الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40901" data-attributes="member: 329"><p>ما لا يقبل الإسقاط :</p><p>أ - العين : </p><p>43 - العين ما يحتمل التّعيين مطلقاً ، جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً ، كالعروض من الثّياب ، والعقار من الأرضين والدّور ، والحيوان من الدّوابّ ، والمكيل والموزون .</p><p> ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيعٍ أو غيره . أمّا التّصرّف فيها بالإسقاط - أي رفع الملك وإزالته ، بأن يقول الشّخص مثلاً : أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلانٍ ، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا باطلٌ ، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين ، وثبوت الملك فيها للمسقط له . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . إلاّ ما ورد بالنّسبة للعتق والوقف على ما سبق بيانه .</p><p>44 - لكن لو حدث هذا التّصرّف من المالك ، وكانت العين تحت يد المسقط له ، فإن كانت العين مغصوبةً هالكةً صحّ الإسقاط ، لأنّه حينئذٍ يكون إسقاطاً لقيمتها المترتّبة في ذمّته ، فصار إسقاطاً للدّين ، وإسقاط الدّين صحيحٌ .</p><p> وإن كانت العين قائمةً ، فمعنى إسقاطها إسقاط ضمانها لو هلكت ، وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي . وقال زفر رحمه الله : لا يصحّ الإبراء وتبقى مضمونةً . وإن كانت العين أمانةً ، فالبراءة عنها لا تصحّ ديانةً ، بمعنى أنّ مالكها إذا ظفر بها أخذها . وتصحّ قضاءً ، فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة . وقد قالوا : الإبراء عن الأعيان باطلٌ ديانةً لا قضاءً . ومعناه أنّها تكون ملكاً له بالإبراء ، وإنّما الإبراء عنها صحيحٌ في سقوط الضّمان ، أو يحمل على الأمانة .</p><p> ويقول المالكيّة : إنّ البراءة من المعيّنات يسقط بها الطّلب بقيمتها إذا فاتت ، والطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وهذا هو المشهور من المذهب ، إلاّ إنّه نقل عن المازريّ ما ظاهره أنّ الإبراء يشمل الأمانات وهي معيّناتٌ ( وهذا في الإبراء العامّ ) . كذلك صرّح ابن عبد السّلام بأنّ الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه يكون في المعيّن وغيره .</p><p>ب - الحقّ :</p><p>ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق ، سواءٌ أكان من حقّ اللّه أم من حقّ العبد ، ونذكر فيما يلي ما لا يقبل الإسقاط منهما .</p><p> ما لا يقبل الإسقاط من حقوق اللّه تعالى : </p><p>45 - الأصل أنّ حقّ اللّه لا يقبل الإسقاط من أحدٍ من العباد ، وأنّ ذلك موكولٌ إلى صاحب الشّرع لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كالتّخفيف عن العباد على ما سبق . فحقّ اللّه الخالص من العبادات كالصّلاة والزّكاة ، ومن العقوبات كحدّ الزّنى وحدّ شرب الخمر ، ومن الكفّارات وغير ذلك من الحقوق الّتي ثبتت للعبد بمقتضى الشّريعة كحقّ الولاية على الصّغيرة ، حقّ اللّه هذا لا يجوز لأحدٍ من العباد إسقاطه ، لأنّه لا يملك الحقّ في ذلك ، بل إنّ من حاول ذلك فإنّه يقاتل ، كما فعل أبو بكرٍ رضي الله عنه بمانعي الزّكاة . حتّى إنّ السّنن الّتي فيها إظهار الدّين ، وتعتبر من شعائره ، كالأذان ، لو اتّفق أهل بلدةٍ على تركه وجب قتالهم .</p><p>46 - كذلك لا يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات ، كمن دخل عليه وقت صلاة ، فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها - وهو فاقدٌ لعقله - كالمغمى عليه . وكمن كان له مالٌ يقدر به على الحجّ ، فوهبه كيلاً يجب عليه الحجّ .</p><p>47 - وتحرم الشّفاعة لإسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى . وفي السّرقة كذلك بعد الرّفع للحاكم ، لأنّ الحدّ فيها حقّ اللّه تعالى ، وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قد سرق ، فأمر به فقطع ، فقيل : يا رسول اللّه ما كنّا نراك تبلغ به هذا ، قال : لو كانت فاطمة بنت محمّدٍ لأقمت عليها الحدّ » . وروى عروة قال :« شفع الزّبير في سارقٍ فقيل : حتّى يأتي السّلطان ، قال : إذا بلغ السّلطان فلعن اللّه الشّافع والمشفّع ». ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان ، حين تصدّق على السّارق : « فهلاّ قبل أن تأتيني به » . وقال النّوويّ في شرح مسلمٍ : وأجمعوا على تحريم الشّفاعة في الحدود بعد بلوغه الإمام ، فأمّا قبل بلوغه الإمام فقد أجازه أكثر العلماء ، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذًى للمسلمين ، فإن كان لم يشفع فيه .</p><p>48 - ويلاحظ أنّ السّرقة ، وإن كان الحدّ فيها هو حقّ اللّه ، إلاّ أنّ الجانب الشّخصيّ فيها متحقّقٌ ناحية المال ، ولذلك يجوز الإبراء من المال . أمّا الحدّ فإنّه يجوز العفو عنه قبل الرّفع للحاكم ، أمّا بعده فلا يجوز . لكن قال الحنفيّة - غير زفر ، وروايةٌ لأبي يوسف - لو أنّ المسروق منه ملّك المسروق للسّارق سقط الحدّ .</p><p> والقذف ممّا يجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، مع الاختلاف في تغليب أحدهما ، وعلى الجملة ، فإنّه يجوز العفو فيه ( أي الإسقاط ) قبل التّرافع وبعده عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز بعد الرّفع عند الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة قيّدوا العفو بعد التّرافع بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ، ويثبت ذلك بالبيّنة . ولا يشترط هذا القيد بين الابن وأبيه . وروي عن الإمام أبي يوسف أنّه يجوز العفو كذلك بعد الرّفع للإمام .</p><p> وأمّا التّعزير ، فما كان منه حقّاً للآدميّ جاز العفو عنه ، وما كان حقّاً للّه فهو موكولٌ إلى الإمام . ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه يجب على الإمام إقامته إذا كان في حقّ اللّه .</p><p> وعن الإمامين أبي حنيفة وأحمد أنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته فيجب امتثال الأمر فيه ، وما لم يكن منصوصاً عليه فهو موكولٌ إلى الإمام .</p><p>49 - وما دامت حدود اللّه لا تقبل الإسقاط من العباد ، فبالتّالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها ، فلا يصحّ أن يصالح سارقاً أو شارباً ليطلقه ولا يرفعه للسّلطان ، لأنّه لا يصحّ أخذ العوض في مقابلته . وكذا لا يصحّ أن يصالح شاهداً على ألاّ يشهد عليه بحقٍّ للّه أو لآدميٍّ ، لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسبٌ حقّاً للّه تعالى ، لقوله تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } والصّلح عن حقوق اللّه عزّ وجلّ باطلٌ ويجب عليه ردّ ما أخذ ، لأنّه أخذه بغير حقٍّ .</p><p>وهناك أيضاً ما يعتبر حقّاً للّه تعالى ممّا شرع أصلاً لمصلحة العباد ، ولذلك لا يسقط بالإسقاط ، لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروعٌ . ومن أمثلة ذلك :</p><p> الولاية على الصّغير : </p><p>50 - من الحقوق الّتي اعتبرها الشّارع وصفاً ذاتيّاً لصاحبها ، ولاية الأب على الصّغير ، فهي لازمةٌ له ولا تنفكّ عنه ، فحقّه ثابتٌ بإثبات الشّرع ، فهي حقٌّ عليه للّه تعالى ، ولذلك لا تسقط بإسقاطه ، لأنّ ذلك يعتبر خلاف المشروع ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا غير الأب كالوصيّ ففيه خلافٌ . فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا كان الوصيّ قد قبل الوصاية ، ومات الموصي ، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا الحقّ له . ولأنّها ولايةٌ فلا تسقط بالإسقاط .</p><p> أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّه يجوز عندهم أن يسقط الوصيّ حقّه ، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي ، لأنّه متصرّفٌ بالإذن ، فكان له عزل نفسه كالوكيل .</p><p> وينظر تفصيل أنواع الولايات ، كالقاضي وناظر الوقف ، في مصطلح ( ولايةٌ ) .</p><p>السّكنى في بيت العدّة : </p><p>51 - أوجب الشّارع على المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى حال وقوع الفرقة أو الموت ، والبيت المضاف إليها في قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } هو البيت الّذي تسكنه . ولا يجوز للزّوج ولا لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها . وليس لها أن تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ، لأنّ في العدّة حقّاً للّه تعالى ، وإخراجها أو خروجها من مسكن العدّة منافٍ للمشروع ، فلا يجوز لأحدٍ إسقاطه . وهذا في الجملة ، لأنّ المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب على المطلّقة البائنة قرارها في مسكن العدّة ، لحديث فاطمة بنت قيسٍ الّذي فيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : « لا نفقة لك ولا سكنى » .</p><p> وإنّما يستحبّ لها ذلك ، خروجاً من الخلاف . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ر : ( عدّةٌ ، سكنى ) .</p><p>خيار الرّؤية : </p><p>52 - بيع الشّيء قبل رؤيته يثبت خيار الرّؤية للمشتري ، فله الأخذ وله الرّدّ عند رؤيته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه » فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ، وإنّما هو ثابتٌ شرعاً فكان حقّ اللّه تعالى ، ولهذا لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط ، وهذا متّفقٌ عليه عند من يجيزون بيع الشّيء الغائب ، مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار .</p><p> ولو أنّ العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار الرّؤية بطل الشّرط مع الخلاف في صحّة العقد وفساده ، بناءً على حكم الشّروط الفاسدة في البيع . وينظر التّفصيل في : ( بيعٌ ، خيارٌ ) .</p><p>حقّ الرّجوع في الهبة : </p><p>53 - حقّ الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها - وهي فيما يهبه الوالد لولده عند الجمهور ، وفيما يهبه الإنسان إذا لم يوجد مانعٌ من موانع الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة - حقٌّ ثابتٌ شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو يهب هبةً ، فيرجع فيها ، إلاّ الوالد بما يعطي ولده » . وهذا ما استدلّ به الجمهور . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الواهب أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي ما لم يعوّض . قالوا : والعوض فيما وهب لذي الرّحم المحرّم هو : صلة الرّحم ، وقد حصل .</p><p>وما دام حقّ الرّجوع في الهبة - فيما يجوز الرّجوع فيه - ثابتاً شرعاً فإنّه لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط . وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في قولٍ . والقول الآخر للحنابلة أنّ الرّجوع حقّه ، وهو يسقط بإسقاطه . وعند المالكيّة يجوز للأب الرّجوع فيما وهبه لولده ، إلاّ إذا أشهد عليها ، أو شرط عدم الاعتصار ( أي الرّجوع ) ، فلا رجوع له حينئذٍ على المشهور . وينظر تفصيل ذلك في : ( هبةٌ ) .</p><p>ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد :</p><p>سبق أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ما لم يكن هناك مانعٌ ، وفيما يلي بيان بعض ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق اتّفاقاً أو عند بعض الفقهاء ، إمّا لفقد شرطٍ من شروط المحلّ ، أو شرطٍ من شروط الإسقاط في حدّ ذاته .</p><p> ما يتعلّق به حقّ الغير : </p><p>54 - الإسقاط إذا كان مسّ حقّاً لغير من يباشره فإنّه لا يصحّ ، إذا كان فيه ضررٌ على الغير كحقّ الصّغير ، أو يتوقّف على إجازة من يملك الإجازة كالوارث والمرتهن ، ومن أمثلة ذلك ما يأتي :</p><p> حقّ الحضانة : </p><p>55 - يرى جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أيضاً قولٌ للمالكيّة خلاف المشهور عندهم - أنّ للحاضن أن يسقط حقّه بإسقاطه ، وينتقل الحقّ إلى من بعده ، ولا يجبر على الحضانة إلاّ إذا تعيّن ولم يوجد حاضنٌ غيره ، ثمّ إن عاد الحاضن فطلب الحضانة عاد الحقّ إليه . وخالف ذلك المالكيّة في المشهور عندهم فقالوا : إنّ الحاضنة إذا أسقطت حقّها من الحضانة لغير عذرٍ ، بعد وجوبها لها ، ثمّ أرادت العود فلا تعود .</p><p> وللتّفصيل ر : ( حضانةٌ ) .</p><p>نسب الصّغير : </p><p>56 - النّسب حقّ الصّغير ، فإذا ثبت هذا الحقّ فإنّه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحقّ ، فمن أقرّ بابنٍ ، أو هنّئ به فسكت ، أو أمّن على الدّعاء ، أو أخّر نفيه مع إمكان النّفي فقد التحق به ، ولا يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك .</p><p> ولو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل فصالحت عن النّسب على شيءٍ فالصّلح باطلٌ ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها .</p><p>عزل الوكيل : </p><p>57 - الأصل أنّ الموكّل يجوز له عزل الوكيل متى شاء ، لأنّه تصرّف في خالص حقّه ، لكن لو تعلّق بالوكالة حقٌّ للغير ، فلا يجوز له أن يعزله بغير رضى صاحب الحقّ ، لأنّ في العزل إبطال حقّه من غير رضاه ، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله ما دامت الخصومة مستمرّةً . وكالعدل المتسلّط على بيع المرهون .</p><p> وذلك في الجملة عند الحنفيّة والمالكيّة ، مع تفصيلٍ كثيرٍ في شروط العزل وشروط الوكالة في الخصومة ، وتنظر في : ( وكالةٌ ، رهنٌ ) .</p><p>تصرّف المفلس : </p><p>58 - المحجور عليه للفلس ، يتعلّق حقّ الغرماء بماله ، ولذلك لا يجوز له التّصرّف في ماله تصرّفاً مستأنفاً ، كوقفٍ ، وعتقٍ ، وإبراءٍ ، وعفوٍ مجّاناً فيما لا قصاص فيه ، وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ، فهو محجورٌ عليه فيه ، أشبه الرّاهن يتصرّف في الرّهن . ر : ( حجرٌ ، فلسٌ ) .</p><p>إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وبعد وجود سبب الوجوب : </p><p>59 - يتّفق الفقهاء على عدم صحّة الإسقاط قبل وجوب الحقّ ، وقبل وجود سبب الوجوب ، لأنّ الحقّ قبل ذلك غير موجودٍ بالفعل ، فلا يتصوّر ورود الإسقاط عليه ، فإسقاط ما لم يجب ، ولا جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما مجرّد وعدٍ لا يلزم منه الإسقاط مستقبلاً ، كإسقاط الشّفعة قبل البيع ، وإسقاط الحاضنة حقّها في الحضانة قبل وجوبها ، فكلّ هذا لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما هو امتناعٌ عن الحقّ في المستقبل ، ويجوز الرّجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحقّ .</p><p>60 - أمّا إذا لم يجب الحقّ ، ولكن وجد سبب وجوبه ، ففي صحّة الإسقاط حينئذٍ اختلاف الفقهاء : فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ الإسقاط بعد وجود السّبب وقبل الوجوب .</p><p> فقد جاء في بدائع الصّنائع : الإبراء عن الحقّ بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ ، كالإبراء عن الأجرة قبل مضيّ مدّة الإجارة . وفي فتح القدير : الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائزٌ . وفي شرح منتهى الإرادات ، ومثله في المغني : إن عفا مجروحٌ عمداً أو خطأً عن قود نفسه أو ديتها صحّ عفوه ، لإسقاطه حقّه بعد انعقاد سببه .</p><p> وفي فتح العليّ المالك وردت عدّة مسائل : كإبراء الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، وإسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل ، وكعفو المجروح عمّا يئول إليه الجرح . ثمّ قال نقلاً عن ابن عبد السّلام : وبعض هذه المسائل أقوى من بعضٍ ، فهل يلزم الإسقاط في ذلك ، لأنّ سبب الوجوب قد وجد أو لا يلزم لأنّها لم تجب ؟ قولان حكاهما ابن رشدٍ . وفي الدّسوقيّ ذكر أنّ المعتمد هو لزوم الإسقاط لجريان السّبب . والأظهر عند الشّافعيّة والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يصحّ إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وإن جرى سبب وجوبه .</p><p> جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ المشتري البائع عن الضّمان لم يبرّأ في الأظهر ، إذ هو إبراءٌ عمّا لم يجب ، وهو غير صحيحٍ وإن وجد سببه ، والقول الثّاني : يبرّأ لوجود سبب الضّمان . واستثنى الشّافعيّة صورةً يصحّ فيها الإسقاط قبل الوجوب وهي : من حفر بئراً في ملك غيره بلا إذنٍ ، وأبرأه المالك ، ورضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ ممّا وقع فيها .</p><p>إسقاط المجهول : </p><p>61 - إسقاط الحقّ المعلوم لا خلاف فيه ، والخلاف إنّما هو في المجهول ، كالدّين ، والعيب في المبيع ، وحصّةٍ في تركةٍ ، وما ماثل ذلك . فهذا النّوع محلّ خلافٍ بين الفقهاء في صحّة إسقاطه ، بناءً على اختلافهم في الإبراء من الدّين ، هل هو تمليكٌ أو إسقاطٌ ؟</p><p> فعند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة ، والقديم عند الشّافعيّ : أنّه يجوز الإبراء من المجهول ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن اختصما في مواريث قد درست : استهما ، وتوخّيا الحقّ ، وليحلل كلٌّ منكما صاحبه » . ولأنّه إسقاط حقٍّ لا تسليم فيه ، فصحّ في المجهول ، لأنّ الجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة . ومن ذلك عند الحنابلة : صحّة الصّلح عمّا تعذّر علمه من الدّين ، لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .</p><p> وفي الجديد عند الشّافعيّ ، وهو روايةٌ عند الحنابلة : أنّه لا يصحّ الإبراء من المجهول ، بناءً على أنّه تمليك ما في ذمّته ، فيشترط العلم به .</p><p> ولا فرق عند الشّافعيّة ، والحنابلة على القول بعدم الصّحّة بين مجهول الجنس والقدر والصّفة . ويستثني الشّافعيّة من الإبراء من المجهول صورتين :</p><p> الأولى : الإبراء من إبل الدّية ، فيصحّ الإبراء منها مع الجهل بصفتها ، لاغتفارهم ذلك في إثباتها في ذمّة الجاني . وكذا الأرش والحكومة يصحّ الإبراء منهما مع الجهل بصفتهما . الثّانية : إذا ذكر قدراً يتحقّق أنّ حقّه أقلّ منه . وأضيف إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأه عمّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهالة ، لأنّه وصيّةٌ . كذلك الجهل اليسير الّذي يمكن معرفته لا يؤثّر في الإسقاط عند الشّافعيّة ، كالإبراء من حصّته من مورّثه في التّركة ، إن علم قدر التّركة ، وجهل قدر حصّته . وإن أجاز الوارث وصيّة مورّثه فيما زاد على الثّلث ، وقال : إنّما أجزت لأنّي ظننت المال قليلاً ، وأنّ الثّلث قليلٌ ، وقد بان أنّه كثيرٌ ، قبل قوله بيمينه ، وله الرّجوع بما زاد على ظنّه ، ما لم يكن المال ظاهراً لا يخفى على المجيز ، أو تقوم بيّنةٌ بعلمه وبقدره ، وهذا في الجملة .</p><p>62 - أمّا الإبراء من العيوب في البيع ، فالحكم فيه عند الحنفيّة والمالكيّة كالحكم في الدّين ، مع تفصيلٍ بين الحادث والقائم . وعند الحنابلة : الأشهر فيه عدم صحّة الإبراء .</p><p> والرّأي الثّاني : يجوز الإبراء فيه . وأمّا عند الشّافعيّة ففيه طريقان :</p><p> أحدهما أنّ المسألة على ثلاثة أقوالٍ : قولٌ بصحّة البراءة من كلّ عيبٍ ، وقولٌ بعدم صحّة البراءة والثّالث أنّه لا يبرّأ إلاّ من عيبٍ واحدٍ ، وهو العيب الباطن في الحيوان الّذي لا يعلم به البائع ، قال الشّافعيّ رحمه الله : لأنّ الحيوان يفارق ما سواه ، وقلّما يبرّأ من عيبٍ يظهر أو يخفى ، فدعت الحاجة إلى التّبرّي من العيب الباطن فيه .</p><p> هذه أمثلةٌ لما لا يقبل الإسقاط بالاتّفاق ، أو مع الاختلاف لعدم تحقّق شرطٍ من شروط المحلّ أو شروط الإسقاط في حدّ ذاته .</p><p>63 - وهناك كثيرٌ من الحقوق الّتي لا تقبل الإسقاط لأسبابٍ مختلفةٍ ، ومن العسير حصر هذه الحقوق لتشعّبها في مسائل الفقه المختلفة . ومن أمثلة ذلك : حقّ الزّوج في الاستمتاع . وهناك ما لا يسقط لقاعدةٍ عند الشّافعيّة وهي : أنّ صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط كالأجل والجودة ، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفيّة خروجاً عن قاعدة " التّابع تابعٌ " .</p><p> كذلك قال الحنفيّة : إنّ الشّرط إذا كان في عقدٍ لازمٍ فإنّه يلزم ولا يقبل الإسقاط ، فلو قال ربّ السّلم : أسقطت حقّي في التّسليم في ذلك المكان أو البلد لم يسقط . وكمن أسقط حقّه فيما شرط له من ريع الوقف لا لأحدٍ ، لأنّ الاشتراط له صار لازماً كلزوم الوقف .</p><p> وغير ذلك كثيرٌ ، وينظر في مواضعه .</p><p>تجزّؤ الإسقاط : </p><p>64 - من المعلوم أنّ الإسقاط يرد على محلٍّ ، والمحلّ هو الأساس في بيان حكم التّجزّؤ ، فإذا كان المحلّ يقبل الإسقاط في بعضه دون البعض الآخر ، قيل : إنّ الإسقاط يتجزّأ .</p><p> وإن كان المحلّ لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه ، بل يثبت في الكلّ ، قيل : إنّ الإسقاط لا يتجزّأ . ومن القواعد في ذلك عند الحنفيّة ، كما ذكر ابن نجيمٍ والأتاسيّ شارح المجلّة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " . فإذا طلّق نصف تطليقةٍ وقعت واحدةٌ ، أو طلّق نصف المرأة طلقت ، ومنها العفو عن القصاص : إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص كلّه وانقلب نصيب الباقين مالاً .</p><p> وخرج عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة ، فإنّه إذا أعتق بعض عبده لم يعتق كلّه . وعند الصّاحبين لا يتجزّأ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شركاً له في مملوكٍ فعليه عتقه كلّه » . وأدخل شارح المجلّة تحت القاعدة أيضاً : الكفالة بالنّفس ، والشّفعة ، ووصاية الأب ، والولاية . وذكر الشّافعيّة هذه القاعدة بتوضيحٍ أكثر فقالوا : ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . وذكروا تحت هذه القاعدة المسائل الّتي سبق إيرادها عن ابن نجيمٍ ، وهي : الطّلاق والقصاص والعتق والشّفعة . فإذا عفا الشّفيع عن بعض حقّه سقط الكلّ . واستثنى الشّافعيّة من القاعدة حدّ القذف ، فالعفو عن بعضه لا يسقط شيئاً منه . قاله الرّافعيّ . وزاد في نهاية المحتاج : التّعزير ، فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شيءٌ .</p><p> والمسائل المشهورة الّتي وردت من طلاقٍ وعتقٍ وقصاصٍ هي محلّ اتّفاقٍ بين المذاهب ، في أنّ الطّلاق المبعّض أو المضاف إلى جزءٍ من الزّوجة ، أو العتق المضاف إلى جزءٍ من العبد ، أو عفو أحد المستحقّين عن القصاص ، كلّ هذا يسري على الكلّ ، ولا يتبعّض المحلّ ، فتطلق المرأة ، ويعتق العبد ، ويسقط القصاص . وهذا في الجملة في الأصل العامّ ، إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة في العتق كما سبق . وللفقهاء تفصيلٌ في فروع كلّ مسألةٍ . فمثلاً إضافة الطّلاق أو العتق إلى الظّفر والسّنّ والشّعر لا يقع به شيءٌ عند الحنابلة ، لأنّ هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل . وفي الإضافة إلى الشّعر قولان عند المالكيّة ، ويقع بالإضافة إليه الطّلاق عند الشّافعيّة . والشّفعة أيضاً الأصل العامّ فيها أنّها لا تتبعّض ، حتّى لا يقع ضررٌ بتفريق الصّفقة . فالشّفيع إمّا أن يأخذ الكلّ أو يترك ، وإذا أسقط حقّه في البعض سقط الكلّ . لكن وقع خلافٌ عند الشّافعيّة ، إذ قيل : إنّ إسقاط بعض الشّفعة لا يسقط شيئاً منها . وليس من تبعيض الشّفعة ما إذا كان البائع أو المشتري اثنين ، فإنّ الشّفيع له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر ، وإذا تعدّد الشّفعاء فالشّفعة على قدر الأنصباء . والدّين ممّا يقبل التّبعيض ، فللدّائن أخذ بعضه وإسقاط بعضه .</p><p>السّاقط لا يعود :</p><p>65 - من المعلوم أنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ، ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلاّ بسببٍ جديدٍ يصير مثله لا عينه ، فإذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ، فلا يكون هناك دينٌ ، إلاّ إذا وجد سببٌ جديدٌ ، وكالقصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ، ولا تستباح إلاّ بجنايةٍ أخرى ، وهكذا . وكمن أسقط حقّه في الشّفعة ، ثمّ رجعت الدّار إلى صاحبها بخيار رؤيةٍ ، أو بخيار شرطٍ للمشتري ، فليس له أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ الحقّ قد بطل ، فلا يعود إلاّ بسببٍ جديدٍ .</p><p> والإسقاط يقع على الكائن المستحقّ ، وهو الّذي إذا سقط لا يعود ، أمّا الحقّ الّذي يثبت شيئاً فشيئاً ، أي يتجدّد بتجدّد سببه فلا يرد عليه الإسقاط ، لأنّ الإسقاط يؤثّر في الحال دون المستقبل . ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزّوايا : لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض ، ورضي المشتري بترك الفسخ ، ثمّ بدا له ، يمكّن من الفسخ ، لأنّ التّسليم مستحقٌّ له في الأوقات كلّها ، والإسقاط يؤثّر في الحال دون ما يستحقّ من بعد .</p><p> وقال ابن عابدين : لو أسقطت الزّوجة نوبتها لضرّتها فلها الرّجوع ، لأنّها أسقطت الكائن ، وحقّها يثبت شيئاً فشيئاً ، فلا يسقط في المستقبل ، ولا يرد أنّ السّاقط لا يعود ، لأنّ العائد غير السّاقط ، وهذه مسألةٌ متّفقٌ عليها . وقد ذكر ابن نجيمٍ قاعدةً في ذلك فقال : الأصل أنّ المقتضي للحكم إن كان موجوداً والحكم معدومٌ فهو من باب المانع ، وإن عدم المقتضي فهو من باب السّاقط . فهناك فرقٌ إذن بين وجود المقتضي للحكم ، ثمّ سقط الحكم لمانعٍ ، فإذا زال المانع مع وجود المقتضي عاد الحكم ، بخلاف ما إذا عدم المقتضي فلا يعود الحكم . ومن ذلك حقّ الحضانة . جاء في منتهى الإرادات : لا حضانة لفاسقٍ ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ ، ولا تزويج بأجنبيٍّ من محضونٍ . وبمجرّد زوال المانع من فسقٍ أو كفرٍ ، أو تزوّجٍ بأجنبيٍّ ، وبمجرّد رجوع ممتنعٍ من حضانةٍ يعود الحقّ له في الحضانة ، لقيام سببها مع زوال المانع . هذا مع الاختلاف بين الفقهاء ، هل الحضانة حقّ الحاضن أو حقّ المحضون . وفي الدّسوقيّ : إذا انتقلت الحضانة لشخصٍ لمانعٍ ، ثمّ زال المانع فإنّها تعود للأوّل ، كما لو تزوّجت الأمّ ودخل بها الزّوج ، وأخذت الجدّة الولد ، ثمّ فارق الزّوج الأمّ ، وقد ماتت الجدّة ، أو تزوّجت ، والأمّ خاليةٌ من الموانع ، فهي أحقّ ممّن بعد الجدّة ، وهي الخالة ومن بعدها . كذا قال المصنّف ( الدّردير ) ، وهو ضعيفٌ . والمعتمد أنّ الجدّة إذا ماتت انتقلت الحضانة لمن بعدها كالخالة ، ولا تعود للأمّ ولو كانت متأيّمةً ( لا زوج لها ) .</p><p> وفي الجمل على شرح المنهج : لو أسقطت الحاضنة حقّها انتقلت لمن يليها ، فإذا رجعت عاد حقّها . ومثل ذلك عند الحنفيّة كما في البدائع . وقال ابن نجيمٍ : وفرّعت على " وقولهم : السّاقط لا يعود " قولهم إذا حكم القاضي بردّ شهادة الشّاهد ، مع وجود الأهليّة ، لفسقٍ أو لتهمةٍ ، فإنّه لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة .</p><p> ومن المسائل الّتي ذكرها ابن نجيمٍ للتّفرقة بين ما هو مسقطٌ وما هو مانعٌ قوله : لا يعود التّرتيب بعد سقوطه بقلّة الفوائت ، بخلاف ما إذا سقط بالنّسيان فإنّه يعود بالتّذكّر ، لأنّ النّسيان كان مانعاً لا مسقطاً ، فهو من باب زوال المانع . ولا تصحّ إقالة الإقالة في السّلم ، لأنّه دينٌ ساقطٌ فلا يعود . أمّا عود النّفقة - بعد سقوطها بالنّشوز - بالرّجوع ، فهو من باب زوال المانع ، لا من باب عود السّاقط . وتنظر الفروع في أبوابها .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40901, member: 329"] ما لا يقبل الإسقاط : أ - العين : 43 - العين ما يحتمل التّعيين مطلقاً ، جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً ، كالعروض من الثّياب ، والعقار من الأرضين والدّور ، والحيوان من الدّوابّ ، والمكيل والموزون . ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيعٍ أو غيره . أمّا التّصرّف فيها بالإسقاط - أي رفع الملك وإزالته ، بأن يقول الشّخص مثلاً : أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلانٍ ، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا باطلٌ ، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين ، وثبوت الملك فيها للمسقط له . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . إلاّ ما ورد بالنّسبة للعتق والوقف على ما سبق بيانه . 44 - لكن لو حدث هذا التّصرّف من المالك ، وكانت العين تحت يد المسقط له ، فإن كانت العين مغصوبةً هالكةً صحّ الإسقاط ، لأنّه حينئذٍ يكون إسقاطاً لقيمتها المترتّبة في ذمّته ، فصار إسقاطاً للدّين ، وإسقاط الدّين صحيحٌ . وإن كانت العين قائمةً ، فمعنى إسقاطها إسقاط ضمانها لو هلكت ، وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي . وقال زفر رحمه الله : لا يصحّ الإبراء وتبقى مضمونةً . وإن كانت العين أمانةً ، فالبراءة عنها لا تصحّ ديانةً ، بمعنى أنّ مالكها إذا ظفر بها أخذها . وتصحّ قضاءً ، فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة . وقد قالوا : الإبراء عن الأعيان باطلٌ ديانةً لا قضاءً . ومعناه أنّها تكون ملكاً له بالإبراء ، وإنّما الإبراء عنها صحيحٌ في سقوط الضّمان ، أو يحمل على الأمانة . ويقول المالكيّة : إنّ البراءة من المعيّنات يسقط بها الطّلب بقيمتها إذا فاتت ، والطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وهذا هو المشهور من المذهب ، إلاّ إنّه نقل عن المازريّ ما ظاهره أنّ الإبراء يشمل الأمانات وهي معيّناتٌ ( وهذا في الإبراء العامّ ) . كذلك صرّح ابن عبد السّلام بأنّ الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه يكون في المعيّن وغيره . ب - الحقّ : ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق ، سواءٌ أكان من حقّ اللّه أم من حقّ العبد ، ونذكر فيما يلي ما لا يقبل الإسقاط منهما . ما لا يقبل الإسقاط من حقوق اللّه تعالى : 45 - الأصل أنّ حقّ اللّه لا يقبل الإسقاط من أحدٍ من العباد ، وأنّ ذلك موكولٌ إلى صاحب الشّرع لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كالتّخفيف عن العباد على ما سبق . فحقّ اللّه الخالص من العبادات كالصّلاة والزّكاة ، ومن العقوبات كحدّ الزّنى وحدّ شرب الخمر ، ومن الكفّارات وغير ذلك من الحقوق الّتي ثبتت للعبد بمقتضى الشّريعة كحقّ الولاية على الصّغيرة ، حقّ اللّه هذا لا يجوز لأحدٍ من العباد إسقاطه ، لأنّه لا يملك الحقّ في ذلك ، بل إنّ من حاول ذلك فإنّه يقاتل ، كما فعل أبو بكرٍ رضي الله عنه بمانعي الزّكاة . حتّى إنّ السّنن الّتي فيها إظهار الدّين ، وتعتبر من شعائره ، كالأذان ، لو اتّفق أهل بلدةٍ على تركه وجب قتالهم . 46 - كذلك لا يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات ، كمن دخل عليه وقت صلاة ، فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها - وهو فاقدٌ لعقله - كالمغمى عليه . وكمن كان له مالٌ يقدر به على الحجّ ، فوهبه كيلاً يجب عليه الحجّ . 47 - وتحرم الشّفاعة لإسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى . وفي السّرقة كذلك بعد الرّفع للحاكم ، لأنّ الحدّ فيها حقّ اللّه تعالى ، وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قد سرق ، فأمر به فقطع ، فقيل : يا رسول اللّه ما كنّا نراك تبلغ به هذا ، قال : لو كانت فاطمة بنت محمّدٍ لأقمت عليها الحدّ » . وروى عروة قال :« شفع الزّبير في سارقٍ فقيل : حتّى يأتي السّلطان ، قال : إذا بلغ السّلطان فلعن اللّه الشّافع والمشفّع ». ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان ، حين تصدّق على السّارق : « فهلاّ قبل أن تأتيني به » . وقال النّوويّ في شرح مسلمٍ : وأجمعوا على تحريم الشّفاعة في الحدود بعد بلوغه الإمام ، فأمّا قبل بلوغه الإمام فقد أجازه أكثر العلماء ، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذًى للمسلمين ، فإن كان لم يشفع فيه . 48 - ويلاحظ أنّ السّرقة ، وإن كان الحدّ فيها هو حقّ اللّه ، إلاّ أنّ الجانب الشّخصيّ فيها متحقّقٌ ناحية المال ، ولذلك يجوز الإبراء من المال . أمّا الحدّ فإنّه يجوز العفو عنه قبل الرّفع للحاكم ، أمّا بعده فلا يجوز . لكن قال الحنفيّة - غير زفر ، وروايةٌ لأبي يوسف - لو أنّ المسروق منه ملّك المسروق للسّارق سقط الحدّ . والقذف ممّا يجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، مع الاختلاف في تغليب أحدهما ، وعلى الجملة ، فإنّه يجوز العفو فيه ( أي الإسقاط ) قبل التّرافع وبعده عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز بعد الرّفع عند الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة قيّدوا العفو بعد التّرافع بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ، ويثبت ذلك بالبيّنة . ولا يشترط هذا القيد بين الابن وأبيه . وروي عن الإمام أبي يوسف أنّه يجوز العفو كذلك بعد الرّفع للإمام . وأمّا التّعزير ، فما كان منه حقّاً للآدميّ جاز العفو عنه ، وما كان حقّاً للّه فهو موكولٌ إلى الإمام . ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه يجب على الإمام إقامته إذا كان في حقّ اللّه . وعن الإمامين أبي حنيفة وأحمد أنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته فيجب امتثال الأمر فيه ، وما لم يكن منصوصاً عليه فهو موكولٌ إلى الإمام . 49 - وما دامت حدود اللّه لا تقبل الإسقاط من العباد ، فبالتّالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها ، فلا يصحّ أن يصالح سارقاً أو شارباً ليطلقه ولا يرفعه للسّلطان ، لأنّه لا يصحّ أخذ العوض في مقابلته . وكذا لا يصحّ أن يصالح شاهداً على ألاّ يشهد عليه بحقٍّ للّه أو لآدميٍّ ، لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسبٌ حقّاً للّه تعالى ، لقوله تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } والصّلح عن حقوق اللّه عزّ وجلّ باطلٌ ويجب عليه ردّ ما أخذ ، لأنّه أخذه بغير حقٍّ . وهناك أيضاً ما يعتبر حقّاً للّه تعالى ممّا شرع أصلاً لمصلحة العباد ، ولذلك لا يسقط بالإسقاط ، لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروعٌ . ومن أمثلة ذلك : الولاية على الصّغير : 50 - من الحقوق الّتي اعتبرها الشّارع وصفاً ذاتيّاً لصاحبها ، ولاية الأب على الصّغير ، فهي لازمةٌ له ولا تنفكّ عنه ، فحقّه ثابتٌ بإثبات الشّرع ، فهي حقٌّ عليه للّه تعالى ، ولذلك لا تسقط بإسقاطه ، لأنّ ذلك يعتبر خلاف المشروع ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا غير الأب كالوصيّ ففيه خلافٌ . فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا كان الوصيّ قد قبل الوصاية ، ومات الموصي ، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا الحقّ له . ولأنّها ولايةٌ فلا تسقط بالإسقاط . أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّه يجوز عندهم أن يسقط الوصيّ حقّه ، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي ، لأنّه متصرّفٌ بالإذن ، فكان له عزل نفسه كالوكيل . وينظر تفصيل أنواع الولايات ، كالقاضي وناظر الوقف ، في مصطلح ( ولايةٌ ) . السّكنى في بيت العدّة : 51 - أوجب الشّارع على المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى حال وقوع الفرقة أو الموت ، والبيت المضاف إليها في قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } هو البيت الّذي تسكنه . ولا يجوز للزّوج ولا لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها . وليس لها أن تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ، لأنّ في العدّة حقّاً للّه تعالى ، وإخراجها أو خروجها من مسكن العدّة منافٍ للمشروع ، فلا يجوز لأحدٍ إسقاطه . وهذا في الجملة ، لأنّ المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب على المطلّقة البائنة قرارها في مسكن العدّة ، لحديث فاطمة بنت قيسٍ الّذي فيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : « لا نفقة لك ولا سكنى » . وإنّما يستحبّ لها ذلك ، خروجاً من الخلاف . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ر : ( عدّةٌ ، سكنى ) . خيار الرّؤية : 52 - بيع الشّيء قبل رؤيته يثبت خيار الرّؤية للمشتري ، فله الأخذ وله الرّدّ عند رؤيته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه » فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ، وإنّما هو ثابتٌ شرعاً فكان حقّ اللّه تعالى ، ولهذا لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط ، وهذا متّفقٌ عليه عند من يجيزون بيع الشّيء الغائب ، مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار . ولو أنّ العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار الرّؤية بطل الشّرط مع الخلاف في صحّة العقد وفساده ، بناءً على حكم الشّروط الفاسدة في البيع . وينظر التّفصيل في : ( بيعٌ ، خيارٌ ) . حقّ الرّجوع في الهبة : 53 - حقّ الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها - وهي فيما يهبه الوالد لولده عند الجمهور ، وفيما يهبه الإنسان إذا لم يوجد مانعٌ من موانع الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة - حقٌّ ثابتٌ شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو يهب هبةً ، فيرجع فيها ، إلاّ الوالد بما يعطي ولده » . وهذا ما استدلّ به الجمهور . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الواهب أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي ما لم يعوّض . قالوا : والعوض فيما وهب لذي الرّحم المحرّم هو : صلة الرّحم ، وقد حصل . وما دام حقّ الرّجوع في الهبة - فيما يجوز الرّجوع فيه - ثابتاً شرعاً فإنّه لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط . وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في قولٍ . والقول الآخر للحنابلة أنّ الرّجوع حقّه ، وهو يسقط بإسقاطه . وعند المالكيّة يجوز للأب الرّجوع فيما وهبه لولده ، إلاّ إذا أشهد عليها ، أو شرط عدم الاعتصار ( أي الرّجوع ) ، فلا رجوع له حينئذٍ على المشهور . وينظر تفصيل ذلك في : ( هبةٌ ) . ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد : سبق أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ما لم يكن هناك مانعٌ ، وفيما يلي بيان بعض ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق اتّفاقاً أو عند بعض الفقهاء ، إمّا لفقد شرطٍ من شروط المحلّ ، أو شرطٍ من شروط الإسقاط في حدّ ذاته . ما يتعلّق به حقّ الغير : 54 - الإسقاط إذا كان مسّ حقّاً لغير من يباشره فإنّه لا يصحّ ، إذا كان فيه ضررٌ على الغير كحقّ الصّغير ، أو يتوقّف على إجازة من يملك الإجازة كالوارث والمرتهن ، ومن أمثلة ذلك ما يأتي : حقّ الحضانة : 55 - يرى جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أيضاً قولٌ للمالكيّة خلاف المشهور عندهم - أنّ للحاضن أن يسقط حقّه بإسقاطه ، وينتقل الحقّ إلى من بعده ، ولا يجبر على الحضانة إلاّ إذا تعيّن ولم يوجد حاضنٌ غيره ، ثمّ إن عاد الحاضن فطلب الحضانة عاد الحقّ إليه . وخالف ذلك المالكيّة في المشهور عندهم فقالوا : إنّ الحاضنة إذا أسقطت حقّها من الحضانة لغير عذرٍ ، بعد وجوبها لها ، ثمّ أرادت العود فلا تعود . وللتّفصيل ر : ( حضانةٌ ) . نسب الصّغير : 56 - النّسب حقّ الصّغير ، فإذا ثبت هذا الحقّ فإنّه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحقّ ، فمن أقرّ بابنٍ ، أو هنّئ به فسكت ، أو أمّن على الدّعاء ، أو أخّر نفيه مع إمكان النّفي فقد التحق به ، ولا يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك . ولو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل فصالحت عن النّسب على شيءٍ فالصّلح باطلٌ ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها . عزل الوكيل : 57 - الأصل أنّ الموكّل يجوز له عزل الوكيل متى شاء ، لأنّه تصرّف في خالص حقّه ، لكن لو تعلّق بالوكالة حقٌّ للغير ، فلا يجوز له أن يعزله بغير رضى صاحب الحقّ ، لأنّ في العزل إبطال حقّه من غير رضاه ، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله ما دامت الخصومة مستمرّةً . وكالعدل المتسلّط على بيع المرهون . وذلك في الجملة عند الحنفيّة والمالكيّة ، مع تفصيلٍ كثيرٍ في شروط العزل وشروط الوكالة في الخصومة ، وتنظر في : ( وكالةٌ ، رهنٌ ) . تصرّف المفلس : 58 - المحجور عليه للفلس ، يتعلّق حقّ الغرماء بماله ، ولذلك لا يجوز له التّصرّف في ماله تصرّفاً مستأنفاً ، كوقفٍ ، وعتقٍ ، وإبراءٍ ، وعفوٍ مجّاناً فيما لا قصاص فيه ، وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ، فهو محجورٌ عليه فيه ، أشبه الرّاهن يتصرّف في الرّهن . ر : ( حجرٌ ، فلسٌ ) . إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وبعد وجود سبب الوجوب : 59 - يتّفق الفقهاء على عدم صحّة الإسقاط قبل وجوب الحقّ ، وقبل وجود سبب الوجوب ، لأنّ الحقّ قبل ذلك غير موجودٍ بالفعل ، فلا يتصوّر ورود الإسقاط عليه ، فإسقاط ما لم يجب ، ولا جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما مجرّد وعدٍ لا يلزم منه الإسقاط مستقبلاً ، كإسقاط الشّفعة قبل البيع ، وإسقاط الحاضنة حقّها في الحضانة قبل وجوبها ، فكلّ هذا لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما هو امتناعٌ عن الحقّ في المستقبل ، ويجوز الرّجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحقّ . 60 - أمّا إذا لم يجب الحقّ ، ولكن وجد سبب وجوبه ، ففي صحّة الإسقاط حينئذٍ اختلاف الفقهاء : فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ الإسقاط بعد وجود السّبب وقبل الوجوب . فقد جاء في بدائع الصّنائع : الإبراء عن الحقّ بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ ، كالإبراء عن الأجرة قبل مضيّ مدّة الإجارة . وفي فتح القدير : الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائزٌ . وفي شرح منتهى الإرادات ، ومثله في المغني : إن عفا مجروحٌ عمداً أو خطأً عن قود نفسه أو ديتها صحّ عفوه ، لإسقاطه حقّه بعد انعقاد سببه . وفي فتح العليّ المالك وردت عدّة مسائل : كإبراء الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، وإسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل ، وكعفو المجروح عمّا يئول إليه الجرح . ثمّ قال نقلاً عن ابن عبد السّلام : وبعض هذه المسائل أقوى من بعضٍ ، فهل يلزم الإسقاط في ذلك ، لأنّ سبب الوجوب قد وجد أو لا يلزم لأنّها لم تجب ؟ قولان حكاهما ابن رشدٍ . وفي الدّسوقيّ ذكر أنّ المعتمد هو لزوم الإسقاط لجريان السّبب . والأظهر عند الشّافعيّة والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يصحّ إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وإن جرى سبب وجوبه . جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ المشتري البائع عن الضّمان لم يبرّأ في الأظهر ، إذ هو إبراءٌ عمّا لم يجب ، وهو غير صحيحٍ وإن وجد سببه ، والقول الثّاني : يبرّأ لوجود سبب الضّمان . واستثنى الشّافعيّة صورةً يصحّ فيها الإسقاط قبل الوجوب وهي : من حفر بئراً في ملك غيره بلا إذنٍ ، وأبرأه المالك ، ورضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ ممّا وقع فيها . إسقاط المجهول : 61 - إسقاط الحقّ المعلوم لا خلاف فيه ، والخلاف إنّما هو في المجهول ، كالدّين ، والعيب في المبيع ، وحصّةٍ في تركةٍ ، وما ماثل ذلك . فهذا النّوع محلّ خلافٍ بين الفقهاء في صحّة إسقاطه ، بناءً على اختلافهم في الإبراء من الدّين ، هل هو تمليكٌ أو إسقاطٌ ؟ فعند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة ، والقديم عند الشّافعيّ : أنّه يجوز الإبراء من المجهول ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن اختصما في مواريث قد درست : استهما ، وتوخّيا الحقّ ، وليحلل كلٌّ منكما صاحبه » . ولأنّه إسقاط حقٍّ لا تسليم فيه ، فصحّ في المجهول ، لأنّ الجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة . ومن ذلك عند الحنابلة : صحّة الصّلح عمّا تعذّر علمه من الدّين ، لئلاّ يفضي إلى ضياع المال . وفي الجديد عند الشّافعيّ ، وهو روايةٌ عند الحنابلة : أنّه لا يصحّ الإبراء من المجهول ، بناءً على أنّه تمليك ما في ذمّته ، فيشترط العلم به . ولا فرق عند الشّافعيّة ، والحنابلة على القول بعدم الصّحّة بين مجهول الجنس والقدر والصّفة . ويستثني الشّافعيّة من الإبراء من المجهول صورتين : الأولى : الإبراء من إبل الدّية ، فيصحّ الإبراء منها مع الجهل بصفتها ، لاغتفارهم ذلك في إثباتها في ذمّة الجاني . وكذا الأرش والحكومة يصحّ الإبراء منهما مع الجهل بصفتهما . الثّانية : إذا ذكر قدراً يتحقّق أنّ حقّه أقلّ منه . وأضيف إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأه عمّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهالة ، لأنّه وصيّةٌ . كذلك الجهل اليسير الّذي يمكن معرفته لا يؤثّر في الإسقاط عند الشّافعيّة ، كالإبراء من حصّته من مورّثه في التّركة ، إن علم قدر التّركة ، وجهل قدر حصّته . وإن أجاز الوارث وصيّة مورّثه فيما زاد على الثّلث ، وقال : إنّما أجزت لأنّي ظننت المال قليلاً ، وأنّ الثّلث قليلٌ ، وقد بان أنّه كثيرٌ ، قبل قوله بيمينه ، وله الرّجوع بما زاد على ظنّه ، ما لم يكن المال ظاهراً لا يخفى على المجيز ، أو تقوم بيّنةٌ بعلمه وبقدره ، وهذا في الجملة . 62 - أمّا الإبراء من العيوب في البيع ، فالحكم فيه عند الحنفيّة والمالكيّة كالحكم في الدّين ، مع تفصيلٍ بين الحادث والقائم . وعند الحنابلة : الأشهر فيه عدم صحّة الإبراء . والرّأي الثّاني : يجوز الإبراء فيه . وأمّا عند الشّافعيّة ففيه طريقان : أحدهما أنّ المسألة على ثلاثة أقوالٍ : قولٌ بصحّة البراءة من كلّ عيبٍ ، وقولٌ بعدم صحّة البراءة والثّالث أنّه لا يبرّأ إلاّ من عيبٍ واحدٍ ، وهو العيب الباطن في الحيوان الّذي لا يعلم به البائع ، قال الشّافعيّ رحمه الله : لأنّ الحيوان يفارق ما سواه ، وقلّما يبرّأ من عيبٍ يظهر أو يخفى ، فدعت الحاجة إلى التّبرّي من العيب الباطن فيه . هذه أمثلةٌ لما لا يقبل الإسقاط بالاتّفاق ، أو مع الاختلاف لعدم تحقّق شرطٍ من شروط المحلّ أو شروط الإسقاط في حدّ ذاته . 63 - وهناك كثيرٌ من الحقوق الّتي لا تقبل الإسقاط لأسبابٍ مختلفةٍ ، ومن العسير حصر هذه الحقوق لتشعّبها في مسائل الفقه المختلفة . ومن أمثلة ذلك : حقّ الزّوج في الاستمتاع . وهناك ما لا يسقط لقاعدةٍ عند الشّافعيّة وهي : أنّ صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط كالأجل والجودة ، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفيّة خروجاً عن قاعدة " التّابع تابعٌ " . كذلك قال الحنفيّة : إنّ الشّرط إذا كان في عقدٍ لازمٍ فإنّه يلزم ولا يقبل الإسقاط ، فلو قال ربّ السّلم : أسقطت حقّي في التّسليم في ذلك المكان أو البلد لم يسقط . وكمن أسقط حقّه فيما شرط له من ريع الوقف لا لأحدٍ ، لأنّ الاشتراط له صار لازماً كلزوم الوقف . وغير ذلك كثيرٌ ، وينظر في مواضعه . تجزّؤ الإسقاط : 64 - من المعلوم أنّ الإسقاط يرد على محلٍّ ، والمحلّ هو الأساس في بيان حكم التّجزّؤ ، فإذا كان المحلّ يقبل الإسقاط في بعضه دون البعض الآخر ، قيل : إنّ الإسقاط يتجزّأ . وإن كان المحلّ لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه ، بل يثبت في الكلّ ، قيل : إنّ الإسقاط لا يتجزّأ . ومن القواعد في ذلك عند الحنفيّة ، كما ذكر ابن نجيمٍ والأتاسيّ شارح المجلّة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " . فإذا طلّق نصف تطليقةٍ وقعت واحدةٌ ، أو طلّق نصف المرأة طلقت ، ومنها العفو عن القصاص : إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص كلّه وانقلب نصيب الباقين مالاً . وخرج عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة ، فإنّه إذا أعتق بعض عبده لم يعتق كلّه . وعند الصّاحبين لا يتجزّأ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شركاً له في مملوكٍ فعليه عتقه كلّه » . وأدخل شارح المجلّة تحت القاعدة أيضاً : الكفالة بالنّفس ، والشّفعة ، ووصاية الأب ، والولاية . وذكر الشّافعيّة هذه القاعدة بتوضيحٍ أكثر فقالوا : ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . وذكروا تحت هذه القاعدة المسائل الّتي سبق إيرادها عن ابن نجيمٍ ، وهي : الطّلاق والقصاص والعتق والشّفعة . فإذا عفا الشّفيع عن بعض حقّه سقط الكلّ . واستثنى الشّافعيّة من القاعدة حدّ القذف ، فالعفو عن بعضه لا يسقط شيئاً منه . قاله الرّافعيّ . وزاد في نهاية المحتاج : التّعزير ، فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شيءٌ . والمسائل المشهورة الّتي وردت من طلاقٍ وعتقٍ وقصاصٍ هي محلّ اتّفاقٍ بين المذاهب ، في أنّ الطّلاق المبعّض أو المضاف إلى جزءٍ من الزّوجة ، أو العتق المضاف إلى جزءٍ من العبد ، أو عفو أحد المستحقّين عن القصاص ، كلّ هذا يسري على الكلّ ، ولا يتبعّض المحلّ ، فتطلق المرأة ، ويعتق العبد ، ويسقط القصاص . وهذا في الجملة في الأصل العامّ ، إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة في العتق كما سبق . وللفقهاء تفصيلٌ في فروع كلّ مسألةٍ . فمثلاً إضافة الطّلاق أو العتق إلى الظّفر والسّنّ والشّعر لا يقع به شيءٌ عند الحنابلة ، لأنّ هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل . وفي الإضافة إلى الشّعر قولان عند المالكيّة ، ويقع بالإضافة إليه الطّلاق عند الشّافعيّة . والشّفعة أيضاً الأصل العامّ فيها أنّها لا تتبعّض ، حتّى لا يقع ضررٌ بتفريق الصّفقة . فالشّفيع إمّا أن يأخذ الكلّ أو يترك ، وإذا أسقط حقّه في البعض سقط الكلّ . لكن وقع خلافٌ عند الشّافعيّة ، إذ قيل : إنّ إسقاط بعض الشّفعة لا يسقط شيئاً منها . وليس من تبعيض الشّفعة ما إذا كان البائع أو المشتري اثنين ، فإنّ الشّفيع له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر ، وإذا تعدّد الشّفعاء فالشّفعة على قدر الأنصباء . والدّين ممّا يقبل التّبعيض ، فللدّائن أخذ بعضه وإسقاط بعضه . السّاقط لا يعود : 65 - من المعلوم أنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ، ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلاّ بسببٍ جديدٍ يصير مثله لا عينه ، فإذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ، فلا يكون هناك دينٌ ، إلاّ إذا وجد سببٌ جديدٌ ، وكالقصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ، ولا تستباح إلاّ بجنايةٍ أخرى ، وهكذا . وكمن أسقط حقّه في الشّفعة ، ثمّ رجعت الدّار إلى صاحبها بخيار رؤيةٍ ، أو بخيار شرطٍ للمشتري ، فليس له أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ الحقّ قد بطل ، فلا يعود إلاّ بسببٍ جديدٍ . والإسقاط يقع على الكائن المستحقّ ، وهو الّذي إذا سقط لا يعود ، أمّا الحقّ الّذي يثبت شيئاً فشيئاً ، أي يتجدّد بتجدّد سببه فلا يرد عليه الإسقاط ، لأنّ الإسقاط يؤثّر في الحال دون المستقبل . ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزّوايا : لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض ، ورضي المشتري بترك الفسخ ، ثمّ بدا له ، يمكّن من الفسخ ، لأنّ التّسليم مستحقٌّ له في الأوقات كلّها ، والإسقاط يؤثّر في الحال دون ما يستحقّ من بعد . وقال ابن عابدين : لو أسقطت الزّوجة نوبتها لضرّتها فلها الرّجوع ، لأنّها أسقطت الكائن ، وحقّها يثبت شيئاً فشيئاً ، فلا يسقط في المستقبل ، ولا يرد أنّ السّاقط لا يعود ، لأنّ العائد غير السّاقط ، وهذه مسألةٌ متّفقٌ عليها . وقد ذكر ابن نجيمٍ قاعدةً في ذلك فقال : الأصل أنّ المقتضي للحكم إن كان موجوداً والحكم معدومٌ فهو من باب المانع ، وإن عدم المقتضي فهو من باب السّاقط . فهناك فرقٌ إذن بين وجود المقتضي للحكم ، ثمّ سقط الحكم لمانعٍ ، فإذا زال المانع مع وجود المقتضي عاد الحكم ، بخلاف ما إذا عدم المقتضي فلا يعود الحكم . ومن ذلك حقّ الحضانة . جاء في منتهى الإرادات : لا حضانة لفاسقٍ ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ ، ولا تزويج بأجنبيٍّ من محضونٍ . وبمجرّد زوال المانع من فسقٍ أو كفرٍ ، أو تزوّجٍ بأجنبيٍّ ، وبمجرّد رجوع ممتنعٍ من حضانةٍ يعود الحقّ له في الحضانة ، لقيام سببها مع زوال المانع . هذا مع الاختلاف بين الفقهاء ، هل الحضانة حقّ الحاضن أو حقّ المحضون . وفي الدّسوقيّ : إذا انتقلت الحضانة لشخصٍ لمانعٍ ، ثمّ زال المانع فإنّها تعود للأوّل ، كما لو تزوّجت الأمّ ودخل بها الزّوج ، وأخذت الجدّة الولد ، ثمّ فارق الزّوج الأمّ ، وقد ماتت الجدّة ، أو تزوّجت ، والأمّ خاليةٌ من الموانع ، فهي أحقّ ممّن بعد الجدّة ، وهي الخالة ومن بعدها . كذا قال المصنّف ( الدّردير ) ، وهو ضعيفٌ . والمعتمد أنّ الجدّة إذا ماتت انتقلت الحضانة لمن بعدها كالخالة ، ولا تعود للأمّ ولو كانت متأيّمةً ( لا زوج لها ) . وفي الجمل على شرح المنهج : لو أسقطت الحاضنة حقّها انتقلت لمن يليها ، فإذا رجعت عاد حقّها . ومثل ذلك عند الحنفيّة كما في البدائع . وقال ابن نجيمٍ : وفرّعت على " وقولهم : السّاقط لا يعود " قولهم إذا حكم القاضي بردّ شهادة الشّاهد ، مع وجود الأهليّة ، لفسقٍ أو لتهمةٍ ، فإنّه لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة . ومن المسائل الّتي ذكرها ابن نجيمٍ للتّفرقة بين ما هو مسقطٌ وما هو مانعٌ قوله : لا يعود التّرتيب بعد سقوطه بقلّة الفوائت ، بخلاف ما إذا سقط بالنّسيان فإنّه يعود بالتّذكّر ، لأنّ النّسيان كان مانعاً لا مسقطاً ، فهو من باب زوال المانع . ولا تصحّ إقالة الإقالة في السّلم ، لأنّه دينٌ ساقطٌ فلا يعود . أمّا عود النّفقة - بعد سقوطها بالنّشوز - بالرّجوع ، فهو من باب زوال المانع ، لا من باب عود السّاقط . وتنظر الفروع في أبوابها . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية