الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40899" data-attributes="member: 329"><p>ب - الكفّارة والدّية : </p><p>66 - ومن ناحية الكفّارة والدّية عند إصابة أحد أسرى المسلمين نتيجة رمي التّرس ، فإنّ جمهور الحنفيّة على أنّ ما أصابوه منهم لا يجب فيه ديةٌ ولا كفّارةٌ ، لأنّ الجهاد فرضٌ ، والغرامات لا تقرن بالفروض ، لأنّ الفرض مأمورٌ به لا محالة ، وسبب الغرامات عدوانٌ محضٌ منهيٌّ عنه ، وبينهما منافاةٌ ، فوجوب الضّمان يمنع من إقامة الفرض ، لأنّهم يمتنعون منه خوفاً من لزوم الضّمان ، وهذا لا يتعارض مع ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أنّه « ليس في الإسلام دمٌ مفرجٌ » - أي مهدرٌ - لأنّ النّهي عامٌّ خصّ منه البغاة وقطّاع الطّريق ، فتخصّ صورة النّزاع ، كما أنّ النّهي في الحديث خاصٌّ بدار الإسلام ، وما نحن فيه ليس بدار الإسلام .</p><p>67 - وعند الحسن بن زيادٍ من الحنفيّة وجمهور الحنابلة والشّافعيّة تلزم الكفّارة قولاً واحداً ، وفي وجوب الدّية روايتان :</p><p> إحداهما : تجب ، لأنّه قتل مؤمناً خطأً ، فيدخل في عموم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله إلاّ أن يصّدّقوا } .</p><p> الثّانية : لا دية ، لأنّه قتل في دار الحرب برميٍ مباحٍ ، فيدخل في عموم قوله تعالى { وإن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ } ولم يذكر ديةً . وعدم وجوب الدّية هو الصّحيح عند الحنابلة .</p><p>68 - ويقول الجمل الشّافعيّ : وجبت الكفّارة إن علم القاتل ، لأنّه قتل معصوماً ، وكذا الدّية ، لا القصاص ، لأنّه مع تجويز الرّمي لا يجتمعان . وفي نهاية المحتاج تقييد ذلك بأن يعلم به ، وأن يكون في الإمكان توقّيه . وينقل البابرتيّ من الحنفيّة عن أبي إسحاق أنّه قال : إن قصده بعينه لزمه الدّية ، علمه مسلماً أو لم يعلمه ، للحديث المذكور . وإن لم يقصده بعينه بل رمى إلى الصّفّ فأصيب فلا دية عليه . والتّعليل الأوّل أنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ ، لأنّ للإمام أن يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان تركه لعدم قتل المسلم أولى ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر .</p><p>69 - ولم نقف للمالكيّة على شيءٍ في هذا إلاّ ما قاله الدّسوقيّ عند تعليقه على قول خليلٍ : وإن تترّسوا بمسلمٍ ، فقال : وإن تترّسوا بأموال المسلمين فيقاتلون ولا يتركون . وينبغي ضمان قيمته على من رماهم ، قياساً على ما يرمى من السّفينة للنّجاة من الغرق ، بجامع أنّ كلاًّ إتلاف مالٍ للنّجاة .</p><p>مدى تطبيق بعض الأحكام الشّرعيّة على أسرى المسلمين</p><p> حقّ الأسير في الغنيمة : </p><p>70 - يستحقّ من أسر قبل إحراز الغنيمة فيما غنم قبل الأسر ، إذا علم حياته أو انفلت من الأسر . لأنّ حقّه ثابتٌ فيها ، وبالأسر لم يخرج من أن يكون أهلاً ، لتقرّر حقّه بالإحراز . ولا شيء له فيما غنمه المسلمون بعد أسره ، لأنّ المأسور في يد أهل الحرب لا يكون مع الجيش حقيقةً ولا حكماً ، فهو لم يشاركهم في إصابة هذا ، ولا في إحرازه بالدّار . وإذا لم يعرف مصير هذا الأسير في يد الحربيّين قسمت الغنائم ، ولم يوقف له منها شيءٌ . وإن قسمت الغنائم ثمّ جاء بعد ذلك حيّاً لم يكن له شيءٌ ، لأنّ حقّ الّذين قسم بينهم قد تأكّد بالقسمة وثبت ملكهم فيها ، ومن ضرورته إبطال الحقّ الضّعيف .</p><p> والمذهب عند الحنابلة أنّه إذا هرب فأدرك الحرب قبل تقضّيها أسهم له ، وفي قولٍ لا شيء له . وإن جاء بعد إحراز الغنيمة فلا شيء له .</p><p>71 - ومن أسر بعد إخراج الغنائم من دار الحرب أو بيعها ، وكان قد تخلّف في دار الحرب لحاجة بعض المسلمين ، فإنّه يوقف نصيبه حتّى يجيء فيأخذه ، أو يظهر موته فيكون لورثته ، لأنّ حقّه قد تأكّد في المال المصاب بالإحراز . وفي بداية المجتهد : أنّ الغنيمة إنّما تجب عند الجمهور للمجاهدين بأحد شرطين : إمّا أن يكون ممّن حضر القتال ، وإمّا أن يكون ردءاً لمن حضر القتال . وتفصيل الكلام في هذا موضعه مصطلح ( غنيمةٌ ) .</p><p>حقّ الأسير في الإرث وتصرّفاته الماليّة : </p><p>72 - أسير المسلمين الّذي مع العدوّ يرث إذا علمت حياته في قول عامّة الفقهاء ، لأنّ الكفّار لا يملكن الأحرار بالقهر ، فهو باقٍ على حرّيّته ، فيرث كغيره . وكذلك لا تسقط الزّكاة عنه ، لأنّ تصرّفه في ماله نافذٌ ، ولا أثر لاختلاف الدّار بالنّسبة له . فقد كان شريحٌ يورّث الأسير في أيدي العدوّ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ترك مالاً فلورثته ... » فهذا الحديث بعمومه يؤيّد قول الجمهور أنّ الأسير إذا وجب له ميراثٌ يوقف له . وعن سعيد بن المسيّب أنّه لم يورّث الأسير في أيدي العدوّ ، وفي روايةٍ أخرى عنه أنّه يرث .</p><p>73 - والمسلم الّذي أسره العدوّ ، ولا يدرى أحيٌّ هو أم ميّتٌ ، مع أنّ مكانه معلومٌ وهو دار الحرب ، له حكمٌ في الحال ، فيعتبر حيّاً في حقّ نفسه ، حتّى لا يورث عنه ماله ، ولا تزوّج نساؤه ، وميّتاً في حقّ غيره حتّى لا يرث من أحدٍ . وله حكمٌ في المآل ، وهو الحكم بموته بمضيّ مدّةٍ معيّنةٍ ، فهو في حكم المفقود . انظر مصطلح ( مفقودٌ ) .</p><p>74 - ويسري على الأسير في تصرّفاته الماليّة ما يسري على غيره في حال الصّحّة من أحكامٍ ، فبيعه وهبته وصدقته وغير ذلك جائزٌ ، ما دام صحيحاً غير مكرهٍ . قال عمر بن عبد العزيز :" أجيز وصيّة الأسير وعتاقه وما صنع في ماله ما لم يتغيّر عن دينه ، فإنّما هو ماله يصنع فيه ما يشاء ". أمّا إن كان الأسير في يد مشركين عرفوا بقتل أسراهم ، فإنّه يأخذ حكم المريض مرض الموت ، لأنّ الأغلب منهم أن يقتلوا ، وليس يخلو المرّة في حالٍ أبداً من رجاء الحياة وخوف الموت ، لكن إذا كان الأغلب عنده وعند غيره الخوف عليه ، فعطيّته عطيّة مريضٍ ، وإذا كان الأغلب الأمان كانت عطيّته عطيّة الصّحيح .</p><p> وتفصيل ذلك في مصطلح ( مرض الموت ) .</p><p>جناية الأسير وما يجب فيها : </p><p>75 - يتّجه جمهور الفقهاء : الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قولٌ عند المالكيّة ، إلى أنّه إذا صدر من الأسير حال الأسر ما يوجب حدّاً أو قصاصاً وجب عليه ما يجب في دار الإسلام ، لأنّه لا تختلف الدّاران في تحريم الفعل ، فلم تختلف فيما يجب من العقوبة . فلو قتل بعضهم بعضاً ، أو قذف بعضهم بعضاً ، أو شرب أحدهم خمراً ، فإنّ الحدّ يقام عليهم إذا صاروا إلى بلاد المسلمين ، ولا تمنع الدّار حكم اللّه . ويقول الحطّاب : إذا أقرّ الأسير أنّه زنى ، ودام على إقراره ولم يرجع ، أو شهد عليه ، قال ابن القاسم وأصبغ : عليّة الحدّ .</p><p> وإذا قتل الأسير أحداً منهم خطأً ، وقد كان أسلم ، والأسير لا يعلم ، فعليه الدّية والكفّارة . وقيل الكفّارة فقط . وإذا قتله عمداً ، وهو لا يعلمه مسلماً فعليه الدّية والكفّارة . وإن كان قتله عمداً وهو يعلم بإسلامه قتل به . وإذا جنى الأسير على أسيرٍ مثله فكغيرهما .</p><p>76 - وقال الحنفيّة - وهو قولٌ عند المالكيّة ، قاله عبد الملك - في جريمة الزّنى - بعدم إقامة الحدّ عليه ، لقوله عليه السلام « لا تقام الحدود في دار الحرب » لانعدام المستوفي ، وإذا لم يجب عليه حين باشر السّبب لا يجب عليه بعد ذلك ، وقالوا : لا حدّ على من زنى وكان أسيراً في معسكر أهل البغي ، لأنّ يد إمام أهل العدل لا تصل إليهم . وقالوا : لو قتل أحد الأسيرين المسلمين الآخر فلا شيء عليه سوى الكفّارة ، وهذا عند أبي حنيفة ، لأنّه بالأسر صار تبعاً لهم ، لصيرورته مقهوراً في أيديهم ، ولهذا يصير مقيماً بإقامتهم ومسافراً بسفرهم . وخصّ الخطأ بالكفّارة ، لأنّه لا كفّارة في العمد ، وبقي عليه عقاب الآخرة .</p><p> وقال الصّاحبان بلزوم الدّية أيضاً في الخطأ والعمد ، لأنّ العصمة لا تبطل بعارض الأسر وامتناع القصاص لعدم المنفعة ، وتجب الدّية في ماله الّذي في دار الإسلام .</p><p>أنكحة الأسرى : </p><p>77 - ظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّ الأسير لا يحلّ له التّزوّج ما دام أسيراً ، وهذا قول الزّهريّ ، وكره الحسن أن يتزوّج في أرض المشركين ، لأنّ الأسير إذا ولد له ولدٌ كان رقيقاً لهم ، ولا يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم ، وسئل أحمد عن أسيرٍ اشتريت معه امرأته أيطؤها ؟ فقال : كيف يطؤها ؟ فلعلّ غيره منهم يطؤها ، قال الأثرم : قلت له : ولعلّها تعلق بولدٍ فيكون معهم ، قال : وهذا أيضاً . ويقول الموّاق : الأسير يعلم تنصّره فلا يدري أطوعاً أم كرهاً فلتعتدّ زوجته ، ويوقف ماله ، ويحكم فيه بحكم المرتدّ ، وإن ثبت إكراهه ببيّنةٍ كان بحال المسلم في نسائه وماله . وتفصيل ذلك في موضع ( إكراهٌ ) ( وردّةٌ ) .</p><p>إكراه الأسير والاستعانة به : </p><p>78 - الأسير إن أكرهه الكفّار على الكفر ، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ، لا تبين منه امرأته ، ولا يحرم ميراثه من المسلمين ، ولا يحرمون ميراثهم منه ، وإذا ما أكره على أكل لحم الخنزير أو دخول الكنيسة ففعل وسعه ذلك لقاعدة الضّرورات . ولو أكرهوه على أن يقتل مسلماً لم يكن له ذلك ، كما لا يرخّص له في أن يدلّ على ثغرةٍ ينفذ منها العدوّ إلى مقاتلتنا ، ولا الاشتراك مع العدوّ في القتال عند كثيرٍ من العلماء ، وأجاز ذلك الأوزاعيّ وغيره ، ومنعه مالكٌ وابن القاسم . وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( إكراهٌ ) .</p><p>الأمان من الأسير وتأمينه : </p><p>79 - لا يصحّ الأمان من الأسير عند الحنفيّة ، لأنّ الأمان لا يقع منه بصفة النّظر منه للمسلمين ، بل لنفسه حتّى يتخلّص منهم ، ولأنّ الأسير خائفٌ على نفسه ، إلاّ أنّه فيما بينهم وبينه إن أمنوه وأمنهم ، فينبغي أن يفي لهم كما يفون له ، ولا يسرق شيئاً من أموالهم ، لأنّه غير متّهمٍ في حقّ نفسه ، وقد شرط أن يفي لهم ، فيكون بمنزلة المستأمن في دارهم . وهو ما قاله اللّيث . ووافقهم كلٌّ من : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إذا ما كان الأسير محبوساً أو مقيّداً ، لأنّه مكرهٌ ، وأعطى الشّافعيّة من أمّن آسره حكم المكره ، وقالوا : إنّ أمانه فاسدٌ . أمّا إذا كان مطلقاً وغير مكرهٍ ، فقد نصّ الشّافعيّة على أنّ أسير الدّار - وهو المطلق ببلاد الكفّار الممنوع من الخروج منها - يصحّ أمانه . قال الماورديّ : وإنّما يكون مؤمّنه آمناً بدارهم لا غير ، إلاّ أن يصرّح بالأمان في غيرها . وسئل أشهب عن رجلٍ شذّ عن عسكر المسلمين ، فأسره العدوّ ، فطلبهم المسلمون ، فقال العدوّ للأسير المسلم : أعطنا الأمان ، فأعطاهم الأمان ، فقال : إذا كان أمّنهم ، وهو آمنٌ على نفسه ، فذلك جائزٌ ، وإن كان أمّنهم ، وهو خائفٌ على نفسه ، فليس ذلك بجائزٍ ، وقول الأسير في ذلك جائزٌ .</p><p> ويعلّل ابن قدامة لصحّة أمان الأسير إذا عقده غير مكرهٍ ، بأنّه داخلٌ في عموم الخبر الّذي رواه مسلمٌ بسنده من أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « ذمّة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم ... » كما أنّه مسلمٌ مكلّفٌ مختارٌ .</p><p>صلاة الأسير في السّفر ، والانفلات ، وما ينتهي به الأسر :</p><p>80 - الأسير المسلم في أيدي الكفّار إن عزم على الفرار من الأسر عند التّمكّن من ذلك ، وكان الكفّار أقاموا به في موضعٍ يريدون المقام فيه المدّة الّتي تعتبر إقامةً ، ولا تقصر بعدها الصّلاة ، لزمه أن يتمّ الصّلاة ، لأنّه مقهورٌ في أيديهم ، فيكون المعتبر في حقّه نيّتهم في السّفر والإقامة ، لا نيّته . وإن كان الأسير انفلت منهم ، وهو مسافرٌ ، فوطّن نفسه على إقامة شهرٍ في غارٍ أو غيره قصر الصّلاة ، لأنّه محاربٌ لهم ، فلا تكون دار الحرب موضع الإقامة في حقّه ، حتّى ينتهي إلى دار الإسلام .</p><p> وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( صلاة المسافر ) .</p><p>81 - والأسر ينتهي بما يقرّر الإمام ، من قتلٍ أو استرقاقٍ أو منٍّ أو فداءٍ بمالٍ ، أو عن طريق تبادل الأسرى على ما سبق بيانه ، كما ينتهي الأسر بموت الأسير قبل قرار الإمام فيه ، وكذلك فإنّه قد ينتهي بفرار الأسير ، يقول الكاسانيّ : لو انفلت أسيرٌ قبل الإحراز بدار الإسلام والتحق بمنعتهم يعود حرّاً ، وينتهي أسره ، ولم يعد فيئاً ، لأنّ حقّ أهل دار الإسلام لا يتأكّد إلاّ بالأخذ حقيقةً ، ولم يوجد .</p><p>82 - ويصرّح الفقهاء بأنّه يجب على أسرى المسلمين الفرار إن أطاقوه ، ولم يرج ظهور الإسلام ببقائهم ، للخلوص من قهر الأسر ، وقيّد بعضهم الوجوب بعدم التّمكّن من إظهار الدّين ، لكن جاء في مطالب أولي النّهي : وإن أسر مسلمٌ ، فأطلق بشرط أن يقيم في دار الحرب مدّةً معيّنةً ، ورضي بالشّرط لزمه الوفاء ، وليس له أن يهرب لحديث : « المؤمنون عند شروطهم » وإن أطلق بشرط أن يرجع إليهم لزمه الوفاء ، إن كان قادراً على إظهار دينه ، إلاّ المرأة فلا يحلّ لها الرّجوع . واختار ابن رشدٍ - إذا ائتمن العدوّ الأسير طائعاً على ألاّ يهرب ، ولا يخونهم - أنّه يهرب ولا يخونهم في أموالهم .</p><p> وأمّا إن ائتمنوه مكرهاً ، أو لم يأتمنوه ، فله أن يأخذ ما أمكنه من أموالهم ، وله أن يهرب بنفسه . وقال اللّخميّ : إن عاهدوه على ألاّ يهرب فليوفّ بالعهد ، فإن تبعه واحدٌ منهم أو أكثر بعد خروجه فليدفعهم حتماً إن حاربوه وكانوا مثليه فأقلّ ، وإلاّ فندباً .</p><p></p><p>أسرةٌ *</p><p>التعريف :</p><p>1 - أسرة الإنسان : عشيرته ورهطه الأدنون ، مأخوذٌ من الأسر ، وهو القوّة ، سمّوا بذلك لأنّه يتقوّى بهم ، والأسرة : عشيرة الرّجل وأهل بيته ، وقال أبو جعفرٍ النّحّاس : الأسرة أقارب الرّجل من قبل أبيه .</p><p> الألفاظ ذات الصّلة : </p><p>2 - لفظ الأسرة لم يرد ذكره في القرآن الكريم ، كذلك لم يستعمله الفقهاء في عباراتهم فيما نعلم . والمتعارف عليه الآن إطلاق لفظ ( الأسرة ) على الرّجل ومن يعولهم من زوجه وأصوله وفروعه . وهذا المعنى يعبّر عنه الفقهاء قديماً بألفاظٍ منها : الآل ، والأهل ، والعيال . كقول النّفراويّ المالكيّ : من قال : الشّيء الفلانيّ وقفٌ على عيالي ، تدخل زوجته في العيال . وفي ابن عابدين : أهله زوجته ، وقالا ، يعني صاحبي أبي حنيفة : كلّ من في عياله ونفقته غير مماليكه ، لقوله تعالى : { فنجّيناه وأهله أجمعين } .</p><p>الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : </p><p>3 - ما يعرف بأحكام الأسرة أو الأحوال الشّخصيّة فهو اصطلاحٌ حادثٌ ، والمراد به مجموعة الأحكام الّتي تنظّم العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة . وقد فصّلها الفقهاء في أبواب النّكاح والمهر والنّفقات والقسم والطّلاق والخلع والعدد والظّهار والإيلاء والنّسب والحضانة والرّضاع والوصيّة والميراث ونحوها . وتنظر هذه الأحكام تحت هذه العناوين أيضاً ، وتحت عنوان ( أبٌ ، ابنٌ ، بنتٌ ) إلخ .</p><p></p><p>أسطوانةٌ *</p><p>التعريف :</p><p>1 - الأسطوانة : السّارية في المسجد أو البيت أو نحوهما .</p><p> ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك .</p><p>الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث : </p><p>2 - في وقوف الإمام بين السّواري ، وفي صلاته إلى الأسطوانة خلافٌ . فقال أبو حنيفة ومالكٌ بالكراهة ، وذهب الجمهور إلى عدم الكراهة . وتفصيل ذلك في كتاب الصّلاة ، في مبحث ( صلاة الجماعة ) . أمّا المأمومون : فقد اتّفق الفقهاء على أنّه إذا لم تقطع الأسطوانة الصّفّ فلا كراهة لعدم الدّليل على ذلك . أمّا إذا قطعت ففيه خلافٌ . فالحنفيّة والمالكيّة لا يرون به بأساً ، لعدم الدّليل على المنع . والحنابلة يرون الكراهة ،« لما ورد من النّهي عن الصّفّ بين السّواري »إلاّ أن يكون الصّفّ قدر ما بين السّاريتين ، أو أقلّ فلا يكره . وقد ذكر الفقهاء ذلك أيضاً في صلاة الجماعة .</p><p></p><p>إسفارٌ *</p><p>التعريف :</p><p>1 - من معاني الإسفار في اللّغة : الكشف ، يقال : سفر الصّبح وأسفر : أي أضاء ، وأسفر القوم : أصبحوا ، وسفرت المرأة : كشفت عن وجهها .</p><p> وأكثر استعمال الفقهاء للإسفار بمعنى ظهور الضّوء ، يقال : أسفر بالصّبح : إذا صلاّها وقت الإسفار ، أي عند ظهور الضّوء ، لا في الغلس .</p><p> الحكم الإجماليّ : </p><p>2 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الوقت الاختياريّ في صلاة الصّبح هو إلى وقت الإسفار ، لما روي : « أنّ جبريل عليه السلام صلّى الصّبح بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم حين طلع الفجر ، وصلّى من الغد حين أسفر ، ثمّ التفت وقال : هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك » .</p><p> ويرى الحنفيّة أنّه يستحبّ الإسفار بصلاة الصّبح ، وهو أفضل من التّغليس ، في السّفر والحضر ، وفي الصّيف والشّتاء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أسفروا بالفجر » ، وفي روايةٍ « نوّروا بالفجر فإنّه أعظم للأجر » . قال أبو جعفرٍ الطّحاويّ : يبدأ بالتّغليس ويختم بالإسفار جمعاً بين أحاديث التّغليس والإسفار .</p><p>مواطن البحث : </p><p>3 - يبحث الإسفار في الصّلاة عند الكلام عن وقت صلاة الصّبح ، والأوقات المستحبّة .</p><p></p><p>إسقاطٌ *</p><p>التعريف :</p><p>1 - من معاني الإسقاط لغةً : الإيقاع والإلقاء ، يقال : سقط اسمه من الدّيوان : إذا وقع ، وأسقطت الحامل : ألقت الجنين ، وقول الفقهاء : سقط الفرض ، أي سقط طلبه والأمر به . وفي اصطلاح الفقهاء : هو إزالة الملك ، أو الحقّ ، لا إلى مالكٍ ولا إلى مستحقٍّ ، وتسقط بذلك المطالبة به ، لأنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ولا ينتقل ، وذلك كالطّلاق والعتق والعفو عن القصاص والإبراء من الدّين ، وبمعنى الإسقاط : الحطّ ، إذ يستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه . ويستعمله الفقهاء أيضاً في إسقاط الحامل الجنين . وسبق تفصيله في ( إجهاضٌ ) .</p><p> الألفاظ ذات الصّلة : </p><p>أ - الإبراء : </p><p>2 - الإبراء عند الفقهاء : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . وهذا عند من يعتبر الإبراء من الدّين إسقاطاً محضاً ، أمّا من يعتبره تمليكاً فيقول : هو تمليك المدين ما في ذمّته . وتوسّط ابن السّمعانيّ فقال : هو تمليكٌ في حقّ من له الدّين ، إسقاطٌ في حقّ المدين ، وهذا بالنّظر لبراءة الإسقاط لا لبراءة الاستيفاء .</p><p> ويلاحظ أنّه إذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخصٍ ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاطٌ . وبذلك يتبيّن أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ . غير أنّ ابن عبد السّلام من المالكيّة يعتبر الإبراء أعمّ من جهةٍ أخرى ، إذ يقول : الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه ، لأنّه يكون في المعيّن وغيره .</p><p>ب - الصّلح : </p><p>3 - الصّلح اسمٌ بمعنى : المصالحة والتّوفيق والسّلم .</p><p> وشرعاً : عقدٌ يقتضي قطع النّزاع والخصومة . ويجوز في الصّلح إسقاط بعض الحقّ ، سواءٌ أكان عن إقرارٍ أم إنكارٍ أم سكوتٍ . فإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضةٌ ، وليس إسقاطاً ، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ .</p><p>ج - المقاصّة : </p><p>4 - يقال تقاصّ القوم : إذا قاصّ كلٌّ منهم صاحبه في الحساب ، فحبس عنه مثل ما كان له عليه . والمقاصّة نوعٌ من الإسقاط ، إذ هي إسقاط ما للإنسان من دينٍ على غريمه في مثل ما عليه . فهي إسقاطٌ بعوضٍ ، في حين أنّ الإسقاط المطلق يكون بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وبذلك تكون المقاصّة أخصّ من الإسقاط . ولها شروطٌ تنظر في موضعها .</p><p>د - العفو : </p><p>5 - من معاني العفو : المحو والإسقاط وترك المطالبة ، يقال : عفوت عن فلانٍ إذا تركت مطالبته بما عليه من الحقّ ، ومنه قوله تعالى : { والعافين عن النّاس } . أي التّاركين مظالمهم عندهم لا يطالبونهم بها . فالعفو الّذي يستعمل في ترك الحقّ مساوٍ للإسقاط في المعنى ، إلاّ أنّ العفو على إطلاقه أعمّ لتعدّد استعمالاته .</p><p>هـ - التّمليك : </p><p>6 - التّمليك : نقل الملك وإزالته إلى مالكٍ آخر ، سواءٌ أكان المنقول عيناً كما في البيع ، أم منفعةً كما في الإجارة ، وسواءٌ أكان بعوضٍ كما سبق ، أم بدونه كالهبة . والتّمليك بعمومه يفارق الإسقاط بعمومه ، إذ التّمليك إزالةٌ ونقلٌ إلى مالكٍ ، في حين أنّ الإسقاط إزالةٌ وليس نقلاً ، كما أنّه ليس إلى مالكٍ ، لكنّهما قد يجتمعان في الإبراء من الدّين ، عند من يعتبره تمليكاً ، كالمالكيّة وبعض فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ، ولذلك يشترطون فيه القبول .</p><p>صفة الإسقاط : حكمه التّكليفيّ : </p><p>7 - الإسقاط من التّصرّفات المشروعة في الجملة ، إذ هو تصرّف الإنسان في خالص حقّه ، دون أن يمسّ ذلك حقّاً لغيره . والأصل فيه الإباحة ، وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى . فيكون واجباً ، كترك وليّ الصّغير الشّفعة الّتي وجبت للصّغير ، إذا كان الحظّ في تركها ، لأنّه يجب عليه النّظر في ماله بما فيه حظٌّ وغبطةٌ له . وكالطّلاق الّذي يراه الحكمان إذا وقع الشّقاق بين الزّوجين ، وكذلك طلاق الرّجل إذا آلى من زوجته ولم يفئ إليها .</p><p> ويكون مندوباً إذا كان قربةً ، كالعفو عن القصاص ، وإبراء المعسر ، والعتق ، والكتابة . ومن النّصوص الدّالّة على النّدب في العفو عن القصاص قوله تعالى : { والجروح قصاصٌ ، فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له } . فندب اللّه تعالى إلى العفو والتّصدّق بحقّ القصاص .. وفي إبراء المدين قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } يقول القرطبيّ : ندب اللّه تعالى بهذه الألفاظ إلى الصّدقة على المعسر ، وجعل ذلك خيراً من إنظاره . ، ولذلك يقول الفقهاء : إنّ المندوب هنا وهو الإبراء أفضل من الواجب وهو الإنظار . وقد يكون حراماً ، كطلاق البدعة ، وهو طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حملٍ ، وكذلك عفو وليّ الصّغير عن القصاص مجّاناً .</p><p> وقد يكون مكروهاً ، كالطّلاق بدون سببٍ يستدعيه ،</p><p> لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق » .</p><p>الباعث على الإسقاط : </p><p>8 - تصرّفات المكلّفين فيما يملكون التّصرّف فيه لا تأتي عفواً ، بل تكون لها بواعث ، قد تكون شرعيّةً ، فيكون التّصرّف استجابةً لأوامر الشّرع ، وقد تكون لمصالح شخصيّةٍ . والإسقاط من التّصرّفات الّتي يتأتّى فيها الباعث الشّرعيّ والشّخصيّ .</p><p> فمن البواعث الشّرعيّة :</p><p> العمل على حرّيّة الإنسان الّتي هي الأصل لكلّ النّاس ، وذلك العتق الّذي حثّ عليه الإسلام . ومنها : الإبقاء على الحياة ، وذلك بإسقاط حقّ القصاص ممّن ثبت له هذا الحقّ .</p><p>ومنها : معاونة المعسرين ، وذلك بإسقاط الدّين عنهم إن وجد ، وقد سبق ذكر النّصوص الدّالّة على مشروعيّة ذلك .</p><p> ومنها : إرادة نفع الجار ، كما في وضع خشبه على جدار جاره وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره » إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع المقام لذكره .</p><p> أمّا البواعث الشّخصيّة :</p><p> فمنها : رجاء حسن العشرة بين الزّوجين ، ممّا يدعو الزّوجة إلى إبراء زوجها من المهر في نكاح التّفويض بعد الدّخول ، أو إسقاط الزّوجة حقّها في القسم .</p><p> ومنها : الإسراع في الحصول على الحرّيّة ، وذلك كالمكاتب ، إذا أسقط حقّه في الأجل في أداء المال المكاتب ، عليه ، فعجّل أداء النّجوم ( الأقساط ) ، فإنّ السّيّد يلزمه أخذ المال ، لأنّ الأجل حقّ المكاتب فيسقط بإسقاطه كسائر الحقوق ، حتّى لو أبى السّيّد أخذ المال جعله الإمام في بيت المال ، وحكم بعتقه .</p><p> ومنها : الانتفاع المادّيّ ، كالخلع والعفو عن القصاص على مالٍ .</p><p>أركان الإسقاط :</p><p>9 - ركن الإسقاط عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، ويزاد عليها عند غيرهم : الطّرفان - المسقط وهو صاحب الحقّ ، والمسقط عنه الّذي تقرّر الحقّ قبله - والمحلّ وهو الحقّ الّذي يرد عليه الإسقاط . الصّيغة : </p><p>10 - ممّا هو معلومٌ أنّ الصّيغة تتكوّن من الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك باتّفاقٍ في الجملة في الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ كالطّلاق على مالٍ .</p><p> وفي غيرها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول على ما سيأتي .</p><p> الإيجاب في الصّيغة : </p><p>11 - الإيجاب في الصّيغة ، هو ما يدلّ على الإسقاط من قولٍ ، أو ما يؤدّي معنى القول ، من إشارةٍ مفهمةٍ أو كتابةٍ أو فعلٍ أو سكوتٍ . ويلاحظ أنّ الإسقاطات قد ميّز بعضها بأسماءٍ خاصّةٍ تعرف بها ، فإسقاط الحقّ عن الرّقّ عتقٌ ، وعن استباحة البضع طلاقٌ ، وعن القصاص عفوٌ ، وعن الدّين إبراءٌ . ولكلّ نوعٍ من هذه الإسقاطات صيغٌ خاصّةٌ سواءٌ أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ . ر : ( طلاقٌ ، عتقٌ ) .</p><p>أمّا غير هذه الأنواع من الإسقاطات ، فإنّ حقيقة اللّفظ الّذي يدلّ عليها هو الإسقاط . وما بمعناه . وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً متعدّدةً تؤدّي معنى الإسقاط ، وذلك مثل : التّرك والحطّ والعفو والوضع والإبراء في براءة الإسقاط والإبطال والإحلال ، والمدار في ذلك على العرف ودلالة الحال ، ولذلك جعلوا من الألفاظ الّتي تدلّ عليه : الهبة والصّدقة والعطيّة حين لا يراد بهذه الألفاظ حقيقتها وهي التّمليك ، ويكون المقام دالاًّ على الإسقاط ، ففي شرح منتهى الإرادات : من أبرأ من دينه ، أو وهبه لمدينه ، أو أحلّه منه ، أو أسقطه عنه ، أو تركه له ، أو ملّكه له ، أو تصدّق به عليه ، أو عفا عن الدّين ، صحّ ذلك جميعه ، وكان مسقطاً للدّين . وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عينٌ موجودةٌ يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . قال الحارثيّ : ولهذا لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . وكما يحصل الإسقاط بالقول ، فإنّه يحصل بالكتابة المعنونة المرسومة ، وبالإشارة المفهمة من فاقد النّطق .</p><p> كذلك قد يحصل الإسقاط بالسّكوت ، كما إذا علم الشّفيع ببيع المشفوع فيه ، وسكت مع إمكان الطّلب ، فإنّ سكوته يسقط حقّه في طلب الشّفعة . ويحصل الإسقاط أيضاً نتيجة فعلٍ يصدر من صاحب الحقّ ، كمن يشتري بشرط الخيار ، ثمّ يتصرّف في المبيع بوقفٍ أو بيعٍ في زمن الخيار ، فإنّ هذا التّصرّف يعتبر إسقاطاً لحقّه في الخيار .</p><p> القبول : </p><p>12 - الأصل في الإسقاط أن يتمّ بإرادة المسقط وحده ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما دام لم يمسّ حقّ غيره .</p><p> ومن هنا فإنّ الفقهاء يتّفقون على أنّ الإسقاط المحض الّذي ليس فيه معنى التّمليك ، والّذي لم يقابل بعوضٍ ، يتمّ بصدور ما يحقّق معناه من قولٍ ، أو ما يؤدّي معناه دون توقّفٍ على قبول الطّرف الآخر ، كالطّلاق ، فلا يحتاج الطّلاق إلى قبولٍ .</p><p>13 - ويتّفقون كذلك على أنّ الإسقاط الّذي يقابل بعوضٍ يتوقّف نفاذه على قبول الطّرف الآخر في الجملة ، كالطّلاق على مالٍ ، لأنّ الإسقاط حينئذٍ يكون معاوضةً ، فيتوقّف ثبوت الحكم على قبول دفع العوض من الطّرف الآخر ، إذ المعاوضة لا تتمّ إلاّ برضى الطّرفين . وقد ألحق الحنفيّة بهذا القسم الصّلح على دم العمد ، فإنّ الحكم فيه يتوقّف على رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } والمراد به الصّلح . ولأنّه حقٌّ ثابتٌ للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً ، فكذا تعويضاً ، لاشتماله على إحسان الأولياء وإحياء القاتل ، فيجوز بالتّراضي .</p><p> وما ذهب إليه الحنفيّة هو قولٌ للإمام مالكٍ وبعض أصحابه . وعند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ آخر للإمام مالكٍ أنّ من له حقّ القصاص ، إذا أراد أخذ الدّية بدل القصاص ، فله ذلك من غير رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين ، إمّا أن يودى ، وإمّا أن يقاد » . وبهذا قال سعيد بن المسيّب وابن سيرين وعطاءٌ ومجاهدٌ وأبو ثورٍ وابن المنذر .</p><p>14 - ويبقى بعد ذلك الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كإبراء المدين من الدّين .</p><p> وهذا النّوع من الإسقاط هو الّذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي الإسقاط والتّمليك . فالحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة وأشهب من المالكيّة ، نظروا إلى جانب الإسقاط فيه ، فلا يتوقّف تمامه عندهم على القبول ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه أو بعضه . ولأنّه إسقاط حقٍّ ليس فيه تمليك مالٍ ، فلم يعتبر فيه القبول ، كالعتق والطّلاق والشّفعة . بل إنّ الخطيب الشّربينيّ قال : لا يشترط القبول على المذهب ، سواءٌ قلنا : الإبراء تمليكٌ أو إسقاطٌ . ويستوي عند هؤلاء الفقهاء التّعبير بالإبراء أو بهبة الدّين للمدين ، إلاّ ما فرّق به بعض الحنفيّة من أنّ التّعبير بالهبة يحتاج إلى القبول . جاء في الفتاوى الهنديّة : هبة الدّين من الكفيل لا تتمّ بدون القبول ، وإبراؤه يتمّ بدون قبولٍ .</p><p>15 - ولمّا كان الإبراء من بدل الصّرف ورأس مال السّلم يتوقّف على القبول عند الحنفيّة ، ممّا يشعر بالتّعارض مع رأيهم في عدم توقّف الإبراء من الدّين على القبول ، فقد علّلوا ذلك بأنّ التّوقّف على القبول فيهما ليس من جهة أنّه هبة الدّين للمدين ، ولكن لأنّ الإبراء فيهما يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحقّ بالعقد لحقّ الشّارع ، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخه ، فلهذا توقّف على قبول الآخر . والأرجح عند المالكيّة ، وعند بعض الشّافعيّة أنّ إبراء المدين من الدّين يتوقّف تمامه على القبول ، لأنّ الإبراء - على رأيهم - نقلٌ للملك ، فهو تمليك المدين ما في ذمّته ، فيكون من قبيل الهبة الّتي يشترط فيها القبول .</p><p> والحكمة في ذلك عندهم هي ترفّع ذوي المروءات عمّا قد يحدث في الإبراء من منّةٍ ، وما قد يصيبهم من ضررٍ بذلك ، لا سيّما من السّفلة ، فكان لهم الرّفض شرعاً ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجةٍ .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40899, member: 329"] ب - الكفّارة والدّية : 66 - ومن ناحية الكفّارة والدّية عند إصابة أحد أسرى المسلمين نتيجة رمي التّرس ، فإنّ جمهور الحنفيّة على أنّ ما أصابوه منهم لا يجب فيه ديةٌ ولا كفّارةٌ ، لأنّ الجهاد فرضٌ ، والغرامات لا تقرن بالفروض ، لأنّ الفرض مأمورٌ به لا محالة ، وسبب الغرامات عدوانٌ محضٌ منهيٌّ عنه ، وبينهما منافاةٌ ، فوجوب الضّمان يمنع من إقامة الفرض ، لأنّهم يمتنعون منه خوفاً من لزوم الضّمان ، وهذا لا يتعارض مع ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أنّه « ليس في الإسلام دمٌ مفرجٌ » - أي مهدرٌ - لأنّ النّهي عامٌّ خصّ منه البغاة وقطّاع الطّريق ، فتخصّ صورة النّزاع ، كما أنّ النّهي في الحديث خاصٌّ بدار الإسلام ، وما نحن فيه ليس بدار الإسلام . 67 - وعند الحسن بن زيادٍ من الحنفيّة وجمهور الحنابلة والشّافعيّة تلزم الكفّارة قولاً واحداً ، وفي وجوب الدّية روايتان : إحداهما : تجب ، لأنّه قتل مؤمناً خطأً ، فيدخل في عموم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله إلاّ أن يصّدّقوا } . الثّانية : لا دية ، لأنّه قتل في دار الحرب برميٍ مباحٍ ، فيدخل في عموم قوله تعالى { وإن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ } ولم يذكر ديةً . وعدم وجوب الدّية هو الصّحيح عند الحنابلة . 68 - ويقول الجمل الشّافعيّ : وجبت الكفّارة إن علم القاتل ، لأنّه قتل معصوماً ، وكذا الدّية ، لا القصاص ، لأنّه مع تجويز الرّمي لا يجتمعان . وفي نهاية المحتاج تقييد ذلك بأن يعلم به ، وأن يكون في الإمكان توقّيه . وينقل البابرتيّ من الحنفيّة عن أبي إسحاق أنّه قال : إن قصده بعينه لزمه الدّية ، علمه مسلماً أو لم يعلمه ، للحديث المذكور . وإن لم يقصده بعينه بل رمى إلى الصّفّ فأصيب فلا دية عليه . والتّعليل الأوّل أنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ ، لأنّ للإمام أن يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان تركه لعدم قتل المسلم أولى ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر . 69 - ولم نقف للمالكيّة على شيءٍ في هذا إلاّ ما قاله الدّسوقيّ عند تعليقه على قول خليلٍ : وإن تترّسوا بمسلمٍ ، فقال : وإن تترّسوا بأموال المسلمين فيقاتلون ولا يتركون . وينبغي ضمان قيمته على من رماهم ، قياساً على ما يرمى من السّفينة للنّجاة من الغرق ، بجامع أنّ كلاًّ إتلاف مالٍ للنّجاة . مدى تطبيق بعض الأحكام الشّرعيّة على أسرى المسلمين حقّ الأسير في الغنيمة : 70 - يستحقّ من أسر قبل إحراز الغنيمة فيما غنم قبل الأسر ، إذا علم حياته أو انفلت من الأسر . لأنّ حقّه ثابتٌ فيها ، وبالأسر لم يخرج من أن يكون أهلاً ، لتقرّر حقّه بالإحراز . ولا شيء له فيما غنمه المسلمون بعد أسره ، لأنّ المأسور في يد أهل الحرب لا يكون مع الجيش حقيقةً ولا حكماً ، فهو لم يشاركهم في إصابة هذا ، ولا في إحرازه بالدّار . وإذا لم يعرف مصير هذا الأسير في يد الحربيّين قسمت الغنائم ، ولم يوقف له منها شيءٌ . وإن قسمت الغنائم ثمّ جاء بعد ذلك حيّاً لم يكن له شيءٌ ، لأنّ حقّ الّذين قسم بينهم قد تأكّد بالقسمة وثبت ملكهم فيها ، ومن ضرورته إبطال الحقّ الضّعيف . والمذهب عند الحنابلة أنّه إذا هرب فأدرك الحرب قبل تقضّيها أسهم له ، وفي قولٍ لا شيء له . وإن جاء بعد إحراز الغنيمة فلا شيء له . 71 - ومن أسر بعد إخراج الغنائم من دار الحرب أو بيعها ، وكان قد تخلّف في دار الحرب لحاجة بعض المسلمين ، فإنّه يوقف نصيبه حتّى يجيء فيأخذه ، أو يظهر موته فيكون لورثته ، لأنّ حقّه قد تأكّد في المال المصاب بالإحراز . وفي بداية المجتهد : أنّ الغنيمة إنّما تجب عند الجمهور للمجاهدين بأحد شرطين : إمّا أن يكون ممّن حضر القتال ، وإمّا أن يكون ردءاً لمن حضر القتال . وتفصيل الكلام في هذا موضعه مصطلح ( غنيمةٌ ) . حقّ الأسير في الإرث وتصرّفاته الماليّة : 72 - أسير المسلمين الّذي مع العدوّ يرث إذا علمت حياته في قول عامّة الفقهاء ، لأنّ الكفّار لا يملكن الأحرار بالقهر ، فهو باقٍ على حرّيّته ، فيرث كغيره . وكذلك لا تسقط الزّكاة عنه ، لأنّ تصرّفه في ماله نافذٌ ، ولا أثر لاختلاف الدّار بالنّسبة له . فقد كان شريحٌ يورّث الأسير في أيدي العدوّ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ترك مالاً فلورثته ... » فهذا الحديث بعمومه يؤيّد قول الجمهور أنّ الأسير إذا وجب له ميراثٌ يوقف له . وعن سعيد بن المسيّب أنّه لم يورّث الأسير في أيدي العدوّ ، وفي روايةٍ أخرى عنه أنّه يرث . 73 - والمسلم الّذي أسره العدوّ ، ولا يدرى أحيٌّ هو أم ميّتٌ ، مع أنّ مكانه معلومٌ وهو دار الحرب ، له حكمٌ في الحال ، فيعتبر حيّاً في حقّ نفسه ، حتّى لا يورث عنه ماله ، ولا تزوّج نساؤه ، وميّتاً في حقّ غيره حتّى لا يرث من أحدٍ . وله حكمٌ في المآل ، وهو الحكم بموته بمضيّ مدّةٍ معيّنةٍ ، فهو في حكم المفقود . انظر مصطلح ( مفقودٌ ) . 74 - ويسري على الأسير في تصرّفاته الماليّة ما يسري على غيره في حال الصّحّة من أحكامٍ ، فبيعه وهبته وصدقته وغير ذلك جائزٌ ، ما دام صحيحاً غير مكرهٍ . قال عمر بن عبد العزيز :" أجيز وصيّة الأسير وعتاقه وما صنع في ماله ما لم يتغيّر عن دينه ، فإنّما هو ماله يصنع فيه ما يشاء ". أمّا إن كان الأسير في يد مشركين عرفوا بقتل أسراهم ، فإنّه يأخذ حكم المريض مرض الموت ، لأنّ الأغلب منهم أن يقتلوا ، وليس يخلو المرّة في حالٍ أبداً من رجاء الحياة وخوف الموت ، لكن إذا كان الأغلب عنده وعند غيره الخوف عليه ، فعطيّته عطيّة مريضٍ ، وإذا كان الأغلب الأمان كانت عطيّته عطيّة الصّحيح . وتفصيل ذلك في مصطلح ( مرض الموت ) . جناية الأسير وما يجب فيها : 75 - يتّجه جمهور الفقهاء : الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قولٌ عند المالكيّة ، إلى أنّه إذا صدر من الأسير حال الأسر ما يوجب حدّاً أو قصاصاً وجب عليه ما يجب في دار الإسلام ، لأنّه لا تختلف الدّاران في تحريم الفعل ، فلم تختلف فيما يجب من العقوبة . فلو قتل بعضهم بعضاً ، أو قذف بعضهم بعضاً ، أو شرب أحدهم خمراً ، فإنّ الحدّ يقام عليهم إذا صاروا إلى بلاد المسلمين ، ولا تمنع الدّار حكم اللّه . ويقول الحطّاب : إذا أقرّ الأسير أنّه زنى ، ودام على إقراره ولم يرجع ، أو شهد عليه ، قال ابن القاسم وأصبغ : عليّة الحدّ . وإذا قتل الأسير أحداً منهم خطأً ، وقد كان أسلم ، والأسير لا يعلم ، فعليه الدّية والكفّارة . وقيل الكفّارة فقط . وإذا قتله عمداً ، وهو لا يعلمه مسلماً فعليه الدّية والكفّارة . وإن كان قتله عمداً وهو يعلم بإسلامه قتل به . وإذا جنى الأسير على أسيرٍ مثله فكغيرهما . 76 - وقال الحنفيّة - وهو قولٌ عند المالكيّة ، قاله عبد الملك - في جريمة الزّنى - بعدم إقامة الحدّ عليه ، لقوله عليه السلام « لا تقام الحدود في دار الحرب » لانعدام المستوفي ، وإذا لم يجب عليه حين باشر السّبب لا يجب عليه بعد ذلك ، وقالوا : لا حدّ على من زنى وكان أسيراً في معسكر أهل البغي ، لأنّ يد إمام أهل العدل لا تصل إليهم . وقالوا : لو قتل أحد الأسيرين المسلمين الآخر فلا شيء عليه سوى الكفّارة ، وهذا عند أبي حنيفة ، لأنّه بالأسر صار تبعاً لهم ، لصيرورته مقهوراً في أيديهم ، ولهذا يصير مقيماً بإقامتهم ومسافراً بسفرهم . وخصّ الخطأ بالكفّارة ، لأنّه لا كفّارة في العمد ، وبقي عليه عقاب الآخرة . وقال الصّاحبان بلزوم الدّية أيضاً في الخطأ والعمد ، لأنّ العصمة لا تبطل بعارض الأسر وامتناع القصاص لعدم المنفعة ، وتجب الدّية في ماله الّذي في دار الإسلام . أنكحة الأسرى : 77 - ظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّ الأسير لا يحلّ له التّزوّج ما دام أسيراً ، وهذا قول الزّهريّ ، وكره الحسن أن يتزوّج في أرض المشركين ، لأنّ الأسير إذا ولد له ولدٌ كان رقيقاً لهم ، ولا يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم ، وسئل أحمد عن أسيرٍ اشتريت معه امرأته أيطؤها ؟ فقال : كيف يطؤها ؟ فلعلّ غيره منهم يطؤها ، قال الأثرم : قلت له : ولعلّها تعلق بولدٍ فيكون معهم ، قال : وهذا أيضاً . ويقول الموّاق : الأسير يعلم تنصّره فلا يدري أطوعاً أم كرهاً فلتعتدّ زوجته ، ويوقف ماله ، ويحكم فيه بحكم المرتدّ ، وإن ثبت إكراهه ببيّنةٍ كان بحال المسلم في نسائه وماله . وتفصيل ذلك في موضع ( إكراهٌ ) ( وردّةٌ ) . إكراه الأسير والاستعانة به : 78 - الأسير إن أكرهه الكفّار على الكفر ، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ، لا تبين منه امرأته ، ولا يحرم ميراثه من المسلمين ، ولا يحرمون ميراثهم منه ، وإذا ما أكره على أكل لحم الخنزير أو دخول الكنيسة ففعل وسعه ذلك لقاعدة الضّرورات . ولو أكرهوه على أن يقتل مسلماً لم يكن له ذلك ، كما لا يرخّص له في أن يدلّ على ثغرةٍ ينفذ منها العدوّ إلى مقاتلتنا ، ولا الاشتراك مع العدوّ في القتال عند كثيرٍ من العلماء ، وأجاز ذلك الأوزاعيّ وغيره ، ومنعه مالكٌ وابن القاسم . وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( إكراهٌ ) . الأمان من الأسير وتأمينه : 79 - لا يصحّ الأمان من الأسير عند الحنفيّة ، لأنّ الأمان لا يقع منه بصفة النّظر منه للمسلمين ، بل لنفسه حتّى يتخلّص منهم ، ولأنّ الأسير خائفٌ على نفسه ، إلاّ أنّه فيما بينهم وبينه إن أمنوه وأمنهم ، فينبغي أن يفي لهم كما يفون له ، ولا يسرق شيئاً من أموالهم ، لأنّه غير متّهمٍ في حقّ نفسه ، وقد شرط أن يفي لهم ، فيكون بمنزلة المستأمن في دارهم . وهو ما قاله اللّيث . ووافقهم كلٌّ من : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إذا ما كان الأسير محبوساً أو مقيّداً ، لأنّه مكرهٌ ، وأعطى الشّافعيّة من أمّن آسره حكم المكره ، وقالوا : إنّ أمانه فاسدٌ . أمّا إذا كان مطلقاً وغير مكرهٍ ، فقد نصّ الشّافعيّة على أنّ أسير الدّار - وهو المطلق ببلاد الكفّار الممنوع من الخروج منها - يصحّ أمانه . قال الماورديّ : وإنّما يكون مؤمّنه آمناً بدارهم لا غير ، إلاّ أن يصرّح بالأمان في غيرها . وسئل أشهب عن رجلٍ شذّ عن عسكر المسلمين ، فأسره العدوّ ، فطلبهم المسلمون ، فقال العدوّ للأسير المسلم : أعطنا الأمان ، فأعطاهم الأمان ، فقال : إذا كان أمّنهم ، وهو آمنٌ على نفسه ، فذلك جائزٌ ، وإن كان أمّنهم ، وهو خائفٌ على نفسه ، فليس ذلك بجائزٍ ، وقول الأسير في ذلك جائزٌ . ويعلّل ابن قدامة لصحّة أمان الأسير إذا عقده غير مكرهٍ ، بأنّه داخلٌ في عموم الخبر الّذي رواه مسلمٌ بسنده من أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « ذمّة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم ... » كما أنّه مسلمٌ مكلّفٌ مختارٌ . صلاة الأسير في السّفر ، والانفلات ، وما ينتهي به الأسر : 80 - الأسير المسلم في أيدي الكفّار إن عزم على الفرار من الأسر عند التّمكّن من ذلك ، وكان الكفّار أقاموا به في موضعٍ يريدون المقام فيه المدّة الّتي تعتبر إقامةً ، ولا تقصر بعدها الصّلاة ، لزمه أن يتمّ الصّلاة ، لأنّه مقهورٌ في أيديهم ، فيكون المعتبر في حقّه نيّتهم في السّفر والإقامة ، لا نيّته . وإن كان الأسير انفلت منهم ، وهو مسافرٌ ، فوطّن نفسه على إقامة شهرٍ في غارٍ أو غيره قصر الصّلاة ، لأنّه محاربٌ لهم ، فلا تكون دار الحرب موضع الإقامة في حقّه ، حتّى ينتهي إلى دار الإسلام . وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( صلاة المسافر ) . 81 - والأسر ينتهي بما يقرّر الإمام ، من قتلٍ أو استرقاقٍ أو منٍّ أو فداءٍ بمالٍ ، أو عن طريق تبادل الأسرى على ما سبق بيانه ، كما ينتهي الأسر بموت الأسير قبل قرار الإمام فيه ، وكذلك فإنّه قد ينتهي بفرار الأسير ، يقول الكاسانيّ : لو انفلت أسيرٌ قبل الإحراز بدار الإسلام والتحق بمنعتهم يعود حرّاً ، وينتهي أسره ، ولم يعد فيئاً ، لأنّ حقّ أهل دار الإسلام لا يتأكّد إلاّ بالأخذ حقيقةً ، ولم يوجد . 82 - ويصرّح الفقهاء بأنّه يجب على أسرى المسلمين الفرار إن أطاقوه ، ولم يرج ظهور الإسلام ببقائهم ، للخلوص من قهر الأسر ، وقيّد بعضهم الوجوب بعدم التّمكّن من إظهار الدّين ، لكن جاء في مطالب أولي النّهي : وإن أسر مسلمٌ ، فأطلق بشرط أن يقيم في دار الحرب مدّةً معيّنةً ، ورضي بالشّرط لزمه الوفاء ، وليس له أن يهرب لحديث : « المؤمنون عند شروطهم » وإن أطلق بشرط أن يرجع إليهم لزمه الوفاء ، إن كان قادراً على إظهار دينه ، إلاّ المرأة فلا يحلّ لها الرّجوع . واختار ابن رشدٍ - إذا ائتمن العدوّ الأسير طائعاً على ألاّ يهرب ، ولا يخونهم - أنّه يهرب ولا يخونهم في أموالهم . وأمّا إن ائتمنوه مكرهاً ، أو لم يأتمنوه ، فله أن يأخذ ما أمكنه من أموالهم ، وله أن يهرب بنفسه . وقال اللّخميّ : إن عاهدوه على ألاّ يهرب فليوفّ بالعهد ، فإن تبعه واحدٌ منهم أو أكثر بعد خروجه فليدفعهم حتماً إن حاربوه وكانوا مثليه فأقلّ ، وإلاّ فندباً . أسرةٌ * التعريف : 1 - أسرة الإنسان : عشيرته ورهطه الأدنون ، مأخوذٌ من الأسر ، وهو القوّة ، سمّوا بذلك لأنّه يتقوّى بهم ، والأسرة : عشيرة الرّجل وأهل بيته ، وقال أبو جعفرٍ النّحّاس : الأسرة أقارب الرّجل من قبل أبيه . الألفاظ ذات الصّلة : 2 - لفظ الأسرة لم يرد ذكره في القرآن الكريم ، كذلك لم يستعمله الفقهاء في عباراتهم فيما نعلم . والمتعارف عليه الآن إطلاق لفظ ( الأسرة ) على الرّجل ومن يعولهم من زوجه وأصوله وفروعه . وهذا المعنى يعبّر عنه الفقهاء قديماً بألفاظٍ منها : الآل ، والأهل ، والعيال . كقول النّفراويّ المالكيّ : من قال : الشّيء الفلانيّ وقفٌ على عيالي ، تدخل زوجته في العيال . وفي ابن عابدين : أهله زوجته ، وقالا ، يعني صاحبي أبي حنيفة : كلّ من في عياله ونفقته غير مماليكه ، لقوله تعالى : { فنجّيناه وأهله أجمعين } . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : 3 - ما يعرف بأحكام الأسرة أو الأحوال الشّخصيّة فهو اصطلاحٌ حادثٌ ، والمراد به مجموعة الأحكام الّتي تنظّم العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة . وقد فصّلها الفقهاء في أبواب النّكاح والمهر والنّفقات والقسم والطّلاق والخلع والعدد والظّهار والإيلاء والنّسب والحضانة والرّضاع والوصيّة والميراث ونحوها . وتنظر هذه الأحكام تحت هذه العناوين أيضاً ، وتحت عنوان ( أبٌ ، ابنٌ ، بنتٌ ) إلخ . أسطوانةٌ * التعريف : 1 - الأسطوانة : السّارية في المسجد أو البيت أو نحوهما . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك . الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث : 2 - في وقوف الإمام بين السّواري ، وفي صلاته إلى الأسطوانة خلافٌ . فقال أبو حنيفة ومالكٌ بالكراهة ، وذهب الجمهور إلى عدم الكراهة . وتفصيل ذلك في كتاب الصّلاة ، في مبحث ( صلاة الجماعة ) . أمّا المأمومون : فقد اتّفق الفقهاء على أنّه إذا لم تقطع الأسطوانة الصّفّ فلا كراهة لعدم الدّليل على ذلك . أمّا إذا قطعت ففيه خلافٌ . فالحنفيّة والمالكيّة لا يرون به بأساً ، لعدم الدّليل على المنع . والحنابلة يرون الكراهة ،« لما ورد من النّهي عن الصّفّ بين السّواري »إلاّ أن يكون الصّفّ قدر ما بين السّاريتين ، أو أقلّ فلا يكره . وقد ذكر الفقهاء ذلك أيضاً في صلاة الجماعة . إسفارٌ * التعريف : 1 - من معاني الإسفار في اللّغة : الكشف ، يقال : سفر الصّبح وأسفر : أي أضاء ، وأسفر القوم : أصبحوا ، وسفرت المرأة : كشفت عن وجهها . وأكثر استعمال الفقهاء للإسفار بمعنى ظهور الضّوء ، يقال : أسفر بالصّبح : إذا صلاّها وقت الإسفار ، أي عند ظهور الضّوء ، لا في الغلس . الحكم الإجماليّ : 2 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الوقت الاختياريّ في صلاة الصّبح هو إلى وقت الإسفار ، لما روي : « أنّ جبريل عليه السلام صلّى الصّبح بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم حين طلع الفجر ، وصلّى من الغد حين أسفر ، ثمّ التفت وقال : هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك » . ويرى الحنفيّة أنّه يستحبّ الإسفار بصلاة الصّبح ، وهو أفضل من التّغليس ، في السّفر والحضر ، وفي الصّيف والشّتاء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أسفروا بالفجر » ، وفي روايةٍ « نوّروا بالفجر فإنّه أعظم للأجر » . قال أبو جعفرٍ الطّحاويّ : يبدأ بالتّغليس ويختم بالإسفار جمعاً بين أحاديث التّغليس والإسفار . مواطن البحث : 3 - يبحث الإسفار في الصّلاة عند الكلام عن وقت صلاة الصّبح ، والأوقات المستحبّة . إسقاطٌ * التعريف : 1 - من معاني الإسقاط لغةً : الإيقاع والإلقاء ، يقال : سقط اسمه من الدّيوان : إذا وقع ، وأسقطت الحامل : ألقت الجنين ، وقول الفقهاء : سقط الفرض ، أي سقط طلبه والأمر به . وفي اصطلاح الفقهاء : هو إزالة الملك ، أو الحقّ ، لا إلى مالكٍ ولا إلى مستحقٍّ ، وتسقط بذلك المطالبة به ، لأنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ولا ينتقل ، وذلك كالطّلاق والعتق والعفو عن القصاص والإبراء من الدّين ، وبمعنى الإسقاط : الحطّ ، إذ يستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه . ويستعمله الفقهاء أيضاً في إسقاط الحامل الجنين . وسبق تفصيله في ( إجهاضٌ ) . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الإبراء : 2 - الإبراء عند الفقهاء : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . وهذا عند من يعتبر الإبراء من الدّين إسقاطاً محضاً ، أمّا من يعتبره تمليكاً فيقول : هو تمليك المدين ما في ذمّته . وتوسّط ابن السّمعانيّ فقال : هو تمليكٌ في حقّ من له الدّين ، إسقاطٌ في حقّ المدين ، وهذا بالنّظر لبراءة الإسقاط لا لبراءة الاستيفاء . ويلاحظ أنّه إذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخصٍ ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاطٌ . وبذلك يتبيّن أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ . غير أنّ ابن عبد السّلام من المالكيّة يعتبر الإبراء أعمّ من جهةٍ أخرى ، إذ يقول : الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه ، لأنّه يكون في المعيّن وغيره . ب - الصّلح : 3 - الصّلح اسمٌ بمعنى : المصالحة والتّوفيق والسّلم . وشرعاً : عقدٌ يقتضي قطع النّزاع والخصومة . ويجوز في الصّلح إسقاط بعض الحقّ ، سواءٌ أكان عن إقرارٍ أم إنكارٍ أم سكوتٍ . فإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضةٌ ، وليس إسقاطاً ، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ . ج - المقاصّة : 4 - يقال تقاصّ القوم : إذا قاصّ كلٌّ منهم صاحبه في الحساب ، فحبس عنه مثل ما كان له عليه . والمقاصّة نوعٌ من الإسقاط ، إذ هي إسقاط ما للإنسان من دينٍ على غريمه في مثل ما عليه . فهي إسقاطٌ بعوضٍ ، في حين أنّ الإسقاط المطلق يكون بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وبذلك تكون المقاصّة أخصّ من الإسقاط . ولها شروطٌ تنظر في موضعها . د - العفو : 5 - من معاني العفو : المحو والإسقاط وترك المطالبة ، يقال : عفوت عن فلانٍ إذا تركت مطالبته بما عليه من الحقّ ، ومنه قوله تعالى : { والعافين عن النّاس } . أي التّاركين مظالمهم عندهم لا يطالبونهم بها . فالعفو الّذي يستعمل في ترك الحقّ مساوٍ للإسقاط في المعنى ، إلاّ أنّ العفو على إطلاقه أعمّ لتعدّد استعمالاته . هـ - التّمليك : 6 - التّمليك : نقل الملك وإزالته إلى مالكٍ آخر ، سواءٌ أكان المنقول عيناً كما في البيع ، أم منفعةً كما في الإجارة ، وسواءٌ أكان بعوضٍ كما سبق ، أم بدونه كالهبة . والتّمليك بعمومه يفارق الإسقاط بعمومه ، إذ التّمليك إزالةٌ ونقلٌ إلى مالكٍ ، في حين أنّ الإسقاط إزالةٌ وليس نقلاً ، كما أنّه ليس إلى مالكٍ ، لكنّهما قد يجتمعان في الإبراء من الدّين ، عند من يعتبره تمليكاً ، كالمالكيّة وبعض فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ، ولذلك يشترطون فيه القبول . صفة الإسقاط : حكمه التّكليفيّ : 7 - الإسقاط من التّصرّفات المشروعة في الجملة ، إذ هو تصرّف الإنسان في خالص حقّه ، دون أن يمسّ ذلك حقّاً لغيره . والأصل فيه الإباحة ، وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى . فيكون واجباً ، كترك وليّ الصّغير الشّفعة الّتي وجبت للصّغير ، إذا كان الحظّ في تركها ، لأنّه يجب عليه النّظر في ماله بما فيه حظٌّ وغبطةٌ له . وكالطّلاق الّذي يراه الحكمان إذا وقع الشّقاق بين الزّوجين ، وكذلك طلاق الرّجل إذا آلى من زوجته ولم يفئ إليها . ويكون مندوباً إذا كان قربةً ، كالعفو عن القصاص ، وإبراء المعسر ، والعتق ، والكتابة . ومن النّصوص الدّالّة على النّدب في العفو عن القصاص قوله تعالى : { والجروح قصاصٌ ، فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له } . فندب اللّه تعالى إلى العفو والتّصدّق بحقّ القصاص .. وفي إبراء المدين قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } يقول القرطبيّ : ندب اللّه تعالى بهذه الألفاظ إلى الصّدقة على المعسر ، وجعل ذلك خيراً من إنظاره . ، ولذلك يقول الفقهاء : إنّ المندوب هنا وهو الإبراء أفضل من الواجب وهو الإنظار . وقد يكون حراماً ، كطلاق البدعة ، وهو طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حملٍ ، وكذلك عفو وليّ الصّغير عن القصاص مجّاناً . وقد يكون مكروهاً ، كالطّلاق بدون سببٍ يستدعيه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق » . الباعث على الإسقاط : 8 - تصرّفات المكلّفين فيما يملكون التّصرّف فيه لا تأتي عفواً ، بل تكون لها بواعث ، قد تكون شرعيّةً ، فيكون التّصرّف استجابةً لأوامر الشّرع ، وقد تكون لمصالح شخصيّةٍ . والإسقاط من التّصرّفات الّتي يتأتّى فيها الباعث الشّرعيّ والشّخصيّ . فمن البواعث الشّرعيّة : العمل على حرّيّة الإنسان الّتي هي الأصل لكلّ النّاس ، وذلك العتق الّذي حثّ عليه الإسلام . ومنها : الإبقاء على الحياة ، وذلك بإسقاط حقّ القصاص ممّن ثبت له هذا الحقّ . ومنها : معاونة المعسرين ، وذلك بإسقاط الدّين عنهم إن وجد ، وقد سبق ذكر النّصوص الدّالّة على مشروعيّة ذلك . ومنها : إرادة نفع الجار ، كما في وضع خشبه على جدار جاره وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره » إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع المقام لذكره . أمّا البواعث الشّخصيّة : فمنها : رجاء حسن العشرة بين الزّوجين ، ممّا يدعو الزّوجة إلى إبراء زوجها من المهر في نكاح التّفويض بعد الدّخول ، أو إسقاط الزّوجة حقّها في القسم . ومنها : الإسراع في الحصول على الحرّيّة ، وذلك كالمكاتب ، إذا أسقط حقّه في الأجل في أداء المال المكاتب ، عليه ، فعجّل أداء النّجوم ( الأقساط ) ، فإنّ السّيّد يلزمه أخذ المال ، لأنّ الأجل حقّ المكاتب فيسقط بإسقاطه كسائر الحقوق ، حتّى لو أبى السّيّد أخذ المال جعله الإمام في بيت المال ، وحكم بعتقه . ومنها : الانتفاع المادّيّ ، كالخلع والعفو عن القصاص على مالٍ . أركان الإسقاط : 9 - ركن الإسقاط عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، ويزاد عليها عند غيرهم : الطّرفان - المسقط وهو صاحب الحقّ ، والمسقط عنه الّذي تقرّر الحقّ قبله - والمحلّ وهو الحقّ الّذي يرد عليه الإسقاط . الصّيغة : 10 - ممّا هو معلومٌ أنّ الصّيغة تتكوّن من الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك باتّفاقٍ في الجملة في الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ كالطّلاق على مالٍ . وفي غيرها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول على ما سيأتي . الإيجاب في الصّيغة : 11 - الإيجاب في الصّيغة ، هو ما يدلّ على الإسقاط من قولٍ ، أو ما يؤدّي معنى القول ، من إشارةٍ مفهمةٍ أو كتابةٍ أو فعلٍ أو سكوتٍ . ويلاحظ أنّ الإسقاطات قد ميّز بعضها بأسماءٍ خاصّةٍ تعرف بها ، فإسقاط الحقّ عن الرّقّ عتقٌ ، وعن استباحة البضع طلاقٌ ، وعن القصاص عفوٌ ، وعن الدّين إبراءٌ . ولكلّ نوعٍ من هذه الإسقاطات صيغٌ خاصّةٌ سواءٌ أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ . ر : ( طلاقٌ ، عتقٌ ) . أمّا غير هذه الأنواع من الإسقاطات ، فإنّ حقيقة اللّفظ الّذي يدلّ عليها هو الإسقاط . وما بمعناه . وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً متعدّدةً تؤدّي معنى الإسقاط ، وذلك مثل : التّرك والحطّ والعفو والوضع والإبراء في براءة الإسقاط والإبطال والإحلال ، والمدار في ذلك على العرف ودلالة الحال ، ولذلك جعلوا من الألفاظ الّتي تدلّ عليه : الهبة والصّدقة والعطيّة حين لا يراد بهذه الألفاظ حقيقتها وهي التّمليك ، ويكون المقام دالاًّ على الإسقاط ، ففي شرح منتهى الإرادات : من أبرأ من دينه ، أو وهبه لمدينه ، أو أحلّه منه ، أو أسقطه عنه ، أو تركه له ، أو ملّكه له ، أو تصدّق به عليه ، أو عفا عن الدّين ، صحّ ذلك جميعه ، وكان مسقطاً للدّين . وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عينٌ موجودةٌ يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . قال الحارثيّ : ولهذا لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . وكما يحصل الإسقاط بالقول ، فإنّه يحصل بالكتابة المعنونة المرسومة ، وبالإشارة المفهمة من فاقد النّطق . كذلك قد يحصل الإسقاط بالسّكوت ، كما إذا علم الشّفيع ببيع المشفوع فيه ، وسكت مع إمكان الطّلب ، فإنّ سكوته يسقط حقّه في طلب الشّفعة . ويحصل الإسقاط أيضاً نتيجة فعلٍ يصدر من صاحب الحقّ ، كمن يشتري بشرط الخيار ، ثمّ يتصرّف في المبيع بوقفٍ أو بيعٍ في زمن الخيار ، فإنّ هذا التّصرّف يعتبر إسقاطاً لحقّه في الخيار . القبول : 12 - الأصل في الإسقاط أن يتمّ بإرادة المسقط وحده ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما دام لم يمسّ حقّ غيره . ومن هنا فإنّ الفقهاء يتّفقون على أنّ الإسقاط المحض الّذي ليس فيه معنى التّمليك ، والّذي لم يقابل بعوضٍ ، يتمّ بصدور ما يحقّق معناه من قولٍ ، أو ما يؤدّي معناه دون توقّفٍ على قبول الطّرف الآخر ، كالطّلاق ، فلا يحتاج الطّلاق إلى قبولٍ . 13 - ويتّفقون كذلك على أنّ الإسقاط الّذي يقابل بعوضٍ يتوقّف نفاذه على قبول الطّرف الآخر في الجملة ، كالطّلاق على مالٍ ، لأنّ الإسقاط حينئذٍ يكون معاوضةً ، فيتوقّف ثبوت الحكم على قبول دفع العوض من الطّرف الآخر ، إذ المعاوضة لا تتمّ إلاّ برضى الطّرفين . وقد ألحق الحنفيّة بهذا القسم الصّلح على دم العمد ، فإنّ الحكم فيه يتوقّف على رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } والمراد به الصّلح . ولأنّه حقٌّ ثابتٌ للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً ، فكذا تعويضاً ، لاشتماله على إحسان الأولياء وإحياء القاتل ، فيجوز بالتّراضي . وما ذهب إليه الحنفيّة هو قولٌ للإمام مالكٍ وبعض أصحابه . وعند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ آخر للإمام مالكٍ أنّ من له حقّ القصاص ، إذا أراد أخذ الدّية بدل القصاص ، فله ذلك من غير رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين ، إمّا أن يودى ، وإمّا أن يقاد » . وبهذا قال سعيد بن المسيّب وابن سيرين وعطاءٌ ومجاهدٌ وأبو ثورٍ وابن المنذر . 14 - ويبقى بعد ذلك الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كإبراء المدين من الدّين . وهذا النّوع من الإسقاط هو الّذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي الإسقاط والتّمليك . فالحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة وأشهب من المالكيّة ، نظروا إلى جانب الإسقاط فيه ، فلا يتوقّف تمامه عندهم على القبول ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه أو بعضه . ولأنّه إسقاط حقٍّ ليس فيه تمليك مالٍ ، فلم يعتبر فيه القبول ، كالعتق والطّلاق والشّفعة . بل إنّ الخطيب الشّربينيّ قال : لا يشترط القبول على المذهب ، سواءٌ قلنا : الإبراء تمليكٌ أو إسقاطٌ . ويستوي عند هؤلاء الفقهاء التّعبير بالإبراء أو بهبة الدّين للمدين ، إلاّ ما فرّق به بعض الحنفيّة من أنّ التّعبير بالهبة يحتاج إلى القبول . جاء في الفتاوى الهنديّة : هبة الدّين من الكفيل لا تتمّ بدون القبول ، وإبراؤه يتمّ بدون قبولٍ . 15 - ولمّا كان الإبراء من بدل الصّرف ورأس مال السّلم يتوقّف على القبول عند الحنفيّة ، ممّا يشعر بالتّعارض مع رأيهم في عدم توقّف الإبراء من الدّين على القبول ، فقد علّلوا ذلك بأنّ التّوقّف على القبول فيهما ليس من جهة أنّه هبة الدّين للمدين ، ولكن لأنّ الإبراء فيهما يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحقّ بالعقد لحقّ الشّارع ، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخه ، فلهذا توقّف على قبول الآخر . والأرجح عند المالكيّة ، وعند بعض الشّافعيّة أنّ إبراء المدين من الدّين يتوقّف تمامه على القبول ، لأنّ الإبراء - على رأيهم - نقلٌ للملك ، فهو تمليك المدين ما في ذمّته ، فيكون من قبيل الهبة الّتي يشترط فيها القبول . والحكمة في ذلك عندهم هي ترفّع ذوي المروءات عمّا قد يحدث في الإبراء من منّةٍ ، وما قد يصيبهم من ضررٍ بذلك ، لا سيّما من السّفلة ، فكان لهم الرّفض شرعاً ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجةٍ . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية