الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40923" data-attributes="member: 329"><p>النّوع الثّالث : الحيوانات المفترسة : </p><p>24 - المراد بالحيوانات المفترسة : كلّ دابّةٍ لها نابٌ يفترس به ، سواءٌ أكانت أهليّةً كالكلب والسّنّور الأهليّ ، أم وحشيّةً كالأسد والذّئب والضّبع والنّمر والفهد والثّعلب والسّنّور الوحشيّ والسّنجاب والفنك والسّمّور والدّلق ( وهو أبو مقرضٍ ) والدّبّ والقرد وابن آوى والفيل . وحكمها : أنّها لا يحلّ شيءٌ منها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو قولٌ للمالكيّة ، غير أنّ الضّبع والثّعلب قال بحلّهما أبو يوسف ومحمّدٌ .</p><p>25 - واستدلّ الجمهور على تحريم هذا النّوع كلّه أو كراهته كراهةً تحريميّةً - بقطع النّظر عن الأمثلة - بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أكل كلّ ذي نابٍ من السّباع حرامٌ » . ومن استثنى الضّبع منهم استدلّ بأخبارٍ كثيرةٍ عن بعض الصّحابة ، منها ما ورد من حديث ابن أبي عمّارٍ قال : « سألت جابر بن عبد اللّه عن الضّبع أآكلها ؟ قال : نعم ، قلت : أصيدٌ هي ؟ قال : نعم ، قلت : أسمعت ذلك من نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم » . وروي أيضاً من حديث نافعٍ مولى ابن عمر ، قال : أخبر رجلٌ ابن عمر أنّ سعد بن أبي وقّاصٍ يأكل الضّباع ، قال نافعٌ : فلم ينكر ابن عمر ذلك .</p><p>26 - والقول المشهور للمالكيّة أنّه : يكره تنزيهاً أكل الحيوانات المفترسة سواءٌ أكانت أهليّةً كالسّنّور والكلب ، أم متوحّشةً كالذّئب والأسد . وللمالكيّة في القرد والنّسناس قولٌ بالإباحة ، وهو خلاف المشهور عندهم لكن صحّحه صاحب التّوضيح .</p><p>27 - لكنّ الشّافعيّة أباحوا بعض الأمثلة السّابق ذكرها : بالإضافة إلى الضّبع والثّعلب كالسّنجاب والفنك والسّمّور محتجّين بأنّ أنيابها ضعيفةٌ . وقالوا في السّنّور الوحشيّ ، والأهليّ ، وابن آوى ، والنّمس ، والدّلق : إنّها محرّمةٌ في الأصحّ ، وقيل في هذه الخمسة الأخيرة كلّها بالحلّ عندهم .</p><p>28 - أمّا الحنابلة فقد أباحوا من الأمثلة السّابقة الضّبع فقط . وقالوا : إنّ في الثّعلب والسّنّور الوحشيّ روايةً بالإباحة .</p><p>29 - وأمّا المالكيّة فقد استدلّوا بقول اللّه تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه ... } إلخ الآية فإنّ لحوم السّباع ليست ممّا تضمّنته الآية ، فتكون مباحةً ، وأمّا ما ورد من النّهي عن أكل كلّ ذي نابٍ فهو محمولٌ على الكراهة .</p><p>النّوع الرّابع : كلّ وحشٍ ليس له نابٌ يفترس به وليس من الحشرات : </p><p>30 - وذلك كالظّباء ، وبقر الوحش ، وحمر الوحش ، وإبل الوحش . وهذا النّوع حلالٌ بإجماع المسلمين ، لأنّه من الطّيّبات . لكن قال المالكيّة : إذا تأنّس حمار الوحش صار حكمه حكم الحمار الأهليّ ، وحكم الأهليّ سيأتي( ر : ف 46 ) . فإن عاد إلى التّوحّش رجع مباحاً كما كان .</p><p>النّوع الخامس : كلّ طائرٍ له مخلبٌ صائدٌ : </p><p>31 - وذلك كالبازي والباشق والصّقر والشّاهين والحدأة والعقاب ، وهذا النّوع - بقطع النّظر عن الأمثلة - مكروهٌ تحريماً عند الحنفيّة ، وحرامٌ في باقي المذاهب ، إلاّ عند المالكيّة فقد قالوا في المشهور عنهم : إنّ جميع هذه الطّيور مباحةٌ ولو كانت جلاّلةً ، وروي عن جماعةٍ منهم عدم جواز أكلها . ومال المازريّ لحمل النّهي على التّنزيه .</p><p>32 - ومن أدلّة تحريم هذا النّوع أو كراهته كراهةً تحريميّةً حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كلّ ذي نابٍ من السّباع ، وعن كلّ ذي مخلبٍ من الطّير » . والمراد مخلبٌ يصيد به ، إذ من المعلوم أنّه لا يسمّى ذا مخلبٍ عند العرب إلاّ الصّائد بمخلبه وحده . وأمّا الدّيك والعصافير والحمام وسائر ما لا يصيد بمخلبه فلا تسمّى ذوات مخالب في اللّغة ، لأنّ مخالبها للاستمساك والحفر بها ، وليست للصّيد والافتراس . واستدلّ المالكيّة بالحصر الّذي في قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ أو فسقاً أهّل لغير اللّه به } .</p><p>النّوع السّادس : الطّائر الّذي لا يأكل إلاّ الجيف غالباً : </p><p>33 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على تحريم الغراب الأسود الكبير والغراب الأبقع ، إلاّ أنّ الحنفيّة عبّروا بالكراهة التّحريميّة . والمقصود واحدٌ ، وهو منع الشّارع الأكل ، ومعلومٌ أنّ دليل المنع ليس قطعيّاً ، وما كان كذلك يصحّ أن يعبّر عنه بالتّحريم وبالكراهة التّحريميّة . وكلا النّوعين لا يأكل غالباً إلاّ الجيف ، فهما مستخبثان عند ذوي الطّبائع السّليمة ، ويدخل في هذا النّوع النّسر ، لأنّه لا يأكل سوى اللّحم من جيفٍ وسواها ، وإن لم يكن ذا مخلبٍ صائدٍ .</p><p>34 - ويحلّ غراب الزّرع ، وهو نوعان :</p><p> أحدهما : الزّاغ وهو غرابٌ أسود صغيرٌ ، وقد يكون محمرّ المنقار والرّجلين .</p><p> وثانيهما : الغداف الصّغير ، وهو غرابٌ صغيرٌ لونه كلون الرّماد ، وكلاهما يأكل الزّرع والحبّ ولا يأكل الجيف . وبحلّهما أيضاً قال الشّافعيّة والحنابلة .</p><p>35 - وأمّا العقعق ، وهو غرابٌ نحو الحمامة حجماً ، طويل الذّنب فيه بياضٌ وسوادٌ ، فهو حرامٌ عند الجمهور ، حلالٌ عند أبي حنيفة ، مكروهٌ تحريماً عند أبي يوسف . والأصحّ عند الحنفيّة حلّه ، لأنّه يخلط فيأكل الجيف والحبّ ، فلا يكون مستخبثاً .</p><p>36 - وليست العبرة عند الحنفيّة بالأسماء ، ولا بالكبر والصّغر ، ولا بالألوان ، وإنّما العبرة بنوع غذائه : فالّذي لا يأكل إلاّ الجيف غالباً مكروهٌ تحريماً ، والّذي يخلط حلالٌ عند أبي حنيفة خلافاً لأبي يوسف ، والّذي لا يأكل الجيف حلالٌ اتّفاقاً ، هذا مذهب الحنفيّة .</p><p>37 - والمالكيّة أباحوا الغربان كلّها من غير كراهةٍ على المشهور . وروي عن جماعةٍ منهم عدم جواز آكلة الجيف .</p><p>38 - وحجّة القائلين بتحريم الغربان أو كراهتها التّحريميّة ( إلاّ ما استثني ) حديث عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمسٌ فواسق تقتلن في الحلّ والحرم : الحيّة ، والغراب الأبقع ، والفأرة ، والكلب العقور ، والحديّا » . وحديث عائشة رضي الله عنها أيضاً أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمسٌ من الدّوابّ كلّهنّ فاسقٌ ، يقتلن في الحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور » وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمسٌ من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناحٌ : الغراب ، والحدأة ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور » . فالغراب الأبقع الّذي ذكر في الحديث أبيح قتله ، وكذا سائر الغربان الّتي يدلّ عليها عموم لفظ " الغراب " في الأحاديث الأخرى . وما أبيح قتله فلا ذكاة له ، لأنّ كلمة القتل متى أطلقت تنصرف إلى إزهاق الرّوح بأيّة وسيلةٍ استطاعها الإنسان ، فلو حلّ بالذّكاة لكان إزهاق روحه بغيرها إضاعةً للمال ، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال . وقد روى ابن أبي شيبة عن عروة رضي الله عنه أنّه قال : من يأكل الغراب وقد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاسقاً ؟ وروى عبد الرّزّاق عن الزّهريّ أنّه قال : كره رجالٌ من أهل العلم أكل الحداء والغراب حيث سمّاهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من فواسق الدّوابّ الّتي تقتل في الحرم .</p><p>39 - وحجّة المالكيّة أنّ إباحة القتل لا دلالة فيها على تحريم الأكل لقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ ... } الآية . ومعلومٌ أنّ الغراب ليس في الآية ، فيكون مباح الأكل .</p><p> 40 - وحجّة من استثنى إباحة بعض الأنواع من الغربان أنّ الأحاديث الّتي ورد فيها وصف الغراب بالأبقع أشعرت أنّ الغراب المذكور هو المتّصف بصفةٍ توجب خبثه ، وقد لوحظ أنّ هذه الصّفة هي كونه لا يأكل إلاّ الجيفة غالباً ، فحملت الأحاديث المطلقة عليه ، ثمّ ألحق بالأبقع ما ماثله وهو الغداف الكبير . واختلفوا في العقعق تبعاً لاختلاف أنظارهم في كونه يكثر من أكل الجيفة أو لا يكثر .</p><p>النّوع السّابع : كلّ طائرٍ ذي دمٍ سائلٍ ، وليس له مخلبٌ صائدٌ ، وليس أغلب أكله الجيف : </p><p>41 - وذلك كالدّجاج ، والبطّ ، والإوزّ ، والحمام مستأنساً ومتوحّشاً ، والفواخت ، والعصافير ، والقبج ، والكركيّ ، والخطّاف ، والبوم ، والدّبسيّ ، والصّلصل ، واللّقلق ، واللّحام ، والهدهد ، والصّرد ، والخفّاش ( الوطواط ) . فكلّ هذا مأكولٌ عند الحنفيّة .</p><p>42 - وقال المالكيّة بإباحة هذا النّوع كلّه ولو جلاّلةً في المشهور عنهم ، إلاّ الخفّاش فالمشهور عندهم فيه الكراهة ، وقيل بكراهة الهدهد والصّرد ، لما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّه صلى الله عليه وسلم « نهى عن قتل أربعٍ من الدّوابّ : النّملة ، والنّحلة ، والهدهد ، والصّرد » . وقيل بالكراهة في الخطّاف أيضاً ، وخصّ بعضهم الكراهة فيه بما يعشّش في البيوت احتراماً لمن عشّش عنده .</p><p>43 - واتّفق الشّافعيّة والحنابلة على التّفصيل التّالي في هذا النّوع ، فذكروا أنّه يحرم ما أمر الشّارع بقتله ، وما نهى عن قتله ، وما استخبث ، ويحلّ ما لم يكن كذلك . لكنّهم اختلفوا في التّطبيق : فالرّخمة والخفّاش واللّقلق والخطّاف والسّنونو تحرم عند الشّافعيّة والحنابلة . والبغاثة تحرم عند الشّافعيّة . والببّغاء والطّاووس يحرمان عند الشّافعيّة لخبث غذائهما ، ويحلاّن عند الحنابلة . والأخيل ، ويسمّى : الشّقراق يحرم عند الحنابلة لخبثه ، ويحلّ عند الشّافعيّة . وأبو زريقٍ ، ويسمّى : الدّرباب أو القيق ، نصّ الحنابلة على تحريمه لخبثه ، ومقتضى كلام الشّافعيّة أنّه يحلّ . والهدهد والصّرد يحرمان في المذاهب الثّلاثة للنّهي عن قتلهما . ويحرم العقعق عند الثّلاثة أيضاً ، لأنّه يأكل الجيف كالغراب الأبقع ، وقد سبق ذكره ( ر : ف 33 ) . والنّعامة ، والكركيّ ، والحبارى ، والدّجاج ، والبطّ ، والإوزّ ، والغرنيق ، وسائر طيور الماء - سوى اللّقلق - كلّها ممّا يؤكل على المذاهب الثّلاثة ، وكذا الحمام ، وهو اسمٌ لكلّ ما عبّ وهدر كالقمريّ ، والدّبسيّ ، واليمام ، والفواخت ، والقطا ، والحجل . وكذلك العصفور وكلّ ما على شكله ، كالعندليب المسمّى بالهزار ، والصّعوة ، والزّرزور ، حلالٌ في المذاهب الثّلاثة ، لأنّها معدودةٌ من الطّيّبات ، ( كما يقول الحنفيّة ، وإن كان هؤلاء يقولون بالكراهة التّنزيهيّة في بعضٍ منها على ما سبق بيانه ) .</p><p>النّوع الثّامن : الخيل : </p><p>44 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قولٌ للمالكيّة إلى إباحة الخيل ، سواءٌ أكانت عراباً أم براذين . وحجّتهم حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما ، قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة ، وأذن في لحوم الخيل » . وحديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت : « نحرنا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه ونحن بالمدينة » . وذهب الحنفيّة في الرّاجح عندهم ، وهو قولٌ ثانٍ للمالكيّة ، إلى حلّ أكلها مع الكراهة التّنزيهيّة . وحجّتهم هي اختلاف الأحاديث المرويّة في الباب واختلاف السّلف ، فذهبوا إلى كراهة الخيل احتياطاً ، ولأنّ في أكلها تقليل آلة الجهاد .</p><p>45 - وبناءً على الكراهة التّنزيهيّة يقرّر الحنفيّة : أنّ سؤر الفرس ولبنها طاهران ، لأنّ كراهة أكل الخيل ليست لنجاستها ، بل لاحترامها ، لأنّها آلة الجهاد ، وفي توفيرها إرهاب العدوّ ، كما يقول اللّه تعالى : { وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ اللّه وعدوّكم } . وذهب أبو حنيفة في رواية الحسن بن زيادٍ عنه إلى الكراهة التّحريميّة ، ونحوه قولٌ للمالكيّة بالتّحريم ، وبه جزم خليلٌ في مختصره . وحجّتهم قول اللّه تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً } فالاقتصار على الرّكوب والزّينة يدلّ على أنّها ليست مأكولةً ، إذ لو كانت مأكولةً لقال : ومنها تأكلون ، كما قال قبل ذلك : { والأنعام خلقها ، لكم فيها دفءٌ ومنافع ، ومنها تأكلون } . وكذا الحديث المرويّ عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ، وكلّ ذي نابٍ من السّباع ، وكلّ ذي مخلبٍ من الطّير » . ولمّا كانت دلالة الآية والحديث على التّحريم غير قطعيّةٍ كان الحكم هو الكراهة التّحريميّة عند الحنفيّة . ولا مانع من تسميتها ( تحريماً ) بناءً على أنّ التّحريم هو المنع بالمعنى الشّامل لما كان دليله قطعيّاً أو ظنّيّاً .</p><p>النّوع التّاسع : الحمار الأهليّ : </p><p>46 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة - وهو القول الرّاجح للمالكيّة - إلى حرمة أكله . ونحوه مذهب الحنفيّة حيث عبّروا بالكراهة التّحريميّة الّتي تقتضي المنع ، وسواءٌ أبقي على أهليّته أم توحّش . ومن أدلّة التّحريم أو الكراهة التّحريميّة : حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر منادياً فنادى : إنّ اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهليّة فإنّها رجسٌ ، فأكفئت القدور وإنّها لتفور باللّحم » . وحديث جابر بن عبد اللّه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة ، وأذن في لحوم الخيل » . وذكر ابن حزمٍ أنّه نقل تحريم الحمر الأهليّة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من طريق تسعةٍ من الصّحابة بأسانيد كالشّمس ، فهو نقل تواترٍ لا يسع أحداً خلافه . والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يؤكل مع الكراهة أي التّنزيهيّة .</p><p>47 - وقد نقل ابن قدامة : أنّ الإمام أحمد قال : إنّ خمسة عشر من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم كرهوا الحمر الأهليّة ، وأنّ ابن عبد البرّ قال : لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها ، وأنّ ابن عبّاسٍ وعائشة كانا يقولان بظاهر قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزيرٍ } . تلاها ابن عبّاسٍ وقال : ما خلاّ هذا فهو حلالٌ ، وأنّ عكرمة وأبا وائلٍ لم يريا بأكل الحمر بأساً . ونقل الكاسانيّ أنّ بشراً المريسيّ قال بإباحتها . وصفوة القول أنّ فيها ثلاثة مذاهب : الأوّل : التّحريم أو الكراهة التّحريميّة .</p><p> والثّاني : الكراهة التّنزيهيّة .</p><p> والثّالث : الإباحة .</p><p>النّوع العاشر : الخنزير : </p><p>48 - الخنزير حرامٌ لحمه وشحمه وجميع أجزائه ، لقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً ، أو دماً مسفوحاً ، أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ ، أو فسقاً أهّل لغير اللّه به } .</p><p>49 - قال الألوسيّ : ( خصّ اللّحم بالذّكر مع أنّ بقيّة أجزائه أيضاً حرامٌ ، خلافاً للظّاهريّة ، لأنّه معظم سما يؤكل من الحيوان ، وسائر أجزائه كالتّابع له ، ثمّ بيّن الألوسيّ أنّه خصّ لحم الخنزير بالذّكر ، مع أنّ بقيّة أجزائه حرامٌ ، لإظهار حرمة ما استطابوه وفضّلوه على سائر اللّحوم واستعظموا وقوع تحريمه ) .</p><p>50 - والضّمير في قوله تعالى : { أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ } ، في لغة العرب الّتي نزل بها القرآن راجعٌ إلى أقرب مذكورٍ إليه وهو الخنزير نفسه ، فصحّ بالقرآن أنّ الخنزير بعينه رجسٌ ، فهو كلّه رجسٌ وبعض الرّجس رجسٌ ، والرّجس حرامٌ واجبٌ اجتنابه ، فالخنزير كلّه حرامٌ ، لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره .</p><p>النّوع الحادي عشر : الحشرات : </p><p>51 - الحشرات قد تطلق لغةً على الهوامّ فقط ، وقد تطلق على صغار الدّوابّ كافّةً ممّا يطير أو لا يطير . والمراد هنا المعنى الثّاني الأعمّ . والحشرات تنقسم إلى قسمين :</p><p> أ : ما له دمٌ سائلٌ ( ذاتيٌّ ) ومن أمثلته : الحيّة ، والفأرة ، والخلد ، والضّبّ ، واليربوع ، وابن عرسٍ ، والقنفذ .</p><p> ب : ما ليس له دمٌ سائلٌ ( ذاتيٌّ ) ومن أمثلته : الوزغ ، والعقرب ، والعظاءة ، والحلزون البرّيّ ، والعنكبوت ، والقراد ، والخنفساء ، والنّمل ، والبرغوث ، والجراد ، والزّنبور ، والذّباب والبعوض .</p><p>52 - وهذا التّقسيم في الحشرات إلى ذوات دمٍ سائلٍ وغير سائلٍ لا تأثير له في كونها مأكولةً أو غير مأكولةٍ في موضوع الأطعمة هنا ، ولكنّ له تأثيراً في موضوعٍ آخر هو نجاستها وطهارتها ، فذات الدّم السّائل تنجس ميتتها . وتتنجّس بها المائعات القليلة ، بخلاف ما ليس لها دمٌ سائلٌ ، ولذلك جمع النّوعان في موضوع الأطعمة هنا لوحدة الحكم فيهما من حيث جواز الأكل أو عدمه . ولمّا كان لكلٍّ من الجراد والضّبّ والدّود حكمٌ خاصٌّ بكلٍّ منها حسن إفراد كلٍّ منها على حدةٍ .</p><p> الجراد :</p><p>53 - أجمعت الأمّة على حلّ الجراد ، وقد ورد في حلّه الحديث القائل : « أحلّت لنا ميتتان ودمان ، فأمّا الميتتان : فالجراد والحوت ، وأمّا الدّمان : فالطّحال والكبد » . - وذهب الجمهور إلى أنّه لا حاجة إلى تذكية الجراد . وقال المالكيّة : لا بدّ من تذكيته بأن يفعل به ما يعجّل موته بتسميةٍ ونيّةٍ . وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ الشّافعيّة كرهوا ذبح الجراد وقطعه حيّاً . وصرّحوا بجواز قليه ميتاً دون إخراج ما في جوفه ، ولا يتنجّس به الدّهن . ويحرم عندهم قليه وشيّه حيّاً على الرّاجح لما فيهما من التّعذيب ، وقيل : يحلّ ذلك فيه كما يحلّ في السّمك ، ولكنّ هذا القول عندهم ضعيفٌ ، لأنّ حياة الجراد مستقرّةٌ ليست كحياة المذبوح ، بخلاف السّمك الّذي خرج من الماء ، فإنّ حياته كحياة المذبوح . وخالف الحنابلة في قليه وشيّه حيّاً ، فذهبوا إلى مثل القول الثّاني للشّافعيّة ، وهو إباحتهما ، وإن كان فيهما تعذيبٌ ، لأنّه تعذيبٌ للحاجة ، فإنّ حياته قد تطول فيشقّ انتظار موته . الضّبّ : </p><p>54 - اختلف الفقهاء في الضّبّ : فذهب الجمهور إلى إباحته ، واستدلّوا بالحديث المرويّ عن « عبد اللّه بن عبّاسٍ ، قال : دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة ، فأتي بضبٍّ محنوذٍ ، فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يده ، فقلت : أحرامٌ هو يا رسول اللّه ؟ قال : لا ، ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه . قال خالدٌ : فاجتررته فأكلته ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينظر » . وذهب أبو حنيفة إلى تحريمه ، واحتجّ بالحديث المرويّ عن « عبد الرّحمن ابن حسنة : أنّهم أصابتهم مجاعةٌ في إحدى الغزوات مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فوجد الصّحابة ضباباً فحرشوها وطبخوها ، فبينما كانت القدور ، تغلي بها علم بذلك الرّسول صلى الله عليه وسلم فأمرهم بإكفاء القدور فألقوا بها » . واعتبر الجمهور ما ورد في تحريمه منسوخاً ، لأنّ حديث الإباحة متأخّرٌ ، لأنّه حضره ابن عبّاسٍ وهو لم يجتمع بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ بالمدينة . وممّن كره الضّبّ من الصّحابة رضي الله عنهم عليّ بن أبي طالبٍ ، وجابر بن عبد اللّه ، ويحتمل أن تكون الكراهة عندهما تحريميّةً ، وهذا عندئذٍ يتّفق مع القول بالتّحريم ، ويحتمل أنّها تنزيهيّةٌ . وحجّة من قال بكراهته تنزيهاً تعارض أدلّة الإباحة والتّحريم ، فيكره تنزيهاً احتياطاً . الدّود : </p><p>55 - تناولت كتب الفقه تفصيلاتٍ عن الدّود إيجازها فيما يلي : قال الحنفيّة : إنّ دود الزّنبور ونحوه قبل أن تنفخ فيه الرّوح لا بأس بأكله ، لأنّه ليس بميتةٍ ، فإن نفخت فيه الرّوح لم يجز أكله . وعلى هذا لا يجوز أكل الجبن أو الخلّ أو الثّمار بدودها . وقال المالكيّة : إن مات الدّود ونحوه في طعامٍ وتميّز عن الطّعام أخرج منه وجوباً ، فلا يؤكل معه ، ولا يطرح الطّعام بعد إخراجه منه ، لأنّ ميتته طاهرةٌ . وإن لم يتميّز بأن اختلط بالطّعام وتهرّى طرح الطّعام ، لعدم إباحة نحو الدّود الميّت به وإن كان طاهراً ، فيلقى لكلبٍ أو هرٍّ أو دابّةٍ ، إلاّ إذا كان الدّود غير المتميّز قليلاً . وإن لم يمت في الطّعام جاز أكله معه . هذا كلّه إن لم يكن الدّود ونحوه تولّد في الطّعام ( أي عاش وتربّى فيه ) ، سواءٌ أكان فاكهةً أم حبوباً أم تمراً ، فإن كان كذلك جاز أكله معه عندهم ، قلّ أو كثر ، مات فيه أو لا ، تميّز أو لم يتميّز . ومعنى ذلك أنّهم يلحظون فيه حينئذٍ معنى التّبعيّة . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يحلّ أكل الدّود المتولّد في طعامٍ كخلٍّ وفاكهةٍ بثلاث شرائط :</p><p> الأولى : - أن يؤكل مع الطّعام ، حيّاً كان أو ميّتاً ، فإن أكل منفرداً لم يحلّ .</p><p> الثّانية : - ألاّ ينقل منفرداً ، فإن نقل منفرداً لم يجز أكله . وهاتان الشّريطتان منظورٌ فيهما أيضاً إلى معنى التّبعيّة .</p><p> الثّالثة : - ألاّ يغيّر طعم الطّعام أو لونه أو ريحه إن كان مائعاً ، فإن غيّر شيئاً من ذلك لم يجز أكله ولا شربه ، لنجاسته حينئذٍ . ويقاس على الدّود السّوس المتولّد في نحو التّمر والباقلاء إذا طبخا ، فإنّه يحلّ أكله ما لم يغيّر الماء . وكذا النّمل إذا وقع في العسل ونحوه فطبخ . وقال أحمد في الباقلاء المدوّد : تجنّبه أحبّ إليّ ، وإن لم يتقذّر فأرجو . وقال عن تفتيش التّمر المدوّد : لا بأس به . وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه أتي بتمرٍ عتيقٍ فجعل يفتّشه يخرج السّوس منه » . قال ابن قدامة : وهو أحسن .</p><p> بقيّة الحشرات : </p><p>56 - للفقهاء في حكم بقيّة الحشرات ، ما عدا الجراد والضّبّ ، والدّود ثلاثة آراءٍ :</p><p> الأوّل : - حرمة أصناف الحشرات كلّها ، لأنّها تعدّ من الخبائث لنفور الطّبائع السّليمة منها . وإلى هذا ذهب الحنفيّة .</p><p> الثّاني : - حلّ أصنافها كلّها لمن لا تضرّه . وإليه ذهب المالكيّة ، لكنّهم اشترطوا في الحلّ تذكيتها : فإن كانت ممّا ليس له دمٌ سائلٌ ذكّيت كما يذكّى الجراد ، وسيأتي بيان ذلك . وإن كانت ممّا له دمٌ سائلٌ ذكّيت بقطع الحلقوم والودجين من أمام العنق بنيّةٍ وتسميةٍ . وقال المالكيّة في الفأر إذا علم وصوله إلى النّجاسة : إنّه مكروهٌ ، وإن لم يعلم وصوله إليها فهو مباحٌ .</p><p>الثّالث : - التّفصيل بتحريم بعض أصنافها دون بعضٍ : فالشّافعيّة : قالوا بإباحة الوبر ، وأمّ حبينٍ ، واليربوع ، وابن عرسٍ ، والقنفذ . أمّا أمّ حبينٍ فلشبهها بالضّبّ ، وأمّا البقيّة فلأنّها غير مستخبثةٍ . والحنابلة خالفوا الشّافعيّة في القنفذ وابن عرسٍ ، فقالوا بحرمتهما ، ولهم روايتان في الوبر واليربوع أصحّهما الإباحة .</p><p>النّوع الثّاني عشر : المتولّدات ، ومنها : البغال : </p><p>57 - يقصد بالمتولّدات ما تولّد بين نوعين من الحيوان . وهو ثلاثة أصنافٍ :</p><p> الصّنف الأوّل : ما تولّد بين نوعين حلالين . وهو حلالٌ بلا خلافٍ .</p><p> الصّنف الثّاني : ما تولّد بين نوعين محرّمين أو مكروهين تحريماً . وهو محرّمٌ أو مكروهٌ تحريماً بلا خلافٍ .</p><p>الصّنف الثّالث : ما تولّد بين نوعين أحدهما محرّمٌ أو مكروهٌ تحريماً ، والثّاني حلالٌ مع الإباحة أو مع الكراهة التّنزيهيّة . ومن أمثلة هذا الصّنف : البغال . وفي حكمها تفصيلٌ :</p><p>58 - قال الشّافعيّة والحنابلة : إنّ البغل وغيره من المتولّدات يتبع أخسّ الأصلين . وصرّح الشّافعيّة بأنّ هذه التّبيعة إنّما هي عند العلم بالتّولّد بين النّوعين . وعلى هذا لو ولدت الشّاة كلبةً دون أن يعلم أنّها نزا عليها كلبٌ فإنّها تحلّ ، لعدم اليقين بتولّدها من كلبٍ ، لأنّه قد تقع الخلقة على خلاف صورة الأصل ، وإن كان الورع تركها . وحجّتهم في قولهم يتبع أخسّ الأصلين ، أنّه متولّدٌ منهما فيجتمع فيه حلٌّ وحرمةٌ ، فيغلّب جانب الحرمة احتياطاً . ومن القواعد الفقهيّة أنّه إذا تعارض المانع والمقتضي ، أو الحاظر والمبيح ، غلّب جانب المانع الحاظر احتياطاً .</p><p>59 - وعند الحنفيّة البغال تابعةٌ للأمّ ، فالبغل الّذي أمّه أتانٌ ( حمارةٌ ) يكره أكل لحمه تحريماً تبعاً لأمّه ، والّذي أمّه فرسٌ يجري فيه الخلاف الّذي فيه الخيل : فيكون مكروهاً عند أبي حنيفة ، ومباحاً عند الصّاحبين . فلو فرض تولّده بين حمارٍ وبقرةٍ ، أو بين حصانٍ وبقرةٍ فهو مباحٌ عند جميع الحنفيّة بلا خلافٍ في المذهب ، تبعاً لأمّه كما تقدّم . وما يقال في البغال يقال في كلّ متولّدٍ بين نوعين من الحيوان ، فالتّبعيّة للأمّ هي القاعدة عند الحنفيّة . ويعرف من الدّرّ المختار وحاشيته لابن عابدين أنّ العبرة للأمّ ولو ولدت المأكولة ما صورته صورة غير المأكول ، كما لو ولدت الشّاة ذئباً فإنّه يحلّ .</p><p>60 - والمالكيّة أيضاً يقولون بقاعدة التّبعيّة للأمّ في الحكم مع بعض اختلافٍ . فهم يقيّدون ذلك بألاّ يأتي المتولّد بين نوعين على صورة المحرّم ، فإنّه عندئذٍ يحرم ، وإن كانت الأمّ مباحةً ، كما لو ولدت الشّاة خنزيراً . وكذلك لا يجوّزون أكل مباحٍ ولدته محرّمةٌ ، كشاةٍ من أتانٍ ( وفقاً للقاعدة ) ولا عكسه أيضاً ، كأتانٍ من شاةٍ ( على خلاف القاعدة ) ولكنّ هذا الولد الّذي ولدته المحرّمة على صورة المباح إذا نسل يؤكل نسله عندهم حيث كان على صورة المباح ، لبعده عن أمّه المحرّمة . وقد ذكروا في البغل قولين : أحدهما : التّحريم ، وهو المشهور . وثانيهما : الكراهة دون تفريقٍ أيضاً بين كون أمّه فرساً أو أتاناً ، اعتماداً على أدلّةٍ أخرى في خصوص البغل غير قاعدة التّولّد .</p><p>61 - وحجّة من قال : إنّ البغل يتبع أمّه أنّه قبل خروجه منها هو جزءٌ منها ، فيكون حكمه حكمها : حلاًّ ، وحرمةً ، وكراهةً ، فيبقى هذا الحكم بعد خروجه استصحاباً . وحجّة من أطلق التّحريم أو الكراهة التّحريميّة . من الكتاب قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها ، وزينةً } . فقد بيّنت الآية مزاياها أنّها ركائب وزينةٌ ، وسكتت عن الأكل في مقام الامتنان فيدلّ على أنّها غير مأكولةٍ . ومن السّنّة حديث جابر بن عبد اللّه قال : « حرّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - يعني يوم خيبر - لحوم الحمر الإنسيّة ولحوم البغال ، وكلّ ذي نابٍ من السّباع ، وكلّ ذي مخلبٍ من الطّير » . وحديث خالد بن الوليد : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر والخيل والبغال » . وحجّة من أطلق القول بالكراهة التّنزيهيّة هي الجمع بين دلالة الآيات والأحاديث السّابقة ، وبين قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً ... } فقالوا : إنّها ليست محرّمةٌ ، عملاً بهذه الآية الأخيرة ، وليست واضحة الإباحة للخلاف في دلالة الآية الأولى والأحاديث ، فيخرج من ذلك أنّها مكروهةٌ كراهةً تنزيهيّةً .</p><p> وحجّة من قال بالإباحة : أنّ اللّه تعالى قال : { يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً } . وقال أيضاً : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } ولم يذكر فيما فصّل تحريم البغل ، فهو حلالٌ . والقول بأنّه متولّدٌ من الحمار فيكون مثله قولٌ لا يصحّ ، لأنّه منذ نفخت فيه الرّوح هو مغايرٌ للحمار ، وليس جزءاً منه .</p><p>النّوع الثّالث عشر : كلّ حيوانٍ لم يعرفه العرب في أمصارهم : </p><p>62 - المراد بهذا النّوع ما كان غير معروفٍ من قبل عند العرب أهل اللّغة الّتي نزل بها القرآن في أمصارهم وأشبه ما استطابوه أو استخبثوه . فما كان مشبّهاً لما استطابوه فهو حلالٌ أكله . وما كان مشبّهاً لما استخبثوه فهو حرامٌ أو مكروهٌ تحريماً ، لقوله تعالى : { يسألونك ماذا أحلّ لهم ؟ قل : أحلّ لكم الطّيّبات } أي ما استطبتموه أنتم ، لأنّه هم السّائلون الّذين وجّه إليهم الجواب . ولقوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } أي ما استخبثوه ، فالّذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم إنّما هم أهل الحجاز ، لأنّ الكتاب نزل عليهم وخوطبوا به أوّلاً . والمعتبر منهم أهل الأمصار لا أهل البوادي ، لأنّ هؤلاء يأكلون للضّرورة ما يجدون مهما كان . فما لم يكن من الحيوان في أمصار الحجاز يردّ إلى أقرب ما يشبهه في بلادهم . فإن أشبه ما استطابوه حلّ ، وإن أشبه ما استخبثوه حرم . وإن لم يشبه شيئاً ممّا عندهم حلّ ، لدخوله تحت قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً ... } الآية . هذا مذهب الحنفيّة . وصرّح بنحوه الشّافعيّة والحنابلة مع اختلافاتٍ يسيرةٍ تعلم بمراجعة كتبهم .</p><p>63 - والمالكيّة يحلّون كلّ ما لا نصّ على تحريمه . فالمالكيّة لا يعتبرون استطابة العرب من أهل الحجاز ولا استخباثهم ولا المشابهة أساساً في تفسير الطّيّبات . وممّا يستدلّ به على ذلك مجموع الآيات الثّلاث التّالية ، هي قوله تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعاً } ، وقوله : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ .. } الآية ، وقوله : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم } فمنها يعرف أنّ المحرّم هو ما استثناه النّصّ من عموم الآية الأولى ، فيبقى ما سواه داخلاً في عمومها المبيح .</p><p>ما يحرم أو يكره من الحيوان المأكول لسببٍ عارضٍ : </p><p>64 - هناك حالاتٌ عارضةٌ تجعل بعض أنواعٍ من الحيوان المأكول حراماً أو مكروهاً أكلها شرعاً ، ولو ذكّيت التّذكية المقبولة شرعاً . فإذا زالت أسباب الحرمة أو الكراهة العارضة عاد الحيوان حلالاً دون حرجٍ . هذه الأسباب العارضة منها ما يتّصل بالإنسان ، ومنها ما يتّصل بالحيوان نفسه ، ومنها ما يتّصل بهما معاً . وفيما يلي بيان ذلك :</p><p> أسباب التّحريم العارضة : </p><p>أ - الإحرام بالحجّ أو العمرة : </p><p>65 - هذا سببٌ يقوم بالإنسان ، فحالة الإحرام بالحجّ أو بالعمرة تجعل من المحظور على المحرم صيد حيوان الصّيد البرّيّ ، ما دام الشّخص محرماً لم يتحلّل من إحرامه . فإذا قتل حيواناً من هذا النّوع صيداً ، أو أمسكه فذبحه ، كان كالميتة حرام اللّحم على قاتله المحرم نفسه وعلى غيره ، سواءٌ اصطاده في الحرم المكّيّ أو خارجه ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ... } الآية .</p><p>66 - والمراد بحيوان الصّيد البرّيّ الحيوان المتوحّش الممتنع ، أي غير الآهل كالظّباء والحمام . أمّا الآهل كالدّواجن من الطّيور ، والأنعام من الدّوابّ فهو حلالٌ للمحرم وغيره . وكذلك الحيوان المائيّ حلالٌ مطلقاً ، لقوله تعالى : { أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسّيّارة ، وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً } . وهذا محلّ اتّفاقٍ بين جميع المذاهب .</p><p>ب - وجود حيوان الصّيد في نطاق الحرم المكّيّ : </p><p>67 - ويشمل مكّة المكرّمة والأرض المحيطة بها إلى الحدود المقرّرة في أحكام الحجّ ، والمعروفة بحدود الحرم . وهذا سببٌ يتّصل بالحيوان نفسه ، وهو كونه في حماية الحرم الآمن . فكلّ حيوانٍ من حيوان الصّيد البرّيّ المأكول يقطن في نطاق الحرم ، أو يدخل فيه دون أن يجري عليه امتلاكٌ سابقٌ ، فإنّه إذا قتل أو ذبح أو عقر كان لحمه حراماً كالميتة ، ولو كان قاتله غير محرمٍ ، وذلك لحرمة المكان الثّابتة بقوله تعالى : { ومن دخله كان آمناً } ، وبما ثبت من حديث ابن عبّاسٍ قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة : إنّ هذا البلد حرامٌ لا يعضد شوكه ، ولا يختلى خلاه ، ولا ينفّر صيده » .</p><p> هذا مذهب الجمهور .</p><p>68 - وهناك اجتهاداتٌ ترى جريان هذا التّحريم أيضاً في حيوان الحرم المدنيّ ، وهو مدينة الرّسول صلى الله عليه وسلم والأرض المحيطة بها إلى الحدود المقرّرة لها في النّصوص ، وفيه حديث عليٍّ مرفوعاً : « المدينة حرمٌ ما بين عيرٍ إلى ثورٍ ، لا يختلى خلاها ولا ينفّر صيدها » وهذا أحد قولين عند الشّافعيّة . وتفصيل ذلك حكماً ودليلاً وبيان حدود الحرمين يرى في محلّه من موضوع الحجّ وموضوع الصّيد .</p><p> وهناك في صيد الحرم وصيد المحرم من يرى أنّه إنّما يحرم ، ويعتبر كالميتة على صائده فقط عقوبةً له . ولكنّه يكون لحماً حلالاً في ذاته ، فيجوز لغير صائده أن يأكل منه . وهو قولٌ مرجوحٌ عند الشّافعيّة . ويرى قومٌ تحريم صيد المحرم في أرض الحلّ على صائده فقط ، ويرى آخرون تحريمه عليه وعلى سواه من المحرمين دون المحلّين .</p><p>السّبب العارض الموجب للكراهة : ( الحيوانات الجلاّلة ) : </p><p>69 - المقصود هنا بيان ما يكره أكله من الحيوان المباح الأصل بسببٍ عارضٍ اقتضى هذه الكراهة ، فإذا زال العارض زالت الكراهة . ولم يذكر الفقهاء من هذا النّوع سوى الحيوانات الجلاّلة .</p><p> فقال الكاسانيّ : إنّ الجلاّلة هي الإبل أو البقر أو الغنم الّتي أغلب أكلها النّجاسات فيكره أكلها ، لما روي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الإبل الجلاّلة » ، ولأنّها إذا كان الغالب من أكلها النّجاسات يتغيّر لحمها وينتن ، فيكره أكله كالطّعام المنتن . وروي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلاّلة أن تشرب ألبانها » . أيضاً ، وذلك لأنّ لحمها إذا تغيّر يتغيّر لبنها . وأمّا ما روي من النّهي عن ركوبها فمحمولٌ على أنّها أنتنت فيمتنع من استعمالها حتّى لا يتأذّى النّاس بنتنها . وقيل : لا يحلّ الانتفاع بها ، ولو لغير الأكل ، والأوّل هو الأصحّ ، لأنّ النّهي ليس لمعنًى يرجع إلى ذاتها ، بل لعارضٍ جاورها ، فكان الانتفاع بها حلالاً في ذاته ، ممنوعاً لغيره .</p><p>70 - وتزول الكراهية بحبسها عن أكل النّجاسة وعلفها بالعلف الطّاهر . وهل لحبسها تقديرٌ زمنيٌّ ، أو ليس له تقديرٌ ؟ روي عن محمّدٍ أنّه قال : كان أبو حنيفة لا يوقّت في حبسها ، وقال : تحبس حتّى تطيب ، وهو قول محمّدٍ وأبي يوسف أيضاً . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّها تحبس ثلاثة أيّامٍ ، وروى ابن رستم عن محمّدٍ في النّاقة والشّاة والبقرة الجلاّلات أنّها إنّما تكون جلاّلةً إذا أنتنت وتغيّرت ووجد منها ريحٌ منتنةٌ ، فهي الّتي لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها . هذا إذا كانت لا تخلط ولا تأكل إلاّ الجلّة أو العذرة غالباً ، فإن خلطت فليست جلاّلةً فلا تكره ، لأنّها لا تنتن .</p><p>71 - ولا يكره أكل الدّجاجة المخلاة وإن كانت تتناول النّجاسة ، لأنّها لا يغلب عليها أكلها ، بل تخلطها بالحبّ . وقيل : إنّما لا تكره ، لأنّها لا تنتن كما تنتن الإبل ، والحكم متعلّقٌ بالنّتن . ولهذا قالوا في الجدي إذا ارتضع بلبن خنزيرةٍ حتّى كبر : إنّه لا يكره أكله ، لأنّ لحمه لا يتغيّر ولا ينتن . وهذا يدلّ على أنّ العبرة للنّتن لا لتناول النّجاسة . والأفضل أن تحبس الدّجاجة المخلاة حتّى يذهب ما في بطنها من النّجاسة ، وذلك على سبيل التّنزّه . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّها تحبس ثلاثة أيّامٍ ، وكأنّه ذهب إلى ذلك ، لأنّ ما في جوفها من النّجاسة يزول في هذه المدّة غالباً . هذه خلاصة ما أفاده صاحب " البدائع " ويؤخذ من " الدّرّ المختار " وحاشية ابن عابدين عليه وتقرير الرّافعيّ أنّ كراهة الجلاّلة تنزيهيّةٌ لا تحريميّةٌ ، وأنّ صاحب " التّجنيس " اختار حبس الدّجاجة ثلاثة أيّامٍ ، والشّاة أربعةً ، والإبل والبقرة عشرةً ، وأنّ السّرخسيّ قال : الأصحّ عدم التّقدير وأنّها تحبس حتّى تزول الرّائحة المنتنة .</p><p>72 - ومذهب الشّافعيّة قريبٌ من الحنفيّة ، فقد قال الشّافعيّة : إذا ظهر تغيّرٌ في لحم الجلاّلة ، سواءٌ أكانت من الدّوابّ أم من الطّيور ، وسواءٌ أكان التّغيّر في الطّعم أم اللّون أم الرّيح ، ففيها وجهان لأصحاب الشّافعيّ ، أصحّهما عند الرّافعيّ الحرمة ، وعند النّوويّ الكراهة ، وهذا هو الرّاجح ، لأنّ النّهي في الحديث إنّما هو لتغيّر اللّحم فلا يقتضي التّحريم . ويلحق بالجلاّلة ولدها الّذي يوجد في بطنها بعد ذكاتها ، إذا وجد ميّتاً وظهر فيه التّغيّر ، وكذلك العنز الّتي ربّيت بلبن كلبةٍ أو خنزيرةٍ إذا تغيّر لحمها . فإن علفت الجلاّلة ، أو لم تعلف ، فطاب لحمها حلّ بلا كراهةٍ ، لزوال علّة الكراهة وهي التّغيّر . ولا تقدير لمدّة العلف . وتقديرها بأربعين يوماً في البعير ، وثلاثين في البقر ، وسبعةٍ في الشّاة ، وثلاثةٍ في الدّجاجة بناءً على الغالب . ولا يكفي الغسل أو الطّبخ للحكم بطيب اللّحم . وإذا حرم أو كره أكل الجلاّلة حرم أو كره سائر أجزائها كبيضها ولبنها ، ويكره ركوبها من غير حائلٍ ، لأنّ لعرقها حكم لبنها ولحمها .</p><p>73 - وروى الحنابلة عن الإمام أحمد قولين :</p><p>أوّلهما : أنّ الجلاّلة تحرم ، وهو المذهب ، وعليه الأصحاب .</p><p>الثّاني : أنّها تكره . ورووا عن أحمد فيما تزول به الكراهة روايتين :</p><p>( إحداهما ) أنّ الجلاّلة مطلقاً تحبس ثلاثة أيّامٍ .</p><p>( الثّانية ) أنّ الطّائر يحبس ثلاثةً ، والشّاة سبعةً ، وما عدا ذلك ( من الإبل والبقر ونحوهما في الكبر ) أربعين يوماً . وصرّح المالكيّة : بأنّ الطّيور والأنعام الجلاّلة مباحةٌ ، لكن قال ابن رشدٍ : إنّ مالكاً كره الجلاّلة . ودليل تحريم الجلاّلة عند من حرّمها ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلاّلة وألبانها » . ووجه حبسها ثلاثاً« أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً وأطعمها الطّاهرات ». ووجه حبس الإبل أربعين يوماً ما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلاّلة أن يؤكل لحمها ، ولا يشرب لبنها ، ولا يحمل عليها إلاّ الأدم . ولا يركبها النّاس حتّى تعلف أربعين ليلةً » .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40923, member: 329"] النّوع الثّالث : الحيوانات المفترسة : 24 - المراد بالحيوانات المفترسة : كلّ دابّةٍ لها نابٌ يفترس به ، سواءٌ أكانت أهليّةً كالكلب والسّنّور الأهليّ ، أم وحشيّةً كالأسد والذّئب والضّبع والنّمر والفهد والثّعلب والسّنّور الوحشيّ والسّنجاب والفنك والسّمّور والدّلق ( وهو أبو مقرضٍ ) والدّبّ والقرد وابن آوى والفيل . وحكمها : أنّها لا يحلّ شيءٌ منها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو قولٌ للمالكيّة ، غير أنّ الضّبع والثّعلب قال بحلّهما أبو يوسف ومحمّدٌ . 25 - واستدلّ الجمهور على تحريم هذا النّوع كلّه أو كراهته كراهةً تحريميّةً - بقطع النّظر عن الأمثلة - بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أكل كلّ ذي نابٍ من السّباع حرامٌ » . ومن استثنى الضّبع منهم استدلّ بأخبارٍ كثيرةٍ عن بعض الصّحابة ، منها ما ورد من حديث ابن أبي عمّارٍ قال : « سألت جابر بن عبد اللّه عن الضّبع أآكلها ؟ قال : نعم ، قلت : أصيدٌ هي ؟ قال : نعم ، قلت : أسمعت ذلك من نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم » . وروي أيضاً من حديث نافعٍ مولى ابن عمر ، قال : أخبر رجلٌ ابن عمر أنّ سعد بن أبي وقّاصٍ يأكل الضّباع ، قال نافعٌ : فلم ينكر ابن عمر ذلك . 26 - والقول المشهور للمالكيّة أنّه : يكره تنزيهاً أكل الحيوانات المفترسة سواءٌ أكانت أهليّةً كالسّنّور والكلب ، أم متوحّشةً كالذّئب والأسد . وللمالكيّة في القرد والنّسناس قولٌ بالإباحة ، وهو خلاف المشهور عندهم لكن صحّحه صاحب التّوضيح . 27 - لكنّ الشّافعيّة أباحوا بعض الأمثلة السّابق ذكرها : بالإضافة إلى الضّبع والثّعلب كالسّنجاب والفنك والسّمّور محتجّين بأنّ أنيابها ضعيفةٌ . وقالوا في السّنّور الوحشيّ ، والأهليّ ، وابن آوى ، والنّمس ، والدّلق : إنّها محرّمةٌ في الأصحّ ، وقيل في هذه الخمسة الأخيرة كلّها بالحلّ عندهم . 28 - أمّا الحنابلة فقد أباحوا من الأمثلة السّابقة الضّبع فقط . وقالوا : إنّ في الثّعلب والسّنّور الوحشيّ روايةً بالإباحة . 29 - وأمّا المالكيّة فقد استدلّوا بقول اللّه تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه ... } إلخ الآية فإنّ لحوم السّباع ليست ممّا تضمّنته الآية ، فتكون مباحةً ، وأمّا ما ورد من النّهي عن أكل كلّ ذي نابٍ فهو محمولٌ على الكراهة . النّوع الرّابع : كلّ وحشٍ ليس له نابٌ يفترس به وليس من الحشرات : 30 - وذلك كالظّباء ، وبقر الوحش ، وحمر الوحش ، وإبل الوحش . وهذا النّوع حلالٌ بإجماع المسلمين ، لأنّه من الطّيّبات . لكن قال المالكيّة : إذا تأنّس حمار الوحش صار حكمه حكم الحمار الأهليّ ، وحكم الأهليّ سيأتي( ر : ف 46 ) . فإن عاد إلى التّوحّش رجع مباحاً كما كان . النّوع الخامس : كلّ طائرٍ له مخلبٌ صائدٌ : 31 - وذلك كالبازي والباشق والصّقر والشّاهين والحدأة والعقاب ، وهذا النّوع - بقطع النّظر عن الأمثلة - مكروهٌ تحريماً عند الحنفيّة ، وحرامٌ في باقي المذاهب ، إلاّ عند المالكيّة فقد قالوا في المشهور عنهم : إنّ جميع هذه الطّيور مباحةٌ ولو كانت جلاّلةً ، وروي عن جماعةٍ منهم عدم جواز أكلها . ومال المازريّ لحمل النّهي على التّنزيه . 32 - ومن أدلّة تحريم هذا النّوع أو كراهته كراهةً تحريميّةً حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كلّ ذي نابٍ من السّباع ، وعن كلّ ذي مخلبٍ من الطّير » . والمراد مخلبٌ يصيد به ، إذ من المعلوم أنّه لا يسمّى ذا مخلبٍ عند العرب إلاّ الصّائد بمخلبه وحده . وأمّا الدّيك والعصافير والحمام وسائر ما لا يصيد بمخلبه فلا تسمّى ذوات مخالب في اللّغة ، لأنّ مخالبها للاستمساك والحفر بها ، وليست للصّيد والافتراس . واستدلّ المالكيّة بالحصر الّذي في قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ أو فسقاً أهّل لغير اللّه به } . النّوع السّادس : الطّائر الّذي لا يأكل إلاّ الجيف غالباً : 33 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على تحريم الغراب الأسود الكبير والغراب الأبقع ، إلاّ أنّ الحنفيّة عبّروا بالكراهة التّحريميّة . والمقصود واحدٌ ، وهو منع الشّارع الأكل ، ومعلومٌ أنّ دليل المنع ليس قطعيّاً ، وما كان كذلك يصحّ أن يعبّر عنه بالتّحريم وبالكراهة التّحريميّة . وكلا النّوعين لا يأكل غالباً إلاّ الجيف ، فهما مستخبثان عند ذوي الطّبائع السّليمة ، ويدخل في هذا النّوع النّسر ، لأنّه لا يأكل سوى اللّحم من جيفٍ وسواها ، وإن لم يكن ذا مخلبٍ صائدٍ . 34 - ويحلّ غراب الزّرع ، وهو نوعان : أحدهما : الزّاغ وهو غرابٌ أسود صغيرٌ ، وقد يكون محمرّ المنقار والرّجلين . وثانيهما : الغداف الصّغير ، وهو غرابٌ صغيرٌ لونه كلون الرّماد ، وكلاهما يأكل الزّرع والحبّ ولا يأكل الجيف . وبحلّهما أيضاً قال الشّافعيّة والحنابلة . 35 - وأمّا العقعق ، وهو غرابٌ نحو الحمامة حجماً ، طويل الذّنب فيه بياضٌ وسوادٌ ، فهو حرامٌ عند الجمهور ، حلالٌ عند أبي حنيفة ، مكروهٌ تحريماً عند أبي يوسف . والأصحّ عند الحنفيّة حلّه ، لأنّه يخلط فيأكل الجيف والحبّ ، فلا يكون مستخبثاً . 36 - وليست العبرة عند الحنفيّة بالأسماء ، ولا بالكبر والصّغر ، ولا بالألوان ، وإنّما العبرة بنوع غذائه : فالّذي لا يأكل إلاّ الجيف غالباً مكروهٌ تحريماً ، والّذي يخلط حلالٌ عند أبي حنيفة خلافاً لأبي يوسف ، والّذي لا يأكل الجيف حلالٌ اتّفاقاً ، هذا مذهب الحنفيّة . 37 - والمالكيّة أباحوا الغربان كلّها من غير كراهةٍ على المشهور . وروي عن جماعةٍ منهم عدم جواز آكلة الجيف . 38 - وحجّة القائلين بتحريم الغربان أو كراهتها التّحريميّة ( إلاّ ما استثني ) حديث عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمسٌ فواسق تقتلن في الحلّ والحرم : الحيّة ، والغراب الأبقع ، والفأرة ، والكلب العقور ، والحديّا » . وحديث عائشة رضي الله عنها أيضاً أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمسٌ من الدّوابّ كلّهنّ فاسقٌ ، يقتلن في الحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور » وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خمسٌ من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناحٌ : الغراب ، والحدأة ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور » . فالغراب الأبقع الّذي ذكر في الحديث أبيح قتله ، وكذا سائر الغربان الّتي يدلّ عليها عموم لفظ " الغراب " في الأحاديث الأخرى . وما أبيح قتله فلا ذكاة له ، لأنّ كلمة القتل متى أطلقت تنصرف إلى إزهاق الرّوح بأيّة وسيلةٍ استطاعها الإنسان ، فلو حلّ بالذّكاة لكان إزهاق روحه بغيرها إضاعةً للمال ، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال . وقد روى ابن أبي شيبة عن عروة رضي الله عنه أنّه قال : من يأكل الغراب وقد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاسقاً ؟ وروى عبد الرّزّاق عن الزّهريّ أنّه قال : كره رجالٌ من أهل العلم أكل الحداء والغراب حيث سمّاهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من فواسق الدّوابّ الّتي تقتل في الحرم . 39 - وحجّة المالكيّة أنّ إباحة القتل لا دلالة فيها على تحريم الأكل لقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ ... } الآية . ومعلومٌ أنّ الغراب ليس في الآية ، فيكون مباح الأكل . 40 - وحجّة من استثنى إباحة بعض الأنواع من الغربان أنّ الأحاديث الّتي ورد فيها وصف الغراب بالأبقع أشعرت أنّ الغراب المذكور هو المتّصف بصفةٍ توجب خبثه ، وقد لوحظ أنّ هذه الصّفة هي كونه لا يأكل إلاّ الجيفة غالباً ، فحملت الأحاديث المطلقة عليه ، ثمّ ألحق بالأبقع ما ماثله وهو الغداف الكبير . واختلفوا في العقعق تبعاً لاختلاف أنظارهم في كونه يكثر من أكل الجيفة أو لا يكثر . النّوع السّابع : كلّ طائرٍ ذي دمٍ سائلٍ ، وليس له مخلبٌ صائدٌ ، وليس أغلب أكله الجيف : 41 - وذلك كالدّجاج ، والبطّ ، والإوزّ ، والحمام مستأنساً ومتوحّشاً ، والفواخت ، والعصافير ، والقبج ، والكركيّ ، والخطّاف ، والبوم ، والدّبسيّ ، والصّلصل ، واللّقلق ، واللّحام ، والهدهد ، والصّرد ، والخفّاش ( الوطواط ) . فكلّ هذا مأكولٌ عند الحنفيّة . 42 - وقال المالكيّة بإباحة هذا النّوع كلّه ولو جلاّلةً في المشهور عنهم ، إلاّ الخفّاش فالمشهور عندهم فيه الكراهة ، وقيل بكراهة الهدهد والصّرد ، لما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّه صلى الله عليه وسلم « نهى عن قتل أربعٍ من الدّوابّ : النّملة ، والنّحلة ، والهدهد ، والصّرد » . وقيل بالكراهة في الخطّاف أيضاً ، وخصّ بعضهم الكراهة فيه بما يعشّش في البيوت احتراماً لمن عشّش عنده . 43 - واتّفق الشّافعيّة والحنابلة على التّفصيل التّالي في هذا النّوع ، فذكروا أنّه يحرم ما أمر الشّارع بقتله ، وما نهى عن قتله ، وما استخبث ، ويحلّ ما لم يكن كذلك . لكنّهم اختلفوا في التّطبيق : فالرّخمة والخفّاش واللّقلق والخطّاف والسّنونو تحرم عند الشّافعيّة والحنابلة . والبغاثة تحرم عند الشّافعيّة . والببّغاء والطّاووس يحرمان عند الشّافعيّة لخبث غذائهما ، ويحلاّن عند الحنابلة . والأخيل ، ويسمّى : الشّقراق يحرم عند الحنابلة لخبثه ، ويحلّ عند الشّافعيّة . وأبو زريقٍ ، ويسمّى : الدّرباب أو القيق ، نصّ الحنابلة على تحريمه لخبثه ، ومقتضى كلام الشّافعيّة أنّه يحلّ . والهدهد والصّرد يحرمان في المذاهب الثّلاثة للنّهي عن قتلهما . ويحرم العقعق عند الثّلاثة أيضاً ، لأنّه يأكل الجيف كالغراب الأبقع ، وقد سبق ذكره ( ر : ف 33 ) . والنّعامة ، والكركيّ ، والحبارى ، والدّجاج ، والبطّ ، والإوزّ ، والغرنيق ، وسائر طيور الماء - سوى اللّقلق - كلّها ممّا يؤكل على المذاهب الثّلاثة ، وكذا الحمام ، وهو اسمٌ لكلّ ما عبّ وهدر كالقمريّ ، والدّبسيّ ، واليمام ، والفواخت ، والقطا ، والحجل . وكذلك العصفور وكلّ ما على شكله ، كالعندليب المسمّى بالهزار ، والصّعوة ، والزّرزور ، حلالٌ في المذاهب الثّلاثة ، لأنّها معدودةٌ من الطّيّبات ، ( كما يقول الحنفيّة ، وإن كان هؤلاء يقولون بالكراهة التّنزيهيّة في بعضٍ منها على ما سبق بيانه ) . النّوع الثّامن : الخيل : 44 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قولٌ للمالكيّة إلى إباحة الخيل ، سواءٌ أكانت عراباً أم براذين . وحجّتهم حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما ، قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة ، وأذن في لحوم الخيل » . وحديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت : « نحرنا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه ونحن بالمدينة » . وذهب الحنفيّة في الرّاجح عندهم ، وهو قولٌ ثانٍ للمالكيّة ، إلى حلّ أكلها مع الكراهة التّنزيهيّة . وحجّتهم هي اختلاف الأحاديث المرويّة في الباب واختلاف السّلف ، فذهبوا إلى كراهة الخيل احتياطاً ، ولأنّ في أكلها تقليل آلة الجهاد . 45 - وبناءً على الكراهة التّنزيهيّة يقرّر الحنفيّة : أنّ سؤر الفرس ولبنها طاهران ، لأنّ كراهة أكل الخيل ليست لنجاستها ، بل لاحترامها ، لأنّها آلة الجهاد ، وفي توفيرها إرهاب العدوّ ، كما يقول اللّه تعالى : { وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ اللّه وعدوّكم } . وذهب أبو حنيفة في رواية الحسن بن زيادٍ عنه إلى الكراهة التّحريميّة ، ونحوه قولٌ للمالكيّة بالتّحريم ، وبه جزم خليلٌ في مختصره . وحجّتهم قول اللّه تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً } فالاقتصار على الرّكوب والزّينة يدلّ على أنّها ليست مأكولةً ، إذ لو كانت مأكولةً لقال : ومنها تأكلون ، كما قال قبل ذلك : { والأنعام خلقها ، لكم فيها دفءٌ ومنافع ، ومنها تأكلون } . وكذا الحديث المرويّ عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ، وكلّ ذي نابٍ من السّباع ، وكلّ ذي مخلبٍ من الطّير » . ولمّا كانت دلالة الآية والحديث على التّحريم غير قطعيّةٍ كان الحكم هو الكراهة التّحريميّة عند الحنفيّة . ولا مانع من تسميتها ( تحريماً ) بناءً على أنّ التّحريم هو المنع بالمعنى الشّامل لما كان دليله قطعيّاً أو ظنّيّاً . النّوع التّاسع : الحمار الأهليّ : 46 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة - وهو القول الرّاجح للمالكيّة - إلى حرمة أكله . ونحوه مذهب الحنفيّة حيث عبّروا بالكراهة التّحريميّة الّتي تقتضي المنع ، وسواءٌ أبقي على أهليّته أم توحّش . ومن أدلّة التّحريم أو الكراهة التّحريميّة : حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر منادياً فنادى : إنّ اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهليّة فإنّها رجسٌ ، فأكفئت القدور وإنّها لتفور باللّحم » . وحديث جابر بن عبد اللّه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة ، وأذن في لحوم الخيل » . وذكر ابن حزمٍ أنّه نقل تحريم الحمر الأهليّة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من طريق تسعةٍ من الصّحابة بأسانيد كالشّمس ، فهو نقل تواترٍ لا يسع أحداً خلافه . والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يؤكل مع الكراهة أي التّنزيهيّة . 47 - وقد نقل ابن قدامة : أنّ الإمام أحمد قال : إنّ خمسة عشر من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم كرهوا الحمر الأهليّة ، وأنّ ابن عبد البرّ قال : لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها ، وأنّ ابن عبّاسٍ وعائشة كانا يقولان بظاهر قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزيرٍ } . تلاها ابن عبّاسٍ وقال : ما خلاّ هذا فهو حلالٌ ، وأنّ عكرمة وأبا وائلٍ لم يريا بأكل الحمر بأساً . ونقل الكاسانيّ أنّ بشراً المريسيّ قال بإباحتها . وصفوة القول أنّ فيها ثلاثة مذاهب : الأوّل : التّحريم أو الكراهة التّحريميّة . والثّاني : الكراهة التّنزيهيّة . والثّالث : الإباحة . النّوع العاشر : الخنزير : 48 - الخنزير حرامٌ لحمه وشحمه وجميع أجزائه ، لقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً ، أو دماً مسفوحاً ، أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ ، أو فسقاً أهّل لغير اللّه به } . 49 - قال الألوسيّ : ( خصّ اللّحم بالذّكر مع أنّ بقيّة أجزائه أيضاً حرامٌ ، خلافاً للظّاهريّة ، لأنّه معظم سما يؤكل من الحيوان ، وسائر أجزائه كالتّابع له ، ثمّ بيّن الألوسيّ أنّه خصّ لحم الخنزير بالذّكر ، مع أنّ بقيّة أجزائه حرامٌ ، لإظهار حرمة ما استطابوه وفضّلوه على سائر اللّحوم واستعظموا وقوع تحريمه ) . 50 - والضّمير في قوله تعالى : { أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ } ، في لغة العرب الّتي نزل بها القرآن راجعٌ إلى أقرب مذكورٍ إليه وهو الخنزير نفسه ، فصحّ بالقرآن أنّ الخنزير بعينه رجسٌ ، فهو كلّه رجسٌ وبعض الرّجس رجسٌ ، والرّجس حرامٌ واجبٌ اجتنابه ، فالخنزير كلّه حرامٌ ، لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره . النّوع الحادي عشر : الحشرات : 51 - الحشرات قد تطلق لغةً على الهوامّ فقط ، وقد تطلق على صغار الدّوابّ كافّةً ممّا يطير أو لا يطير . والمراد هنا المعنى الثّاني الأعمّ . والحشرات تنقسم إلى قسمين : أ : ما له دمٌ سائلٌ ( ذاتيٌّ ) ومن أمثلته : الحيّة ، والفأرة ، والخلد ، والضّبّ ، واليربوع ، وابن عرسٍ ، والقنفذ . ب : ما ليس له دمٌ سائلٌ ( ذاتيٌّ ) ومن أمثلته : الوزغ ، والعقرب ، والعظاءة ، والحلزون البرّيّ ، والعنكبوت ، والقراد ، والخنفساء ، والنّمل ، والبرغوث ، والجراد ، والزّنبور ، والذّباب والبعوض . 52 - وهذا التّقسيم في الحشرات إلى ذوات دمٍ سائلٍ وغير سائلٍ لا تأثير له في كونها مأكولةً أو غير مأكولةٍ في موضوع الأطعمة هنا ، ولكنّ له تأثيراً في موضوعٍ آخر هو نجاستها وطهارتها ، فذات الدّم السّائل تنجس ميتتها . وتتنجّس بها المائعات القليلة ، بخلاف ما ليس لها دمٌ سائلٌ ، ولذلك جمع النّوعان في موضوع الأطعمة هنا لوحدة الحكم فيهما من حيث جواز الأكل أو عدمه . ولمّا كان لكلٍّ من الجراد والضّبّ والدّود حكمٌ خاصٌّ بكلٍّ منها حسن إفراد كلٍّ منها على حدةٍ . الجراد : 53 - أجمعت الأمّة على حلّ الجراد ، وقد ورد في حلّه الحديث القائل : « أحلّت لنا ميتتان ودمان ، فأمّا الميتتان : فالجراد والحوت ، وأمّا الدّمان : فالطّحال والكبد » . - وذهب الجمهور إلى أنّه لا حاجة إلى تذكية الجراد . وقال المالكيّة : لا بدّ من تذكيته بأن يفعل به ما يعجّل موته بتسميةٍ ونيّةٍ . وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ الشّافعيّة كرهوا ذبح الجراد وقطعه حيّاً . وصرّحوا بجواز قليه ميتاً دون إخراج ما في جوفه ، ولا يتنجّس به الدّهن . ويحرم عندهم قليه وشيّه حيّاً على الرّاجح لما فيهما من التّعذيب ، وقيل : يحلّ ذلك فيه كما يحلّ في السّمك ، ولكنّ هذا القول عندهم ضعيفٌ ، لأنّ حياة الجراد مستقرّةٌ ليست كحياة المذبوح ، بخلاف السّمك الّذي خرج من الماء ، فإنّ حياته كحياة المذبوح . وخالف الحنابلة في قليه وشيّه حيّاً ، فذهبوا إلى مثل القول الثّاني للشّافعيّة ، وهو إباحتهما ، وإن كان فيهما تعذيبٌ ، لأنّه تعذيبٌ للحاجة ، فإنّ حياته قد تطول فيشقّ انتظار موته . الضّبّ : 54 - اختلف الفقهاء في الضّبّ : فذهب الجمهور إلى إباحته ، واستدلّوا بالحديث المرويّ عن « عبد اللّه بن عبّاسٍ ، قال : دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة ، فأتي بضبٍّ محنوذٍ ، فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يده ، فقلت : أحرامٌ هو يا رسول اللّه ؟ قال : لا ، ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه . قال خالدٌ : فاجتررته فأكلته ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينظر » . وذهب أبو حنيفة إلى تحريمه ، واحتجّ بالحديث المرويّ عن « عبد الرّحمن ابن حسنة : أنّهم أصابتهم مجاعةٌ في إحدى الغزوات مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فوجد الصّحابة ضباباً فحرشوها وطبخوها ، فبينما كانت القدور ، تغلي بها علم بذلك الرّسول صلى الله عليه وسلم فأمرهم بإكفاء القدور فألقوا بها » . واعتبر الجمهور ما ورد في تحريمه منسوخاً ، لأنّ حديث الإباحة متأخّرٌ ، لأنّه حضره ابن عبّاسٍ وهو لم يجتمع بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ بالمدينة . وممّن كره الضّبّ من الصّحابة رضي الله عنهم عليّ بن أبي طالبٍ ، وجابر بن عبد اللّه ، ويحتمل أن تكون الكراهة عندهما تحريميّةً ، وهذا عندئذٍ يتّفق مع القول بالتّحريم ، ويحتمل أنّها تنزيهيّةٌ . وحجّة من قال بكراهته تنزيهاً تعارض أدلّة الإباحة والتّحريم ، فيكره تنزيهاً احتياطاً . الدّود : 55 - تناولت كتب الفقه تفصيلاتٍ عن الدّود إيجازها فيما يلي : قال الحنفيّة : إنّ دود الزّنبور ونحوه قبل أن تنفخ فيه الرّوح لا بأس بأكله ، لأنّه ليس بميتةٍ ، فإن نفخت فيه الرّوح لم يجز أكله . وعلى هذا لا يجوز أكل الجبن أو الخلّ أو الثّمار بدودها . وقال المالكيّة : إن مات الدّود ونحوه في طعامٍ وتميّز عن الطّعام أخرج منه وجوباً ، فلا يؤكل معه ، ولا يطرح الطّعام بعد إخراجه منه ، لأنّ ميتته طاهرةٌ . وإن لم يتميّز بأن اختلط بالطّعام وتهرّى طرح الطّعام ، لعدم إباحة نحو الدّود الميّت به وإن كان طاهراً ، فيلقى لكلبٍ أو هرٍّ أو دابّةٍ ، إلاّ إذا كان الدّود غير المتميّز قليلاً . وإن لم يمت في الطّعام جاز أكله معه . هذا كلّه إن لم يكن الدّود ونحوه تولّد في الطّعام ( أي عاش وتربّى فيه ) ، سواءٌ أكان فاكهةً أم حبوباً أم تمراً ، فإن كان كذلك جاز أكله معه عندهم ، قلّ أو كثر ، مات فيه أو لا ، تميّز أو لم يتميّز . ومعنى ذلك أنّهم يلحظون فيه حينئذٍ معنى التّبعيّة . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يحلّ أكل الدّود المتولّد في طعامٍ كخلٍّ وفاكهةٍ بثلاث شرائط : الأولى : - أن يؤكل مع الطّعام ، حيّاً كان أو ميّتاً ، فإن أكل منفرداً لم يحلّ . الثّانية : - ألاّ ينقل منفرداً ، فإن نقل منفرداً لم يجز أكله . وهاتان الشّريطتان منظورٌ فيهما أيضاً إلى معنى التّبعيّة . الثّالثة : - ألاّ يغيّر طعم الطّعام أو لونه أو ريحه إن كان مائعاً ، فإن غيّر شيئاً من ذلك لم يجز أكله ولا شربه ، لنجاسته حينئذٍ . ويقاس على الدّود السّوس المتولّد في نحو التّمر والباقلاء إذا طبخا ، فإنّه يحلّ أكله ما لم يغيّر الماء . وكذا النّمل إذا وقع في العسل ونحوه فطبخ . وقال أحمد في الباقلاء المدوّد : تجنّبه أحبّ إليّ ، وإن لم يتقذّر فأرجو . وقال عن تفتيش التّمر المدوّد : لا بأس به . وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه أتي بتمرٍ عتيقٍ فجعل يفتّشه يخرج السّوس منه » . قال ابن قدامة : وهو أحسن . بقيّة الحشرات : 56 - للفقهاء في حكم بقيّة الحشرات ، ما عدا الجراد والضّبّ ، والدّود ثلاثة آراءٍ : الأوّل : - حرمة أصناف الحشرات كلّها ، لأنّها تعدّ من الخبائث لنفور الطّبائع السّليمة منها . وإلى هذا ذهب الحنفيّة . الثّاني : - حلّ أصنافها كلّها لمن لا تضرّه . وإليه ذهب المالكيّة ، لكنّهم اشترطوا في الحلّ تذكيتها : فإن كانت ممّا ليس له دمٌ سائلٌ ذكّيت كما يذكّى الجراد ، وسيأتي بيان ذلك . وإن كانت ممّا له دمٌ سائلٌ ذكّيت بقطع الحلقوم والودجين من أمام العنق بنيّةٍ وتسميةٍ . وقال المالكيّة في الفأر إذا علم وصوله إلى النّجاسة : إنّه مكروهٌ ، وإن لم يعلم وصوله إليها فهو مباحٌ . الثّالث : - التّفصيل بتحريم بعض أصنافها دون بعضٍ : فالشّافعيّة : قالوا بإباحة الوبر ، وأمّ حبينٍ ، واليربوع ، وابن عرسٍ ، والقنفذ . أمّا أمّ حبينٍ فلشبهها بالضّبّ ، وأمّا البقيّة فلأنّها غير مستخبثةٍ . والحنابلة خالفوا الشّافعيّة في القنفذ وابن عرسٍ ، فقالوا بحرمتهما ، ولهم روايتان في الوبر واليربوع أصحّهما الإباحة . النّوع الثّاني عشر : المتولّدات ، ومنها : البغال : 57 - يقصد بالمتولّدات ما تولّد بين نوعين من الحيوان . وهو ثلاثة أصنافٍ : الصّنف الأوّل : ما تولّد بين نوعين حلالين . وهو حلالٌ بلا خلافٍ . الصّنف الثّاني : ما تولّد بين نوعين محرّمين أو مكروهين تحريماً . وهو محرّمٌ أو مكروهٌ تحريماً بلا خلافٍ . الصّنف الثّالث : ما تولّد بين نوعين أحدهما محرّمٌ أو مكروهٌ تحريماً ، والثّاني حلالٌ مع الإباحة أو مع الكراهة التّنزيهيّة . ومن أمثلة هذا الصّنف : البغال . وفي حكمها تفصيلٌ : 58 - قال الشّافعيّة والحنابلة : إنّ البغل وغيره من المتولّدات يتبع أخسّ الأصلين . وصرّح الشّافعيّة بأنّ هذه التّبيعة إنّما هي عند العلم بالتّولّد بين النّوعين . وعلى هذا لو ولدت الشّاة كلبةً دون أن يعلم أنّها نزا عليها كلبٌ فإنّها تحلّ ، لعدم اليقين بتولّدها من كلبٍ ، لأنّه قد تقع الخلقة على خلاف صورة الأصل ، وإن كان الورع تركها . وحجّتهم في قولهم يتبع أخسّ الأصلين ، أنّه متولّدٌ منهما فيجتمع فيه حلٌّ وحرمةٌ ، فيغلّب جانب الحرمة احتياطاً . ومن القواعد الفقهيّة أنّه إذا تعارض المانع والمقتضي ، أو الحاظر والمبيح ، غلّب جانب المانع الحاظر احتياطاً . 59 - وعند الحنفيّة البغال تابعةٌ للأمّ ، فالبغل الّذي أمّه أتانٌ ( حمارةٌ ) يكره أكل لحمه تحريماً تبعاً لأمّه ، والّذي أمّه فرسٌ يجري فيه الخلاف الّذي فيه الخيل : فيكون مكروهاً عند أبي حنيفة ، ومباحاً عند الصّاحبين . فلو فرض تولّده بين حمارٍ وبقرةٍ ، أو بين حصانٍ وبقرةٍ فهو مباحٌ عند جميع الحنفيّة بلا خلافٍ في المذهب ، تبعاً لأمّه كما تقدّم . وما يقال في البغال يقال في كلّ متولّدٍ بين نوعين من الحيوان ، فالتّبعيّة للأمّ هي القاعدة عند الحنفيّة . ويعرف من الدّرّ المختار وحاشيته لابن عابدين أنّ العبرة للأمّ ولو ولدت المأكولة ما صورته صورة غير المأكول ، كما لو ولدت الشّاة ذئباً فإنّه يحلّ . 60 - والمالكيّة أيضاً يقولون بقاعدة التّبعيّة للأمّ في الحكم مع بعض اختلافٍ . فهم يقيّدون ذلك بألاّ يأتي المتولّد بين نوعين على صورة المحرّم ، فإنّه عندئذٍ يحرم ، وإن كانت الأمّ مباحةً ، كما لو ولدت الشّاة خنزيراً . وكذلك لا يجوّزون أكل مباحٍ ولدته محرّمةٌ ، كشاةٍ من أتانٍ ( وفقاً للقاعدة ) ولا عكسه أيضاً ، كأتانٍ من شاةٍ ( على خلاف القاعدة ) ولكنّ هذا الولد الّذي ولدته المحرّمة على صورة المباح إذا نسل يؤكل نسله عندهم حيث كان على صورة المباح ، لبعده عن أمّه المحرّمة . وقد ذكروا في البغل قولين : أحدهما : التّحريم ، وهو المشهور . وثانيهما : الكراهة دون تفريقٍ أيضاً بين كون أمّه فرساً أو أتاناً ، اعتماداً على أدلّةٍ أخرى في خصوص البغل غير قاعدة التّولّد . 61 - وحجّة من قال : إنّ البغل يتبع أمّه أنّه قبل خروجه منها هو جزءٌ منها ، فيكون حكمه حكمها : حلاًّ ، وحرمةً ، وكراهةً ، فيبقى هذا الحكم بعد خروجه استصحاباً . وحجّة من أطلق التّحريم أو الكراهة التّحريميّة . من الكتاب قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها ، وزينةً } . فقد بيّنت الآية مزاياها أنّها ركائب وزينةٌ ، وسكتت عن الأكل في مقام الامتنان فيدلّ على أنّها غير مأكولةٍ . ومن السّنّة حديث جابر بن عبد اللّه قال : « حرّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - يعني يوم خيبر - لحوم الحمر الإنسيّة ولحوم البغال ، وكلّ ذي نابٍ من السّباع ، وكلّ ذي مخلبٍ من الطّير » . وحديث خالد بن الوليد : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر والخيل والبغال » . وحجّة من أطلق القول بالكراهة التّنزيهيّة هي الجمع بين دلالة الآيات والأحاديث السّابقة ، وبين قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً ... } فقالوا : إنّها ليست محرّمةٌ ، عملاً بهذه الآية الأخيرة ، وليست واضحة الإباحة للخلاف في دلالة الآية الأولى والأحاديث ، فيخرج من ذلك أنّها مكروهةٌ كراهةً تنزيهيّةً . وحجّة من قال بالإباحة : أنّ اللّه تعالى قال : { يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً } . وقال أيضاً : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } ولم يذكر فيما فصّل تحريم البغل ، فهو حلالٌ . والقول بأنّه متولّدٌ من الحمار فيكون مثله قولٌ لا يصحّ ، لأنّه منذ نفخت فيه الرّوح هو مغايرٌ للحمار ، وليس جزءاً منه . النّوع الثّالث عشر : كلّ حيوانٍ لم يعرفه العرب في أمصارهم : 62 - المراد بهذا النّوع ما كان غير معروفٍ من قبل عند العرب أهل اللّغة الّتي نزل بها القرآن في أمصارهم وأشبه ما استطابوه أو استخبثوه . فما كان مشبّهاً لما استطابوه فهو حلالٌ أكله . وما كان مشبّهاً لما استخبثوه فهو حرامٌ أو مكروهٌ تحريماً ، لقوله تعالى : { يسألونك ماذا أحلّ لهم ؟ قل : أحلّ لكم الطّيّبات } أي ما استطبتموه أنتم ، لأنّه هم السّائلون الّذين وجّه إليهم الجواب . ولقوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } أي ما استخبثوه ، فالّذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم إنّما هم أهل الحجاز ، لأنّ الكتاب نزل عليهم وخوطبوا به أوّلاً . والمعتبر منهم أهل الأمصار لا أهل البوادي ، لأنّ هؤلاء يأكلون للضّرورة ما يجدون مهما كان . فما لم يكن من الحيوان في أمصار الحجاز يردّ إلى أقرب ما يشبهه في بلادهم . فإن أشبه ما استطابوه حلّ ، وإن أشبه ما استخبثوه حرم . وإن لم يشبه شيئاً ممّا عندهم حلّ ، لدخوله تحت قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً ... } الآية . هذا مذهب الحنفيّة . وصرّح بنحوه الشّافعيّة والحنابلة مع اختلافاتٍ يسيرةٍ تعلم بمراجعة كتبهم . 63 - والمالكيّة يحلّون كلّ ما لا نصّ على تحريمه . فالمالكيّة لا يعتبرون استطابة العرب من أهل الحجاز ولا استخباثهم ولا المشابهة أساساً في تفسير الطّيّبات . وممّا يستدلّ به على ذلك مجموع الآيات الثّلاث التّالية ، هي قوله تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعاً } ، وقوله : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ .. } الآية ، وقوله : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم } فمنها يعرف أنّ المحرّم هو ما استثناه النّصّ من عموم الآية الأولى ، فيبقى ما سواه داخلاً في عمومها المبيح . ما يحرم أو يكره من الحيوان المأكول لسببٍ عارضٍ : 64 - هناك حالاتٌ عارضةٌ تجعل بعض أنواعٍ من الحيوان المأكول حراماً أو مكروهاً أكلها شرعاً ، ولو ذكّيت التّذكية المقبولة شرعاً . فإذا زالت أسباب الحرمة أو الكراهة العارضة عاد الحيوان حلالاً دون حرجٍ . هذه الأسباب العارضة منها ما يتّصل بالإنسان ، ومنها ما يتّصل بالحيوان نفسه ، ومنها ما يتّصل بهما معاً . وفيما يلي بيان ذلك : أسباب التّحريم العارضة : أ - الإحرام بالحجّ أو العمرة : 65 - هذا سببٌ يقوم بالإنسان ، فحالة الإحرام بالحجّ أو بالعمرة تجعل من المحظور على المحرم صيد حيوان الصّيد البرّيّ ، ما دام الشّخص محرماً لم يتحلّل من إحرامه . فإذا قتل حيواناً من هذا النّوع صيداً ، أو أمسكه فذبحه ، كان كالميتة حرام اللّحم على قاتله المحرم نفسه وعلى غيره ، سواءٌ اصطاده في الحرم المكّيّ أو خارجه ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ... } الآية . 66 - والمراد بحيوان الصّيد البرّيّ الحيوان المتوحّش الممتنع ، أي غير الآهل كالظّباء والحمام . أمّا الآهل كالدّواجن من الطّيور ، والأنعام من الدّوابّ فهو حلالٌ للمحرم وغيره . وكذلك الحيوان المائيّ حلالٌ مطلقاً ، لقوله تعالى : { أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسّيّارة ، وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً } . وهذا محلّ اتّفاقٍ بين جميع المذاهب . ب - وجود حيوان الصّيد في نطاق الحرم المكّيّ : 67 - ويشمل مكّة المكرّمة والأرض المحيطة بها إلى الحدود المقرّرة في أحكام الحجّ ، والمعروفة بحدود الحرم . وهذا سببٌ يتّصل بالحيوان نفسه ، وهو كونه في حماية الحرم الآمن . فكلّ حيوانٍ من حيوان الصّيد البرّيّ المأكول يقطن في نطاق الحرم ، أو يدخل فيه دون أن يجري عليه امتلاكٌ سابقٌ ، فإنّه إذا قتل أو ذبح أو عقر كان لحمه حراماً كالميتة ، ولو كان قاتله غير محرمٍ ، وذلك لحرمة المكان الثّابتة بقوله تعالى : { ومن دخله كان آمناً } ، وبما ثبت من حديث ابن عبّاسٍ قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة : إنّ هذا البلد حرامٌ لا يعضد شوكه ، ولا يختلى خلاه ، ولا ينفّر صيده » . هذا مذهب الجمهور . 68 - وهناك اجتهاداتٌ ترى جريان هذا التّحريم أيضاً في حيوان الحرم المدنيّ ، وهو مدينة الرّسول صلى الله عليه وسلم والأرض المحيطة بها إلى الحدود المقرّرة لها في النّصوص ، وفيه حديث عليٍّ مرفوعاً : « المدينة حرمٌ ما بين عيرٍ إلى ثورٍ ، لا يختلى خلاها ولا ينفّر صيدها » وهذا أحد قولين عند الشّافعيّة . وتفصيل ذلك حكماً ودليلاً وبيان حدود الحرمين يرى في محلّه من موضوع الحجّ وموضوع الصّيد . وهناك في صيد الحرم وصيد المحرم من يرى أنّه إنّما يحرم ، ويعتبر كالميتة على صائده فقط عقوبةً له . ولكنّه يكون لحماً حلالاً في ذاته ، فيجوز لغير صائده أن يأكل منه . وهو قولٌ مرجوحٌ عند الشّافعيّة . ويرى قومٌ تحريم صيد المحرم في أرض الحلّ على صائده فقط ، ويرى آخرون تحريمه عليه وعلى سواه من المحرمين دون المحلّين . السّبب العارض الموجب للكراهة : ( الحيوانات الجلاّلة ) : 69 - المقصود هنا بيان ما يكره أكله من الحيوان المباح الأصل بسببٍ عارضٍ اقتضى هذه الكراهة ، فإذا زال العارض زالت الكراهة . ولم يذكر الفقهاء من هذا النّوع سوى الحيوانات الجلاّلة . فقال الكاسانيّ : إنّ الجلاّلة هي الإبل أو البقر أو الغنم الّتي أغلب أكلها النّجاسات فيكره أكلها ، لما روي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الإبل الجلاّلة » ، ولأنّها إذا كان الغالب من أكلها النّجاسات يتغيّر لحمها وينتن ، فيكره أكله كالطّعام المنتن . وروي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلاّلة أن تشرب ألبانها » . أيضاً ، وذلك لأنّ لحمها إذا تغيّر يتغيّر لبنها . وأمّا ما روي من النّهي عن ركوبها فمحمولٌ على أنّها أنتنت فيمتنع من استعمالها حتّى لا يتأذّى النّاس بنتنها . وقيل : لا يحلّ الانتفاع بها ، ولو لغير الأكل ، والأوّل هو الأصحّ ، لأنّ النّهي ليس لمعنًى يرجع إلى ذاتها ، بل لعارضٍ جاورها ، فكان الانتفاع بها حلالاً في ذاته ، ممنوعاً لغيره . 70 - وتزول الكراهية بحبسها عن أكل النّجاسة وعلفها بالعلف الطّاهر . وهل لحبسها تقديرٌ زمنيٌّ ، أو ليس له تقديرٌ ؟ روي عن محمّدٍ أنّه قال : كان أبو حنيفة لا يوقّت في حبسها ، وقال : تحبس حتّى تطيب ، وهو قول محمّدٍ وأبي يوسف أيضاً . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّها تحبس ثلاثة أيّامٍ ، وروى ابن رستم عن محمّدٍ في النّاقة والشّاة والبقرة الجلاّلات أنّها إنّما تكون جلاّلةً إذا أنتنت وتغيّرت ووجد منها ريحٌ منتنةٌ ، فهي الّتي لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها . هذا إذا كانت لا تخلط ولا تأكل إلاّ الجلّة أو العذرة غالباً ، فإن خلطت فليست جلاّلةً فلا تكره ، لأنّها لا تنتن . 71 - ولا يكره أكل الدّجاجة المخلاة وإن كانت تتناول النّجاسة ، لأنّها لا يغلب عليها أكلها ، بل تخلطها بالحبّ . وقيل : إنّما لا تكره ، لأنّها لا تنتن كما تنتن الإبل ، والحكم متعلّقٌ بالنّتن . ولهذا قالوا في الجدي إذا ارتضع بلبن خنزيرةٍ حتّى كبر : إنّه لا يكره أكله ، لأنّ لحمه لا يتغيّر ولا ينتن . وهذا يدلّ على أنّ العبرة للنّتن لا لتناول النّجاسة . والأفضل أن تحبس الدّجاجة المخلاة حتّى يذهب ما في بطنها من النّجاسة ، وذلك على سبيل التّنزّه . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّها تحبس ثلاثة أيّامٍ ، وكأنّه ذهب إلى ذلك ، لأنّ ما في جوفها من النّجاسة يزول في هذه المدّة غالباً . هذه خلاصة ما أفاده صاحب " البدائع " ويؤخذ من " الدّرّ المختار " وحاشية ابن عابدين عليه وتقرير الرّافعيّ أنّ كراهة الجلاّلة تنزيهيّةٌ لا تحريميّةٌ ، وأنّ صاحب " التّجنيس " اختار حبس الدّجاجة ثلاثة أيّامٍ ، والشّاة أربعةً ، والإبل والبقرة عشرةً ، وأنّ السّرخسيّ قال : الأصحّ عدم التّقدير وأنّها تحبس حتّى تزول الرّائحة المنتنة . 72 - ومذهب الشّافعيّة قريبٌ من الحنفيّة ، فقد قال الشّافعيّة : إذا ظهر تغيّرٌ في لحم الجلاّلة ، سواءٌ أكانت من الدّوابّ أم من الطّيور ، وسواءٌ أكان التّغيّر في الطّعم أم اللّون أم الرّيح ، ففيها وجهان لأصحاب الشّافعيّ ، أصحّهما عند الرّافعيّ الحرمة ، وعند النّوويّ الكراهة ، وهذا هو الرّاجح ، لأنّ النّهي في الحديث إنّما هو لتغيّر اللّحم فلا يقتضي التّحريم . ويلحق بالجلاّلة ولدها الّذي يوجد في بطنها بعد ذكاتها ، إذا وجد ميّتاً وظهر فيه التّغيّر ، وكذلك العنز الّتي ربّيت بلبن كلبةٍ أو خنزيرةٍ إذا تغيّر لحمها . فإن علفت الجلاّلة ، أو لم تعلف ، فطاب لحمها حلّ بلا كراهةٍ ، لزوال علّة الكراهة وهي التّغيّر . ولا تقدير لمدّة العلف . وتقديرها بأربعين يوماً في البعير ، وثلاثين في البقر ، وسبعةٍ في الشّاة ، وثلاثةٍ في الدّجاجة بناءً على الغالب . ولا يكفي الغسل أو الطّبخ للحكم بطيب اللّحم . وإذا حرم أو كره أكل الجلاّلة حرم أو كره سائر أجزائها كبيضها ولبنها ، ويكره ركوبها من غير حائلٍ ، لأنّ لعرقها حكم لبنها ولحمها . 73 - وروى الحنابلة عن الإمام أحمد قولين : أوّلهما : أنّ الجلاّلة تحرم ، وهو المذهب ، وعليه الأصحاب . الثّاني : أنّها تكره . ورووا عن أحمد فيما تزول به الكراهة روايتين : ( إحداهما ) أنّ الجلاّلة مطلقاً تحبس ثلاثة أيّامٍ . ( الثّانية ) أنّ الطّائر يحبس ثلاثةً ، والشّاة سبعةً ، وما عدا ذلك ( من الإبل والبقر ونحوهما في الكبر ) أربعين يوماً . وصرّح المالكيّة : بأنّ الطّيور والأنعام الجلاّلة مباحةٌ ، لكن قال ابن رشدٍ : إنّ مالكاً كره الجلاّلة . ودليل تحريم الجلاّلة عند من حرّمها ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلاّلة وألبانها » . ووجه حبسها ثلاثاً« أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً وأطعمها الطّاهرات ». ووجه حبس الإبل أربعين يوماً ما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلاّلة أن يؤكل لحمها ، ولا يشرب لبنها ، ولا يحمل عليها إلاّ الأدم . ولا يركبها النّاس حتّى تعلف أربعين ليلةً » . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية