الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40905" data-attributes="member: 329"><p>أسباب الاشتباه : </p><p>8 - قد ينشأ الاشتباه نتيجة خفاء الدّليل بسببٍ من الأسباب ، كالإجمال في الألفاظ واحتمالها التّأويل ، ودوران الدّليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه ، ودورانه بين العموم والخصوص ، واختلاف الرّواية بالنّسبة للحديث ، وكالاشتراك في اللّفظ ، أو التّخصيص في عامّه ، أو التّقييد في مطلقه ، كما ينشأ الاشتباه عند تعارض الأدلّة دون مرجّحٍ . كما أنّ النّصوص في دلالتها ليست على وضعٍ واحدٍ ، فمنها ما دلالته على الأحكام ظنّيّةٌ ، فيجتهد الفقهاء للتّعرّف على ما يدلّ عليه النّصّ ، وقد يتشابه الأمر عليهم نتيجة ذلك ، إذ من الحقائق الثّابتة اختلاف النّاس في تفكيرهم ، وتباين وجهات نظرهم .</p><p> والاشتباه النّاشئ عن خفاءٍ في الدّليل يعذر المجتهد فيه ، بعد بذله الجهد واستفراغه الوسع ، ويكون فيما انتهى إليه من رأيٍ قد اتّبع الدّليل المرشد إلى تعرّف قصد الشّارع .</p><p> وبيان ذلك فيما يلي : </p><p> أ - اختلاف المخبرين : </p><p>9 - ومن ذلك ما لو أخبره عدلٌ بنجاسة الماء ، وأخبره آخر بطهارته . فإنّ الأصل عند تعارض الخبرين وتساويهما تساقطهما ، وحينئذٍ يعمل بالأصل وهو الطّهارة ، إذ الشّيء متى شكّ في حكمه ردّ إلى أصله ، لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ ، والأصل في الماء الطّهارة .</p><p> ومن هذا القبيل ما لو أخبر عدلٌ بأنّ هذا اللّحم ذبحه مجوسيٌّ ، وأخبر عدلٌ آخر أنّه ذكّاه مسلمٌ ، فإنّه لا يحلّ لبقاء اللّحم على الحرمة الّتي هي الأصل . إذ حلّ الأكل متوقّفٌ على تحقّق الذّكاة الشّرعيّة . وبتعارض الخبرين لم يتحقّق الحلّ ، فبقيت الذّبيحة على الحرمة .</p><p>ب - الإخبار المقتضي للاشتباه : </p><p>10 - وهو الإخبار الّذي اقترنت به قرائن توقع في الاشتباه . مثال ذلك : أن يعقد على امرأةٍ ، ثمّ تزفّ إليه أخرى بناءً على أنّها زوجته ، ويدخل بها على هذا الاعتقاد ، ثمّ يتبيّن أنّها ليست المرأة الّتي عقد عليها . فإن وطئها فإنّه لا حدّ عليه اتّفاقاً ، لأنّه اعتمد دليلاً شرعيّاً في موضع الاشتباه ، وهو الإخبار . وقد أورد الفقهاء فروعاً كثيرةً مثل هذا الفرع ، وهي مبنيّةٌ على هذا الأساس .</p><p>ت - تعارض الأدلّة ظاهراً : </p><p>11 - لا يوجد بين أدلّة الأحكام الشّرعيّة في واقع الأمر تعارضٌ ، لأنّها جميعها من عند اللّه تعالى . أمّا ما يظهر من التّعارض بين الدّليلين فلعدم العلم بظروفهما وشروط تطبيقهما ، أو بما يراد بكلٍّ منهما على سبيل القطع ، أو لجهلنا بزمن ورودهما ، وغير ذلك ممّا يرتفع به التّعارض . فمن الاشتباه بسبب تعارض الأدلّة في الظّاهر ما إذا سرق الوالد من مال ولده ، إذ أنّ نصوص العقاب على السّرقة تشمل في عمومها هذه الواقعة . فاللّه سبحانه وتعالى يقول : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما ... } . غير أنّه قد جاء في السّنّة ما يفيد حلّ مال الابن لأبيه . فقد روي أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أنت ومالك لأبيك » وقوله : « إنّ أطيب ما أكل الرّجل من كسبه ، وإنّ ولده من كسبه » ووجود مثل هذا ينتج اشتباهاً في الحكم يترتّب عليه إسقاط الحدّ ، لأنّ من أعظم الشّبهات أخذ الرّجل من مالٍ جعله الشّرع له ، وأمره بأخذه وأكله . وقال أبو ثورٍ وابن المنذر بإقامة الحدّ .</p><p> وتفصيل ذلك في مصطلح ( سرقةٌ ) .</p><p> ومن الاشتباه النّاشئ عن تعارض الأدلّة في الظّاهر ما ورد بالنّسبة لطهارة سؤر الحمار ، فقد روي عن عبد اللّه بن عبّاسٍ أنّه كان يقول :" الحمار يعتلف القتّ والتّبن فسؤره طاهرٌ وعن جابرٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل : أنتوضّأ بما أفضلت الحمر ؟ قال : نعم ، وبما أفضلت السّباع كلّها » ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنّه كان يقول :" إنّه رجسٌ" والتّوقّف في الحكم عند تعارض الأدلّة واجبٌ . فلذلك كان مشكوكاً فيه ، والمراد بالشّكّ التّوقّف عن إعطاء حكمٍ قاطعٍ ، لتعارض الأدلّة . قال ابن عابدين : الأصحّ أنّ سؤر الحمار مشكوكٌ في طهوريّته ( أي كونه مطهّراً ، لا في طهارته في ذاته ) وهو قول الجمهور . وسببه تعارض الأخبار في لحمه ، وقيل : اختلاف الصّحابة في سؤره ، وقد استوى ما يوجب الطّهارة والنّجاسة فتساقطا للتّعارض ، فيصار إلى الأصل ، وهو هنا شيئان : الطّهارة في الماء ، والنّجاسة في اللّعاب ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فبقي الأمر مشكلاً ، نجساً من وجهٍ ، طاهراً من وجهٍ .</p><p>ث - اختلاف الفقهاء : </p><p>12 - من ذلك ما قاله الفقهاء من عدم وجوب الحدّ بالوطء في نكاحٍ مختلفٍ فيه ، كالنّكاح بلا وليٍّ ، فالحنفيّة يجيزونه . وسقوط الحدّ بسبب ذلك قول أكثر أهل العلم ، لأنّ الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهةٌ ، والحدود تدرأ بالشّبهات ويرجع في تفصيل ذلك إلى باب ( حدّ الزّنى ) . ومن ذلك المصلّي بالتّيمّم إذا رأى سراباً ، وكان أكبر رأيه أنّه ماءٌ ، فإنّه يباح له أن ينصرف ، وإن استوى الأمران لا يحلّ له قطع الصّلاة ، وإذا فرغ من الصّلاة ، إن ظهر أنّه كان ماءً يلزمه الإعادة ، وإلاّ فلا . نصّ على ذلك الحنفيّة . والشّافعيّة والحنابلة على أنّ من تيمّم لفقد الماء فوجده أو توهّمه بطل تيمّمه إن لم يكن في صلاةٍ . ويحصل هذا التّوهّم برؤية سرابٍ . ومحلّ بطلانه بالتّوهّم إن بقي من الوقت زمنٌ لو سعى فيه إلى ذلك لأمكنه التّطهّر به والصّلاة فيه . وإذا بطل التّيمّم بتوهّم وحود الماء فإنّه بطلانه بالظّنّ أو الشّكّ أولى ، سواءٌ أتبيّن له خلاف ظنّه أم لم يتبيّن ، لأنّ ظنّ وجود الماء مبطلٌ للتّيمّم . وعند المالكيّة : إن وجد الماء بعد الدّخول في الصّلاة فيجب عليه إتمامها . ونصّ الحنابلة على أنّ من خاف على نفسه أو ماله إذا ما طلب الماء ساغ له التّيمّم ، ولو كان خوفه بسبب ظنّه فتبيّن عدم السّبب . مثل من رأى سواداً باللّيل ظنّه عدوّاً ، فتبيّن أنّه ليس بعدوٍّ بعد أن تيمّم وصلّى لم يعد لكثرة البلوى . وقيل : يلزمه الإعادة ، لأنّه تيمّم من غير سببٍ مبيحٍ للتّيمّم .</p><p>ج – الاختلاط : </p><p>13 – يقصد به اختلاط الحلال بالحرام وعسر التّمييز بينهما . كما لو اختلطت الأواني الّتي فيها ماءٌ طاهرٌ بالأواني الّتي فيها ماءٌ نجسٌ ، واشتبه الأمر ، بأن لم يمكن التّمييز بينهما ، فإنّه يسقط استعمال الماء ، ويجب التّيمّم عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول سحنونٍ من المالكيّة ، لأنّ أحدهما نجسٌ يقيناً ، والآخر طاهرٌ يقيناً ، لكن عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى البدل . وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح ( ماءٌ ) .</p><p> ومن هذا القبيل ما إذا اشتبهت عليه ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ ، وتعذّر التّمييز بينها ، ولم يجد ثوباً طاهراً بيقينٍ ، وليس معه ما يطهّرهما به ، واحتاج إلى الصّلاة ، فالحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّة خلافاً للمزنيّ ، أنّه يتحرّى بينها ، ويصلّي بما غلب على ظنّه طهارته . وقال الحنابلة وابن الماجشون من المالكيّة : لا يجوز التّحرّي ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوبٍ آخر . وقال أبو ثورٍ والمزنيّ : لا يصلّي في شيءٍ منها كالأواني . وإنّما يتحرّى - عند من قال بذلك - إذا لم يجد ثوباً طاهراً ، أو ما يطهّر به ما اشتبه عليه من الثّياب . وإذا تحرّى فلم يترجّح أحدهما على الآخر صلّى في أحدهما . والقائلون بالتّحرّي هنا قالوا : لأنّه لا خلف للثّوب في ستر العورة ، بخلاف الاشتباه في الأواني ، لأنّ التّطهّر بالماء له خلفٌ وهو التّيمّم .</p><p>ح - الشّكّ ( بالمعنى الأعمّ يشمل أيضاً الظّنّ والوهم ) : </p><p>14 - ومن ذلك ما قالوه فيمن أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث من أنّه لا وضوء عليه ، إذ اليقين لا يزول بالشّكّ ، وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب ، غير أنّه نقل عن مالكٍ أنّه قال : من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث ابتدأ الوضوء ، وقد روى ابن وهبٍ عن مالكٍ أنّه قال : أحبّ إليّ أن يتوضّأ ، وهذا يدلّ على أنّ الوضوء عند مالكٍ في ذلك إنّما هو استحبابٌ واحتياطٌ ، كما أجمعوا على أنّ من أيقن بالحدث وشكّ في الوضوء أنّ شكّه لا يعتبر وعليه الوضوء ، لأنّه المتيقّن . والمراد بالشّكّ هنا مطلق التّردّد سواءٌ أكان على السّواء أم كان أحد طرفيه أرجح . وعلى هذا فلا فرق بين أن يغلب على ظنّه أحدهما أو يتساوى الأمران عندهما ، لأنّ غلبة الظّنّ إذا لم تكن مضبوطةً بضابطٍ شرعيٍّ لا يلتفت إليها ، ولأنّه إذا شكّ تعارض عنده الأمران ، فيجب سقوطهما كالبيّنتين إذا تعارضتا ، ويرجع إلى اليقين </p><p>وقالوا : من تيقّن الطّهارة والحدث معاً واشتبه عليه الأمر فلم يعلم الأخير منهما والأسبق فيعمل بضدّ ما قبلهما ، فإن كان قبل ذلك محدثاً فهو الآن متطهّرٌ ، لأنّه تيقّن الطّهارة بعد ذلك الحدث وشكّ في انتقاضها ، لأنّه لا يدري هل الحدث الثّاني قبلها أو بعدها . وإن كان متطهّراً وكان يعتاد التّجديد فهو الآن محدثٌ ، لأنّه متيقّنٌ حدثاً بعد تلك الطّهارة وشكّ في زواله ، لأنّه لا يدري هل الطّهارة الثّانية متأخّرةٌ عنه أم لا . ومن هذا القبيل ما قالوه في الصّائم لو شكّ في غروب الشّمس ، فإنّه لا يصحّ له أن يفطر مع الشّكّ ، لأنّ الأصل بقاء النّهار . ولو أفطر وهو شاكٌّ ولم يتبيّن الحال بعد ذلك فعليه القضاء اتّفاقاً .</p><p> أمّا إذا شكّ الصّائم في طلوع الفجر فالمستحبّ له ألاّ يأكل لاحتمال أن يكون الفجر قد طلع ، فيكون الأكل إفساداً للصّوم فيتحرّز عنه ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . ولو أكل وهو شاكٌّ فإنّه لا يحكم بوجوب القضاء عليه ، لأنّ فساد الصّوم مشكوكٌ فيه ، إذ الأصل بقاء اللّيل فلا يثبت النّهار بالشّكّ ، وإلى هذا اتّجه فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .</p><p> وقال المالكيّة : من أكل شاكّاً في الفجر فعليه القضاء مع الحرمة ، وإن كان الأصل بقاء اللّيل ، هذا بالنّسبة لصوم الفرض . وقيل : وفي النّفل أيضاً . كما قيل مع الكراهة لا الحرمة . ومن أكل معتقداً بقاء اللّيل أو حصول الغروب ثمّ طرأ الشّكّ ، فعليه القضاء بلا حرمةٍ .</p><p>د - الجهل : </p><p>15 - ومن ذلك الأسير في دار الحرب ، إذا لم يعرف دخول رمضان ، وأراد صومه ، فتحرّى وصام شهراً عن رمضان فتبيّن أنّه أخطأ . فإذا كان صام قبل حلول شهر رمضان فعلاً لم يجزئه ، لأنّه أدّى الواجب قبل وجوبه ووجود سببه ، وهو مشاهدة الشّهر ، ونقل الشّيرازيّ عن الأصحاب من الشّافعيّة قولاً آخر بالإحزاء ، لأنّه عبادةٌ تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ ، كالوقوف بعرفة إذا أخطأ النّاس ووقفوا قبل يوم عرفة ، ثمّ قال : والصّحيح أنّه لا يجزئه ، لأنّه تيقّن الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء ، فلم يعتدّ بما فعله ، كما لو تحرّى في وقت الصّلاة فصلّى قبل الوقت .</p><p> وإن تبيّن أنّ الشّهر الّذي صامه كان بعد رمضان صحّ .</p><p> وإذا كان الشّهر الّذي صامه ناقصاً ، ورمضان الّذي صامه النّاس تامّاً صام يوماً ، إذ لا بدّ من موافقة العدد ، لأنّ صوم شهرٍ آخر بعده يكون قضاءً ، والقضاء يكون على قدر الفائت . وعند الشّافعيّة وجهٌ آخر اختاره أبو حامدٍ الإسفرايينيّ بالإجزاء ، لأنّ الشّهر يقع على ما بين الهلالين ، ولهذا لو نذر صوم شهرٍ ، فصام شهراً نقاصاً بالأهلّة أجزأه . ثمّ قال الشّيرازيّ : والصّحيح عندي أنّه يجب عليه صوم يومٍ .</p><p> ومن ذلك الاشتباه في القبلة بالنّسبة لمن يجهلها . فقد نصّ فقهاء المذاهب على أنّ من اشتبهت عليه جهة القبلة ، ولم يكن عالماً بها ، سأل من بحضرته ممّن يعلمها من أهل المكان . وحدّ الحضرة أن يكون بحيث لو صاح به سمعه . فإذا تحرّى بنفسه وصلّى دون سؤالٍ ، وتبيّن له بعد ذلك أنّه لم يصب القبلة ، أعاد الصّلاة ، لعدم إجزاء التّحرّي مع القدرة على الاستخبار ، لأنّ التّحرّي دون الاستخبار ، إذ الخبر ملزمٌ له ولغيره ، بينما التّحرّي ملزمٌ له دون غيره ، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان الأعلى ، أمّا إذا لم يكن بحضرته أحدٌ يرجع إليه في ذلك ، أو كان وسأله ولم يجبه ، أو لم يدلّه ثمّ تحرّى ، فإنّ صلاته تصحّ ، حتّى لو تبيّن له بعد ذلك أنّه أخطأ ، لما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال : « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجلٍ منّا على حياله - أي قبالته - فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه سبحانه { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } » . ولأنّ العمل بالدّليل الظّاهر واجبٌ إقامةً للواجب بقدر الوسع ، وإقامةً للظّنّ مقام اليقين لتعذّره . ولما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّ " قبلة المتحرّي جهة قصده إن تحرّى ثمّ قبل الصّلاة أخبره عدلان من أهل الجهة أنّ القبلة إلى جهةٍ أخرى ، أخذ بقولهما ولا عبرة بالتّحرّي .</p><p>ذ - النّسيان : </p><p>16 - ومن ذلك المرأة إذا نسيت عادة حيضها ، واشتبه عليها الأمر بالنّسبة للحيض والطّهر ، بأن لم تعلم عدد أيّام حيضها المعتادة ، ولا مكان هذه الأيّام من الشّهر فإنّها تتحرّى ، فإن وقع تحرّيها على طهرٍ تعطى حكم الطّاهرات ، وإن كان على حيضٍ أعطيت حكمه ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة .</p><p> وإن تردّدت ولم يغلب على ظنّها شيءٌ فهي المحيّرة ، وتسمّى المضلّلة ، لا يحكم لها بشيءٍ من الطّهر أو الحيض على التّعيين ، بل تأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام ، لاحتمال كلّ زمانٍ يمرّ عليها من الحيض والطّهر والانقطاع ، ولا يمكن جعلها حائضاً دائماً لقيام الإجماع على بطلانه ، ولا طاهراً دائماً لقيام الدّم ، ولا التّبعيض لأنّه تحكّمٌ ، فوجب الأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام للضّرورة . وتفصيل أحكامها في مصطلح ( استحاضةٌ ) .</p><p>س - وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل : </p><p>17 - ومن ذلك ما قاله فقهاء الحنفيّة وابن شبرمة والثّوريّ وابن أبي ليلى في إثبات الشّفعة بسبب الجواز ، أو بسبب الشّركة في مرافق العقار ، ووافقهم الشّافعيّة في الصّحيح عندهم بالنّسبة للشّريك في ممرّ الدّار ، بأن كان للمشتري طريقٌ آخر إلى الدّار ، أو أمكن فتح بابٍ لها إلى شارع . وأمّا جمهور الفقهاء فيقصرونها على الشّركة في نفس العقار المبيع فقط ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ، لأنّ الشّفعة تثبت على خلاف الأصل ، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاءٍ منه ، وإجبارٌ له على المعاوضة ، ولما روى جابرٌ من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الشّفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة » وبما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قسمت الأرض وحدّت فلا شفعة فيها » .</p><p> ومقتضى الأصل أن لا يثبت حقّ الأخذ بالشّفعة أصلاً ، لكنّها ثبتت فيما لا يقسم بالنّصّ الصّريح غير معقول المعنى ، فبقي الأمر في المقسوم على الأصل ، أو ثبت معلولاً بدفع ضررٍ خاصٍّ وهو ضرر القسمة .</p><p> وما استدلّ به الحنفيّة ومن معهم من أحاديث ، فإنّ في أسانيدها مقالاً . قال ابن المنذر : الثّابت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث جابرٍ - السّابق ذكره - وما عداه من الأحاديث الّتي استدلّ بها الحنفيّة ومن معهم ، كالحديث الّذي رواه أبو رافعٍ « الجار أحقّ بسقبه » ، والحديث الّذي رواه سمرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « جار الدّار أحقّ بالدّار » . فإنّ فيها مقالاً . على أنّه يحتمل أنّه أراد بالجار الشّريك ، فإنّه جارٌ أيضاً . فكلّ هذا أورث شبهةً عند الجمهور ، لأنّ ما استدلّ به الحنفيّة غير قويٍّ ، وجاء على خلاف الأصل ، ولذا لم يثبتوا الشّفعة بسبب الجوار والشّركة في مرافق العقار ، وقصروها على الشّركة في العقار نفسه . وبناءً على هذا الاشتباه : لو قضى قاضٍ بها لا يفسخ قضاؤه . ومن الاشتباه النّاجم عن وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل : ما قاله الحنفيّة من أنّ دلالة العامّ الّذي لم يخصّص قطعيّه ، فيدلّ على جميع الأفراد الّتي يصدق عليها معناه . فإذا دخله التّخصيص كانت دلالته ظنّيّةً . بينما يرى جمهور الأصوليّين أنّ دلالة العامّ في جميع أحواله ظنّيّةٌ ، إذ الأصل أنّه ما من عامٍّ إلاّ وخصّص . وما دام العامّ لا يكاد يخلو من مخصّصٍ ، فإن هذا يورث شبهةً قويّةً تمنع القول بقطعيّته في إفادة الشّمول والاستغراق ، ويترتّب على هذا الخلاف أنّ الحنفيّة يمنعون تحصيص عامّ الكتاب والسّنّة المتواترة ابتداءً بالدّليل الظّنّيّ ، خلافاً للجمهور .</p><p> وعلى هذا فقد ذهب الحنفيّة إلى تحريم أكل ذبيحة المسلم ، إذا تعمّد ترك التّسمية عليها ، لعموم قوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } ولم يخصّصوا هذا العموم بحديث : « ذبيحة المسلم حلالٌ ، ذكر اسم اللّه أو لم يذكره » ، لأنّه خبر آحادٍ ، وقد وافقهم المالكيّة والحنابلة في تحريم ذبيحة المسلم إذا ترك التّسمية عمداً ، بينما الشّافعيّة يجيزون أكلها ، لأنّ دلالة العامّ عندهم ظنّيّةٌ ، فيجوز تحصيصه بما هو ظنّيٌّ ، وإن كرهوا تعمّد التّرك . وتفصيل ذلك في ( تذكيةٌ ، وتسميةٌ ) .</p><p>ومن هذا القبيل أيضاً : اختلاف الفقهاء في سرقة ما قيمته نصابٌ من الماء المحرّز ، فالأصل في الماء المحرّز أنّه مالٌ متقوّمٌ ، وأنّه ملكٌ لمن أحرزه ، ولا شركة فيه ولا شبهة الشّركة ، وقد ورد النّهي عن « بيع الماء إلاّ ما حمل » . ولهذا قال جمهور الفقهاء بوجوب القطع ، يقول ابن رشدٍ : اختلف الفقهاء في الأشياء الّتي أصلها مباحٌ ، هل يجب في سرقتها القطع ؟ فذهب الجمهور إلى أنّ القطع في كلّ متموّلٍ يجوز بيعه وأخذ العوض فيه ، وعمدتهم عموم الآية الموجبة للقطع ، يقول اللّه تعالى : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } وعموم الآثار الواردة في اشتراط النّصاب ، ومنها ما ثبت عن السّيّدة عائشة رضي الله عنها أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « لا تقطع يد السّارق إلاّ في ربع دينارٍ فصاعداً » . ويقول الدّسوقيّ : ويجب القطع وإن كان المسروق محقّراً كماءٍ وحطبٍ ، لأنّه متموّلٌ ما دام محرّزاً ، ولو كان مباح الأصل . وهذا مذهب الشّافعيّة ، والقول المشهور عن أبي يوسف . لكنّ أبا حنيفة ومحمّد بن الحسن ، والحنابلة يرون عدم القطع ، لأنّه لا يتموّل عادةً ، ولأنّ الإباحة الأصليّة تورث شبهةً بعد الإحراز ، ولأنّ التّافه لا يحرّز عادةً ، أو لا يحرّز إحراز الخطير ، وينتهون إلى أنّ الاعتماد على معنى التّفاهة دون إباحة الأصل ، وإن كان منهم من يرى أنّ السّبب شبهة الشّركة .</p><p>ش - الإبهام مع عدم إمكان البيان : </p><p>18 - ومن ذلك ما إذا طلّق الرّجل إحدى زوجتيه ، دون تعيين واحدةٍ منهما ، ثمّ مات قبل البيان ، فيحدث الاشتباه بسبب ذلك فيمن وقع عليها الطّلاق . فالحنفيّة يفصّلون في هذه المسألة أحكام المهر المسمّى ، وحكم الميراث ، وحكم العدّة . فأمّا حكم المهر فإن كانتا مدخولاً بهما فلكلّ واحدةٍ منهما جميع المهر ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما تستحقّ جميع المهر ، منكوحةً كانت أو مطلّقةً . وإن كانتا غير مدخولٍ بهما فلهما مهرٌ ونصف مهرٍ بينهما ، لكلّ واحدةٍ . منهما ثلاثة أرباع المهر ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما يحتمل أن تكون زوجةً متوفّى عنها ، ويحتمل أن تكون مطلّقةً . فإن كانت زوجةً متوفّى عنها تستحقّ جميع المهر ، لأنّ الموت بمنزلة الدّخول ، وإن كانت مطلّقةً تستحقّ النّصف فقط ، لأنّ النّصف سقط بالطّلاق قبل الدّخول ، فلكلّ واحدةٍ منهما كلّ المهر في حالٍ ، والنّصف في حالٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فيتنصّف ، فيكون لكلّ واحدةٍ ثلاثة أرباع مهرٍ .</p><p> وأمّا حكم الميراث ، فهو أنّهما يرثان منه ميراث امرأةٍ واحدةٍ ، ويكون بينهما نصفين في الأحوال كلّها ، لأنّ إحداهما منكوحةٌ بيقينٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فيكون قدر ميراث امرأةٍ واحدةٍ بينهما بالسّويّة . وأمّا حكم العدّة ، فعلى كلّ واحدةٍ منهما عدّة الوفاة وعدّة الطّلاق ، أيّهما أطول ، لأنّ إحداهما منكوحةٌ والأخرى مطلّقةٌ ، وعلى المنكوحة عدّة الوفاة ، وعلى المطلّقة عدّة الطّلاق ، فدارت كلّ واحدةٍ من العدّتين في حقّ كلّ واحدةٍ من المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب ، والعدّة يحتاط في إيجابها ، ومن الاحتياط القول بوجوبها على كلّ واحدةٍ منهما . والمالكيّة يوافقون الحنفيّة في حكم الميراث والصّداق . ولم نقف على نصٍّ لهم بالنّسبة للعدّة . ولهم في الصّداق تفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( صداقٌ ) . أمّا الشّافعيّة فإنّهم بالنّسبة للميراث يرون أنّه يوقف للزّوجتين من ماله نصيب زوجةٍ إلى أن يصطلحا ، لأنّه قد ثبت إرث إحداهما بيقينٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فإن قال وارث الزّوج : أنا أعرف الزّوجة منهما ففيه قولان :</p><p> أحدهما : يرجع إليه ، لأنّه لمّا قام مقامه في استلحاق النّسب قام مقامه في تعيين الزّوجة . والثّاني : لا يرجع إليه ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما زوجةٌ في الظّاهر ، وفي الرّجوع إلى بيانه إسقاط وارثٍ مشاركٍ ، والوارث لا يملك إسقاط من يشاركه في الميراث . وقيل : إنّه في صورة ما إذا طلّق إحدى زوجتيه دون تعيينٍ لا يرجع إلى الوارث قولاً واحداً ، لأنّه اختيار شهوةٍ . وبالنّسبة للعدّة فإنّهم قالوا : إن لم يدخل بهما اعتدّت كلّ واحدةٍ منهما أربعة أشهرٍ وعشراً ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما يجوز أن تكون هي الزّوجة ، فوجبت العدّة عليهما ليسقط الفرض بيقينٍ . وإن دخل بهما ، فإن كانتا حاملين اعتدّتا بوضع الحمل ، لأنّ عدّة الطّلاق والوفاة في الحمل واحدةٌ . وإن كانتا من ذوات الشّهور اعتدّتا بأربعة أشهرٍ وعشرٍ ، لأنّها تجمع عدّة الطّلاق والوفاة ، وإن كانتا من ذوات الأقراء اعتدّتا بأقصى الأجلين .</p><p> وأمّا المهر فلم نجد نصّاً في المسألة .</p><p> وأمّا الحنابلة فقد نصّوا على أنّ من طلّق واحدةً من نسائه ، ومات قبل البيان ، أخرجت بالقرعة ، فمن تقع عليها القرعة فلا ميراث لها . وقد روي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه ، وهو قول أبي ثورٍ ، لأنّه إزالة ملكٍ عن الآدميّ فتستعمل فيه القرعة عند الاشتباه ، كالعتق . ولأنّ الحقوق تساوت على وجهٍ تعذّر تعيّن المستحقّ فيه من غير قرعةٍ ، فينبغي أن تستعمل فيه القرعة ، كالقسمة بين النّساء في السّفر . فأمّا قسمة الميراث بين الجميع ففيه إعطاء من لا تستحقّ وإنقاض المستحقّ ، وفي وقف قسمة الميراث إلى غير غايةٍ تضييعٌ لحقوقهنّ ، وحرمان الجميع منع الحقّ عن صاحبه يقيناً .</p><p> ومن ذلك ما قالوه في ميراث الغرقي والهدمى والحرقى ، لأنّ من شروط الإرث تحقّق حياة الوارث وقت وفاة المورّث . وبالنّسبة للغرقى والهدمى والحرقى الّذين بينهم توارثٌ ماتوا معاً أو متعاقبين ، ولم يعلم أيّهم أسبق موتاً ، فإنّ ذلك يترتّب عليه اشتباهٌ عند التّوريث ، إذ لا يدرى أيّهم أسبق موتاً ، ولذا فإنّ جمهور الفقهاء قالوا : يمتنع التّوارث بينهم ، وإنّما توزّع تركة كلٍّ منهم على ورثته الأحياء دون اعتبارٍ لمن مات معه ، إذ لا توارث بالشّكّ ، وهو المعتمد ، لاحتمال موتهم معاً أو متعاقبين ، فوقع الشّكّ في الاستحقاق ، واستحقاق الأحياء متيقّنٌ ، والشّكّ لا يعارض اليقين . وتفصيله في ( إرثٌ ) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40905, member: 329"] أسباب الاشتباه : 8 - قد ينشأ الاشتباه نتيجة خفاء الدّليل بسببٍ من الأسباب ، كالإجمال في الألفاظ واحتمالها التّأويل ، ودوران الدّليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه ، ودورانه بين العموم والخصوص ، واختلاف الرّواية بالنّسبة للحديث ، وكالاشتراك في اللّفظ ، أو التّخصيص في عامّه ، أو التّقييد في مطلقه ، كما ينشأ الاشتباه عند تعارض الأدلّة دون مرجّحٍ . كما أنّ النّصوص في دلالتها ليست على وضعٍ واحدٍ ، فمنها ما دلالته على الأحكام ظنّيّةٌ ، فيجتهد الفقهاء للتّعرّف على ما يدلّ عليه النّصّ ، وقد يتشابه الأمر عليهم نتيجة ذلك ، إذ من الحقائق الثّابتة اختلاف النّاس في تفكيرهم ، وتباين وجهات نظرهم . والاشتباه النّاشئ عن خفاءٍ في الدّليل يعذر المجتهد فيه ، بعد بذله الجهد واستفراغه الوسع ، ويكون فيما انتهى إليه من رأيٍ قد اتّبع الدّليل المرشد إلى تعرّف قصد الشّارع . وبيان ذلك فيما يلي : أ - اختلاف المخبرين : 9 - ومن ذلك ما لو أخبره عدلٌ بنجاسة الماء ، وأخبره آخر بطهارته . فإنّ الأصل عند تعارض الخبرين وتساويهما تساقطهما ، وحينئذٍ يعمل بالأصل وهو الطّهارة ، إذ الشّيء متى شكّ في حكمه ردّ إلى أصله ، لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ ، والأصل في الماء الطّهارة . ومن هذا القبيل ما لو أخبر عدلٌ بأنّ هذا اللّحم ذبحه مجوسيٌّ ، وأخبر عدلٌ آخر أنّه ذكّاه مسلمٌ ، فإنّه لا يحلّ لبقاء اللّحم على الحرمة الّتي هي الأصل . إذ حلّ الأكل متوقّفٌ على تحقّق الذّكاة الشّرعيّة . وبتعارض الخبرين لم يتحقّق الحلّ ، فبقيت الذّبيحة على الحرمة . ب - الإخبار المقتضي للاشتباه : 10 - وهو الإخبار الّذي اقترنت به قرائن توقع في الاشتباه . مثال ذلك : أن يعقد على امرأةٍ ، ثمّ تزفّ إليه أخرى بناءً على أنّها زوجته ، ويدخل بها على هذا الاعتقاد ، ثمّ يتبيّن أنّها ليست المرأة الّتي عقد عليها . فإن وطئها فإنّه لا حدّ عليه اتّفاقاً ، لأنّه اعتمد دليلاً شرعيّاً في موضع الاشتباه ، وهو الإخبار . وقد أورد الفقهاء فروعاً كثيرةً مثل هذا الفرع ، وهي مبنيّةٌ على هذا الأساس . ت - تعارض الأدلّة ظاهراً : 11 - لا يوجد بين أدلّة الأحكام الشّرعيّة في واقع الأمر تعارضٌ ، لأنّها جميعها من عند اللّه تعالى . أمّا ما يظهر من التّعارض بين الدّليلين فلعدم العلم بظروفهما وشروط تطبيقهما ، أو بما يراد بكلٍّ منهما على سبيل القطع ، أو لجهلنا بزمن ورودهما ، وغير ذلك ممّا يرتفع به التّعارض . فمن الاشتباه بسبب تعارض الأدلّة في الظّاهر ما إذا سرق الوالد من مال ولده ، إذ أنّ نصوص العقاب على السّرقة تشمل في عمومها هذه الواقعة . فاللّه سبحانه وتعالى يقول : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما ... } . غير أنّه قد جاء في السّنّة ما يفيد حلّ مال الابن لأبيه . فقد روي أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أنت ومالك لأبيك » وقوله : « إنّ أطيب ما أكل الرّجل من كسبه ، وإنّ ولده من كسبه » ووجود مثل هذا ينتج اشتباهاً في الحكم يترتّب عليه إسقاط الحدّ ، لأنّ من أعظم الشّبهات أخذ الرّجل من مالٍ جعله الشّرع له ، وأمره بأخذه وأكله . وقال أبو ثورٍ وابن المنذر بإقامة الحدّ . وتفصيل ذلك في مصطلح ( سرقةٌ ) . ومن الاشتباه النّاشئ عن تعارض الأدلّة في الظّاهر ما ورد بالنّسبة لطهارة سؤر الحمار ، فقد روي عن عبد اللّه بن عبّاسٍ أنّه كان يقول :" الحمار يعتلف القتّ والتّبن فسؤره طاهرٌ وعن جابرٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل : أنتوضّأ بما أفضلت الحمر ؟ قال : نعم ، وبما أفضلت السّباع كلّها » ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنّه كان يقول :" إنّه رجسٌ" والتّوقّف في الحكم عند تعارض الأدلّة واجبٌ . فلذلك كان مشكوكاً فيه ، والمراد بالشّكّ التّوقّف عن إعطاء حكمٍ قاطعٍ ، لتعارض الأدلّة . قال ابن عابدين : الأصحّ أنّ سؤر الحمار مشكوكٌ في طهوريّته ( أي كونه مطهّراً ، لا في طهارته في ذاته ) وهو قول الجمهور . وسببه تعارض الأخبار في لحمه ، وقيل : اختلاف الصّحابة في سؤره ، وقد استوى ما يوجب الطّهارة والنّجاسة فتساقطا للتّعارض ، فيصار إلى الأصل ، وهو هنا شيئان : الطّهارة في الماء ، والنّجاسة في اللّعاب ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فبقي الأمر مشكلاً ، نجساً من وجهٍ ، طاهراً من وجهٍ . ث - اختلاف الفقهاء : 12 - من ذلك ما قاله الفقهاء من عدم وجوب الحدّ بالوطء في نكاحٍ مختلفٍ فيه ، كالنّكاح بلا وليٍّ ، فالحنفيّة يجيزونه . وسقوط الحدّ بسبب ذلك قول أكثر أهل العلم ، لأنّ الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهةٌ ، والحدود تدرأ بالشّبهات ويرجع في تفصيل ذلك إلى باب ( حدّ الزّنى ) . ومن ذلك المصلّي بالتّيمّم إذا رأى سراباً ، وكان أكبر رأيه أنّه ماءٌ ، فإنّه يباح له أن ينصرف ، وإن استوى الأمران لا يحلّ له قطع الصّلاة ، وإذا فرغ من الصّلاة ، إن ظهر أنّه كان ماءً يلزمه الإعادة ، وإلاّ فلا . نصّ على ذلك الحنفيّة . والشّافعيّة والحنابلة على أنّ من تيمّم لفقد الماء فوجده أو توهّمه بطل تيمّمه إن لم يكن في صلاةٍ . ويحصل هذا التّوهّم برؤية سرابٍ . ومحلّ بطلانه بالتّوهّم إن بقي من الوقت زمنٌ لو سعى فيه إلى ذلك لأمكنه التّطهّر به والصّلاة فيه . وإذا بطل التّيمّم بتوهّم وحود الماء فإنّه بطلانه بالظّنّ أو الشّكّ أولى ، سواءٌ أتبيّن له خلاف ظنّه أم لم يتبيّن ، لأنّ ظنّ وجود الماء مبطلٌ للتّيمّم . وعند المالكيّة : إن وجد الماء بعد الدّخول في الصّلاة فيجب عليه إتمامها . ونصّ الحنابلة على أنّ من خاف على نفسه أو ماله إذا ما طلب الماء ساغ له التّيمّم ، ولو كان خوفه بسبب ظنّه فتبيّن عدم السّبب . مثل من رأى سواداً باللّيل ظنّه عدوّاً ، فتبيّن أنّه ليس بعدوٍّ بعد أن تيمّم وصلّى لم يعد لكثرة البلوى . وقيل : يلزمه الإعادة ، لأنّه تيمّم من غير سببٍ مبيحٍ للتّيمّم . ج – الاختلاط : 13 – يقصد به اختلاط الحلال بالحرام وعسر التّمييز بينهما . كما لو اختلطت الأواني الّتي فيها ماءٌ طاهرٌ بالأواني الّتي فيها ماءٌ نجسٌ ، واشتبه الأمر ، بأن لم يمكن التّمييز بينهما ، فإنّه يسقط استعمال الماء ، ويجب التّيمّم عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول سحنونٍ من المالكيّة ، لأنّ أحدهما نجسٌ يقيناً ، والآخر طاهرٌ يقيناً ، لكن عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى البدل . وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح ( ماءٌ ) . ومن هذا القبيل ما إذا اشتبهت عليه ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ ، وتعذّر التّمييز بينها ، ولم يجد ثوباً طاهراً بيقينٍ ، وليس معه ما يطهّرهما به ، واحتاج إلى الصّلاة ، فالحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّة خلافاً للمزنيّ ، أنّه يتحرّى بينها ، ويصلّي بما غلب على ظنّه طهارته . وقال الحنابلة وابن الماجشون من المالكيّة : لا يجوز التّحرّي ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوبٍ آخر . وقال أبو ثورٍ والمزنيّ : لا يصلّي في شيءٍ منها كالأواني . وإنّما يتحرّى - عند من قال بذلك - إذا لم يجد ثوباً طاهراً ، أو ما يطهّر به ما اشتبه عليه من الثّياب . وإذا تحرّى فلم يترجّح أحدهما على الآخر صلّى في أحدهما . والقائلون بالتّحرّي هنا قالوا : لأنّه لا خلف للثّوب في ستر العورة ، بخلاف الاشتباه في الأواني ، لأنّ التّطهّر بالماء له خلفٌ وهو التّيمّم . ح - الشّكّ ( بالمعنى الأعمّ يشمل أيضاً الظّنّ والوهم ) : 14 - ومن ذلك ما قالوه فيمن أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث من أنّه لا وضوء عليه ، إذ اليقين لا يزول بالشّكّ ، وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب ، غير أنّه نقل عن مالكٍ أنّه قال : من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث ابتدأ الوضوء ، وقد روى ابن وهبٍ عن مالكٍ أنّه قال : أحبّ إليّ أن يتوضّأ ، وهذا يدلّ على أنّ الوضوء عند مالكٍ في ذلك إنّما هو استحبابٌ واحتياطٌ ، كما أجمعوا على أنّ من أيقن بالحدث وشكّ في الوضوء أنّ شكّه لا يعتبر وعليه الوضوء ، لأنّه المتيقّن . والمراد بالشّكّ هنا مطلق التّردّد سواءٌ أكان على السّواء أم كان أحد طرفيه أرجح . وعلى هذا فلا فرق بين أن يغلب على ظنّه أحدهما أو يتساوى الأمران عندهما ، لأنّ غلبة الظّنّ إذا لم تكن مضبوطةً بضابطٍ شرعيٍّ لا يلتفت إليها ، ولأنّه إذا شكّ تعارض عنده الأمران ، فيجب سقوطهما كالبيّنتين إذا تعارضتا ، ويرجع إلى اليقين وقالوا : من تيقّن الطّهارة والحدث معاً واشتبه عليه الأمر فلم يعلم الأخير منهما والأسبق فيعمل بضدّ ما قبلهما ، فإن كان قبل ذلك محدثاً فهو الآن متطهّرٌ ، لأنّه تيقّن الطّهارة بعد ذلك الحدث وشكّ في انتقاضها ، لأنّه لا يدري هل الحدث الثّاني قبلها أو بعدها . وإن كان متطهّراً وكان يعتاد التّجديد فهو الآن محدثٌ ، لأنّه متيقّنٌ حدثاً بعد تلك الطّهارة وشكّ في زواله ، لأنّه لا يدري هل الطّهارة الثّانية متأخّرةٌ عنه أم لا . ومن هذا القبيل ما قالوه في الصّائم لو شكّ في غروب الشّمس ، فإنّه لا يصحّ له أن يفطر مع الشّكّ ، لأنّ الأصل بقاء النّهار . ولو أفطر وهو شاكٌّ ولم يتبيّن الحال بعد ذلك فعليه القضاء اتّفاقاً . أمّا إذا شكّ الصّائم في طلوع الفجر فالمستحبّ له ألاّ يأكل لاحتمال أن يكون الفجر قد طلع ، فيكون الأكل إفساداً للصّوم فيتحرّز عنه ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . ولو أكل وهو شاكٌّ فإنّه لا يحكم بوجوب القضاء عليه ، لأنّ فساد الصّوم مشكوكٌ فيه ، إذ الأصل بقاء اللّيل فلا يثبت النّهار بالشّكّ ، وإلى هذا اتّجه فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وقال المالكيّة : من أكل شاكّاً في الفجر فعليه القضاء مع الحرمة ، وإن كان الأصل بقاء اللّيل ، هذا بالنّسبة لصوم الفرض . وقيل : وفي النّفل أيضاً . كما قيل مع الكراهة لا الحرمة . ومن أكل معتقداً بقاء اللّيل أو حصول الغروب ثمّ طرأ الشّكّ ، فعليه القضاء بلا حرمةٍ . د - الجهل : 15 - ومن ذلك الأسير في دار الحرب ، إذا لم يعرف دخول رمضان ، وأراد صومه ، فتحرّى وصام شهراً عن رمضان فتبيّن أنّه أخطأ . فإذا كان صام قبل حلول شهر رمضان فعلاً لم يجزئه ، لأنّه أدّى الواجب قبل وجوبه ووجود سببه ، وهو مشاهدة الشّهر ، ونقل الشّيرازيّ عن الأصحاب من الشّافعيّة قولاً آخر بالإحزاء ، لأنّه عبادةٌ تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ ، كالوقوف بعرفة إذا أخطأ النّاس ووقفوا قبل يوم عرفة ، ثمّ قال : والصّحيح أنّه لا يجزئه ، لأنّه تيقّن الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء ، فلم يعتدّ بما فعله ، كما لو تحرّى في وقت الصّلاة فصلّى قبل الوقت . وإن تبيّن أنّ الشّهر الّذي صامه كان بعد رمضان صحّ . وإذا كان الشّهر الّذي صامه ناقصاً ، ورمضان الّذي صامه النّاس تامّاً صام يوماً ، إذ لا بدّ من موافقة العدد ، لأنّ صوم شهرٍ آخر بعده يكون قضاءً ، والقضاء يكون على قدر الفائت . وعند الشّافعيّة وجهٌ آخر اختاره أبو حامدٍ الإسفرايينيّ بالإجزاء ، لأنّ الشّهر يقع على ما بين الهلالين ، ولهذا لو نذر صوم شهرٍ ، فصام شهراً نقاصاً بالأهلّة أجزأه . ثمّ قال الشّيرازيّ : والصّحيح عندي أنّه يجب عليه صوم يومٍ . ومن ذلك الاشتباه في القبلة بالنّسبة لمن يجهلها . فقد نصّ فقهاء المذاهب على أنّ من اشتبهت عليه جهة القبلة ، ولم يكن عالماً بها ، سأل من بحضرته ممّن يعلمها من أهل المكان . وحدّ الحضرة أن يكون بحيث لو صاح به سمعه . فإذا تحرّى بنفسه وصلّى دون سؤالٍ ، وتبيّن له بعد ذلك أنّه لم يصب القبلة ، أعاد الصّلاة ، لعدم إجزاء التّحرّي مع القدرة على الاستخبار ، لأنّ التّحرّي دون الاستخبار ، إذ الخبر ملزمٌ له ولغيره ، بينما التّحرّي ملزمٌ له دون غيره ، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان الأعلى ، أمّا إذا لم يكن بحضرته أحدٌ يرجع إليه في ذلك ، أو كان وسأله ولم يجبه ، أو لم يدلّه ثمّ تحرّى ، فإنّ صلاته تصحّ ، حتّى لو تبيّن له بعد ذلك أنّه أخطأ ، لما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال : « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجلٍ منّا على حياله - أي قبالته - فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه سبحانه { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } » . ولأنّ العمل بالدّليل الظّاهر واجبٌ إقامةً للواجب بقدر الوسع ، وإقامةً للظّنّ مقام اليقين لتعذّره . ولما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّ " قبلة المتحرّي جهة قصده إن تحرّى ثمّ قبل الصّلاة أخبره عدلان من أهل الجهة أنّ القبلة إلى جهةٍ أخرى ، أخذ بقولهما ولا عبرة بالتّحرّي . ذ - النّسيان : 16 - ومن ذلك المرأة إذا نسيت عادة حيضها ، واشتبه عليها الأمر بالنّسبة للحيض والطّهر ، بأن لم تعلم عدد أيّام حيضها المعتادة ، ولا مكان هذه الأيّام من الشّهر فإنّها تتحرّى ، فإن وقع تحرّيها على طهرٍ تعطى حكم الطّاهرات ، وإن كان على حيضٍ أعطيت حكمه ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة . وإن تردّدت ولم يغلب على ظنّها شيءٌ فهي المحيّرة ، وتسمّى المضلّلة ، لا يحكم لها بشيءٍ من الطّهر أو الحيض على التّعيين ، بل تأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام ، لاحتمال كلّ زمانٍ يمرّ عليها من الحيض والطّهر والانقطاع ، ولا يمكن جعلها حائضاً دائماً لقيام الإجماع على بطلانه ، ولا طاهراً دائماً لقيام الدّم ، ولا التّبعيض لأنّه تحكّمٌ ، فوجب الأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام للضّرورة . وتفصيل أحكامها في مصطلح ( استحاضةٌ ) . س - وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل : 17 - ومن ذلك ما قاله فقهاء الحنفيّة وابن شبرمة والثّوريّ وابن أبي ليلى في إثبات الشّفعة بسبب الجواز ، أو بسبب الشّركة في مرافق العقار ، ووافقهم الشّافعيّة في الصّحيح عندهم بالنّسبة للشّريك في ممرّ الدّار ، بأن كان للمشتري طريقٌ آخر إلى الدّار ، أو أمكن فتح بابٍ لها إلى شارع . وأمّا جمهور الفقهاء فيقصرونها على الشّركة في نفس العقار المبيع فقط ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ، لأنّ الشّفعة تثبت على خلاف الأصل ، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاءٍ منه ، وإجبارٌ له على المعاوضة ، ولما روى جابرٌ من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الشّفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة » وبما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قسمت الأرض وحدّت فلا شفعة فيها » . ومقتضى الأصل أن لا يثبت حقّ الأخذ بالشّفعة أصلاً ، لكنّها ثبتت فيما لا يقسم بالنّصّ الصّريح غير معقول المعنى ، فبقي الأمر في المقسوم على الأصل ، أو ثبت معلولاً بدفع ضررٍ خاصٍّ وهو ضرر القسمة . وما استدلّ به الحنفيّة ومن معهم من أحاديث ، فإنّ في أسانيدها مقالاً . قال ابن المنذر : الثّابت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث جابرٍ - السّابق ذكره - وما عداه من الأحاديث الّتي استدلّ بها الحنفيّة ومن معهم ، كالحديث الّذي رواه أبو رافعٍ « الجار أحقّ بسقبه » ، والحديث الّذي رواه سمرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « جار الدّار أحقّ بالدّار » . فإنّ فيها مقالاً . على أنّه يحتمل أنّه أراد بالجار الشّريك ، فإنّه جارٌ أيضاً . فكلّ هذا أورث شبهةً عند الجمهور ، لأنّ ما استدلّ به الحنفيّة غير قويٍّ ، وجاء على خلاف الأصل ، ولذا لم يثبتوا الشّفعة بسبب الجوار والشّركة في مرافق العقار ، وقصروها على الشّركة في العقار نفسه . وبناءً على هذا الاشتباه : لو قضى قاضٍ بها لا يفسخ قضاؤه . ومن الاشتباه النّاجم عن وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل : ما قاله الحنفيّة من أنّ دلالة العامّ الّذي لم يخصّص قطعيّه ، فيدلّ على جميع الأفراد الّتي يصدق عليها معناه . فإذا دخله التّخصيص كانت دلالته ظنّيّةً . بينما يرى جمهور الأصوليّين أنّ دلالة العامّ في جميع أحواله ظنّيّةٌ ، إذ الأصل أنّه ما من عامٍّ إلاّ وخصّص . وما دام العامّ لا يكاد يخلو من مخصّصٍ ، فإن هذا يورث شبهةً قويّةً تمنع القول بقطعيّته في إفادة الشّمول والاستغراق ، ويترتّب على هذا الخلاف أنّ الحنفيّة يمنعون تحصيص عامّ الكتاب والسّنّة المتواترة ابتداءً بالدّليل الظّنّيّ ، خلافاً للجمهور . وعلى هذا فقد ذهب الحنفيّة إلى تحريم أكل ذبيحة المسلم ، إذا تعمّد ترك التّسمية عليها ، لعموم قوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } ولم يخصّصوا هذا العموم بحديث : « ذبيحة المسلم حلالٌ ، ذكر اسم اللّه أو لم يذكره » ، لأنّه خبر آحادٍ ، وقد وافقهم المالكيّة والحنابلة في تحريم ذبيحة المسلم إذا ترك التّسمية عمداً ، بينما الشّافعيّة يجيزون أكلها ، لأنّ دلالة العامّ عندهم ظنّيّةٌ ، فيجوز تحصيصه بما هو ظنّيٌّ ، وإن كرهوا تعمّد التّرك . وتفصيل ذلك في ( تذكيةٌ ، وتسميةٌ ) . ومن هذا القبيل أيضاً : اختلاف الفقهاء في سرقة ما قيمته نصابٌ من الماء المحرّز ، فالأصل في الماء المحرّز أنّه مالٌ متقوّمٌ ، وأنّه ملكٌ لمن أحرزه ، ولا شركة فيه ولا شبهة الشّركة ، وقد ورد النّهي عن « بيع الماء إلاّ ما حمل » . ولهذا قال جمهور الفقهاء بوجوب القطع ، يقول ابن رشدٍ : اختلف الفقهاء في الأشياء الّتي أصلها مباحٌ ، هل يجب في سرقتها القطع ؟ فذهب الجمهور إلى أنّ القطع في كلّ متموّلٍ يجوز بيعه وأخذ العوض فيه ، وعمدتهم عموم الآية الموجبة للقطع ، يقول اللّه تعالى : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } وعموم الآثار الواردة في اشتراط النّصاب ، ومنها ما ثبت عن السّيّدة عائشة رضي الله عنها أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « لا تقطع يد السّارق إلاّ في ربع دينارٍ فصاعداً » . ويقول الدّسوقيّ : ويجب القطع وإن كان المسروق محقّراً كماءٍ وحطبٍ ، لأنّه متموّلٌ ما دام محرّزاً ، ولو كان مباح الأصل . وهذا مذهب الشّافعيّة ، والقول المشهور عن أبي يوسف . لكنّ أبا حنيفة ومحمّد بن الحسن ، والحنابلة يرون عدم القطع ، لأنّه لا يتموّل عادةً ، ولأنّ الإباحة الأصليّة تورث شبهةً بعد الإحراز ، ولأنّ التّافه لا يحرّز عادةً ، أو لا يحرّز إحراز الخطير ، وينتهون إلى أنّ الاعتماد على معنى التّفاهة دون إباحة الأصل ، وإن كان منهم من يرى أنّ السّبب شبهة الشّركة . ش - الإبهام مع عدم إمكان البيان : 18 - ومن ذلك ما إذا طلّق الرّجل إحدى زوجتيه ، دون تعيين واحدةٍ منهما ، ثمّ مات قبل البيان ، فيحدث الاشتباه بسبب ذلك فيمن وقع عليها الطّلاق . فالحنفيّة يفصّلون في هذه المسألة أحكام المهر المسمّى ، وحكم الميراث ، وحكم العدّة . فأمّا حكم المهر فإن كانتا مدخولاً بهما فلكلّ واحدةٍ منهما جميع المهر ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما تستحقّ جميع المهر ، منكوحةً كانت أو مطلّقةً . وإن كانتا غير مدخولٍ بهما فلهما مهرٌ ونصف مهرٍ بينهما ، لكلّ واحدةٍ . منهما ثلاثة أرباع المهر ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما يحتمل أن تكون زوجةً متوفّى عنها ، ويحتمل أن تكون مطلّقةً . فإن كانت زوجةً متوفّى عنها تستحقّ جميع المهر ، لأنّ الموت بمنزلة الدّخول ، وإن كانت مطلّقةً تستحقّ النّصف فقط ، لأنّ النّصف سقط بالطّلاق قبل الدّخول ، فلكلّ واحدةٍ منهما كلّ المهر في حالٍ ، والنّصف في حالٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فيتنصّف ، فيكون لكلّ واحدةٍ ثلاثة أرباع مهرٍ . وأمّا حكم الميراث ، فهو أنّهما يرثان منه ميراث امرأةٍ واحدةٍ ، ويكون بينهما نصفين في الأحوال كلّها ، لأنّ إحداهما منكوحةٌ بيقينٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فيكون قدر ميراث امرأةٍ واحدةٍ بينهما بالسّويّة . وأمّا حكم العدّة ، فعلى كلّ واحدةٍ منهما عدّة الوفاة وعدّة الطّلاق ، أيّهما أطول ، لأنّ إحداهما منكوحةٌ والأخرى مطلّقةٌ ، وعلى المنكوحة عدّة الوفاة ، وعلى المطلّقة عدّة الطّلاق ، فدارت كلّ واحدةٍ من العدّتين في حقّ كلّ واحدةٍ من المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب ، والعدّة يحتاط في إيجابها ، ومن الاحتياط القول بوجوبها على كلّ واحدةٍ منهما . والمالكيّة يوافقون الحنفيّة في حكم الميراث والصّداق . ولم نقف على نصٍّ لهم بالنّسبة للعدّة . ولهم في الصّداق تفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( صداقٌ ) . أمّا الشّافعيّة فإنّهم بالنّسبة للميراث يرون أنّه يوقف للزّوجتين من ماله نصيب زوجةٍ إلى أن يصطلحا ، لأنّه قد ثبت إرث إحداهما بيقينٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فإن قال وارث الزّوج : أنا أعرف الزّوجة منهما ففيه قولان : أحدهما : يرجع إليه ، لأنّه لمّا قام مقامه في استلحاق النّسب قام مقامه في تعيين الزّوجة . والثّاني : لا يرجع إليه ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما زوجةٌ في الظّاهر ، وفي الرّجوع إلى بيانه إسقاط وارثٍ مشاركٍ ، والوارث لا يملك إسقاط من يشاركه في الميراث . وقيل : إنّه في صورة ما إذا طلّق إحدى زوجتيه دون تعيينٍ لا يرجع إلى الوارث قولاً واحداً ، لأنّه اختيار شهوةٍ . وبالنّسبة للعدّة فإنّهم قالوا : إن لم يدخل بهما اعتدّت كلّ واحدةٍ منهما أربعة أشهرٍ وعشراً ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما يجوز أن تكون هي الزّوجة ، فوجبت العدّة عليهما ليسقط الفرض بيقينٍ . وإن دخل بهما ، فإن كانتا حاملين اعتدّتا بوضع الحمل ، لأنّ عدّة الطّلاق والوفاة في الحمل واحدةٌ . وإن كانتا من ذوات الشّهور اعتدّتا بأربعة أشهرٍ وعشرٍ ، لأنّها تجمع عدّة الطّلاق والوفاة ، وإن كانتا من ذوات الأقراء اعتدّتا بأقصى الأجلين . وأمّا المهر فلم نجد نصّاً في المسألة . وأمّا الحنابلة فقد نصّوا على أنّ من طلّق واحدةً من نسائه ، ومات قبل البيان ، أخرجت بالقرعة ، فمن تقع عليها القرعة فلا ميراث لها . وقد روي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه ، وهو قول أبي ثورٍ ، لأنّه إزالة ملكٍ عن الآدميّ فتستعمل فيه القرعة عند الاشتباه ، كالعتق . ولأنّ الحقوق تساوت على وجهٍ تعذّر تعيّن المستحقّ فيه من غير قرعةٍ ، فينبغي أن تستعمل فيه القرعة ، كالقسمة بين النّساء في السّفر . فأمّا قسمة الميراث بين الجميع ففيه إعطاء من لا تستحقّ وإنقاض المستحقّ ، وفي وقف قسمة الميراث إلى غير غايةٍ تضييعٌ لحقوقهنّ ، وحرمان الجميع منع الحقّ عن صاحبه يقيناً . ومن ذلك ما قالوه في ميراث الغرقي والهدمى والحرقى ، لأنّ من شروط الإرث تحقّق حياة الوارث وقت وفاة المورّث . وبالنّسبة للغرقى والهدمى والحرقى الّذين بينهم توارثٌ ماتوا معاً أو متعاقبين ، ولم يعلم أيّهم أسبق موتاً ، فإنّ ذلك يترتّب عليه اشتباهٌ عند التّوريث ، إذ لا يدرى أيّهم أسبق موتاً ، ولذا فإنّ جمهور الفقهاء قالوا : يمتنع التّوارث بينهم ، وإنّما توزّع تركة كلٍّ منهم على ورثته الأحياء دون اعتبارٍ لمن مات معه ، إذ لا توارث بالشّكّ ، وهو المعتمد ، لاحتمال موتهم معاً أو متعاقبين ، فوقع الشّكّ في الاستحقاق ، واستحقاق الأحياء متيقّنٌ ، والشّكّ لا يعارض اليقين . وتفصيله في ( إرثٌ ) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية