الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40900" data-attributes="member: 329"><p>ردّ الإسقاط : </p><p>16 - لا يختلف الفقهاء في أنّ الإسقاطات المحضة الّتي ليس فيها معنى التّمليك ، والّتي لم تقابل بعوضٍ ، كالعتق والطّلاق والشّفعة والقصاص لا ترتدّ بالرّدّ ، لأنّها لا تفتقر إلى القبول ، وبالإسقاط يسقط الملك والحقّ ، فيتلاشى ولا يؤثّر فيه الرّدّ ، والسّاقط لا يعود كما هو معلومٌ . ولا يختلفون كذلك في أنّ الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ ، كالطّلاق والعتق على مالٍ ، ترتدّ بالرّدّ ما لم يسبق قبولٌ أو طلبٌ .</p><p>17 - أمّا ما فيه معنى التّمليك كالإبراء من الدّين ، فعند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم ، وهو رأي بعض الشّافعيّة ، أنّه يرتدّ بالرّدّ ، نظراً لجانب التّمليك فيه ، ولما قد يترتّب على عدم قابليّته للرّدّ من ضرر المنّة الّتي يترفّع عنها ذوو المروءات .</p><p>18 - هذا مع استثناء الحنفيّة لبعض المسائل الّتي لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي : </p><p>أ - إذا أبرأ المحال المحال عليه فلا يرتدّ بردّه .</p><p>ب - إذا أبرأ الطّالب الكفيل فالأرجح أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، وقيل يرتدّ .</p><p>ج - إذا طلب المدين الإبراء فأبرأه الدّائن فلا يرتدّ بالرّدّ .</p><p>د - إذا قبل المدين الإبراء ثمّ ردّه لا يرتدّ .</p><p> وهذه المسائل في الحقيقة ليست خروجاً على الأصل الّذي سار عليه الحنفيّة ، ذلك أنّ الحوالة والكفالة من الإسقاطات المحضة ، لأنّ الواجب هو حقّ المطالبة وليس فيه تمليك مالٍ . وأمّا القبول إذا تمّ فلا معنى للرّدّ بعده ، وكذلك طلب المدين البراءة يعتبر قبولاً .</p><p>19 - ومع اتّفاق الحنفيّة على أنّ الإبراء يرتدّ بالرّدّ إلاّ أنّهم يختلفون من حيث تقييد الرّدّ بمجلس الإبراء وعدم تقييده . قال ابن عابدين : هما قولان . وفي الفتاوى الصّيرفيّة : لو لم يقبل ولم يردّ حتّى افترقا ، ثمّ بعد أيّامٍ ردّ لا يرتدّ في الصّحيح .</p><p>التّعليق والتّقييد والإضافة في الإسقاطات : </p><p>20 - التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، ويستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً ، كإن وإذا ، وانعقاد الحكم فيه يتوقّف على حصول الشّرط .</p><p>21 - والتّقييد بالشّروط ما جزم فيه بالأصل ، وشرط فيه أمرٌ آخر ، ولا يستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً .</p><p>22 - أمّا الإضافة فهي وإن كانت لا تمنع سببيّة اللّفظ للحكم إلاّ أنّها تجعل الحكم يتأخّر البدء به إلى زمنٍ مستقبلٍ يحدّده المتصرّف .</p><p> وبيان ذلك بالنّسبة للإسقاطات هو :</p><p> أوّلاً : تعليق الإسقاط على الشّرط : </p><p>23 - يجوز باتّفاق الفقهاء تعليق الإسقاطات على الشّرط الكائن بالفعل ( أي الموجود حالة الإسقاط ) ، لأنّه في حكم المنجز ، كقول الدّائن لغريمه : إن كان لي عليك دينٌ فقد أبرأتك ، وكقول الرّجل لامرأته : أنت طالقٌ إن كانت السّماء فوقنا والأرض تحتنا ، وكمن قال لآخر : باعني فلانٌ دارك بكذا ، فقال : إن كان كذا فقد أجزته ، وإن كان فلانٌ اشترى هذا الشّقص بكذا فقد أسقطت الشّفعة . كذلك يجوز باتّفاق الفقهاء التّعليق على موت المسقط ، ويعتبر وصيّةً ، كقوله لمدينه : إذا متّ فأنت بريءٌ . وهذا فيما عدا من علّق طلاق زوجته على موته ، إذ فيه الاختلاف بين تنجيز الطّلاق وبين عدم وقوعه .</p><p> أمّا فيما عدا ذلك من الشّروط فيمكن تقسيم الإسقاطات بالنّسبة لها في الجملة إلى الآتي : </p><p>24 - أ - إسقاطاتٌ محضةٌ ليس فيها معنى التّمليك ولم تقابل بعوضٍ . وهذه يجوز في الجملة تعليقها على الشّرط ، غير أنّ الحنفيّة وضعوا هنا ضابطاً فقالوا : إن كانت الإسقاطات ممّا يحلف بها ، كالطّلاق والعتق ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط ملائماً أم غير ملائمٍ . وإن كانت ممّا لا يحلف بها ، كالإذن في التّجارة وتسليم الشّفعة ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط الملائم فقط ، وهو ما يؤكّد موجب العقد .</p><p> ويعبّر الحنفيّة أحياناً بالشّرط المتعارف . ويظهر أنّ المراد بهما واحدٌ ، ففي ابن عابدين : وفي البحر عن المعراج : غير الملائم هو ما لا منفعة فيه للطّالب أصلاً ، كدخول الدّار ومجيء الغد ، لأنّه غير متعارفٍ . وفي فتح القدير - بعد الكلام عن اختلاف الرّوايات في جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشّرط - قال : وجه اختلاف الرّوايتين أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان الشّرط محضاً لا منفعة فيه أصلاً ، لأنّه غير متعارفٍ بين النّاس ، كما لا يجوز تعليق الكفالة بشرطٍ ليس للنّاس فيه تعاملٌ ، فأمّا إذا كان بشرطٍ فيه نفعٌ للطّالب ، وله تعاملٌ ، فتعليق البراءة به صحيحٌ . ولم يتعرّض غير الحنفيّة لهذا التّقسيم ، والّذي يبدو ممّا ذكروه أنّه يجوز عندهم تعليق الإسقاطات المحضة على الشّرط مطلقاً ، دون تفريقٍ بين ما يحلف به وما لا يحلف به ، ويدلّ لذلك الضّابط الّذي وضعه الشّافعيّة وهو : ما كان تمليكاً محضاً لا مدخل للتّعليق فيه قطعاً كالبيع ، وما كان حلاًّ محضاً ، يدخله التّعليق قطعاً كالعتق ، وبينهما مراتب يجري فيها الخلاف كالفسخ والإبراء . وأمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ المسائل الّتي ذكروا أنّها تقبل التّعليق تفيد هذا المعنى . وقد ورد الكثير من هذه المسائل في فتاوى الشّيخ عليشٍ المالكيّ ، ومنها : إذا طلبت الحاضنة الانتقال بالأولاد إلى مكان بعيدٍ ، فقال الأب : إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليك ، لزمها ذلك ، لأنّ للأب منعها من الخروج بهم إلى مكان بعيدٍ ، فأسقط حقّه بذلك . وإذا قال الشّفيع : إن اشتريت ذلك الشّقص فقد سلّمت لك شفعتي على دينارٍ تعطيني إيّاه ، فإن لم يبعه منك فلا جعل لي عليك ، جاز ذلك .</p><p>25 - ب - إسقاطاتٌ فيها معنى المعاوضة ، كالخلع والمكاتبة . وما يلحق بهما من الطّلاق والعتق على مالٍ . فالطّلاق على مالٍ وكذا العتق على مالٍ تعليقهما جائزٌ باتّفاقٍ ، لأنّهما إسقاطٌ محضٌ ، والمعاوضة فيهما معدولٌ بها عن سائر المعاوضات .</p><p> وأمّا الخلع فقد أجاز تعليقه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح ، باعتباره طلاقاً ، ومنعه الحنابلة لمعنى المعاوضة .</p><p> وأمّا المكاتبة فقد أجاز تعليقها بالشّرط الحنفيّة والمالكيّة ، ومنعها الحنابلة والشّافعيّة ، جاء في قواعد الزّركشيّ : المعاوضة غير المحضة وهي الّتي يكون المال فيها مقصوداً من جانبٍ واحدٍ ( أي كالمكاتبة ) لا تقبل التّعليق ، إلاّ في الخلع من جانب المرأة .</p><p>26 - ج - الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كالإبراء من الدّين . وقد أجاز تعليقه على الشّرط الحنفيّة والمالكيّة . غير أنّ الحنفيّة قيّدوه بالشّرط الملائم أو المتعارف على ما سبق تفسيره . ومنع تعليقة الحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ .</p><p> وقد استثنى الشّافعيّة ثلاث صورٍ يجوز فيها التّعليق ، وهي :</p><p>( 1 ) لو قال : إن رددت ضالّتي فقد أبرأتك عن الدّين الّذي لي عليك صحّ .</p><p>( 2 ) تعليق الإبراء ضمناً ، كما إذا علّق عتق عبده ، ثمّ كاتبه فوجدت الصّفة ، عتق ، وتضمّن ذلك الإبراء من النّجوم ( أي الأقساط ) .</p><p>( 3 ) البراءة المعلّقة بموت المبرّئ ، وقد سبق بيان ذلك .</p><p>ثانياً : تقييد الإسقاط بالشّرط : </p><p>27 - يصحّ في الجملة تقييد الإسقاطات بالشّروط ، فإن كان الشّرط صحيحاً لزم ، وإن كان الشّرط فاسداً فلكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في الحكم على ما يعتبر فاسداً من الشّروط وما لا يعتبر ، وهل يبطل التّصرّف بفساد الشّرط ، أو يبطل الشّرط ويصحّ التّصرّف . ونترك التّفاصيل لمواضعها . لكنّ الحكم الغالب في الإسقاطات أنّها لو قيّدت بالشّرط الفاسد ، صحّ وبطل الشّرط . ويتبيّن هذا ممّا ذكره بعض الفقهاء من الضّوابط ، ومن الفروع الّتي أوردها غيرهم ، وفيما يلي بيان ذلك .</p><p> قال الحنفيّة : كلّ ما جاز تعليقه بالشّرط يجوز تقييده بالشّرط ، ولا يفسد بالشّرط ، الفاسد . وقالوا أيضاً : ما ليس مبادلة مالٍ بمالٍ لا يفسد بالشّرط الفاسد . وذكر صاحب الدّرّ وابن عابدين التّصرّفات الّتي تصحّ ولا تفسد بالشّرط الفاسد ، ومنها : الطّلاق والخلع والعتق والإيصاء والشّركة والمضاربة والكفالة والحوالة والوكالة والكتابة والإذن في التّجارة والصّلح عن دم العمد والإبراء عنه . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلم يربطوا بين التّعليق والتّقييد ، فقد ذكر القرافيّ في الفروق أنّ ما يقبل الشّرط والتّعليق : الطّلاق والعتق ، ولا يلزم من قبول التّعليق قبول الشّرط ، ولا من قبول الشّرط قبول التّعليق ، وتطلب المناسبة في كلّ بابٍ من أبواب الفقه . ومن الأمثلة الّتي وردت عندهم : لو خالعت زوجها واشترطت الرّجعة ، لزم الخلع ، وبطل الشّرط . ولو صالح الجاني وليّ الدّم على شيءٍ بشرط أن يرحل من البلد ، فقال ابن كنانة : الشّرط باطلٌ والصّلح جائزٌ ، وقال ابن القاسم : لا يجوز الصّلح ، وقال المغيرة : الشّرط جائزٌ والصّلح لازمٌ ، وكان سحنونٌ يعجبه قول المغيرة .</p><p> ويقول الشّافعيّة : الشّرط الفاسد قد يترتّب عليه بعض أحكام الصّحيح ، ومثل ذلك في الإسقاطات الكتابة والخلع . وممّا قاله الحنابلة في ذلك : إذا قيّد الخلع بشرطٍ فاسدٍ صحّ الخلع ولغا الشّرط . وفي المغني : العتق والطّلاق لا تبطلهما الشّروط الفاسدة .</p><p>ثالثاً : إضافة الإسقاط إلى الزّمن المستقبل : </p><p>28 - من التّصرّفات ما يظهر أثرها ويترتّب عليها الحكم بمجرّد تمّام الصّيغة ، ولا تقبل إرجاء حكمها إلى زمنٍ آخر كالزّواج والبيع . ومن التّصرّفات ما تكون طبيعتها تمنع ظهور أثرها إلاّ في زمنٍ مستقبلٍ ، كالوصيّة . ومن التّصرّفات ما يقع حكمه منجزاً ، كالطّلاق تنتهي به الزّوجيّة في الحال ، ويصحّ أن يضاف إلى زمنٍ مستقبلٍ لا تنتهي الزّوجيّة إلاّ عند حصوله . وإضافة الطّلاق إلى الزّمن المستقبل جائزٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهو منجزٌ عند المالكيّة ولو أضافه إلى المستقبل ، لأنّه بهذه الإضافة أشبه بنكاح المتعة . وكذلك العتق فإنّه إسقاطٌ يقبل الإضافة . وممّا ذكره الحنفيّة من الإسقاطات الّتي لا تقبل الإضافة إلى زمن مستقبلٍ : الإبراء من الدّين وإسقاط القصاص . والحكم الغالب أنّ الإسقاطات الّتي ليس فيها معنى التّمليك تقبل الإضافة إلى الزّمن المستقبل . هذا في الجملة ، ولكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في كلّ نوعٍ من أنواع التّصرّفات ، وينظر في موضعه .</p><p>من يملك الإسقاط ( المسقط ) : </p><p>29 - الإسقاط قد يكون من قبل الشّرع أساساً ، كإسقاط العبادات الّتي يكون في مباشرتها مشقّةٌ وحرجٌ على المكلّف ، وكإسقاط العقوبات الّتي ترد عليها شبهةٌ ، وسيأتي بيان ذلك . وقد يكون الإسقاط من قبل العباد نتيجةً لأمر الشّارع ، إمّا على سبيل الوجوب كالعتق في الكفّارات ، وإمّا على سبيل النّدب كإبراء المعسر من الدّين ، وكالعفو عن القصاص .</p><p> وقد يكون الإسقاط من العباد بعضهم لبعضٍ لأسبابٍ خاصّةٍ ، كإسقاط حقّ الشّفعة لعدم الرّغبة في الشّراء . على ما سبق بيانه في الحكم التّكليفيّ .</p><p>ما يشترط في المسقط : </p><p>30 - الإسقاط من العباد يعتبر من التّصرّفات الّتي يتنازل فيها الإنسان عن حقّه ، فهو في حقيقته تبرّعٌ . ولمّا كان هذا التّصرّف قد يعود على المسقط بالضّرر ، فإنّه يشترط أهليّته للتّبرّع ، وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً . فلا يصحّ الإسقاط من الصّبيّ والمجنون وهذا في الجملة ، لأنّ الحنابلة يقولون بصحّة الخلع من الصّغير الّذي يعقله ، لأنّ فيه تحصيل عوضٍ له . ويشترط كذلك أن يكون غير محجورٍ عليه لسفهٍ أو دينٍ ، وهذا بالنّسبة للتّبرّعات ، لأنّه يجوز أن يطلّق وأن يعفو عن القصاص وأن يخالع ، لكن لا يدفع إليه المال ، ولذلك لا يصحّ الخلع من الزّوجة المحجور عليها لسفهٍ أو صغرٍ ، مع ملاحظة أنّه لا يحجر على السّفيه ، ولا على المدين عند أبي حنيفة . ر : ( حجرٌ ، وسفهٌ ، وأهليّةٌ ) .</p><p>ويشترط أيضاً أن يكون ذا إرادةٍ ، فلا يصحّ إسقاط المكره ، إلاّ ما قاله الحنفيّة من صحّة الطّلاق والعتق من المكره . وللفقهاء تفصيلٌ بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ . وينظر في ( إكراهٌ ) . ويشترط أن يكون في حال الصّحّة ، إذا كان إسقاطه لكلّ ماله أو أكثر من الثّلث ، فإن كان مريضاً مرض الموت وقت الإسقاط فتصرّفه فيما زاد على الثّلث للأجنبيّ ، أو بأقلّ للوارث ، يتوقّف على إجازة الورثة . ر : ( وصيّةٌ ) .</p><p>وإذا كان المريض مديناً والتّركة مستغرقةٌ بالدّيون فلا يصحّ منه الإبراء ، لتعلّق حقّ الغرماء . ويشترط أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلافٌ بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيلٌ موضعه مصطلح ( فضوليٌّ ) .</p><p> وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . وعلى الجملة فإنّه يصحّ التّوكيل بالخلع ، وبالإعتاق على مالٍ ، وبالصّلح على الإنكار ، وفي إبراءٍ من الدّين ولو للوكيل ، إذا عيّنه الموكّل وقال له : أبرئ نفسك . ويراعى في كلّ ذلك ما يشترط في الموكّل والوكيل وما أذن فيه . وينظر تفصيله في ( وكالةٌ ) . وقد يكون ملك التّصرّف بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للصّغير والمولّى عليه ، فلا يجوز له التّبرّع ولا إسقاط المهر ولا العفو على غير مالٍ ولا ترك الشّفعة إذا كان في التّرك ضررٌ . وهذا في الجملة ( ر : وصايةٌ ولايةٌ ) .</p><p>المسقط عنه : </p><p>31 - المسقط عنه هو من كان عليه الحقّ أو تقرّر قبله ، ويشترط فيه أن يكون معلوماً في الجملة . هذا ، وأغلب الإسقاطات يكون المسقط عنه أو له معروفاً ، كما في الشّفعة والقصاص والخيار وما شابه ذلك . وإنّما نتصوّر الجهالة في إبراء المدين وفي الإعتاق والطّلاق وما أشبه ذلك . أمّا الإبراء من الدّين فيشترط فيه أن يكون المبرّأ معلوماً ، وهذا باتّفاقٍ . ولذلك لو قال : أبرأت شخصاً أو رجلاً ممّا لي قبله لا يصحّ . ومثله ما لو قال : أبرأت أحدً غريميّ ، أمّا لو قال : أبرأت أهالي المحلّة الفلانيّة ، وكان أهل تلك المحلّة معيّنين ، وعبارةً عن أشخاصٍ معدودين ، فإنّه يصحّ الإبراء .</p><p> كذلك يشترط أن يكون الإبراء لمن عليه الحقّ ، فلو أبرئ غير من عليه الحقّ لا يصحّ ، ومثال ذلك : إذا أبرئ قاتلٌ من ديةٍ واجبةٍ على عاقلته ، فلا يصحّ الإبراء في ذلك ، لوقوعه على غير من عليه الحقّ . أمّا لو أبرئت عاقلة القاتل ، أو قال المجنيّ عليه : عفوت عن هذه الجناية ، ولم يسمّ المبرّأ من قاتلٍ أو عاقلةٍ صحّ الإبراء ، لانصرافه إلى من عليه الحقّ . ولا يشترط في الإبراء من الدّين أن يكون المبرّأ مقرّاً بالحقّ ، حيث يجوز الإبراء من الإنكار . ومثل ذلك يقال في غير الدّين ممّا يصحّ إسقاطه .</p><p> وأمّا بالنّسبة للطّلاق فإنّه يصحّ مع الإبهام ، لكن لا بدّ من التّعيين ، فمن قال لزوجتيه : إحداكما طالقٌ ، فإنّ الطّلاق يقع ، ولكنّه يلزم بتعيين المطلّقة . وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا عند المالكيّة فالمشهور أنّهما تطلقان ، وهو قول المصريّين ، وقال المدنيّون : يختار واحدةً للطّلاق . وعند الحنابلة : يقرع بينهما إن لم يكن نوى واحدةً بعينها .</p><p>محلّ الإسقاط : </p><p>32 - المحلّ الّذي يجري عليه التّصرّف يسمّى حقّاً ، وهو بهذا الإطلاق العامّ يشمل الأعيان ، ومنافعها ، والدّيون ، والحقوق المطلقة . وكلّ من ملك حقّاً من هذه الحقوق - بهذا الإطلاق العامّ - يصبح له بحكم الملك ولاية التّصرّف فيه باختياره ، ليس لأحدٍ ولاية الجبر عليه إلاّ لضرورةٍ أو لمصلحةٍ عامّةٍ ، ولا لأحدٍ ولاية المنع عنه إلاّ إذا تعلّق به حقّ الغير ، فيمنع عن التّصرّف من غير رضى صاحب الحقّ .</p><p> والإسقاط من هذه التّصرّفات ، إلاّ أنّه ليس كلّ محلٍّ قابلاً للإسقاط ، بل منه ما يقبل الإسقاط لتوفّر شروطه ، ومنه ما لا يقبله لعدم تحقّق شروطه ، ككونه مجهولاً ، أو تعلّق به حقٌّ للغير وهكذا . وبيان ذلك فيما يلي :</p><p> ما يقبل الإسقاط</p><p> أوّلاً - الدّين : </p><p>33 - يصحّ باتّفاقٍ إسقاط الدّين الثّابت في الذّمّة ، لأنّه حقٌّ ، والحقوق تسقط بالإسقاط ، فكلّ من ثبت له دينٌ على غيره ، سواءٌ أكان ثمن مبيعٍ ، أم كان مسلماً فيه ، أم نفقةً مفروضةً ماضيةً للزّوجة ، أم غير ذلك ، فإنّه يجوز له إسقاطه . وسواءٌ أكان الإسقاط خاصّاً بدينٍ أم عامّاً لكلّ الدّين ، وسواءٌ أكان مطلقاً أم معلّقاً أم مقيّداً بشرطٍ على ما سبق بيانه . وكما يجوز الإبراء عن كلّ الدّين فإنّه يجوز الإبراء عن بعضه .</p><p> وكما يصحّ إسقاط الدّين بدون عوضٍ ، يصحّ إسقاطه نظير عوضٍ ، مع الاختلاف في الصّورة أو الكيفيّة الّتي يتمّ بها ذلك ، ومن هذه الصّور : </p><p>أ - أن يعطي المدين الدّائن ثوباً في مقابلة إبرائه ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له نظير الإبراء ويبرّأ المدين ، وذلك كما يقول الشّافعيّة .</p><p>ب - يقول الحنابلة : من وجبت عليه نفقة امرأته ، وكان له عليها دينٌ ، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها ، فإن كانت موسرةً فله ذلك ، لأنّ من عليه حقٌّ فله أن يقضيه من أيّ أمواله شاء ، وهذا من ماله .</p><p> ويظهر أنّ هذه الصّورة تعتبر من قبيل المقاصّة ، والمقاصّة بالتّراضي تعتبر إسقاطاً بعوضٍ من الجانبين . مع مراعاة شروطها من اتّحاد الدّين قدراً ووصفاً وغير ذلك من الشّروط .</p><p>ت - كذلك يأتي إسقاط الدّين نظير عوض صورة الصّلح . وقد قسّم القرافيّ الإسقاط إلى قسمين : بعوضٍ وبغيره ، وجعل من الإسقاط بعوضٍ الصّلح عن الدّين .</p><p>ث - في حاشية ابن عابدين : إذا أبرأت الزّوجة زوجها من المهر والنّفقة ليطلّقها ، صحّ الإبراء ، ويكون بعوضٍ ، وهو أنّه ملّكها نفسها .</p><p>ج - وقد يأتي إسقاط الدّين بعوضٍ في صور التّعليق ، كمن قال لغيره : إن أعطيتني سيّارتك أسقطت عنك الدّين الّذي لي عليك .</p><p>ح - والإبراء أيضاً في صورة الخلع يعتبر من قبيل العوض .</p><p>ثانياً : العين</p><p>34 - الأصل أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، على ما سيأتي بيانه فيما لا يقبل الإسقاط ، إلاّ أنّ بعض التّصرّفات تعتبر إسقاطاً للملك . وذلك كالعتق ، فإنّه يعتبر إسقاطاً لملك الرّقبة وهي عينٌ . والعتق مشروعٌ بل مندوبٌ إليه شرعاً ، وقد يكون واجباً كما في الكفّارات .</p><p> كذلك الوقف يعتبر إسقاطاً للملك عند بعض الفقهاء ، ففي قواعد المقري : وقف المساجد إسقاط ملكٍ إجماعاً ، وفي غيرها قولان .</p><p> وقد يأتي إسقاط العين نظير عوضٍ عمّن عقد الصّلح ، والصّلح جائزٌ شرعاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الصّلح جائزٌ بين المسلمين إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً » . وسواءٌ أكان عن إقرارٍ ، أم عن إنكارٍ ، أم سكوتٍ ، فإن كان عن إنكارٍ أو سكوتٍ فهو في حقّ المدّعي معاوضة حقّه في زعمه ، وهذا مشروعٌ ، في حقّ المدّعى عليه افتداء اليمين ودفع الخصومة وهذا مشروعٌ . بل إنّ بعض الحنابلة أجاز الصّلح عمّا تعذّر علمه من دينٍ أو عينٍ بمالٍ لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .</p><p> ويلاحظ أنّ الشّافعيّة لا يجيزون الصّلح عن إنكارٍ . وإن كان الصّلح عن إقرارٍ اعتبر كالبيع ، إن كان مبادلة مالٍ بمالٍ ، أو كالإجارة إن كان مبادلة مالٍ بمنفعةٍ ، أو كالهبة إن كان على ترك بعض العين . ويعتبر في كلّ حالٍ شروطها . وينظر تفصيل ذلك في ( صلحٌ ) .</p><p>ثالثاً : المنفعة : </p><p>35 - المنافع حقوقٌ تثبت لمستحقّيها ، سواءٌ أكانت نتيجة ملك العين المنتفع بها ، أم كانت نتيجة ملك المنفعة دون الرّقبة ( أي العين ) بمقتضى عقدٍ ، كالإجارة والعاريّة والوصيّة بالمنفعة ، أو بغير عقدٍ ، كتحجير الموات لإحيائه ، والاختصاص بمقاعد الأسواق ، وما شابه ذلك . والأصل في المنافع أنّها تقبل الإسقاط بإسقاط مالك العين المنتفع بها أو مستحقّ منفعتها ، إذ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما لم يكن هناك مانعٌ من ذلك . وهذا باتّفاقٍ . وصور ذلك كثيرةٌ في مسائل الفقه ومن أمثلتها : </p><p>أ - من أوصى لرجلٍ بسكنى داره ، فمات الموصي ، وباع الوارث الدّار ، ورضي به الموصى له ، جاز البيع وبطلت سكناه .</p><p>ب - من وصّى بعين دار لزيدٍ ، وبالمنفعة لعمرٍو ، فأسقط الموصى له بالمنفعة حقّه ، سقط بالإسقاط .</p><p>ج - من كان له مسيل ماءٍ في دار غيره ، فقال : أبطلت حقّي في المسيل ، فإن كان له حقّ إجراء الماء دون الرّقبة بطل حقّه قياساً على حقّ السّكنى .</p><p>د - يجوز إسقاط الحقّ في الانتفاع ببيوت المدارس الموقوفة على الوجه الّذي أسقطه صاحبه .</p><p> فإن أسقطه مدّةً مخصوصةً رجع إليه بعد انتهائها ، وإن أطلق في الإسقاط فلا يعود له .</p><p>هـ- أماكن الجلوس في المساجد والأسواق يجوز إسقاط الحقّ فيها .</p><p> هذا بالنّسبة لإسقاط الحقّ في المنافع بدون عوضٍ .</p><p>36 - أمّا إسقاطه بعوضٍ ، فإنّه يرجع إلى قاعدة التّفريق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع ، فإنّ الأصل أنّ كلّ من ملك المنفعة ملك المعاوضة عليها ، ومن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليه . وعلى ذلك فكلّ من ملك المنفعة ، سواءٌ أكان مالكاً للرّقبة ، أم مالكاً للمنفعة دون الرّقبة ، فإنّه يجوز له إسقاط حقّه في المنفعة والاعتياض عنه وهذا عند الجمهور . أمّا الحنفيّة ، فإنّ الاعتياض عن المنافع عندهم لا يجوز إلاّ لمالك الرّقبة والمنفعة ، أو لمالك المنفعة بعوضٍ . والمنافع ليست بأموالٍ عندهم . وكذلك لا يجوز عندهم إفراد حقوق الارتفاق بعقد معاوضةٍ على الأصحّ ، وإنّما يجوز تبعاً .</p><p> وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ، ارتفاقٌ ، إعارةٌ ، وصيّةٌ ، وقفٌ ) .</p><p>37 - ومن الأمثلة على إسقاط الحقّ في المنافع بعوضٍ : ما لو صالح الورثة من أوصى له مورّثهم بسكنى دارٍ معيّنةٍ من التّركة بدراهم مسمّاةٍ جاز ذلك صلحاً ، لأنّه إسقاط حقٍّ ، ومثل ذلك ما لو أنّ الموصى له بعين الدّار صالح الموصى له بسكناها بدراهم أو بمنفعة عينٍ أخرى لتسلّم الدّار له جاز .</p><p>رابعاً : الحقّ المطلق :</p><p>38 - ينقسم الحقّ بحسب من يضاف إليه إلى الآتي :</p><p>- -حقٌّ خالصٌ للّه سبحانه وتعالى ، وهو كلّ ما يتعلّق به النّفع العامّ ، أو هو امتثال أوامره ونواهيه .</p><p>- وحقٌّ خالصٌ للعباد ، وهو مصالحهم المقرّرة بمقتضى الشّريعة .</p><p>- وما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، كحدّ القذف والتّعزير .</p><p> والأصل أنّ الحقّ للّه سبحانه وتعالى ، لأنّه ما من حقٍّ للعبد إلاّ وفيه حقٌّ للّه تعالى ، وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه . وإفراد نوعٍ من الحقوق بجعله حقّاً للعبد فقط ، إنّما هو بحسب تسليط العبد على التّصرّف فيه بحيث لو أسقطه لسقط ، فكلّ واحدٍ من الحقّين ( حقّ اللّه وحقّ العبد ) موكولٌ لمن هو منسوبٌ إليه ثبوتاً وإسقاطاً . وبيان ذلك فيما يأتي : حقّ اللّه سبحانه وتعالى : </p><p>39 - ذكر حقّ اللّه هنا فيما يقبل الإسقاط إنّما هو باعتبار قبوله للإسقاط من قبل الشّارع ، أمّا من قبل العباد فلا يجوز على ما سيأتي .</p><p> وحقوق اللّه : إمّا عباداتٌ محضةٌ ماليّةٌ كالزّكاة ، أو بدنيّةٌ كالصّلاة ، أو جامعةٌ للبدن والمال كالحجّ . وإمّا عقوباتٌ محضةٌ كالحدود . وإمّا كفّاراتٌ وهي متردّدةٌ بين العقوبة والعبادة . ويقول الفقهاء : إنّ حقوق اللّه مبنيّةٌ على المسامحة ، بمعنى أنّه سبحانه وتعالى لن يلحقه ضررٌ في شيءٍ ، ومن ثمّ قبل الرّجوع عن الإقرار بالزّنى فيسقط الحدّ ، بخلاف حقّ الآدميّين فإنّهم يتضرّرون . وبإيجازٍ نذكر الأسباب الموجبة لإسقاط حقّ اللّه كما اعتبرها الشّارع : </p><p>40 -حقوق اللّه سبحانه وتعالى تقبل الإسقاط في الجملة للأسباب الّتي يعتبرها الشّرع مؤدّيةً إلى ذلك ، تفضّلاً منه ، ورحمةً بالعباد ، ورفعاً للحرج والمشقّة عنهم ، كإسقاط العبادات والعقوبات عن المجنون ، وكإسقاط بعض العبادات بالنّسبة لأصحاب الأعذار كالمرضى والمسافرين ، لما ينالهم من مشقّةٍ . وقد فصّل الفقهاء المشاقّ وأنواعها ، وبيّنوا لكلّ عبادةٍ مرتبةً معيّنةً من مشاقّها المؤثّرة في إسقاطها ، وأدرجوا ذلك تحت قاعدة : المشقّة تجلب التّيسير ، أخذاً من قوله تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ } .</p><p> والحكم المبنيّ على الأعذار يسمّى رخصةً . ومن أقسام الرّخصة ما يسمّى رخصة إسقاطٍ ، كإسقاط الصّلاة عن الحائض والنّفساء ، وإسقاط الصّوم عن الشّيخ الكبير الّذي لا يقوى عليه . وصلاة المسافر قصراً فرضٌ عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للمالكيّة ، وتعتبر رخصة إسقاطٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . وجه الاستدلال : أنّ التّصدّق بما لا يحتمل التّمليك إسقاطٌ لا يحتمل الرّدّ ، وإن كان ممّن لا يلزم طاعته كوليّ القصاص ، فهو من اللّه الّذي تلزم طاعته أولى .</p><p> والمذهب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ قصر الصّلاة سنّةٌ للتّرفيه عن العبد . كذلك يسقط فرض الكفاية عمّن لم يقم به ، إذا قام به غيره ، بل إنّ القرافيّ يقول : يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظنّ الفعل ، لا وقوعه تحقيقاً .</p><p> ومن ذلك أيضاً إسقاط الحرمة في تناول المحرّم للضّرورة ، كأكل المضطرّ للميتة ، وإساغة اللّقمة بالخمر لمن غصّ بها ، وإباحة نظر العورة للطّبيب . ويسري هذا الحكم على المعاملات ، فمن الرّخصة ما سقط مع كونه مشروعاً في الجملة ، وذلك كما في السّلم ، لقول الرّاوي : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » . وأنّ الأصل في البيع أن يلاقي عيناً ، وهذا حكمٌ مشروعٌ ، لكنّه سقط في السّلم . ومن التّخفيف : مشروعيّة الطّلاق ، لما في البقاء على الزّوجيّة من المشقّة عند التّنافر ، وكذا مشروعيّة الخلع والافتداء ، ومشروعيّة الكتابة ليتخلّص العبد من دوام الرّقّ . وكلّ ذلك مفصّلٌ في أبوابه الخاصّة من كتب الفقه ، وفي بابي : الرّخصة والأهليّة من كتب الأصول .</p><p> حقوق العباد :</p><p>41 - المقصود بحقوق العباد هنا ، ما عدا الأعيان والمنافع والدّيون ، وذلك لحقّ الشّفعة والقصاص والخيار . والأصل أنّ كلّ من له حقٌّ إذا أسقطه - وهو من أهل الإسقاط ، والمحلّ قابلٌ للسّقوط - سقط . فالشّفيع له حقّ الأخذ بالشّفعة بعد البيع ، فإذا أسقط هذا الحقّ وترك الأخذ بالشّفعة سقط حقّه ، ووليّ الدّم في القتل العمد له حقّ القصاص ، فإذا عفا وأسقط هذا الحقّ كان له ذلك ، والغانم قبل القسمة له حقّ التّملّك ، ويجوز له إسقاط هذا الحقّ ، وإذا ثبت حقّ الخيار للبائع أو للمشتري كان لمن ثبت له منهما هذا الحقّ أن يسقطه . وهكذا متى ثبت لإنسانٍ حقٌّ ، وهو جائز التّصرّف ، كان من حقّه إسقاطه ، إلاّ لمانعٍ من ذلك كما سيأتي ، وهذا باتّفاقٍ .</p><p> هذا بالنّسبة لإسقاط الحقوق بدون عوضٍ ، أمّا إسقاطها نظير عوضٍ فبيانه كالآتي : </p><p>42 - فرّق الكثير من فقهاء الحنفيّة بين ما يجوز الاعتياض عنه من الحقوق وما لا يجوز بقاعدةٍ هي : أنّ الحقّ إذا كان مجرّداً عن الملك فإنّه لا يجوز الاعتياض عنه ، وإن كان حقّاً متقرّراً في المحلّ الّذي تعلّق به صحّ الاعتياض عنه . وفرّق البعض الآخر من الحنفيّة بقاعدةٍ أخرى هي : أنّ الحقّ إذا كان شرع لدفع الضّرر فلا يجوز الاعتياض عنه ، وإذا كانت ثبت على وجه البرّ والصّلة فيكون ثابتاً له أصالةً ، فيصحّ الاعتياض عنه .</p><p> ومن يرجع إلى الأمثلة الّتي أوردوها يتبيّن له أنّه لا يكاد يوجد فرقٌ بين القاعدتين ، ففي الأشباه لابن نجيمٍ : الحقوق المجرّدة لا يجوز الاعتياض عنها ، كحقّ الشّفعة ، فلو صالح عنه بمالٍ بطلت ورجع به ، ولو صالح المخيّرة بمالٍ لتختاره بطل ولا شيء لها ، ولو صالح إحدى زوجتيه بمالٍ لتترك نوبتها لم يلزم ، ولا شيء لها . هكذا ذكروه في الشّفعة . وخرج عنها حقّ القصاص وملك النّكاح ، وحقّ الرّقّ ، فإنّه يجوز الاعتياض عنها .</p><p> والكفيل بالنّفس إذا صالح المكفول له بمالٍ لم يصحّ ولم يجب ، وفي بطلانها روايتان .</p><p> وفي حاشية ابن عابدين : لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجرّدة كحقّ الشّفعة ، ثمّ أورد نفس الأمثلة الّتي جاءت في الأشباه ، ثمّ قال : وعدم جواز الصّلح عن حقّ الشّفعة وحقّ القسم للزّوجة وحقّ الخيار في النّكاح للمخيّرة إنّما هو لدفع الضّرر عن الشّفيع والمرأة ، وما ثبت لذلك لا يصحّ الصّلح عنه ، لأنّ صاحب الحقّ لمّا رضي علم أنّه لا يتضرّر بذلك ، فلا يستحقّ شيئاً . أمّا حقّ القصاص وملك النّكاح وحقّ الرّقّ فقد ثبت على وجه البرّ والصّلة ، فهو ثابتٌ له أصالةً ، لا على وجه رفع الضّرر عن صاحبه . وسار صاحب البدائع على أنّ الحقّ الّذي يجوز الاعتياض عنه ، هو الحقّ الثّابت في المحلّ أصالةً .</p><p> أمّا الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فلم نعثر لهم على قاعدةٍ يمكن الاستناد إليها في معرفة الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها والّتي لا يجوز ، وإنّما يعرف ذلك بالرّجوع إلى المسائل في أماكنها من أبواب الفقه ، كالحضانة والشّفعة والخيار في العقود وما شابه ذلك ، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الأمثلة . والجمهور أحياناً مع الحنفيّة في بعض المسائل ، مع اتّفاقهم في سبب الاعتياض ، وأحياناً يختلفون عنهم . وسيظهر ذلك من الأمثلة .</p><p>أ - الاعتياض عن حقّ الشّفعة ، هو غير جائزٍ عند الحنفيّة كما سبق ، ويوافقهم في الحكم وفي العلّة الشّافعيّة والحنابلة . في حين أجاز الاعتياض عنها المالكيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : إذا كان الاعتياض ، من المشتري لا من غيره .</p><p>ب - هبة الزّوجة يومها لضرّتها ، لا يجوز الاعتياض عنه عند الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة . قال الشّافعيّة : لأنّه ليس عيناً ولا منفعةً فلا يقابل بمالٍ . وقال الحنابلة : إنّ الزّوجة من حقّها كون الزّوج عندها ، وهو لا يقابل بمالٍ . وقال ابن تيميّة : قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره . والمالكيّة أجازوا الاعتياض عن حقّها في ذلك ، لأنّه عوضٌ عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحقّ .</p><p>ت - إذا تعذّر ردّ المبيع المعيب كان للمشتري الحقّ في الاعتياض عن العيب . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، لأنّ الرّضى بالعيب يمنع الرّجوع بالنّقصان ،« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرشٍ وبين الرّدّ ». وعند الحنابلة : يجوز إمساك المبيع والاعتياض عن العيب ، لأنّه فات عليه جزءٌ من المبيع ، فكان له المطالبة بعوضه ، ويخالف المصرّاة ، لأنّ الخيار له بالتّدليس ، وكذلك في القول الثّاني عند الشّافعيّة .</p><p>ث - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع الفقهاء .</p><p>ج - يصحّ الصّلح عن إسقاط حقّ الدّعوى ، كحقّ الشّفعة والشّرب ، إلاّ ما كان مخالفاً للشّرع كدعوى الحدّ والنّسب ، ولأنّ الصّلح في الدّعوى لافتداء اليمين ، وهو جائزٌ .</p><p>ح - يجوز الصّلح عن التّعزير الّذي هو حقّ العبد ، لكن قال أبو حنيفة : إنّ التّعزير الّذي فيه حقّ اللّه كقبلة الأجنبيّة ، فالظّاهر عدم صحّة الصّلح فيه .</p><p>خ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الحضانة عند الحنفيّة والمالكيّة ، على القول بأنّها حقّ الحاضن .</p><p>د - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ، إذ من العسير حصر الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها ، ويرجع في ذلك إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40900, member: 329"] ردّ الإسقاط : 16 - لا يختلف الفقهاء في أنّ الإسقاطات المحضة الّتي ليس فيها معنى التّمليك ، والّتي لم تقابل بعوضٍ ، كالعتق والطّلاق والشّفعة والقصاص لا ترتدّ بالرّدّ ، لأنّها لا تفتقر إلى القبول ، وبالإسقاط يسقط الملك والحقّ ، فيتلاشى ولا يؤثّر فيه الرّدّ ، والسّاقط لا يعود كما هو معلومٌ . ولا يختلفون كذلك في أنّ الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ ، كالطّلاق والعتق على مالٍ ، ترتدّ بالرّدّ ما لم يسبق قبولٌ أو طلبٌ . 17 - أمّا ما فيه معنى التّمليك كالإبراء من الدّين ، فعند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم ، وهو رأي بعض الشّافعيّة ، أنّه يرتدّ بالرّدّ ، نظراً لجانب التّمليك فيه ، ولما قد يترتّب على عدم قابليّته للرّدّ من ضرر المنّة الّتي يترفّع عنها ذوو المروءات . 18 - هذا مع استثناء الحنفيّة لبعض المسائل الّتي لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي : أ - إذا أبرأ المحال المحال عليه فلا يرتدّ بردّه . ب - إذا أبرأ الطّالب الكفيل فالأرجح أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، وقيل يرتدّ . ج - إذا طلب المدين الإبراء فأبرأه الدّائن فلا يرتدّ بالرّدّ . د - إذا قبل المدين الإبراء ثمّ ردّه لا يرتدّ . وهذه المسائل في الحقيقة ليست خروجاً على الأصل الّذي سار عليه الحنفيّة ، ذلك أنّ الحوالة والكفالة من الإسقاطات المحضة ، لأنّ الواجب هو حقّ المطالبة وليس فيه تمليك مالٍ . وأمّا القبول إذا تمّ فلا معنى للرّدّ بعده ، وكذلك طلب المدين البراءة يعتبر قبولاً . 19 - ومع اتّفاق الحنفيّة على أنّ الإبراء يرتدّ بالرّدّ إلاّ أنّهم يختلفون من حيث تقييد الرّدّ بمجلس الإبراء وعدم تقييده . قال ابن عابدين : هما قولان . وفي الفتاوى الصّيرفيّة : لو لم يقبل ولم يردّ حتّى افترقا ، ثمّ بعد أيّامٍ ردّ لا يرتدّ في الصّحيح . التّعليق والتّقييد والإضافة في الإسقاطات : 20 - التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، ويستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً ، كإن وإذا ، وانعقاد الحكم فيه يتوقّف على حصول الشّرط . 21 - والتّقييد بالشّروط ما جزم فيه بالأصل ، وشرط فيه أمرٌ آخر ، ولا يستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً . 22 - أمّا الإضافة فهي وإن كانت لا تمنع سببيّة اللّفظ للحكم إلاّ أنّها تجعل الحكم يتأخّر البدء به إلى زمنٍ مستقبلٍ يحدّده المتصرّف . وبيان ذلك بالنّسبة للإسقاطات هو : أوّلاً : تعليق الإسقاط على الشّرط : 23 - يجوز باتّفاق الفقهاء تعليق الإسقاطات على الشّرط الكائن بالفعل ( أي الموجود حالة الإسقاط ) ، لأنّه في حكم المنجز ، كقول الدّائن لغريمه : إن كان لي عليك دينٌ فقد أبرأتك ، وكقول الرّجل لامرأته : أنت طالقٌ إن كانت السّماء فوقنا والأرض تحتنا ، وكمن قال لآخر : باعني فلانٌ دارك بكذا ، فقال : إن كان كذا فقد أجزته ، وإن كان فلانٌ اشترى هذا الشّقص بكذا فقد أسقطت الشّفعة . كذلك يجوز باتّفاق الفقهاء التّعليق على موت المسقط ، ويعتبر وصيّةً ، كقوله لمدينه : إذا متّ فأنت بريءٌ . وهذا فيما عدا من علّق طلاق زوجته على موته ، إذ فيه الاختلاف بين تنجيز الطّلاق وبين عدم وقوعه . أمّا فيما عدا ذلك من الشّروط فيمكن تقسيم الإسقاطات بالنّسبة لها في الجملة إلى الآتي : 24 - أ - إسقاطاتٌ محضةٌ ليس فيها معنى التّمليك ولم تقابل بعوضٍ . وهذه يجوز في الجملة تعليقها على الشّرط ، غير أنّ الحنفيّة وضعوا هنا ضابطاً فقالوا : إن كانت الإسقاطات ممّا يحلف بها ، كالطّلاق والعتق ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط ملائماً أم غير ملائمٍ . وإن كانت ممّا لا يحلف بها ، كالإذن في التّجارة وتسليم الشّفعة ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط الملائم فقط ، وهو ما يؤكّد موجب العقد . ويعبّر الحنفيّة أحياناً بالشّرط المتعارف . ويظهر أنّ المراد بهما واحدٌ ، ففي ابن عابدين : وفي البحر عن المعراج : غير الملائم هو ما لا منفعة فيه للطّالب أصلاً ، كدخول الدّار ومجيء الغد ، لأنّه غير متعارفٍ . وفي فتح القدير - بعد الكلام عن اختلاف الرّوايات في جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشّرط - قال : وجه اختلاف الرّوايتين أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان الشّرط محضاً لا منفعة فيه أصلاً ، لأنّه غير متعارفٍ بين النّاس ، كما لا يجوز تعليق الكفالة بشرطٍ ليس للنّاس فيه تعاملٌ ، فأمّا إذا كان بشرطٍ فيه نفعٌ للطّالب ، وله تعاملٌ ، فتعليق البراءة به صحيحٌ . ولم يتعرّض غير الحنفيّة لهذا التّقسيم ، والّذي يبدو ممّا ذكروه أنّه يجوز عندهم تعليق الإسقاطات المحضة على الشّرط مطلقاً ، دون تفريقٍ بين ما يحلف به وما لا يحلف به ، ويدلّ لذلك الضّابط الّذي وضعه الشّافعيّة وهو : ما كان تمليكاً محضاً لا مدخل للتّعليق فيه قطعاً كالبيع ، وما كان حلاًّ محضاً ، يدخله التّعليق قطعاً كالعتق ، وبينهما مراتب يجري فيها الخلاف كالفسخ والإبراء . وأمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ المسائل الّتي ذكروا أنّها تقبل التّعليق تفيد هذا المعنى . وقد ورد الكثير من هذه المسائل في فتاوى الشّيخ عليشٍ المالكيّ ، ومنها : إذا طلبت الحاضنة الانتقال بالأولاد إلى مكان بعيدٍ ، فقال الأب : إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليك ، لزمها ذلك ، لأنّ للأب منعها من الخروج بهم إلى مكان بعيدٍ ، فأسقط حقّه بذلك . وإذا قال الشّفيع : إن اشتريت ذلك الشّقص فقد سلّمت لك شفعتي على دينارٍ تعطيني إيّاه ، فإن لم يبعه منك فلا جعل لي عليك ، جاز ذلك . 25 - ب - إسقاطاتٌ فيها معنى المعاوضة ، كالخلع والمكاتبة . وما يلحق بهما من الطّلاق والعتق على مالٍ . فالطّلاق على مالٍ وكذا العتق على مالٍ تعليقهما جائزٌ باتّفاقٍ ، لأنّهما إسقاطٌ محضٌ ، والمعاوضة فيهما معدولٌ بها عن سائر المعاوضات . وأمّا الخلع فقد أجاز تعليقه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح ، باعتباره طلاقاً ، ومنعه الحنابلة لمعنى المعاوضة . وأمّا المكاتبة فقد أجاز تعليقها بالشّرط الحنفيّة والمالكيّة ، ومنعها الحنابلة والشّافعيّة ، جاء في قواعد الزّركشيّ : المعاوضة غير المحضة وهي الّتي يكون المال فيها مقصوداً من جانبٍ واحدٍ ( أي كالمكاتبة ) لا تقبل التّعليق ، إلاّ في الخلع من جانب المرأة . 26 - ج - الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كالإبراء من الدّين . وقد أجاز تعليقه على الشّرط الحنفيّة والمالكيّة . غير أنّ الحنفيّة قيّدوه بالشّرط الملائم أو المتعارف على ما سبق تفسيره . ومنع تعليقة الحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ . وقد استثنى الشّافعيّة ثلاث صورٍ يجوز فيها التّعليق ، وهي : ( 1 ) لو قال : إن رددت ضالّتي فقد أبرأتك عن الدّين الّذي لي عليك صحّ . ( 2 ) تعليق الإبراء ضمناً ، كما إذا علّق عتق عبده ، ثمّ كاتبه فوجدت الصّفة ، عتق ، وتضمّن ذلك الإبراء من النّجوم ( أي الأقساط ) . ( 3 ) البراءة المعلّقة بموت المبرّئ ، وقد سبق بيان ذلك . ثانياً : تقييد الإسقاط بالشّرط : 27 - يصحّ في الجملة تقييد الإسقاطات بالشّروط ، فإن كان الشّرط صحيحاً لزم ، وإن كان الشّرط فاسداً فلكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في الحكم على ما يعتبر فاسداً من الشّروط وما لا يعتبر ، وهل يبطل التّصرّف بفساد الشّرط ، أو يبطل الشّرط ويصحّ التّصرّف . ونترك التّفاصيل لمواضعها . لكنّ الحكم الغالب في الإسقاطات أنّها لو قيّدت بالشّرط الفاسد ، صحّ وبطل الشّرط . ويتبيّن هذا ممّا ذكره بعض الفقهاء من الضّوابط ، ومن الفروع الّتي أوردها غيرهم ، وفيما يلي بيان ذلك . قال الحنفيّة : كلّ ما جاز تعليقه بالشّرط يجوز تقييده بالشّرط ، ولا يفسد بالشّرط ، الفاسد . وقالوا أيضاً : ما ليس مبادلة مالٍ بمالٍ لا يفسد بالشّرط الفاسد . وذكر صاحب الدّرّ وابن عابدين التّصرّفات الّتي تصحّ ولا تفسد بالشّرط الفاسد ، ومنها : الطّلاق والخلع والعتق والإيصاء والشّركة والمضاربة والكفالة والحوالة والوكالة والكتابة والإذن في التّجارة والصّلح عن دم العمد والإبراء عنه . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلم يربطوا بين التّعليق والتّقييد ، فقد ذكر القرافيّ في الفروق أنّ ما يقبل الشّرط والتّعليق : الطّلاق والعتق ، ولا يلزم من قبول التّعليق قبول الشّرط ، ولا من قبول الشّرط قبول التّعليق ، وتطلب المناسبة في كلّ بابٍ من أبواب الفقه . ومن الأمثلة الّتي وردت عندهم : لو خالعت زوجها واشترطت الرّجعة ، لزم الخلع ، وبطل الشّرط . ولو صالح الجاني وليّ الدّم على شيءٍ بشرط أن يرحل من البلد ، فقال ابن كنانة : الشّرط باطلٌ والصّلح جائزٌ ، وقال ابن القاسم : لا يجوز الصّلح ، وقال المغيرة : الشّرط جائزٌ والصّلح لازمٌ ، وكان سحنونٌ يعجبه قول المغيرة . ويقول الشّافعيّة : الشّرط الفاسد قد يترتّب عليه بعض أحكام الصّحيح ، ومثل ذلك في الإسقاطات الكتابة والخلع . وممّا قاله الحنابلة في ذلك : إذا قيّد الخلع بشرطٍ فاسدٍ صحّ الخلع ولغا الشّرط . وفي المغني : العتق والطّلاق لا تبطلهما الشّروط الفاسدة . ثالثاً : إضافة الإسقاط إلى الزّمن المستقبل : 28 - من التّصرّفات ما يظهر أثرها ويترتّب عليها الحكم بمجرّد تمّام الصّيغة ، ولا تقبل إرجاء حكمها إلى زمنٍ آخر كالزّواج والبيع . ومن التّصرّفات ما تكون طبيعتها تمنع ظهور أثرها إلاّ في زمنٍ مستقبلٍ ، كالوصيّة . ومن التّصرّفات ما يقع حكمه منجزاً ، كالطّلاق تنتهي به الزّوجيّة في الحال ، ويصحّ أن يضاف إلى زمنٍ مستقبلٍ لا تنتهي الزّوجيّة إلاّ عند حصوله . وإضافة الطّلاق إلى الزّمن المستقبل جائزٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهو منجزٌ عند المالكيّة ولو أضافه إلى المستقبل ، لأنّه بهذه الإضافة أشبه بنكاح المتعة . وكذلك العتق فإنّه إسقاطٌ يقبل الإضافة . وممّا ذكره الحنفيّة من الإسقاطات الّتي لا تقبل الإضافة إلى زمن مستقبلٍ : الإبراء من الدّين وإسقاط القصاص . والحكم الغالب أنّ الإسقاطات الّتي ليس فيها معنى التّمليك تقبل الإضافة إلى الزّمن المستقبل . هذا في الجملة ، ولكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في كلّ نوعٍ من أنواع التّصرّفات ، وينظر في موضعه . من يملك الإسقاط ( المسقط ) : 29 - الإسقاط قد يكون من قبل الشّرع أساساً ، كإسقاط العبادات الّتي يكون في مباشرتها مشقّةٌ وحرجٌ على المكلّف ، وكإسقاط العقوبات الّتي ترد عليها شبهةٌ ، وسيأتي بيان ذلك . وقد يكون الإسقاط من قبل العباد نتيجةً لأمر الشّارع ، إمّا على سبيل الوجوب كالعتق في الكفّارات ، وإمّا على سبيل النّدب كإبراء المعسر من الدّين ، وكالعفو عن القصاص . وقد يكون الإسقاط من العباد بعضهم لبعضٍ لأسبابٍ خاصّةٍ ، كإسقاط حقّ الشّفعة لعدم الرّغبة في الشّراء . على ما سبق بيانه في الحكم التّكليفيّ . ما يشترط في المسقط : 30 - الإسقاط من العباد يعتبر من التّصرّفات الّتي يتنازل فيها الإنسان عن حقّه ، فهو في حقيقته تبرّعٌ . ولمّا كان هذا التّصرّف قد يعود على المسقط بالضّرر ، فإنّه يشترط أهليّته للتّبرّع ، وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً . فلا يصحّ الإسقاط من الصّبيّ والمجنون وهذا في الجملة ، لأنّ الحنابلة يقولون بصحّة الخلع من الصّغير الّذي يعقله ، لأنّ فيه تحصيل عوضٍ له . ويشترط كذلك أن يكون غير محجورٍ عليه لسفهٍ أو دينٍ ، وهذا بالنّسبة للتّبرّعات ، لأنّه يجوز أن يطلّق وأن يعفو عن القصاص وأن يخالع ، لكن لا يدفع إليه المال ، ولذلك لا يصحّ الخلع من الزّوجة المحجور عليها لسفهٍ أو صغرٍ ، مع ملاحظة أنّه لا يحجر على السّفيه ، ولا على المدين عند أبي حنيفة . ر : ( حجرٌ ، وسفهٌ ، وأهليّةٌ ) . ويشترط أيضاً أن يكون ذا إرادةٍ ، فلا يصحّ إسقاط المكره ، إلاّ ما قاله الحنفيّة من صحّة الطّلاق والعتق من المكره . وللفقهاء تفصيلٌ بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ . وينظر في ( إكراهٌ ) . ويشترط أن يكون في حال الصّحّة ، إذا كان إسقاطه لكلّ ماله أو أكثر من الثّلث ، فإن كان مريضاً مرض الموت وقت الإسقاط فتصرّفه فيما زاد على الثّلث للأجنبيّ ، أو بأقلّ للوارث ، يتوقّف على إجازة الورثة . ر : ( وصيّةٌ ) . وإذا كان المريض مديناً والتّركة مستغرقةٌ بالدّيون فلا يصحّ منه الإبراء ، لتعلّق حقّ الغرماء . ويشترط أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلافٌ بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيلٌ موضعه مصطلح ( فضوليٌّ ) . وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . وعلى الجملة فإنّه يصحّ التّوكيل بالخلع ، وبالإعتاق على مالٍ ، وبالصّلح على الإنكار ، وفي إبراءٍ من الدّين ولو للوكيل ، إذا عيّنه الموكّل وقال له : أبرئ نفسك . ويراعى في كلّ ذلك ما يشترط في الموكّل والوكيل وما أذن فيه . وينظر تفصيله في ( وكالةٌ ) . وقد يكون ملك التّصرّف بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للصّغير والمولّى عليه ، فلا يجوز له التّبرّع ولا إسقاط المهر ولا العفو على غير مالٍ ولا ترك الشّفعة إذا كان في التّرك ضررٌ . وهذا في الجملة ( ر : وصايةٌ ولايةٌ ) . المسقط عنه : 31 - المسقط عنه هو من كان عليه الحقّ أو تقرّر قبله ، ويشترط فيه أن يكون معلوماً في الجملة . هذا ، وأغلب الإسقاطات يكون المسقط عنه أو له معروفاً ، كما في الشّفعة والقصاص والخيار وما شابه ذلك . وإنّما نتصوّر الجهالة في إبراء المدين وفي الإعتاق والطّلاق وما أشبه ذلك . أمّا الإبراء من الدّين فيشترط فيه أن يكون المبرّأ معلوماً ، وهذا باتّفاقٍ . ولذلك لو قال : أبرأت شخصاً أو رجلاً ممّا لي قبله لا يصحّ . ومثله ما لو قال : أبرأت أحدً غريميّ ، أمّا لو قال : أبرأت أهالي المحلّة الفلانيّة ، وكان أهل تلك المحلّة معيّنين ، وعبارةً عن أشخاصٍ معدودين ، فإنّه يصحّ الإبراء . كذلك يشترط أن يكون الإبراء لمن عليه الحقّ ، فلو أبرئ غير من عليه الحقّ لا يصحّ ، ومثال ذلك : إذا أبرئ قاتلٌ من ديةٍ واجبةٍ على عاقلته ، فلا يصحّ الإبراء في ذلك ، لوقوعه على غير من عليه الحقّ . أمّا لو أبرئت عاقلة القاتل ، أو قال المجنيّ عليه : عفوت عن هذه الجناية ، ولم يسمّ المبرّأ من قاتلٍ أو عاقلةٍ صحّ الإبراء ، لانصرافه إلى من عليه الحقّ . ولا يشترط في الإبراء من الدّين أن يكون المبرّأ مقرّاً بالحقّ ، حيث يجوز الإبراء من الإنكار . ومثل ذلك يقال في غير الدّين ممّا يصحّ إسقاطه . وأمّا بالنّسبة للطّلاق فإنّه يصحّ مع الإبهام ، لكن لا بدّ من التّعيين ، فمن قال لزوجتيه : إحداكما طالقٌ ، فإنّ الطّلاق يقع ، ولكنّه يلزم بتعيين المطلّقة . وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا عند المالكيّة فالمشهور أنّهما تطلقان ، وهو قول المصريّين ، وقال المدنيّون : يختار واحدةً للطّلاق . وعند الحنابلة : يقرع بينهما إن لم يكن نوى واحدةً بعينها . محلّ الإسقاط : 32 - المحلّ الّذي يجري عليه التّصرّف يسمّى حقّاً ، وهو بهذا الإطلاق العامّ يشمل الأعيان ، ومنافعها ، والدّيون ، والحقوق المطلقة . وكلّ من ملك حقّاً من هذه الحقوق - بهذا الإطلاق العامّ - يصبح له بحكم الملك ولاية التّصرّف فيه باختياره ، ليس لأحدٍ ولاية الجبر عليه إلاّ لضرورةٍ أو لمصلحةٍ عامّةٍ ، ولا لأحدٍ ولاية المنع عنه إلاّ إذا تعلّق به حقّ الغير ، فيمنع عن التّصرّف من غير رضى صاحب الحقّ . والإسقاط من هذه التّصرّفات ، إلاّ أنّه ليس كلّ محلٍّ قابلاً للإسقاط ، بل منه ما يقبل الإسقاط لتوفّر شروطه ، ومنه ما لا يقبله لعدم تحقّق شروطه ، ككونه مجهولاً ، أو تعلّق به حقٌّ للغير وهكذا . وبيان ذلك فيما يلي : ما يقبل الإسقاط أوّلاً - الدّين : 33 - يصحّ باتّفاقٍ إسقاط الدّين الثّابت في الذّمّة ، لأنّه حقٌّ ، والحقوق تسقط بالإسقاط ، فكلّ من ثبت له دينٌ على غيره ، سواءٌ أكان ثمن مبيعٍ ، أم كان مسلماً فيه ، أم نفقةً مفروضةً ماضيةً للزّوجة ، أم غير ذلك ، فإنّه يجوز له إسقاطه . وسواءٌ أكان الإسقاط خاصّاً بدينٍ أم عامّاً لكلّ الدّين ، وسواءٌ أكان مطلقاً أم معلّقاً أم مقيّداً بشرطٍ على ما سبق بيانه . وكما يجوز الإبراء عن كلّ الدّين فإنّه يجوز الإبراء عن بعضه . وكما يصحّ إسقاط الدّين بدون عوضٍ ، يصحّ إسقاطه نظير عوضٍ ، مع الاختلاف في الصّورة أو الكيفيّة الّتي يتمّ بها ذلك ، ومن هذه الصّور : أ - أن يعطي المدين الدّائن ثوباً في مقابلة إبرائه ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له نظير الإبراء ويبرّأ المدين ، وذلك كما يقول الشّافعيّة . ب - يقول الحنابلة : من وجبت عليه نفقة امرأته ، وكان له عليها دينٌ ، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها ، فإن كانت موسرةً فله ذلك ، لأنّ من عليه حقٌّ فله أن يقضيه من أيّ أمواله شاء ، وهذا من ماله . ويظهر أنّ هذه الصّورة تعتبر من قبيل المقاصّة ، والمقاصّة بالتّراضي تعتبر إسقاطاً بعوضٍ من الجانبين . مع مراعاة شروطها من اتّحاد الدّين قدراً ووصفاً وغير ذلك من الشّروط . ت - كذلك يأتي إسقاط الدّين نظير عوض صورة الصّلح . وقد قسّم القرافيّ الإسقاط إلى قسمين : بعوضٍ وبغيره ، وجعل من الإسقاط بعوضٍ الصّلح عن الدّين . ث - في حاشية ابن عابدين : إذا أبرأت الزّوجة زوجها من المهر والنّفقة ليطلّقها ، صحّ الإبراء ، ويكون بعوضٍ ، وهو أنّه ملّكها نفسها . ج - وقد يأتي إسقاط الدّين بعوضٍ في صور التّعليق ، كمن قال لغيره : إن أعطيتني سيّارتك أسقطت عنك الدّين الّذي لي عليك . ح - والإبراء أيضاً في صورة الخلع يعتبر من قبيل العوض . ثانياً : العين 34 - الأصل أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، على ما سيأتي بيانه فيما لا يقبل الإسقاط ، إلاّ أنّ بعض التّصرّفات تعتبر إسقاطاً للملك . وذلك كالعتق ، فإنّه يعتبر إسقاطاً لملك الرّقبة وهي عينٌ . والعتق مشروعٌ بل مندوبٌ إليه شرعاً ، وقد يكون واجباً كما في الكفّارات . كذلك الوقف يعتبر إسقاطاً للملك عند بعض الفقهاء ، ففي قواعد المقري : وقف المساجد إسقاط ملكٍ إجماعاً ، وفي غيرها قولان . وقد يأتي إسقاط العين نظير عوضٍ عمّن عقد الصّلح ، والصّلح جائزٌ شرعاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الصّلح جائزٌ بين المسلمين إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً » . وسواءٌ أكان عن إقرارٍ ، أم عن إنكارٍ ، أم سكوتٍ ، فإن كان عن إنكارٍ أو سكوتٍ فهو في حقّ المدّعي معاوضة حقّه في زعمه ، وهذا مشروعٌ ، في حقّ المدّعى عليه افتداء اليمين ودفع الخصومة وهذا مشروعٌ . بل إنّ بعض الحنابلة أجاز الصّلح عمّا تعذّر علمه من دينٍ أو عينٍ بمالٍ لئلاّ يفضي إلى ضياع المال . ويلاحظ أنّ الشّافعيّة لا يجيزون الصّلح عن إنكارٍ . وإن كان الصّلح عن إقرارٍ اعتبر كالبيع ، إن كان مبادلة مالٍ بمالٍ ، أو كالإجارة إن كان مبادلة مالٍ بمنفعةٍ ، أو كالهبة إن كان على ترك بعض العين . ويعتبر في كلّ حالٍ شروطها . وينظر تفصيل ذلك في ( صلحٌ ) . ثالثاً : المنفعة : 35 - المنافع حقوقٌ تثبت لمستحقّيها ، سواءٌ أكانت نتيجة ملك العين المنتفع بها ، أم كانت نتيجة ملك المنفعة دون الرّقبة ( أي العين ) بمقتضى عقدٍ ، كالإجارة والعاريّة والوصيّة بالمنفعة ، أو بغير عقدٍ ، كتحجير الموات لإحيائه ، والاختصاص بمقاعد الأسواق ، وما شابه ذلك . والأصل في المنافع أنّها تقبل الإسقاط بإسقاط مالك العين المنتفع بها أو مستحقّ منفعتها ، إذ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما لم يكن هناك مانعٌ من ذلك . وهذا باتّفاقٍ . وصور ذلك كثيرةٌ في مسائل الفقه ومن أمثلتها : أ - من أوصى لرجلٍ بسكنى داره ، فمات الموصي ، وباع الوارث الدّار ، ورضي به الموصى له ، جاز البيع وبطلت سكناه . ب - من وصّى بعين دار لزيدٍ ، وبالمنفعة لعمرٍو ، فأسقط الموصى له بالمنفعة حقّه ، سقط بالإسقاط . ج - من كان له مسيل ماءٍ في دار غيره ، فقال : أبطلت حقّي في المسيل ، فإن كان له حقّ إجراء الماء دون الرّقبة بطل حقّه قياساً على حقّ السّكنى . د - يجوز إسقاط الحقّ في الانتفاع ببيوت المدارس الموقوفة على الوجه الّذي أسقطه صاحبه . فإن أسقطه مدّةً مخصوصةً رجع إليه بعد انتهائها ، وإن أطلق في الإسقاط فلا يعود له . هـ- أماكن الجلوس في المساجد والأسواق يجوز إسقاط الحقّ فيها . هذا بالنّسبة لإسقاط الحقّ في المنافع بدون عوضٍ . 36 - أمّا إسقاطه بعوضٍ ، فإنّه يرجع إلى قاعدة التّفريق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع ، فإنّ الأصل أنّ كلّ من ملك المنفعة ملك المعاوضة عليها ، ومن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليه . وعلى ذلك فكلّ من ملك المنفعة ، سواءٌ أكان مالكاً للرّقبة ، أم مالكاً للمنفعة دون الرّقبة ، فإنّه يجوز له إسقاط حقّه في المنفعة والاعتياض عنه وهذا عند الجمهور . أمّا الحنفيّة ، فإنّ الاعتياض عن المنافع عندهم لا يجوز إلاّ لمالك الرّقبة والمنفعة ، أو لمالك المنفعة بعوضٍ . والمنافع ليست بأموالٍ عندهم . وكذلك لا يجوز عندهم إفراد حقوق الارتفاق بعقد معاوضةٍ على الأصحّ ، وإنّما يجوز تبعاً . وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ، ارتفاقٌ ، إعارةٌ ، وصيّةٌ ، وقفٌ ) . 37 - ومن الأمثلة على إسقاط الحقّ في المنافع بعوضٍ : ما لو صالح الورثة من أوصى له مورّثهم بسكنى دارٍ معيّنةٍ من التّركة بدراهم مسمّاةٍ جاز ذلك صلحاً ، لأنّه إسقاط حقٍّ ، ومثل ذلك ما لو أنّ الموصى له بعين الدّار صالح الموصى له بسكناها بدراهم أو بمنفعة عينٍ أخرى لتسلّم الدّار له جاز . رابعاً : الحقّ المطلق : 38 - ينقسم الحقّ بحسب من يضاف إليه إلى الآتي : - -حقٌّ خالصٌ للّه سبحانه وتعالى ، وهو كلّ ما يتعلّق به النّفع العامّ ، أو هو امتثال أوامره ونواهيه . - وحقٌّ خالصٌ للعباد ، وهو مصالحهم المقرّرة بمقتضى الشّريعة . - وما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، كحدّ القذف والتّعزير . والأصل أنّ الحقّ للّه سبحانه وتعالى ، لأنّه ما من حقٍّ للعبد إلاّ وفيه حقٌّ للّه تعالى ، وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه . وإفراد نوعٍ من الحقوق بجعله حقّاً للعبد فقط ، إنّما هو بحسب تسليط العبد على التّصرّف فيه بحيث لو أسقطه لسقط ، فكلّ واحدٍ من الحقّين ( حقّ اللّه وحقّ العبد ) موكولٌ لمن هو منسوبٌ إليه ثبوتاً وإسقاطاً . وبيان ذلك فيما يأتي : حقّ اللّه سبحانه وتعالى : 39 - ذكر حقّ اللّه هنا فيما يقبل الإسقاط إنّما هو باعتبار قبوله للإسقاط من قبل الشّارع ، أمّا من قبل العباد فلا يجوز على ما سيأتي . وحقوق اللّه : إمّا عباداتٌ محضةٌ ماليّةٌ كالزّكاة ، أو بدنيّةٌ كالصّلاة ، أو جامعةٌ للبدن والمال كالحجّ . وإمّا عقوباتٌ محضةٌ كالحدود . وإمّا كفّاراتٌ وهي متردّدةٌ بين العقوبة والعبادة . ويقول الفقهاء : إنّ حقوق اللّه مبنيّةٌ على المسامحة ، بمعنى أنّه سبحانه وتعالى لن يلحقه ضررٌ في شيءٍ ، ومن ثمّ قبل الرّجوع عن الإقرار بالزّنى فيسقط الحدّ ، بخلاف حقّ الآدميّين فإنّهم يتضرّرون . وبإيجازٍ نذكر الأسباب الموجبة لإسقاط حقّ اللّه كما اعتبرها الشّارع : 40 -حقوق اللّه سبحانه وتعالى تقبل الإسقاط في الجملة للأسباب الّتي يعتبرها الشّرع مؤدّيةً إلى ذلك ، تفضّلاً منه ، ورحمةً بالعباد ، ورفعاً للحرج والمشقّة عنهم ، كإسقاط العبادات والعقوبات عن المجنون ، وكإسقاط بعض العبادات بالنّسبة لأصحاب الأعذار كالمرضى والمسافرين ، لما ينالهم من مشقّةٍ . وقد فصّل الفقهاء المشاقّ وأنواعها ، وبيّنوا لكلّ عبادةٍ مرتبةً معيّنةً من مشاقّها المؤثّرة في إسقاطها ، وأدرجوا ذلك تحت قاعدة : المشقّة تجلب التّيسير ، أخذاً من قوله تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ } . والحكم المبنيّ على الأعذار يسمّى رخصةً . ومن أقسام الرّخصة ما يسمّى رخصة إسقاطٍ ، كإسقاط الصّلاة عن الحائض والنّفساء ، وإسقاط الصّوم عن الشّيخ الكبير الّذي لا يقوى عليه . وصلاة المسافر قصراً فرضٌ عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للمالكيّة ، وتعتبر رخصة إسقاطٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . وجه الاستدلال : أنّ التّصدّق بما لا يحتمل التّمليك إسقاطٌ لا يحتمل الرّدّ ، وإن كان ممّن لا يلزم طاعته كوليّ القصاص ، فهو من اللّه الّذي تلزم طاعته أولى . والمذهب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ قصر الصّلاة سنّةٌ للتّرفيه عن العبد . كذلك يسقط فرض الكفاية عمّن لم يقم به ، إذا قام به غيره ، بل إنّ القرافيّ يقول : يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظنّ الفعل ، لا وقوعه تحقيقاً . ومن ذلك أيضاً إسقاط الحرمة في تناول المحرّم للضّرورة ، كأكل المضطرّ للميتة ، وإساغة اللّقمة بالخمر لمن غصّ بها ، وإباحة نظر العورة للطّبيب . ويسري هذا الحكم على المعاملات ، فمن الرّخصة ما سقط مع كونه مشروعاً في الجملة ، وذلك كما في السّلم ، لقول الرّاوي : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » . وأنّ الأصل في البيع أن يلاقي عيناً ، وهذا حكمٌ مشروعٌ ، لكنّه سقط في السّلم . ومن التّخفيف : مشروعيّة الطّلاق ، لما في البقاء على الزّوجيّة من المشقّة عند التّنافر ، وكذا مشروعيّة الخلع والافتداء ، ومشروعيّة الكتابة ليتخلّص العبد من دوام الرّقّ . وكلّ ذلك مفصّلٌ في أبوابه الخاصّة من كتب الفقه ، وفي بابي : الرّخصة والأهليّة من كتب الأصول . حقوق العباد : 41 - المقصود بحقوق العباد هنا ، ما عدا الأعيان والمنافع والدّيون ، وذلك لحقّ الشّفعة والقصاص والخيار . والأصل أنّ كلّ من له حقٌّ إذا أسقطه - وهو من أهل الإسقاط ، والمحلّ قابلٌ للسّقوط - سقط . فالشّفيع له حقّ الأخذ بالشّفعة بعد البيع ، فإذا أسقط هذا الحقّ وترك الأخذ بالشّفعة سقط حقّه ، ووليّ الدّم في القتل العمد له حقّ القصاص ، فإذا عفا وأسقط هذا الحقّ كان له ذلك ، والغانم قبل القسمة له حقّ التّملّك ، ويجوز له إسقاط هذا الحقّ ، وإذا ثبت حقّ الخيار للبائع أو للمشتري كان لمن ثبت له منهما هذا الحقّ أن يسقطه . وهكذا متى ثبت لإنسانٍ حقٌّ ، وهو جائز التّصرّف ، كان من حقّه إسقاطه ، إلاّ لمانعٍ من ذلك كما سيأتي ، وهذا باتّفاقٍ . هذا بالنّسبة لإسقاط الحقوق بدون عوضٍ ، أمّا إسقاطها نظير عوضٍ فبيانه كالآتي : 42 - فرّق الكثير من فقهاء الحنفيّة بين ما يجوز الاعتياض عنه من الحقوق وما لا يجوز بقاعدةٍ هي : أنّ الحقّ إذا كان مجرّداً عن الملك فإنّه لا يجوز الاعتياض عنه ، وإن كان حقّاً متقرّراً في المحلّ الّذي تعلّق به صحّ الاعتياض عنه . وفرّق البعض الآخر من الحنفيّة بقاعدةٍ أخرى هي : أنّ الحقّ إذا كان شرع لدفع الضّرر فلا يجوز الاعتياض عنه ، وإذا كانت ثبت على وجه البرّ والصّلة فيكون ثابتاً له أصالةً ، فيصحّ الاعتياض عنه . ومن يرجع إلى الأمثلة الّتي أوردوها يتبيّن له أنّه لا يكاد يوجد فرقٌ بين القاعدتين ، ففي الأشباه لابن نجيمٍ : الحقوق المجرّدة لا يجوز الاعتياض عنها ، كحقّ الشّفعة ، فلو صالح عنه بمالٍ بطلت ورجع به ، ولو صالح المخيّرة بمالٍ لتختاره بطل ولا شيء لها ، ولو صالح إحدى زوجتيه بمالٍ لتترك نوبتها لم يلزم ، ولا شيء لها . هكذا ذكروه في الشّفعة . وخرج عنها حقّ القصاص وملك النّكاح ، وحقّ الرّقّ ، فإنّه يجوز الاعتياض عنها . والكفيل بالنّفس إذا صالح المكفول له بمالٍ لم يصحّ ولم يجب ، وفي بطلانها روايتان . وفي حاشية ابن عابدين : لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجرّدة كحقّ الشّفعة ، ثمّ أورد نفس الأمثلة الّتي جاءت في الأشباه ، ثمّ قال : وعدم جواز الصّلح عن حقّ الشّفعة وحقّ القسم للزّوجة وحقّ الخيار في النّكاح للمخيّرة إنّما هو لدفع الضّرر عن الشّفيع والمرأة ، وما ثبت لذلك لا يصحّ الصّلح عنه ، لأنّ صاحب الحقّ لمّا رضي علم أنّه لا يتضرّر بذلك ، فلا يستحقّ شيئاً . أمّا حقّ القصاص وملك النّكاح وحقّ الرّقّ فقد ثبت على وجه البرّ والصّلة ، فهو ثابتٌ له أصالةً ، لا على وجه رفع الضّرر عن صاحبه . وسار صاحب البدائع على أنّ الحقّ الّذي يجوز الاعتياض عنه ، هو الحقّ الثّابت في المحلّ أصالةً . أمّا الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فلم نعثر لهم على قاعدةٍ يمكن الاستناد إليها في معرفة الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها والّتي لا يجوز ، وإنّما يعرف ذلك بالرّجوع إلى المسائل في أماكنها من أبواب الفقه ، كالحضانة والشّفعة والخيار في العقود وما شابه ذلك ، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الأمثلة . والجمهور أحياناً مع الحنفيّة في بعض المسائل ، مع اتّفاقهم في سبب الاعتياض ، وأحياناً يختلفون عنهم . وسيظهر ذلك من الأمثلة . أ - الاعتياض عن حقّ الشّفعة ، هو غير جائزٍ عند الحنفيّة كما سبق ، ويوافقهم في الحكم وفي العلّة الشّافعيّة والحنابلة . في حين أجاز الاعتياض عنها المالكيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : إذا كان الاعتياض ، من المشتري لا من غيره . ب - هبة الزّوجة يومها لضرّتها ، لا يجوز الاعتياض عنه عند الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة . قال الشّافعيّة : لأنّه ليس عيناً ولا منفعةً فلا يقابل بمالٍ . وقال الحنابلة : إنّ الزّوجة من حقّها كون الزّوج عندها ، وهو لا يقابل بمالٍ . وقال ابن تيميّة : قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره . والمالكيّة أجازوا الاعتياض عن حقّها في ذلك ، لأنّه عوضٌ عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحقّ . ت - إذا تعذّر ردّ المبيع المعيب كان للمشتري الحقّ في الاعتياض عن العيب . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، لأنّ الرّضى بالعيب يمنع الرّجوع بالنّقصان ،« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرشٍ وبين الرّدّ ». وعند الحنابلة : يجوز إمساك المبيع والاعتياض عن العيب ، لأنّه فات عليه جزءٌ من المبيع ، فكان له المطالبة بعوضه ، ويخالف المصرّاة ، لأنّ الخيار له بالتّدليس ، وكذلك في القول الثّاني عند الشّافعيّة . ث - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع الفقهاء . ج - يصحّ الصّلح عن إسقاط حقّ الدّعوى ، كحقّ الشّفعة والشّرب ، إلاّ ما كان مخالفاً للشّرع كدعوى الحدّ والنّسب ، ولأنّ الصّلح في الدّعوى لافتداء اليمين ، وهو جائزٌ . ح - يجوز الصّلح عن التّعزير الّذي هو حقّ العبد ، لكن قال أبو حنيفة : إنّ التّعزير الّذي فيه حقّ اللّه كقبلة الأجنبيّة ، فالظّاهر عدم صحّة الصّلح فيه . خ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الحضانة عند الحنفيّة والمالكيّة ، على القول بأنّها حقّ الحاضن . د - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ، إذ من العسير حصر الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها ، ويرجع في ذلك إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية