم أسيرٌ ، والحكم فيهم للإمام ، مسلمين كانوا أو ذمّيّين عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وأحد قولين عند الحنابلة . وكذلك المستأمن عند أبي يوسف والأوزاعيّ . وموضع بيان ذلك مصطلح ( حرابةٌ ) .</p><p>أسرى المرتدّين وما يتعلّق بهم من أحكامٍ :</p><p>46 - الرّدّة في اللّغة : الرّجوع ، فيقال : ارتدّ عن دينه إذا كفر بعد إسلامٍ .</p><p> وتختصّ الرّدّة - في الاصطلاح الفقهيّ - بالكفر بعد الإسلام . وكلّ مسلمٍ ارتدّ فإنّه يقتل إن لم يتب ، إلاّ المرأة عند الحنفيّة فإنّها تحبس ، ولا يترك المرتدّ على ردّته بإعطاء الجزية ولا بأمانٍ ، ولا يجوز استرقاقه حتّى لو أسر بعد أن لحق بدار الحرب ، بخلاف المرأة فإنّها تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، على تفصيلٍ بين المذاهب موضعه مصطلح ( ردّةٌ ) .</p><p>47 - وإذا ارتدّ جمعٌ ، وتجمّعوا وانحازوا في دارٍ ينفردون بها عن المسلمين ، حتّى صاروا فيها ذوي منعةٍ وجب قتالهم على الرّدّة بعد مناظرتهم على الإسلام ، ويستتابون وجوباً عند الحنابلة والشّافعيّة ، واستحباباً عند الحنفيّة ، ويقاتلون قتال أهل الحرب ، ومن أسر منهم قتل صبراً إن لم يتب ، ويصرّح الشّافعيّة بأنّنا نبدؤهم بالقتال إذا امتنعوا بنحو حصنٍ .</p><p> ولا يجوز أن يسترقّ رجالهم ، ولكن تغنم أموالهم ، وتسبى ذراريّهم الّذين حدثوا بعد الرّدّة ، لأنّها دارٌ تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حربٍ ، ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة ، ولا يصالحوا على مالٍ يقرّون به على ردّتهم ، بخلاف أهل الحرب .</p><p> وقد سبى أبو بكرٍ رضي الله عنه ذراريّ من ارتدّ من العرب من بني حنيفة وغيرهم ، وسبى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بني ناجية . وإن أسلموا حقنت دماؤهم ، ومضى فيهم حكم السّباء على الصّبيان والنّساء ، فأمّا الرّجال فأحرارٌ لا يسترقّون ، وليس على الرّجال من أهل الرّدّة سبيٌ ولا جزيةٌ ، إنّما هو القتل أو الإسلام . وإن ترك الإمام السّباء وأطلقهم وعفا عنهم وترك لهم أرضهم وأموالهم فهو في سعةٍ .</p><p>48 - ويصرّح المالكيّة بعدم استتابة المرتدّين إن حاربوا بأرض الكفر أو بأرض الإسلام ، يقول ابن رشدٍ : إذا حارب المرتدّ ثمّ ظهر عليه فإنّه يقتل بالحرابة ، ولا يستتاب ، كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب إلاّ أن يسلم ، فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالكٍ كالحربيّ يسلم ، لا تباعة عليه في شيءٍ ممّا فعل في حال ارتداده . وأمّا إن كان حرابته في دار الإسلام فإنّه يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصّةً . وعن ابن القاسم قال : إذا ارتدّ جماعةٌ في حصنٍ فإنّهم يقاتلون ، وأموالهم فيءٌ للمسلمين ، ولا تسبى ذراريّهم . وقال أصبغ : تسبى ذراريّهم وتقسم أموالهم . وهذا الّذي خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبي بكرٍ رضي الله عنهما في الّذين ارتدّوا من العرب ، فقد سبى أبو بكرٍ النّساء والصّغار ، وأجرى المقاسمة في أموالهم ، فلمّا ولي عمر نقض ذلك .</p><p>49 - ويتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الأسير المرتدّ يقتل إن لم يتب ويعد إلى الإسلام ، ولا فرق بين رجلٍ وامرأةٍ عند الأئمّة الثّلاثة . وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعليٍّ ، وبه قال الحسن والزّهريّ والنّخعيّ ومكحولٌ ، لعموم حديث : « من بدّل دينه فاقتلوه » .</p><p>50 - ويرى الحنفيّة أنّ المرأة لا تقتل ، وإنّما تحبس حتّى تتوب .</p><p> أمّا لو كانت المرأة تقاتل ، أو كانت ذات رأيٍ فإنّها تقتل اتّفاقاً . لكنّها عند الحنفيّة تقتل لا لردّتها ، بل لأنّها تسعى بالفساد .</p><p> ويستدلّ الحنفيّة على عدم قتل المرأة المرتدّة إذا أخذت سبياً بما روي من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « الحق بخالد بن الوليد ، فلا يقتلنّ ذرّيّةً ولا عسيفاً » ، ولا فرق بين الكفر الأصليّ والكفر الطّارئ ، فإنّ الحربيّة إذا سبيت لا تقتل .</p><p>51 - ويتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّه لا يجوز أخذ الفداء من الأسرى المرتدّين ، ولا المنّ عليهم بأمانٍ مؤقّتٍ أو أمانٍ مؤبّدٍ ، ولا يترك على ردّته بإعطاء الجزية . كما يتّفقون على أنّ المرتدّ من الرّجال لا يجري فيه إلاّ : العودة إلى الإسلام أو القتل ، لأنّ قتل المرتدّ على ردّته حدٌّ ، ولا يترك إقامة الحدّ لمنفعة الأفراد .</p><p>52 - والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الرّقّ لا يجري على المرتدّة أيضاً ، وإن لحقت بدار الحرب ، لأنّه لا يجوز إمرار أحدٍ من المرتدّين على الكفر بالاسترقاق ، بينما يرى الحنفيّة أنّ المرتدّة تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، ولا تسترقّ في دار الإسلام ، كما في ظاهر الرّواية ، وعن أبي حنيفة في النّوادر : أنّها تسترقّ في دار الإسلام أيضاً .</p><p> وقالوا في تعليل ذلك : إنّه لم يشرع قتلها ، ولا يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلاّ مع الجزية أو مع الرّقّ ، ولا جزية على النّساء ، فكان إبقاؤها على الرّقّ أنفع .</p><p> وقد استرق الصّحابة نساء من ارتدّ .</p><p>53 - وبالنّسبة لأصحاب الأعذار من الأسرى المرتدّين ، فإنّهم يقتلون أيضاً . ونقل السّرخسيّ قولاً بأنّ حلول الآفة بمنزلة الأنوثة ، لأنّه تخرج به بنيته ( هيئته وجسمه ) من أن تكون صالحةً للقتال ، فعلى هذا لا يقتلون بعد الرّدّة ، كما لا يقتلون في الكفر الأصليّ . وعلى قول من يرى وجوب قتل المرتدّة - إذا كانت الأسيرة المرتدّة ذات زوجٍ ، وهي من ذوات الحيض - فإنّها تستبرأ بحيضةٍ قبل قتلها خشية أن تكون حاملاً ، فإن ظهر بها حملٌ أخّرت حتّى تضع ، فإن كانت ممّن لا تحيض استبرئت بثلاثة أشهرٍ إن كانت ممّن يتوقّع حملها ، وإلاّ قتلت بعد الاستتابة .</p><p>أسرى المسلمين في يد الأعداء :</p><p> استئسار المسلم وما ينبغي لاستنقاذه عند تترّس الكفّار به : </p><p> أ - الاستئسار : </p><p>54 - الاستئسار هو تسليم الجنديّ نفسه للأسر ، فقد يجد الجنديّ نفسه مضطرّاً لذلك .</p><p> وقد وقع الاستئسار من بعض المسلمين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعلم به الرّسول صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم . روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده قال : « بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشرةً رهطاً عيناً ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابتٍ الأنصاريّ ، فانطلقوا حتّى إذا كانوا بالهدأة - موضعٌ بين عسفان ومكّة - ذكروا لبني لحيان ، فنفروا لهم قريباً من مائتي رجلٍ كلّهم رامٍ ، فاقتصّوا أثرهم ، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابه لجئوا إلى فدفدٍ - موضعٍ غليظٍ مرتفعٍ - وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا وأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق ألاّ نقتل منكم أحداً ، قال عاصمٌ : أمّا أنا فواللّه لا أنزل اليوم في ذمّة كافرٍ ، اللّهمّ خبّر عنّا نبيّك ، فرموهم بالنّبل فقتلوا عاصماً في سبعةٍ ، فنزل إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق ، منهم خبيبٌ الأنصاريّ ، وزيد بن الدّثنة ، ورجلٌ آخر . فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فأوثقوهم ، فقال الرّجل الثّالث : هذا أوّل الغدر ، واللّه لا أصحبكم ، إنّ لي في هؤلاء لأسوةً - يريد القتلى - فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم - أي مارسوه وخادعوه ليتبعهم - فأبى فقتلوه ، وانطلقوا بخبيبٍ وابن الدّثنة حتّى باعوهما بمكّة ... » فعلم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما حدث ، وعدم إنكاره يدلّ على أنّ الاستئسار في هذه الحالة مرخّصٌ فيه ، وقال الحسن : لا بأس أن يستأسر الرّجل إذا خاف أن يغلب . وإلى هذا اتّجه كلٌّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .</p><p>55 - وقد نصّ الشّافعيّة على شروطٍ يلزم توافرها لجواز الاستئسار هي : أن يخاف أن يترتّب على عدم الاستسلام قتله في الحال ، وألاّ يكون المستسلم إماماً ، أو عنده من الشّجاعة ما يمكنه من الصّمود ، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة . والأولى - كما نصّ عليه الحنابلة - إذا ما خشي المسلم الوقوع في الأسر أن يقاتل حتّى يقتل ، ولا يسلم نفسه للأسر ، لأنّه يفوز بثواب الدّرجة الرّفيعة ، ويسلم من تحكّم الكفّار عليه بالتّعذيب والاستخدام والفتنة ، وإن استأسر جاز ، لما روي عن أبي هريرة في الحديث المتقدّم .</p><p>ب- استنقاذ أسرى المسلمين ومفاداتهم : </p><p>56 - إذا وقع المسلم أسيراً فهو حرٌّ على حاله ، وكان في ذمّة المسلمين ، يلزمهم العمل على خلاصه ، ولو بتيسير سبل الفرار له ، والتّفاوض من أجل إطلاق سراحه ، فإذا لم يطلقوا سراحه تربّصوا لذلك . وقد كان الرّسول صلوات الله وسلامه عليه يتحيّن الفرصة المناسبة لتخليص الأسرى . روت كتب السّيرة أنّ « قريشاً أسرت نفراً من المسلمين ، فلمّا لم يجد الرّسول صلى الله عليه وسلم حيلةً لإنقاذهم كان يدعو اللّه لإنقاذهم دبر كلّ صلاةٍ ، ولمّا أفلت أحدهم من الأسر ، وقدم المدينة ، سأله النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفيقيه فقال : أنا لك بهما يا رسول اللّه ، فخرج إلى مكّة فدخلها مستخفياً ، فلقي امرأةً علم أنّها تحمل الطّعام لهما في الأسر فتبعها ، حتّى استطاع تخليصهما ، وقدم بهما على الرّسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة » .« وقد استنقذ رسول اللّه كلاًّ من سعد بن أبي وقّاصٍ وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما ، وقد أسرهما المشركون ، بأن فاوض عليهما ، وحبس اثنين منهم حتّى يطلقوا سراحهما »،« وكذلك فعل في استنقاذ عثمان وعشرةٍ من المهاجرين رضي الله عنهم بعد صلح الحديبية ». وقد روى سعيدٌ بإسناده أنّ رسول اللّه قال : « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسراهم » . ويروى أنّ عمر بن الخطّاب قال : لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفّار أحبّ إليّ من جزيرة العرب .</p><p>57 - ويجب استنقاذ الأسرى بالمقاتلة ما دام ذلك ميسوراً ، فإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الأموال والذّراريّ والنّساء ، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين ، ولهم عليهم قوّةٌ ، فالواجب عليهم أن يتّبعوهم ما داموا في دار الإسلام ، فإن دخلوا بهم دار الحرب ، فالواجب على المسلمين أن يتّبعوهم إذا غلب على رأيهم أنّهم يقدرون على استنقاذهم ، فإن شقّ عليهم القتال لتخليصهم فتركوه كانوا في سعةٍ من ذلك ، فإنّا نعلم أنّ في يد الكفّار بعض أسارى المسلمين ، ولا يجب على كلّ واحدٍ منّا الخروج لقتالهم لاستنقاذ الأسرى .</p><p>58 - والاستنقاذ إذا لم يتيسّر عن طريق القتال فإنّه يصحّ أن يكون عن طريق الفداء بتبادل الأسرى ، على ما سبق بيان القول فيه ، كما يصحّ أن يكون بالمال أيضاً ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أطعموا الجائع ، وعودوا المريض ، وفكّوا العاني » لأنّ ما يخاف من تعذيب الأسير أعظم في الضّرورة من بذل المال ، فجاز دفع أعظم الضّررين بأخفّهما . والحنفيّة على وجوب ذلك في بيت المال ، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه . ونقل أبو يوسف عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال : " كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه في بيت مال المسلمين " . وهو ما ذهب إليه المالكيّة ، كما نقله الموّاق عن ابن بشيرٍ من أنّه يجب في بيت المال ، فإن تعذّر فعلى عموم المسلمين ، والأسير كأحدهم ، فإن ضيّع الإمام والمسلمون ذلك وجب على الأسير من ماله ، وهو ما رواه ابن رشدٍ أيضاً .</p><p> وفي المهذّب أنّه وجهٌ عند الشّافعيّة . والوجه الثّاني عند الشّافعيّة : أنّ بذل المال لفكّ أسرى المسلمين - إن خيف تعذيبهم - جائزٌ عند الضّرورة ، ويكون في مالهم ، ويندب عند العجز افتداء الغير له ، فمن قال لكافرٍ : أطلق هذا الأسير ، وعليّ كذا ، فأطلقه لزمه ، ولا يرجع على الأسير ما لم يأذن له في فدائه .</p><p>61 - وأسر المسلم الحرّ لا يزيل حرّيّته ، فمن اشتراه من العدوّ لا يملكه ، وإن اشتراه مسلمٌ بغير أمره فهو متطوّعٌ فيما أدّى من فدائه ، وإن اشتراه بأمره فإنّه يرجع عليه بالثّمن الّذي اشتراه به ، والقياس لا يرجع عليه إلاّ أن يشترط ذلك نصّاً .</p><p> ويرى المالكيّة - كما يروي الموّاق - أنّ للمشتريّ أن يرجع عليه ، شاء أو أبى ، لأنّه فداءٌ ، فإن لم يكن له شيءٌ اتّبع به في ذمّته . ولو كان له مالٌ وعليه دينٌ ، فالّذي فداه واشتراه من العدوّ أحقّ به من غرمائه . أمّا إن كان يقصد الصّدقة ، أو كان الفداء من بيت المال فلا يرجع عليه ، وكذا إن كان الأسير يرجو الخلاص بالهروب أو التّرك .</p><p>62 - ولو خلّى الكفّار الأسير ، واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه ، أو يعود إليهم ، فإن كان هذا نتيجة إكراهٍ لم يلزمه الوفاء ، وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء لزمه ، وبهذا قال عطاءٌ والحسن والزّهريّ والنّخعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ ، لوجوب الوفاء ، ولأنّ فيه مصلحة الأسارى ، وفي الغدر مفسدةٌ في حقّهم . وقال الشّافعيّ : لا يلزمه ، لأنّه حرٌّ لا يستحقّون بدله . وأمّا إن عجز عن الفداء ، فإن كانت امرأةً فإنّه لا يحلّ لها الرّجوع إليهم ، لقوله تعالى { فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار } ، ولأنّ في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً .</p><p> وإن كان رجلاً ، ففي روايةٍ عند الحنابلة لا يرجع ، وهو قول الحسن والنّخعيّ والثّوريّ والشّافعيّ . وفي الرّواية الثّانية عندهم يلزمه ، وهو قول عثمان والزّهريّ والأوزاعيّ ،</p><p>« لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين صالح قريشاً على ردّ من جاء منهم مسلماً أمضى اللّه ذلك في الرّجال ، ونسخه في النّساء ».</p><p>ج - التّترّس بأسارى المسلمين : </p><p>63 - التّرس بضمّ التّاء : ما يتوقّى به في الحرب ، يقال : تترّس بالتّرس إذا توقّى به ، ومن ذلك تترّس المشركين بالأسرى من المسلمين والذّمّيّين في القتال ، لأنّهم يجعلونهم كالتّراس ، فيتّقون بهم هجوم جيش المسلمين عليهم ، لأنّ رمي المشركين - مع تترّسهم بالمسلمين - يؤدّي إلى قتل المسلمين الّذين نحرص على حياتهم وإنقاذهم من الأسر .</p><p> وقد عني الفقهاء بهذه المسألة ، وتناولوها من ناحية جواز الرّمي مع التّترّس بالمسلمين أو الذّمّيّين ، كما تناولوها من ناحية لزوم الكفّارة والدّية ، وإليك اتّجاهات المذاهب في هذا : </p><p> أ - رمي التّرس : </p><p>64 - من ناحية رمي التّرس : يتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان في ترك الرّمي خطرٌ محقّقٌ على جماعة المسلمين ، فإنّه يجوز الرّمي برغم التّترّس ، لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالذّبّ عن بيضة الإسلام ، وقتل الأسير ضررٌ خاصٌّ . ويقصد عند الرّمي الكفّار لا التّرس ، لأنّه إن تعذّر التّمييز فعلاً فقد أمكن قصداً ، ونقل ابن عابدين عن السّرخسيّ أنّ القول للرّامي بيمينه في أنّه قصد الكفّار ، وليس قول وليّ المقتول الّذي يدّعي العمد .</p><p> أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء ، لأنّها حالة ضرورةٍ أيضاً ، وتسقط حرمة التّرس .</p><p> ويقول الصّاويّ المالكيّ : ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين . وفي وجهٍ عند الشّافعيّة لا يجوز ، وعلّلوه بأنّ مجرّد الخوف لا يبيح الدّم المعصوم ، كما أنّه لا يجوز عند المالكيّة إذا كان الخوف على بعض الغازين فقط .</p><p>65 - وأمّا في حالة الحصار الّذي لا خطر فيه على جماعة المسلمين ، لكن لا يقدر على الحربيّين إلاّ برمي التّرس ، فجمهور الفقهاء من المالكيّة ، والشّافعيّة ، وجمهور الحنابلة ، والحسن بن زيادٍ من الحنفيّة على المنع ، لأنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ . ألا يرى أنّ للإمام ألاّ يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر .</p><p> وذهب جمهور الحنفيّة ، والقاضي من الحنابلة إلى جواز رميهم ، وعلّل الحنفيّة ذلك بأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ ، وأنّه قلّما يخلو حصنٌ عن مسلمٍ ، واعتبر القاضي من الحنابلة أنّ ذلك من قبيل الضّرورة .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40898, member: 329"] رجوع الإمام في اختياره : 29 - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض لهذا ، إلاّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ الشّافعيّ من قولة : لم يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ الإمام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها أوّلاً ، ولا إلى أنّ اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو لا . وقال : والّذي يظهر لي في ذلك تفصيلٌ لا بدّ منه ، فلو اختار خصلةً وظهر له بالاجتهاد أنّها الأحظّ ، ثمّ ظهر له أنّ الأحظّ غيرها ، فإن كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، لأنّ الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم ، وإن كان قتلاً جاز له الرّجوع عنه ، تغليباً لحقن الدّماء ما أمكن ، وإن كان فداءً أو منّاً لم يعمل بالثّاني ، لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجبٍ ، إلاّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ثمّ زال السّبب ، وتعيّنت المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته . وليس هذا نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ، بل بما يشبه النّصّ ، لزوال موجبه الأوّل بالكلّيّة . ما يكون به الاختيار : 30 - وأمّا توقّف الاختيار على لفظٍ ، فإنّ الاسترقاق لا بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عليه ، ولا يكفي فيه مجرّد الفعل ، وكذا الفداء ، نعم يكفي فيه لفظٌ ملتزمٌ البدل مع قبض الإمام له من غير لفظٍ ، بخلاف الخصلتين الأخريين لحصولهما بمجرّد الفعل . إسلام الأسير : 31 - إذا أسلم الأسير بعد أسره وقبل قضاء الإمام فيه القتل أو المنّ أو الفداء ، فإنّه لا يقتل إجماعاً ، لأنّه بالإسلام قد عصم دمه . أمّا استرقاقه ففيه رأيان : فالجمهور ، وقولٌ للشّافعيّة ، واحتمالٌ للحنابلة أنّ الإمام فيه مخيّرٌ فيما عدا القتل ، لأنّه لمّا سقط القتل بإسلامه بقيت باقي الخصال . والقول الظّاهر للحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة أنّه يتعيّن استرقاقه ، لأنّ سبب الاسترقاق قد انعقد بالأسر قبل إسلامه ، فصار كالنّساء والذّراريّ ، فيتعيّن استرقاقه فقط ، فلا منّ ولا فداء ، ولكن يجوز أن يفادي به لتخليصه من الرّقّ . أموال الأسير : 32 - الحكم في مال الأسير مبنيٌّ على الحكم في نفسه ، فلا عصمة له على ماله وما معه ، فهو فيءٌ لكلّ المسلمين ما دام أسر بقوّة الجيش ، أو كان الأسر مستنداً لقوّة الجيش ، ولو أسلم بعد أسره واسترقّ تبعه ماله ، أمّا لو كان إسلامه في دار الحرب قبل أخذه ، ولم يخرج إلينا حتّى ظهرنا على الدّار ، عصم نفسه وصغاره وكلّ ما في يده من مالٍ ، لحديث « من أسلم على مالٍ فهو له » وذلك باتّفاق المذاهب بالنّسبة للمنقول ، وكذا العقار عند المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة . وقال أبو حنيفة : وخرج عقاره لأنّه في يد أهل الدّار وسلطانها فيكون غنيمةً . وقيل : إنّ محمّداً جعله كسائر ماله . وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر فأصاب شيئاً فله من ذلك الرّبع ، وسمع هذه المقالة أسيرٌ من أهل الحرب ، فخرج فأصاب شيئاً فذلك كلّه للمسلمين ، لأنّ الأسير فيءٌ لهم وكسب العبد لمولاه . 33 - وإذا وقع السّبي في سهم رجلٍ من المسلمين ، فأخرج مالاً كان معه لم يعلم به ، فينبغي للّذي وقع في سهمه أن يردّه في الغنيمة ، لأنّ الأمير إنّما ملّكه بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال ، فإنّ ذلك لم يكن معلوماً له ، وهو مأمورٌ بالعدل في القسمة ، وإنّما يتحقّق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلاّ ما كان معلوماً . ويروى أنّ رجلاً اشترى جاريةً من المغنم ، فلمّا رأت أنّها قد خلصت له أخرجت حليّاً كان معها ، فقال الرّجل : ما أدري هذا ؟ وأتى سعد بن أبي وقّاصٍ فأخبره فقال : اجعله في غنائم المسلمين . لأنّ المال الّذي مع الأسير كان غنيمةً ، وفعل الأمير تناول الرّقبة دون المال ، فبقي المال غنيمةً . وهذا الحكم يصدق أيضاً على الدّيون والودائع الّتي له لدى مسلمٍ أو ذمّيٍّ . فإن كانت لدى حربيٍّ فهي فيءٌ للغانمين . 34 - وإذا كان على الأسير دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ قضي من ماله الّذي لم يغنم قبل استرقاقه ، فإنّ حقّ الدّين مقدّمٌ على حقّ الغنيمة ، إلاّ إذا سبق الاغتنام رقّه . ولو وقعا معاً فالظّاهر - على ما قال الغزاليّ من الشّافعيّة - تقديم الغنيمة ، فإن لم يكن مالٌ فهو في ذمّته إلى أن يعتق . بم يعرف إسلامه : 35 - روي أنّه لمّا أسر المسلمون بعض المشركين وتكلّم بعضهم بالإسلام دون اعترافٍ جازمٍ ، بيّن اللّه أمرهم بقوله : { يا أيّها النّبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً ممّا أخذ منكم ويغفر لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم } . وإذا كان القرآن كشف نيّات بعض الأسرى لرسوله ، فإنّ المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه النّيّات ، ولقد حدّث المقداد بن الأسود أنّه قال :« يا رسول اللّه ، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فقاتلني ، فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها ، ثمّ لاذ منّي بشجرةٍ فقال : أسلمت للّه ، أفأقتله يا رسول اللّه بعد أن قالها ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله . قال فقلت : يا رسول اللّه إنّه قطع يدي ، ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال » . وبمثل ذلك قال الرّسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيدٍ فيما رواه مسلمٌ : « أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم لا » . ولذا فإنّ الفقهاء قالوا : لو أنّ المسلمين أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا قتلهم ، فقال رجلٌ منهم : أنا مسلمٌ ، فلا ينبغي لهم أن يقتلوه حتّى يسألوه عن الإسلام ، فإن وصفه لهم فهو مسلمٌ ، وإن أبى أن يصفه فإنّه ينبغي للمسلمين أن يصفوه له ، ثمّ يقولوا له : هل أنت على هذا ؟ فإن قال : نعم ، فهو مسلمٌ ، ولو قال : لست بمسلمٍ ولكن ادعوني إلى الإسلام حتّى أسلم لم يحلّ قتله . أسرى البغاة : 36 - البغي في اللّغة : مصدر بغى ، وهو بمعنى علا وظلم وعدل عن الحقّ واستطال . ومنه قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه } . والبغاة في الاصطلاح : هم الخارجون على الإمام الحقّ بغير حقٍّ ولهم منعةٌ . ويجب قتالهم لردعهم لا لقتلهم وسنتصدّى للكلام عن حكم أسراهم . 37 - أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة الإسلاميّة معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن المحاربة ، وردّهم إلى الحقّ ، لا لكفرهم . روي عن ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال : فقلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : لا يتبع مدبرهم ، ولا يذفّف على جريحهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يقسم فيؤهم » . 38 - وقد اتّفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء البغاة وذراريّهم . بل ذهب بعض الفقهاء إلى قصر الأسر على الرّجال المقاتلين وتخلية سبيل الشّيوخ والصّبية ، وقد روي أنّ عليّاً رضي الله عنه لمّا وقع القتال بينه وبين معاوية ، قرّر عليٌّ عدم السّبي وعدم أخذ الغنيمة ، فاعترض عليه بعض من كانوا في صفوفه ، فقال ابن عبّاسٍ لهم : أفتسبون أمّكم عائشة ؟ أم تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها . فإن قلتم ليست أمّكم كفرتم ، لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } وإن قلتم : إنّها أمّكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم ، لقوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } . فلا يستباح منهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ويبقى حكم المال والذّرّيّة على أصل العصمة . ولفقهاء المذاهب تفصيلٌ في حكم أسرى البغاة . 39 - ويتّفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى البغاة ، لأنّ الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ، وقد روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل :" لا يقتل أسيرهم ، ولا يكشف سترٌ ، ولا يؤخذ مالٌ " أي لا يسترقّون ولذا فإنّه لا تسبى نساؤهم ولا ذراريّهم . والأصل أنّ أسيرهم لا يقتل لأنّه مسلمٌ ، وقد نصّ على تحريم ذلك كلٌّ من الشّافعيّة والحنابلة ، حتّى قال الحنابلة : وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أساراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، ويتّجه المالكيّة وجهة الشّافعيّة والحنابلة في عدم قتل الأسرى . غير أنّه جاء في بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل . وقيل : يؤدّب ولا يقتل وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله . ولو كانوا جماعةً ، إذا خاف أن يكون منهم ضررٌ . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين ما إذا كان لأسرى البغاة فئةٌ ، وبين ما إذا لم تكن لهم فئةٌ ، فقالوا : لو كان للبغاة فئةٌ أجهز على جريحهم ، واتّبع هاربهم لقتله أو أسره ، فإن لم يكن له فئةٌ فلا ، والإمام بالخيار في أسرهم إن كان له فئةٌ : إن شاء قتله لئلاّ ينفلت ويلحق بهم ، وإن شاء حبسه حتّى يتوب أهل البغي ، قال الشرنبلالي : وهو الحسن ، لأنّ شرّه يندفع بذلك ، وقالوا : إنّ ما قاله عليٌّ رضي الله عنه من عدم قتل الأسير مؤوّلٌ بما إذا لم يكن لهم فئةٌ ، وقالوا : إنّ عليّاً كان إذا أخذ أسيراً استحلفه ألاّ يعين عليه وخلاّه ، أمّا إذا لم تكن لهم فئةٌ فلا يقتل أسيرهم . والمرأة من أهل البغي إذا أسرت وكانت تقاتل حبست ولا تقتل ، إلاّ في حال مقاتلتها . وكذا العبيد والصّبيان . 40 - ويتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز فداؤهم نظير مالٍ ، وإنّما إذا تركهم مع الأمن كان مجّاناً ، لأنّ الإسلام يعصم النّفس والمال ، كما أنّه لا يجوز للإمام موادعتهم على مالٍ ، وإن وادعهم على مالٍ بطلت الموادعة ونظر في المال ، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يردّه عليهم ، وصرف الصّدقات في أهلها ، والفيء في مستحقّيه ، وإن كان من خالص أموالهم وجب ردّه عليهم . 41 - ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ، ليتوصّلوا إلى تخليص أساراهم ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ويطلقون ، لأنّ المترتّب في أسارى أهل العدل لغيرهم . 42 - وعلى ما سبق من عدم جواز قتلهم ، فإنّهم يحبسون ولا يخلّى سبيلهم ، إن كان فيهم منعةٌ ، ولو كان الأسير صبيّاً أو امرأةً أو عبداً إن كانوا مقاتلين ، وإلاّ أطلقوا بمجرّد انقضاء الحرب ، وينبغي عرض التّوبة عليهم ومبايعة الإمام . ولو كانوا مراهقين وعبيداً ونساءً غير مقاتلين أو أطفالاً أطلقوا بعد الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة الإمام . وفي وجهٍ عند الحنابلة يحبسون ، لأنّ فيه كسراً لقلوب البغاة . وقالوا : إن بطلت شوكتهم ويخاف اجتماعهم في الحال ، فالصّواب عدم إرسال أسيرهم والحالة هذه . أسرى الحربيّين إذا أعانوا البغاة : 43 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا استعان البغاة على قتالنا بقومٍ من أهل الحرب وأمّنوهم ، أو لم يؤمنوهم ، فظهر أهل العدل عليهم ، فوقعوا في الأسر عند أهل العدل ، أخذوا حكم أسرى أهل الحرب ، واستثنى الشّافعيّة ما إذا قال الأسير : ظننت جواز إعانتهم ، أو أنّهم على حقٍّ ولي إعانة المحقّ ، وأمكن تصديقه فإنّه يبلّغ مأمنه ، ثمّ يقاتل كالبغاة . الأسرى من أهل الذّمّة إذا أعانوا البغاة : 44 - إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل الذّمّة ، فوقع أحدٌ منهم في الأسر ، أخذ حكم الباغي عند الحنفيّة ، فلا يقتل إذا لم تكن له فئةٌ ، ويخيّر الإمام إذا كانت له فئةٌ ، ولا يجوز استرقاقه . وقال المالكيّة : إذا استعان الباغي المتأوّل بذمّيٍّ فلا يغرم الذّمّيّ ما أتلفه من نفسٍ أو مالٍ ، ولا يعدّ خروجه معه نقضاً للعهد . أمّا إن كان الباغي معانداً - أي غير متأوّلٍ - فإنّ الذّمّيّ الّذي معه يكون ناقضاً للعهد ، ويكون هو وماله فيئاً . وهذا إن كان مختاراً ، أمّا إن كان مكرهاً فلا ينتقض عهده ، وإن قتل نفساً يؤخذ بها ، حتّى لو كان مكرهاً . وقول الشّافعيّة في ذلك كقول المالكيّة . قالوا : لو أعان الذّمّيّون البغاة في القتال ، وهم عالمون بالتّحريم مختارون انتقض عهدهم ، كما لو انفردوا بالقتال . أمّا إن قال الذّمّيّون : كنّا مكرهين ، أو ظننّا جواز القتال إعانةً ، أو ظننّا أنّهم محقّون فيما فعلوه ، وأنّ لنا إعانة المحقّ وأمكن صدقهم ، فلا ينتقض عهدهم ، لموافقتهم طائفةً مسلمةً مع عذرهم ، ويقاتلون كبغاةٍ . ومثلهم في ذلك المستأمنون ، على ما صرّح به الشّافعيّة . وللحنابلة قولان في انتقاض عهدهم ، أحدهما : ينتقض عهدهم ، لأنّهم قاتلوا أهل الحقّ فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتلهم . ويصيرون كأهل الحرب في قتل مقبلهم واتّباع مدبرهم وجريحهم . والثّاني : لا ينتقض ، لأنّ أهل الذّمّة لا يعرفون المحقّ من المبطل ، فيكون ذلك شبهةً لهم . ويكون حكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم ، والكفّ عن أسرهم ومدبرهم وجريحهم . وإن أكرههم البغاة على معونتهم ، أو ادّعوا ذلك قبل منهم ، لأنّهم تحت أيديهم وقدرتهم . وكذلك إن قالوا : ظننّا أنّ من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته ، لأنّ ما ادّعوه محتملٌ ، فلا ينتقض عهدهم مع الشّبهة . وإن فعل ذلك المستأمنون نقض عهدهم . والفرق بينهما أنّ أهل الذّمّة أقوى حكماً ، لأنّ عهدهم مؤبّدٌ ، ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ، ويلزم الإمام الدّفع عنهم ، والمستأمنون بخلاف ذلك . وإذا أسر من يراد عقد الإمامة له ، وكان لا يقدر على الخلاص من الأسر ، منع ذلك من عقد الإمامة له . أسرى الحرابة : 45 - المحاربون طائفةٌ من أهل الفساد ، اجتمعت على شهر السّلاح وقطع الطّريق ، ويجوز حبس من أسر منهم لاستبراء حاله ، ومن ظفر بالمحارب فلا يلي قتله ، ويرفعه إلى الإمام . قال المالكيّة : إلاّ أن يخاف ألاّ يقيم الإمام عليه الحكم . ولا يجوز للإمام تأمينه ، وإن استحقّوا الهزيمة فجريحهم أسيرٌ ، والحكم فيهم للإمام ، مسلمين كانوا أو ذمّيّين عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وأحد قولين عند الحنابلة . وكذلك المستأمن عند أبي يوسف والأوزاعيّ . وموضع بيان ذلك مصطلح ( حرابةٌ ) . أسرى المرتدّين وما يتعلّق بهم من أحكامٍ : 46 - الرّدّة في اللّغة : الرّجوع ، فيقال : ارتدّ عن دينه إذا كفر بعد إسلامٍ . وتختصّ الرّدّة - في الاصطلاح الفقهيّ - بالكفر بعد الإسلام . وكلّ مسلمٍ ارتدّ فإنّه يقتل إن لم يتب ، إلاّ المرأة عند الحنفيّة فإنّها تحبس ، ولا يترك المرتدّ على ردّته بإعطاء الجزية ولا بأمانٍ ، ولا يجوز استرقاقه حتّى لو أسر بعد أن لحق بدار الحرب ، بخلاف المرأة فإنّها تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، على تفصيلٍ بين المذاهب موضعه مصطلح ( ردّةٌ ) . 47 - وإذا ارتدّ جمعٌ ، وتجمّعوا وانحازوا في دارٍ ينفردون بها عن المسلمين ، حتّى صاروا فيها ذوي منعةٍ وجب قتالهم على الرّدّة بعد مناظرتهم على الإسلام ، ويستتابون وجوباً عند الحنابلة والشّافعيّة ، واستحباباً عند الحنفيّة ، ويقاتلون قتال أهل الحرب ، ومن أسر منهم قتل صبراً إن لم يتب ، ويصرّح الشّافعيّة بأنّنا نبدؤهم بالقتال إذا امتنعوا بنحو حصنٍ . ولا يجوز أن يسترقّ رجالهم ، ولكن تغنم أموالهم ، وتسبى ذراريّهم الّذين حدثوا بعد الرّدّة ، لأنّها دارٌ تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حربٍ ، ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة ، ولا يصالحوا على مالٍ يقرّون به على ردّتهم ، بخلاف أهل الحرب . وقد سبى أبو بكرٍ رضي الله عنه ذراريّ من ارتدّ من العرب من بني حنيفة وغيرهم ، وسبى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بني ناجية . وإن أسلموا حقنت دماؤهم ، ومضى فيهم حكم السّباء على الصّبيان والنّساء ، فأمّا الرّجال فأحرارٌ لا يسترقّون ، وليس على الرّجال من أهل الرّدّة سبيٌ ولا جزيةٌ ، إنّما هو القتل أو الإسلام . وإن ترك الإمام السّباء وأطلقهم وعفا عنهم وترك لهم أرضهم وأموالهم فهو في سعةٍ . 48 - ويصرّح المالكيّة بعدم استتابة المرتدّين إن حاربوا بأرض الكفر أو بأرض الإسلام ، يقول ابن رشدٍ : إذا حارب المرتدّ ثمّ ظهر عليه فإنّه يقتل بالحرابة ، ولا يستتاب ، كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب إلاّ أن يسلم ، فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالكٍ كالحربيّ يسلم ، لا تباعة عليه في شيءٍ ممّا فعل في حال ارتداده . وأمّا إن كان حرابته في دار الإسلام فإنّه يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصّةً . وعن ابن القاسم قال : إذا ارتدّ جماعةٌ في حصنٍ فإنّهم يقاتلون ، وأموالهم فيءٌ للمسلمين ، ولا تسبى ذراريّهم . وقال أصبغ : تسبى ذراريّهم وتقسم أموالهم . وهذا الّذي خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبي بكرٍ رضي الله عنهما في الّذين ارتدّوا من العرب ، فقد سبى أبو بكرٍ النّساء والصّغار ، وأجرى المقاسمة في أموالهم ، فلمّا ولي عمر نقض ذلك . 49 - ويتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الأسير المرتدّ يقتل إن لم يتب ويعد إلى الإسلام ، ولا فرق بين رجلٍ وامرأةٍ عند الأئمّة الثّلاثة . وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعليٍّ ، وبه قال الحسن والزّهريّ والنّخعيّ ومكحولٌ ، لعموم حديث : « من بدّل دينه فاقتلوه » . 50 - ويرى الحنفيّة أنّ المرأة لا تقتل ، وإنّما تحبس حتّى تتوب . أمّا لو كانت المرأة تقاتل ، أو كانت ذات رأيٍ فإنّها تقتل اتّفاقاً . لكنّها عند الحنفيّة تقتل لا لردّتها ، بل لأنّها تسعى بالفساد . ويستدلّ الحنفيّة على عدم قتل المرأة المرتدّة إذا أخذت سبياً بما روي من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « الحق بخالد بن الوليد ، فلا يقتلنّ ذرّيّةً ولا عسيفاً » ، ولا فرق بين الكفر الأصليّ والكفر الطّارئ ، فإنّ الحربيّة إذا سبيت لا تقتل . 51 - ويتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّه لا يجوز أخذ الفداء من الأسرى المرتدّين ، ولا المنّ عليهم بأمانٍ مؤقّتٍ أو أمانٍ مؤبّدٍ ، ولا يترك على ردّته بإعطاء الجزية . كما يتّفقون على أنّ المرتدّ من الرّجال لا يجري فيه إلاّ : العودة إلى الإسلام أو القتل ، لأنّ قتل المرتدّ على ردّته حدٌّ ، ولا يترك إقامة الحدّ لمنفعة الأفراد . 52 - والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الرّقّ لا يجري على المرتدّة أيضاً ، وإن لحقت بدار الحرب ، لأنّه لا يجوز إمرار أحدٍ من المرتدّين على الكفر بالاسترقاق ، بينما يرى الحنفيّة أنّ المرتدّة تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، ولا تسترقّ في دار الإسلام ، كما في ظاهر الرّواية ، وعن أبي حنيفة في النّوادر : أنّها تسترقّ في دار الإسلام أيضاً . وقالوا في تعليل ذلك : إنّه لم يشرع قتلها ، ولا يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلاّ مع الجزية أو مع الرّقّ ، ولا جزية على النّساء ، فكان إبقاؤها على الرّقّ أنفع . وقد استرق الصّحابة نساء من ارتدّ . 53 - وبالنّسبة لأصحاب الأعذار من الأسرى المرتدّين ، فإنّهم يقتلون أيضاً . ونقل السّرخسيّ قولاً بأنّ حلول الآفة بمنزلة الأنوثة ، لأنّه تخرج به بنيته ( هيئته وجسمه ) من أن تكون صالحةً للقتال ، فعلى هذا لا يقتلون بعد الرّدّة ، كما لا يقتلون في الكفر الأصليّ . وعلى قول من يرى وجوب قتل المرتدّة - إذا كانت الأسيرة المرتدّة ذات زوجٍ ، وهي من ذوات الحيض - فإنّها تستبرأ بحيضةٍ قبل قتلها خشية أن تكون حاملاً ، فإن ظهر بها حملٌ أخّرت حتّى تضع ، فإن كانت ممّن لا تحيض استبرئت بثلاثة أشهرٍ إن كانت ممّن يتوقّع حملها ، وإلاّ قتلت بعد الاستتابة . أسرى المسلمين في يد الأعداء : استئسار المسلم وما ينبغي لاستنقاذه عند تترّس الكفّار به : أ - الاستئسار : 54 - الاستئسار هو تسليم الجنديّ نفسه للأسر ، فقد يجد الجنديّ نفسه مضطرّاً لذلك . وقد وقع الاستئسار من بعض المسلمين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعلم به الرّسول صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم . روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده قال : « بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشرةً رهطاً عيناً ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابتٍ الأنصاريّ ، فانطلقوا حتّى إذا كانوا بالهدأة - موضعٌ بين عسفان ومكّة - ذكروا لبني لحيان ، فنفروا لهم قريباً من مائتي رجلٍ كلّهم رامٍ ، فاقتصّوا أثرهم ، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابه لجئوا إلى فدفدٍ - موضعٍ غليظٍ مرتفعٍ - وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا وأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق ألاّ نقتل منكم أحداً ، قال عاصمٌ : أمّا أنا فواللّه لا أنزل اليوم في ذمّة كافرٍ ، اللّهمّ خبّر عنّا نبيّك ، فرموهم بالنّبل فقتلوا عاصماً في سبعةٍ ، فنزل إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق ، منهم خبيبٌ الأنصاريّ ، وزيد بن الدّثنة ، ورجلٌ آخر . فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فأوثقوهم ، فقال الرّجل الثّالث : هذا أوّل الغدر ، واللّه لا أصحبكم ، إنّ لي في هؤلاء لأسوةً - يريد القتلى - فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم - أي مارسوه وخادعوه ليتبعهم - فأبى فقتلوه ، وانطلقوا بخبيبٍ وابن الدّثنة حتّى باعوهما بمكّة ... » فعلم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما حدث ، وعدم إنكاره يدلّ على أنّ الاستئسار في هذه الحالة مرخّصٌ فيه ، وقال الحسن : لا بأس أن يستأسر الرّجل إذا خاف أن يغلب . وإلى هذا اتّجه كلٌّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . 55 - وقد نصّ الشّافعيّة على شروطٍ يلزم توافرها لجواز الاستئسار هي : أن يخاف أن يترتّب على عدم الاستسلام قتله في الحال ، وألاّ يكون المستسلم إماماً ، أو عنده من الشّجاعة ما يمكنه من الصّمود ، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة . والأولى - كما نصّ عليه الحنابلة - إذا ما خشي المسلم الوقوع في الأسر أن يقاتل حتّى يقتل ، ولا يسلم نفسه للأسر ، لأنّه يفوز بثواب الدّرجة الرّفيعة ، ويسلم من تحكّم الكفّار عليه بالتّعذيب والاستخدام والفتنة ، وإن استأسر جاز ، لما روي عن أبي هريرة في الحديث المتقدّم . ب- استنقاذ أسرى المسلمين ومفاداتهم : 56 - إذا وقع المسلم أسيراً فهو حرٌّ على حاله ، وكان في ذمّة المسلمين ، يلزمهم العمل على خلاصه ، ولو بتيسير سبل الفرار له ، والتّفاوض من أجل إطلاق سراحه ، فإذا لم يطلقوا سراحه تربّصوا لذلك . وقد كان الرّسول صلوات الله وسلامه عليه يتحيّن الفرصة المناسبة لتخليص الأسرى . روت كتب السّيرة أنّ « قريشاً أسرت نفراً من المسلمين ، فلمّا لم يجد الرّسول صلى الله عليه وسلم حيلةً لإنقاذهم كان يدعو اللّه لإنقاذهم دبر كلّ صلاةٍ ، ولمّا أفلت أحدهم من الأسر ، وقدم المدينة ، سأله النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفيقيه فقال : أنا لك بهما يا رسول اللّه ، فخرج إلى مكّة فدخلها مستخفياً ، فلقي امرأةً علم أنّها تحمل الطّعام لهما في الأسر فتبعها ، حتّى استطاع تخليصهما ، وقدم بهما على الرّسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة » .« وقد استنقذ رسول اللّه كلاًّ من سعد بن أبي وقّاصٍ وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما ، وقد أسرهما المشركون ، بأن فاوض عليهما ، وحبس اثنين منهم حتّى يطلقوا سراحهما »،« وكذلك فعل في استنقاذ عثمان وعشرةٍ من المهاجرين رضي الله عنهم بعد صلح الحديبية ». وقد روى سعيدٌ بإسناده أنّ رسول اللّه قال : « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسراهم » . ويروى أنّ عمر بن الخطّاب قال : لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفّار أحبّ إليّ من جزيرة العرب . 57 - ويجب استنقاذ الأسرى بالمقاتلة ما دام ذلك ميسوراً ، فإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الأموال والذّراريّ والنّساء ، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين ، ولهم عليهم قوّةٌ ، فالواجب عليهم أن يتّبعوهم ما داموا في دار الإسلام ، فإن دخلوا بهم دار الحرب ، فالواجب على المسلمين أن يتّبعوهم إذا غلب على رأيهم أنّهم يقدرون على استنقاذهم ، فإن شقّ عليهم القتال لتخليصهم فتركوه كانوا في سعةٍ من ذلك ، فإنّا نعلم أنّ في يد الكفّار بعض أسارى المسلمين ، ولا يجب على كلّ واحدٍ منّا الخروج لقتالهم لاستنقاذ الأسرى . 58 - والاستنقاذ إذا لم يتيسّر عن طريق القتال فإنّه يصحّ أن يكون عن طريق الفداء بتبادل الأسرى ، على ما سبق بيان القول فيه ، كما يصحّ أن يكون بالمال أيضاً ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أطعموا الجائع ، وعودوا المريض ، وفكّوا العاني » لأنّ ما يخاف من تعذيب الأسير أعظم في الضّرورة من بذل المال ، فجاز دفع أعظم الضّررين بأخفّهما . والحنفيّة على وجوب ذلك في بيت المال ، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه . ونقل أبو يوسف عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال : " كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه في بيت مال المسلمين " . وهو ما ذهب إليه المالكيّة ، كما نقله الموّاق عن ابن بشيرٍ من أنّه يجب في بيت المال ، فإن تعذّر فعلى عموم المسلمين ، والأسير كأحدهم ، فإن ضيّع الإمام والمسلمون ذلك وجب على الأسير من ماله ، وهو ما رواه ابن رشدٍ أيضاً . وفي المهذّب أنّه وجهٌ عند الشّافعيّة . والوجه الثّاني عند الشّافعيّة : أنّ بذل المال لفكّ أسرى المسلمين - إن خيف تعذيبهم - جائزٌ عند الضّرورة ، ويكون في مالهم ، ويندب عند العجز افتداء الغير له ، فمن قال لكافرٍ : أطلق هذا الأسير ، وعليّ كذا ، فأطلقه لزمه ، ولا يرجع على الأسير ما لم يأذن له في فدائه . 61 - وأسر المسلم الحرّ لا يزيل حرّيّته ، فمن اشتراه من العدوّ لا يملكه ، وإن اشتراه مسلمٌ بغير أمره فهو متطوّعٌ فيما أدّى من فدائه ، وإن اشتراه بأمره فإنّه يرجع عليه بالثّمن الّذي اشتراه به ، والقياس لا يرجع عليه إلاّ أن يشترط ذلك نصّاً . ويرى المالكيّة - كما يروي الموّاق - أنّ للمشتريّ أن يرجع عليه ، شاء أو أبى ، لأنّه فداءٌ ، فإن لم يكن له شيءٌ اتّبع به في ذمّته . ولو كان له مالٌ وعليه دينٌ ، فالّذي فداه واشتراه من العدوّ أحقّ به من غرمائه . أمّا إن كان يقصد الصّدقة ، أو كان الفداء من بيت المال فلا يرجع عليه ، وكذا إن كان الأسير يرجو الخلاص بالهروب أو التّرك . 62 - ولو خلّى الكفّار الأسير ، واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه ، أو يعود إليهم ، فإن كان هذا نتيجة إكراهٍ لم يلزمه الوفاء ، وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء لزمه ، وبهذا قال عطاءٌ والحسن والزّهريّ والنّخعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ ، لوجوب الوفاء ، ولأنّ فيه مصلحة الأسارى ، وفي الغدر مفسدةٌ في حقّهم . وقال الشّافعيّ : لا يلزمه ، لأنّه حرٌّ لا يستحقّون بدله . وأمّا إن عجز عن الفداء ، فإن كانت امرأةً فإنّه لا يحلّ لها الرّجوع إليهم ، لقوله تعالى { فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار } ، ولأنّ في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً . وإن كان رجلاً ، ففي روايةٍ عند الحنابلة لا يرجع ، وهو قول الحسن والنّخعيّ والثّوريّ والشّافعيّ . وفي الرّواية الثّانية عندهم يلزمه ، وهو قول عثمان والزّهريّ والأوزاعيّ ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين صالح قريشاً على ردّ من جاء منهم مسلماً أمضى اللّه ذلك في الرّجال ، ونسخه في النّساء ». ج - التّترّس بأسارى المسلمين : 63 - التّرس بضمّ التّاء : ما يتوقّى به في الحرب ، يقال : تترّس بالتّرس إذا توقّى به ، ومن ذلك تترّس المشركين بالأسرى من المسلمين والذّمّيّين في القتال ، لأنّهم يجعلونهم كالتّراس ، فيتّقون بهم هجوم جيش المسلمين عليهم ، لأنّ رمي المشركين - مع تترّسهم بالمسلمين - يؤدّي إلى قتل المسلمين الّذين نحرص على حياتهم وإنقاذهم من الأسر . وقد عني الفقهاء بهذه المسألة ، وتناولوها من ناحية جواز الرّمي مع التّترّس بالمسلمين أو الذّمّيّين ، كما تناولوها من ناحية لزوم الكفّارة والدّية ، وإليك اتّجاهات المذاهب في هذا : أ - رمي التّرس : 64 - من ناحية رمي التّرس : يتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان في ترك الرّمي خطرٌ محقّقٌ على جماعة المسلمين ، فإنّه يجوز الرّمي برغم التّترّس ، لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالذّبّ عن بيضة الإسلام ، وقتل الأسير ضررٌ خاصٌّ . ويقصد عند الرّمي الكفّار لا التّرس ، لأنّه إن تعذّر التّمييز فعلاً فقد أمكن قصداً ، ونقل ابن عابدين عن السّرخسيّ أنّ القول للرّامي بيمينه في أنّه قصد الكفّار ، وليس قول وليّ المقتول الّذي يدّعي العمد . أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء ، لأنّها حالة ضرورةٍ أيضاً ، وتسقط حرمة التّرس . ويقول الصّاويّ المالكيّ : ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين . وفي وجهٍ عند الشّافعيّة لا يجوز ، وعلّلوه بأنّ مجرّد الخوف لا يبيح الدّم المعصوم ، كما أنّه لا يجوز عند المالكيّة إذا كان الخوف على بعض الغازين فقط . 65 - وأمّا في حالة الحصار الّذي لا خطر فيه على جماعة المسلمين ، لكن لا يقدر على الحربيّين إلاّ برمي التّرس ، فجمهور الفقهاء من المالكيّة ، والشّافعيّة ، وجمهور الحنابلة ، والحسن بن زيادٍ من الحنفيّة على المنع ، لأنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ . ألا يرى أنّ للإمام ألاّ يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر . وذهب جمهور الحنفيّة ، والقاضي من الحنابلة إلى جواز رميهم ، وعلّل الحنفيّة ذلك بأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ ، وأنّه قلّما يخلو حصنٌ عن مسلمٍ ، واعتبر القاضي من الحنابلة أنّ ذلك من قبيل الضّرورة . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية