الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 40924" data-attributes="member: 329"><p>أجزاء الحيوان وما انفصل منه :</p><p> حكم العضو المبان : </p><p>74 - إنّ العضو الّذي يبان من الحيوان ، أي يفصل منه ، يختلف الحكم الشّرعيّ في حلّ أكله وحرمته بحسب الأحوال . وتفصيل ذلك كما يلي : </p><p>أ - العضو المبان من حيوانٍ حيٍّ :</p><p> يعتبر كميتة هذا الحيوان في حلّ الأكل وحرمته ، فالمبان من السّمك الحيّ أو الجراد الحيّ يؤكل عند الجمهور ، لأنّ ميتتهما تؤكل . والمالكيّة يقولون في الجراد : إن كانت الإبانة خاليةً عن نيّة التّذكية ، أو خاليةً عن التّسمية عمداً لم يؤكل المبان ، وإن كانت مصحوبةً بالنّيّة والتّسمية أكل المبان إن كان هو الرّأس ، ولا يؤكل إن كان جناحاً أو يداً أو نحوهما . والمبان من سائر الحيوانات البرّيّة ذات الدّم السّائل لا يؤكل ، سواءٌ أكان أصله مأكولاً كالأنعام ، أم غير مأكولٍ كالخنزير ، فإنّ ميتة كلٍّ منهما لا تؤكل بلا خلافٍ ، فكذلك ما أبين منه حيّاً ، فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما قطع من البهيمة وهي حيّةٌ فهو ميتةٌ » .</p><p>ب - العضو المبان من الميتة :</p><p> حكمه حكم سائر الميتة في الأكل وعدمه بلا خلافٍ .</p><p>ج - العضو المبان من المذكّى المأكول في أثناء تذكيته قبل تمامها :</p><p> حكمه حكم المبان من الحيّ . فلو قطع إنسانٌ حلقوم الشّاة وبعض مريئها للتّذكية ، فقطع إنسانٌ آخر يدها أو أليتها ، فالمقطوع نجسٌ حرام الأكل ، كالمقطوع من الحيّ ، وهذا لا خلاف فيه أيضاً .</p><p>د - العضو المبان من المذكّى المأكول بعد تمام تذكيته وقبل زهوق روحه :</p><p> يحلّ أكله عند الجمهور ، لأنّ حكمه حكم المذكّى ، لأنّ بقاء رمقٍ من الحياة هو رمقٌ في طريق الزّوال العاجل ، فحكمه حكم الموت .</p><p>هـ -العضو المبان من المصيد بآلة الصّيد :</p><p> إمّا أن يبقى المصيد بعد إبانته حيّاً حياةً مستقرّةً ، وإمّا أن تصير حياته حياة مذبوحٍ :</p><p> ففي الحالة الأولى : يكون عضواً مباناً من حيوانٍ حيٍّ ، فيكون كميتته .</p><p> وفي الحالة الثّانية : يكون عضواً مباناً بالتّذكية ، ويختلف النّظر إليه ، لأنّ له صفتين شبه متعارضتين :</p><p> الصّفة الأولى : أنّه عضوٌ أبين قبل تمام التّذكية فيكون حكمه حكم المبان من الحيّ فلا يحلّ .</p><p> والصّفة الثّانية : أنّ التّذكية سببٌ في حلّ المذكّى ، وكلٌّ من المبان والمبان منه مذكًّى ، لأنّ التّذكية بالصّيد هي تذكيةٌ للمصيد كلّه لا لبعضه ، فيحلّ العضو كما يحلّ الباقي .</p><p> ولهذا كان في المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ( ر : صيدٌ ) .</p><p>حكم أجزاء الحيوان المذكّى : </p><p>75 - لا شكّ أنّ التّذكية حينما تقع على الحيوان المأكول تقتضي إباحة أكله في الجملة ، وقد يكون لبعض الأجزاء حكمٌ خاصٌّ : فالدّم المسفوح مثلاً ، حرامٌ بالإجماع ، وهو ما سال من الذّبيحة ، وما بقي بمكان الذّبح ، وما تسرّب إلى داخل الحيوان من الحلقوم والمريء . وأمّا ما بقي في العروق واللّحم والكبد والطّحال والقلب فإنّه حلال الأكل ، حتّى إنّه لو طبخ اللّحم فظهرت الحمرة في المرق لم ينجس ولم يحرم . وقد ذكر الحنفيّة وغيرهم أشياء تكره أو تحرم من الذّبيحة . وفيما يلي تفصيل ما قالوه وما قاله غيرهم في ذلك : </p><p>76 - قال الحنفيّة : يحرم من أجزاء الحيوان سبعةٌ : الدّم المسفوح ، والذّكر ، والأنثيان ، والقبل ( أي فرج الأنثى وهو المسمّى بالحيا ) ، والغدّة ، والمثانة ( وهي مجمع البول ) ، والمرارة ( وهي وعاء المرّة الصّفراء ، وتكون ملصقةً بالكبد ) .</p><p> وهذه الحرمة في نظرهم لقوله عزّ شأنه : { ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث } ، وهذه السّبعة ممّا تستخبثه الطّباع السّليمة فكانت محرّمةً ، وقد دلّت السّنّة على خبثها ، لما روى الأوزاعيّ عن واصل بن أبي جميلة عن مجاهدٍ أنّه قال : « كره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الشّاة : الذّكر ، والأنثيين ، والقبل ، والغدّة ، والمرارة ، والمثانة ، والدّم » . والمراد كراهة التّحريم قطعاً ، بدليل أنّه جمع بين الأشياء السّتّة وبين الدّم في الكراهة ، والدّم المسفوح محرّمٌ بنصّ القرآن .</p><p>77 - والمرويّ عن أبي حنيفة أنّه قال : الدّم حرامٌ ، وأكره السّتّة . فأطلق وصف الحرام على الدّم المسفوح ، وسمّى ما سواه مكروهاً ، لأنّ الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليلٍ مقطوعٍ به ، وحرمة الدّم المسفوح قد ثبتت بدليلٍ مقطوعٍ به ، وهو قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً ... } الآية ، وانعقد الإجماع أيضاً على حرمته . فأمّا حرمة ما سواه من الأجزاء فلم تثبت بدليلٍ مقطوعٍ به بل بالاجتهاد ، أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتّأويل ، وهو قوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } ، أو بالحديث السّابق ذكره . لذلك فصّل أبو حنيفة بينهما في الوصف فسمّى الدّم حراماً ، والباقي مكروهاً . وقيل : إنّ الكراهة في الأجزاء السّتّة تنزيهيّةٌ ، لكنّ الأوجه كما في " الدّرّ المختار " أنّها تحريميّةٌ .</p><p>78 - هذا ، والدّم المسفوح متّفقٌ على تحريمه كما مرّ .</p><p> وروى ابن حبيبٍ من المالكيّة استثقال أكل عشرةٍ - دون تحريمٍ - الأنثيان والعسيب والغدّة والطّحال والعروق والمرارة والكليتان والمثانة وأذنا القلب .</p><p>79 - والحنابلة قالوا بكراهة أكل الغدّة وأذن القلب . أمّا الغدّة «فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كره أكلها »، روى ذلك عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه . وأمّا أذن القلب« فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلها »، نقل ذلك أبو طالبٍ الحنبليّ .</p><p>حكم ما انفصل من الحيوان :</p><p>80 - من المقرّر في موضوع " النّجاسة " أنّ المائعات المنفصلة من الحيوان ، والفضلات ، والبيض ، والجنين ، تارةً تكون نجسةً ، وتارةً تكون طاهرةً ، فما كان نجساً منها في مذهبٍ من المذاهب فهو غير مأكولٍ في ذلك المذهب ، وما كان طاهراً فتارةً يكون مأكولاً ، وتارةً يكون غير مأكولٍ ، إذ لا يلزم من الطّهارة حلّ الأكل ، فإنّ الطّاهر قد يكون مضرّاً أو مستقذراً فلا يحلّ أكله .</p><p> ويكفينا هنا أن نضرب أمثلةً لما يكثر السّؤال عنه</p><p> : أوّلاً - البيض : </p><p>81 - إن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ في حال حياته ، أو بعد تذكيته شرعاً ، أو بعد موته ، وهو ممّا لا يحتاج إلى التّذكية كالسّمك ، فبيضه مأكولٌ إجماعاً ، إلاّ إذا فسد .</p><p> وفسّر المالكيّة البيض الفاسد بأنّه ما فسد بعد انفصاله بعفنٍ ، أو صار دماً ، أو صار مضغةً ، أو فرخاً ميّتاً . وفسّره الشّافعيّة بأنّه الّذي تغيّر بحيث أصبح غير صالحٍ للتّخلّق ، فلا يضرّ عندهم صيرورته دماً ، إذا قال أهل الخبرة : إنّه صالحٌ للتّخلّق .</p><p>82 - وإن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ بعد موته دون تذكيةٍ شرعيّةٍ ، وهو ممّا يحتاج إلى الذّكاة ، كالدّجاج ، فعند أبي حنيفة : يؤكل سواءٌ أتصلّبت قشرته أم لا .</p><p> وقال المالكيّة : لا يؤكل . وقال الشّافعيّة : يؤكل ما تصلّبت قشرته فقط . وحكى الزّيلعيّ عن أبي يوسف ومحمّدٍ أنّه يكون نجساً إن كان مائعاً ، فلا يؤكل عندهما إلاّ إذا كان جامداً .</p><p>83 - وإن خرج البيض من حيوانٍ غير مأكولٍ فمقتضى مذهب الحنفيّة أنّه إن كان من ذوات الدّم السّائل ، كالغراب الأبقع ، فبيضه نجسٌ تبعاً للحمه ، فلا يكون مأكولاً . وإن لم يكن من ذوات الدّم السّائل كالزّنبور فبيضه طاهرٌ تبعاً للحمه ، ومأكولٌ لأنّه ليس بميتةٍ . والمالكيّة يحلّ عندهم كلّ البيض الخارج من الحيّ أو المذكّى ، لأنّ الحيوانات الّتي تبيض لا تنقسم عندهم إلى مأكولٍ وغير مأكولٍ ، بل كلّها مباح الأكل ، إلاّ ما لا يؤمن سمّه كالوزغ ، فهو محرّمٌ على من يضرّه . فكذلك بيضه إن كان يضرّ ، فهو محرّمٌ وإلاّ فلا ، فالعبرة عندهم إنّما هي للضّرر . وصرّح النّوويّ بأنّ بيض الحيّ غير المأكول طاهرٌ مأكولٌ : أمّا كونه طاهراً فلأنّه أصل حيوانٍ طاهرٍ ، وأمّا كونه مأكولاً فلأنّه غير مستقذرٍ ، لكن قال ابن المقري في الرّوض " وفي بيض ما لا يؤكل تردّدٌ ".</p><p> وصرّح الحنابلة بأنّ بيض غير المأكول نجسٌ لا يحلّ أكله . وممّا احتجّ به لهذا أنّ البيض بعض الحيوان ، فإذا كان الحيوان غير مأكولٍ فبعضه غير مأكولٍ .</p><p>ثانياً : اللّبن : </p><p>84 - إن خرج اللّبن من حيوانٍ حيٍّ فهو تابعٌ للحمه في إباحة التّناول وكراهته وتحريمه . ويستثنى من المحرّم : الآدميّ ، فلبنه مباحٌ ، وإن كان لحمه محرّماً ، لأنّ تحريمه للتّكريم لا للاستخباث . وعلى هذا اتّفق الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستثنى الحنفيّة من المحرّم أو المكروه الخيل ، بناءً على ما نقل عن الإمام أبي حنيفة من أنّها محرّمةٌ أو مكروهةٌ ، ففي لبنها على هذا رأيان :</p><p> أحدهما : أنّه تابعٌ للّحم فيكون حراماً أو مكروهاً .</p><p> وثانيهما : - وهو الصّحيح - أنّه مباحٌ ، لأنّ تحريم الخيل أو كراهتها لكونها آلة الجهاد لا لاستخباث لحمها ، واللّبن ليس آلة الجهاد . ونقل عن عطاءٍ وطاوسٍ والزّهريّ أنّهم رخّصوا في لبن الحمر الأهليّة . وإن خرج اللّبن من حيوانٍ مأكولٍ بعد تذكيته فهو مأكولٌ ، وهذا متّفقٌ عليه . وإن خرج من آدميّةٍ ميّتةٍ فهو مأكولٌ عند القائلين بأنّ الآدميّ لا ينجس بالموت . وكذا أيضاً عند بعض القائلين بأنّه ينجس بالموت كأبي حنيفة ، فإنّه مع قوله بنجاسة الآدميّ الميّت يقول : إنّ لبن المرأة الميتة طاهرٌ مأكولٌ ، خلافاً للصّاحبين . وإن خرج اللّبن من ميّتة المأكول ، كالنّعجة مثلاً ، فهو طاهرٌ مأكولٌ عند أبي حنيفة . ويرى صاحباه والمالكيّة والشّافعيّة أنّه حرامٌ لتنجّسه بنجاسة الوعاء ، وهو ضرع الميتة الّذي تنجّس بالموت . وحجّة القائلين بطهارته وإباحته قوله تعالى : { وإنّ لكم في الأنعام لعبرةٌ ، نسقيكم ممّا في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشّاربين } . وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ وصفه بكونه خالصاً فلا يتنجّس بنجاسة مجراه ، ووصفه بكونه سائغاً وهذا يقتضي الحلّ ، وامتنّ علينا به ، والمنّة بالحلال لا بالحرام .</p><p> ثالثاً : الإنفحة :</p><p>85 - الإنفحة هي مادّةٌ بيضاء صفراويّةٌ في وعاءٍ جلديٍّ ، يستخرج من بطن الجدي أو الحمل الرّضيع ، يوضع منها قليلٌ في اللّبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبناً ، يسمّيها النّاس في بعض البلدان : ( مجبنةٌ ) . وجلدة الإنفحة هي الّتي تسمّى : كرشاً ، إذا رعى الحيوان العشب .</p><p> فالإنفحة إن أخذت من مذكًّى ذكاةً شرعيّةً فهي طاهرةٌ مأكولةٌ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .</p><p> وإن أخذت الإنفحة من ميّتٍ ، أو مذكًّى ذكاةً غير شرعيّةٍ فهي نجسةٌ غير مأكولةٍ عند الجمهور ، وطاهرةٌ مأكولةٌ عند أبي حنيفة ، سواءٌ كانت صلبةً أم مائعةً قياساً على اللّبن كما سبق . وقال الصّاحبان : إن كانت صلبةً يغسل ظاهرها وتؤكل ، وإن كانت مائعةً فهي نجسةٌ لنجاسة وعائها بالموت فلا تؤكل . وبهذا يعلم أنّ الجبن المصنوع من لبن الحيوان المأكول إذا عقد بإنفحة المذكّى ذكاةً شرعيّةً فهو طاهرٌ مأكولٌ بالاتّفاق ، وإن عقد بإنفحة الميتة فهو على الخلاف .</p><p> رابعاً - الجنين : </p><p>86 - جنين الحيوان المأكول إن خرج من حيٍّ أو ميتةٍ لا يحلّ إلاّ إن أدركت ذكاته ، فذكّي ذكاةً شرعيّةً . وإن خرج من مذكّاةٍ ذكاةً شرعيّةً اختياريّةً أو اضطراريّةً فهناك حالتان :</p><p> الحالة الأولى : أن يخرج قبل نفخ الرّوح فيه ، بأن يكون علقةً أو مضغةً أو جنيناً غير كامل الخلقة فلا يحلّ عند الجمهور ، لأنّه ميتةٌ ، إذ لا يشترط في الموت تقدّم الحياة . قال تعالى : { وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم } . فمعنى قوله : ( كنتم أمواتاً ) كنتم مخلوقين بلا حياةٍ ، وذلك قبل أن تنفخ فيهم الرّوح .</p><p> الحالة الثّانية : أن يخرج بعد نفخ الرّوح فيه بأن يكون جنيناً كامل الخلقة - أشعر أو لم يشعر - ولهذه الحالة صورٌ :</p><p> الصّورة الأولى : أن يخرج حيّاً حياةً مستقرّةً فتجب تذكيته ، فإن مات قبل التّذكية فهو ميتةٌ اتّفاقاً .</p><p> الصّورة الثّانية : أن يخرج حيّاً حياة مذبوحٍ ، فإن أدركنا ذكاته وذكّيناه حلّ اتّفاقاً ، وإن لم يذكّ حلّ أيضاً عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ حياة المذبوح كلا حياةٍ ، فكأنّه مات بتذكية أمّه . وعند أبي يوسف ومحمّدٍ أنّه إذا خرج حيّاً ، ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه فمات يؤكل ، وهو تفريعٌ على قولهما : إنّ ذكاة الجنين بذكاة أمّه .</p><p> وقال المالكيّة إن سارعنا إليه بالذّكاة فمات قبلها حلّ ، لأنّ حياته حينئذٍ كلا حياةٍ ، وكأنّه خرج ميّتاً بذكاة أمّه ، لكنّهم اشترطوا في حلّه حينئذٍ أن ينبت شعر جسده ، وإن لم يتكامل ، ولا يكفي شعر رأسه أو عينه .</p><p> الصّورة الثّالثة : أن يخرج ميّتاً ، ويعلم أنّ موته كان قبل تذكية أمّه ، فلا يحلّ اتّفاقاً ، ويعرف موته قبل ذكاة أمّه بأمورٍ ، منها : أن يكون متحرّكاً في بطنها فتضرب فتسكن حركته ، ثمّ تذكّى ، فيخرج ميّتاً ، ومنها : أن يخرج رأسه ميّتاً ثمّ تذكّى .</p><p> الصّورة الرّابعة : أن يخرج ميّتاً بعد تذكية أمّه بمدّةٍ لتواني المذكّي في إخراجه فلا يحلّ اتّفاقاً للشّكّ في أنّ موته كان بتذكية أمّه أو بالانخناق للتّواني في إخراجه .</p><p>الصّورة الخامسة : أن يخرج ميّتاً عقب تذكية أمّه من غير أن يعلم موته قبل التّذكية ، فيغلب على الظّنّ أنّ موته بسبب التّذكية لا بسببٍ آخر . وهذه الصّورة هي محلّ الخلاف بين الفقهاء . فأبو حنيفة وزفر والحسن بن زيادٍ يرون أنّه لا يحلّ ، وأبو يوسف ومحمّدٌ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وجمهور الفقهاء من الصّحابة وغيرهم يقولون : إنّه لا بأس بأكله . غير أنّ المالكيّة اشترطوا الإشعار . وهو مذهب كثيرٍ من الصّحابة .</p><p>وحجّة أبي حنيفة ومن معه قوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة } والجنين الّذي لم يدرك حيّاً بعد تذكية أمّه ميتةٌ ، وممّا يؤكّد ذلك أنّ حياة الجنين مستقلّةٌ ، إذ يتصوّر بقاؤها بعد موت أمّه فتكون تذكيته مستقلّةً .</p><p> وحجّة أبي يوسف ومحمّدٍ والجمهور قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ذكاة الجنين ذكاة أمّه » وهذا يقتضي أنّه يتذكّى بذكاة أمّه ، واحتجّوا أيضاً بأنّه تبعٌ لأمّه حقيقةً وحكماً ، أمّا حقيقةٌ فظاهرٌ ، وأمّا حكماً فلأنّه يباع ببيع الأمّ ، ولأنّ جنين الأمّ يعتق بعتقها ، والحكم في التّبع يثبت بعلّة الأصل ، ولا تشترط له علّةٌ على حدةٍ ، لئلاّ ينقلب التّبع أصلاً .</p><p>تناول المضطرّ للميتة ونحوها : </p><p>87 - أجمع المسلمون على إباحة أكل الميتة ونحوها للمضطرّ ، وقد ذكر اللّه عزّ وجلّ الاضطرار إلى المحرّمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم :</p><p> الأوّل : - الآية /173 /من سورة البقرة ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } .</p><p> الثّاني : - الآية الثّالثة من سورة المائدة ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } .</p><p> الثّالث : - الآية/145/ من سورة الأنعام ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربّك غفورٌ رحيمٌ } .</p><p> الرّابع : - الآية /119/من سورة الأنعام ، وقد جاء فيها : { وما لكم ألاّ تأكلوا ممّا ذكر اسم اللّه عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } .</p><p> الخامس : - الآية/115/ من سورة النّحل ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } .</p><p>88 - فقوله تعالى : { فمن اضطرّ } معناه : فمن دفعته الضّرورة وألجأته إلى تناول الميتة ونحوها ، بأن يخاف عند ترك تناولها ضرراً على نفسه أو بعض أعضائه مثلاً .</p><p>( والباغي ) ، هو الّذي يبغي على غيره في تناول الميتة ، بأن يؤثر نفسه على مضطرٍّ آخر ، فينفرد بتناول الميتة ونحوها فيهلك الآخر من الجوع . وقيل : الباغي هو العاصي بالسّفر ونحوه ، وسيأتي الخلاف فيه ( ف/100 ) .</p><p>( والعادي ) : هو الّذي يتجاوز ما يسدّ الرّمق ويندفع به الضّرر ، أو يتجاوز حدّ الشّبع ، على الخلاف الآتي .</p><p>( والمخمصة ) : المجاعة ، والتّقييد بقوله تعالى : { في مخمصةٍ } . إنّما هو لبيان الحالة الّتي يكثر فيها وقوع الاضطرار ، وليس المقصود به الاحتراز عن الحالة الّتي لا مجاعة فيها ، فإنّ المضطرّ في غير المجاعة يباح له التّناول كالمضطرّ في المجاعة .</p><p>( والمتجانف للإثم ) هو المنحرف المائل إليه ، أي الّذي يقصد الوقوع في الحرام ، وهو البغي والعدوان المذكوران في الآيات الأخرى .</p><p>89 - وممّا ورد في السّنّة النّبويّة ما رواه أبو واقدٍ اللّيثيّ رضي الله عنه قال : قلت : « يا رسول اللّه إنّا بأرضٍ تصيبنا مخمصةٌ ، فما يحلّ لنا من الميتة ؟ فقال : إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها » .</p><p> غير أنّهم اختلفوا في المقصود بالإباحة ، وفي حدّ الضّرورة المبيحة ، وفي تفصيل المحرّمات الّتي يبيحها الاضطرار ، وترتيبها عند التّعدّد ، وفي الشّبع أو التّزوّد منها ، وغير ذلك من المسائل . وبيان ذلك ما يأتي .</p><p> المقصود بإباحة الميتة ونحوها : </p><p>90 - اختلف الفقهاء في المقصود بإباحة الميتة ونحوها ، فقال بعضهم : المقصود جواز التّناول وعدمه ، لظاهر قوله تعالى : { فلا إثم عليه } . وهذا القول ذهب إليه بعض المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .</p><p> وقال آخرون : إنّ المقصود بإباحة الميتة ونحوها للمضطرّ وجوب تناولها . وإلى هذا ذهب الحنفيّة ، وهو الرّاجح عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ودليله قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } وقوله عزّ وجلّ : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } . ولا شكّ أنّ الّذي يترك تناول الميتة ونحوها حتّى يموت يعتبر قاتلاً لنفسه ، وملقياً بنفسه إلى التّهلكة ، لأنّ الكفّ عن التّناول فعلٌ منسوبٌ للإنسان .</p><p>91 - ولا يتنافى القول بالوجوب عند القائلين به مع قوله تعالى : { فلا إثم عليه } لأنّ نفي الإثم في الأكل عامٌّ يشمل حالتي الجواز والوجوب ، فإذا وجدت قرينةٌ على تخصيصه بالوجوب عمل بها كما في قوله تعالى : { إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما } فنفي الجناح عن التّطوّف ، أي السّعي بين الصّفا والمروة ، مفهومٌ عامٌّ قد خصّص بما دلّ على وجوبه أو فرضيّته .</p><p> حدّ الضّرورة المبيحة : </p><p>92 - قال أبو بكرٍ الجصّاص : معنى الضّرورة في الآيات خوف الضّرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل . وقد انطوى تحته معنيان :</p><p> أحدهما : أن يحصل في وضعٍ لا يجد غير الميتة .</p><p> والثّاني : أن يكون غيرها موجوداً ، ولكنّه أكره على أكلها بوعيدٍ يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه . وكلا المعنيين مرادٌ بالآية عندنا لاحتمالهما .</p><p> وحالة الإكراه يؤيّد دخولها في معنى الاضطرار قول الرّسول عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » . ويؤخذ من " الدّرّ المختار " أنّ الضّرورة تشمل خوف الهلاك ، وخوف العجز عن الصّلاة قائماً أو عن الصّيام .</p><p> وفسّر " الشّرح الصّغير " للمالكيّة الضّرورة بخوف الهلاك أو شدّة الضّرر .</p><p> وفسّرها الرّمليّ الشّافعيّ في " نهاية المحتاج " بخوف الموت أو المرض أو غيرهما من كلّ محذورٍ يبيح التّيمّم ، وكذا خوف العجز عن المشي ، أو التّخلّف عن الرّفقة إن حصل له به ضررٌ ، وكذا إجهاد الجوع إيّاه بحيث لا يستطيع معه الصّبر . والمحذور الّذي يبيح التّيمّم عند الشّافعيّة هو حدوث مرضٍ أو زيادته أو استحكامه ، أو زيادة مدّته ، أو حصول شينٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ ، بخلاف الشّين الفاحش في عضوٍ باطنٍ . والظّاهر : ما يبدو عند المهنة كالوجه واليدين ، والباطن : بخلافه .</p><p> ويعتمد في ذلك قول الطّبيب العدل في الرّواية . وإذا كان المضطرّ عارفاً في الطّبّ عمل بمقتضى معرفته ، ولا يعمل بتجربته إن كان مجرّباً ، على ما قاله الرّمليّ . وقال ابن حجرٍ : يعمل بها ، ولا سيّما عند فقد الطّبيب .</p><p> وقال الحنابلة : إنّ الضّرورة أن يخاف التّلف فقط لا ما دونه ، هذا هو الصّحيح من المذهب ، وقيل : إنّها تشمل خوف التّلف أو الضّرر ، وقيل : أن يخاف تلفاً أو ضرراً أو مرضاً أو انقطاعاً عن الرّفقة يخشى معه الهلاك .</p><p>تفصيل المحرمات التي تبيحها الضرورة :</p><p>93- ذكر في الآيات السابقة تحريم الميتة ، والدم ، ولم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والنخنقة ، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، فهذه كلها تبيحها الضرورة بلا خلاف .</p><p>وكذا كل حيوان حي من الحيونات التي لا تؤكل يحل للمضطر قتله بذبح أو بغير ذبح للتوصل إلى أكله . وكذاما حرم من غير الحيونات لنجاسته، ويمثلون له بالترياق المشتمل على خمر ولحوم حيات .</p><p>أما ما حرم لكونه يقتل الإنسان إذا تناوله، كالسموم ، فإن لا تبيحه الضرورة، لأن تناوله استعجال للموت وقتل للنفس، وهو من أكبر الكبائر.وهذا متفق عليه بين المذهب .</p><p>94-واختلفت الاجتهادات في الخمر فقال الحنفية :يشربها من خاف العطش ولم يجد غيرها، ولايشرب إلا قدر ما يدفع العطش، إن علم أنها تدفعه .</p><p>وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لايشرب المضطر الخمر الصرفة للعطش، وإنما يشربها من غص بلقمة أو غيرها، فلم يجد ما يزيل الغصة سوى الخمر . </p><p>شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ : </p><p>95 - إنّ الفقهاء في كلامهم عن الاضطرار وأحكامه الاستثنائيّة لم يجمعوا شروط إباحة الميتة وغيرها من المحرّمات لمضطرٍّ تحت عنوانٍ خاصٍّ بالشّروط ، بل يجدها المتتبّع مفرّقةً في خلال المسائل والأحكام .</p><p> ويستخلص من كلامهم عن حالات الاضطرار وأحكامها أنّ الشّروط الشّرعيّة الّتي يشترطها فقهاء المذاهب لإباحة المحرّمات للمضطرّ نوعان :</p><p> 1 - شروطٌ عامّةٌ متّفقٌ عليها بين المذاهب لجميع أحوال الاضطرار .</p><p> 2 - شروطٌ عامّةٌ اشترطتها بعض المذاهب دون سواها .</p><p> وفيما يلي بيان ذلك :</p><p> أوّلاً : - الشّروط العامّة المتّفق عليها : </p><p>96 - يشترط في إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ بوجهٍ عامٍّ ثلاثة شروطٍ :</p><p> الأوّل : - ألاّ يجد طعاماً حلالاً ولو لقمةً ، فإن وجدها وجب تقديمها ، فإن لم تغنه حلّ له المحرّم .</p><p> الثّاني : - ألاّ يكون قد أشرف على الموت بحيث لا ينفعه تناول الطّعام ، فإن انتهى إلى هذه الحالة لم يحلّ له المحرّم .</p><p> الثّالث : - ألاّ يجد مال مسلمٍ أو ذمّيٍّ من الأطعمة الحلال ، وفي هذا الشّرط بعض تفصيلٍ بيانه فيما يلي : </p><p>97 - قال الحنفيّة : لو خاف المضطرّ الموت جوعاً ، ومع رفيقه طعامٌ ليس مضطرّاً إليه فللمضطرّ أن يأخذ بالقيمة منه قدر ما يسدّ جوعته ، فإن لم يكن معه ما يؤدّي به القيمة حالاً لزمته ديناً في ذمّته . وإنّما تلزمه القيمة لأنّ من القواعد العامّة المقرّرة عندهم أنّ " الاضطرار لا يبطل حقّ الغير " . وكذا يأخذ من الماء الّذي لغيره ما يدفع العطش ، فإن منعه صاحبه قاتله المضطرّ بلا سلاحٍ ، لأنّ الرّفيق المانع في هذه الحال ظالمٌ . فإن خاف الرّفيق جوعاً أو عطشاً ترك له بعضه . ولا يحلّ له أن يدفع الجوع أو العطش بالمحرّمات كالميتة والخمر مع وجود حلال مملوكٍ لغيره ليس مضطرّاً إليه ، والمضطرّ قادرٌ على أخذه ولو بالقوّة . وجوّز المالكيّة في هذه الحال مقاتلة صاحب الطّعام بالسّلاح بعد الإنذار ، بأن يعلمه المضطرّ أنّه مضطرٌّ ، وأنّه إن لم يعطه قاتله ، فإن قتله بعد ذلك فدمه هدرٌ ، لوجوب بذل طعامه للمضطرّ ، وإن قتله الآخر فعليه القصاص .</p><p>98 - وقال الشّافعيّة والحنابلة : لو وجد المضطرّ طعاماً لغيره . فإن كان صاحبه غائباً ولم يجد المضطرّ سواه ، أكل منه وغرم عند قدرته مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً ، حفظاً لحقّ المالك . فإن كان صاحبه حاضراً ، فإن كان ذلك الحاضر مضطرّاً أيضاً لم يلزمه بذله للأوّل إن لم يفضل عنه ، بل هو أولى ، لحديثٍ : « ابدأ بنفسك ... »</p><p> لكن يجوز له إيثاره على نفسه إن كان الأوّل مسلماً معصوماً ، واستطاع الثّاني الصّبر على التّضييق على نفسه . فإن فضل بعد سدّ رمقه شيءٌ لزمه بذله للأوّل . وإن لم يكن صاحب الطّعام الحاضر مضطرّاً لزمه إطعام المضطرّ . فإن منعه ، أو طلب زيادةً على ثمن المثل بمقدارٍ كثيرٍ جاز للمضطرّ قهره ، وإن أدّى إلى قتله ، ويكون دم المانع حينئذٍ مهدراً . وإن قتل المالك المضطرّ في الدّفع عن طعامه لزمه القصاص .</p><p> وإن منع المالك الطّعام عن المضطرّ فمات هذا جوعاً لم يضمنه المانع بقصاصٍ ولا ديةٍ ، لأنّه لم يحدث فعلاً مهلكاً . فإن لم يمنع المالك الطّعام ، ولكن طلب ثمناً ، ولو بزيادةٍ على ثمن المثل بمقدارٍ يسيرٍ ، لزم المضطرّ قبوله به ، ولم يجز له قهره . ولو أطعمه ولم يذكر عوضاً فلا عوض له على الأرجح ، حملاً له على المسامحة المعتادة في الطّعام ، ولا سيّما في حقّ المضطرّ . وقيل : يلزمه ثمن المثل ، لأنّه خلص من الهلاك بذلك فيرجع عليه بالبدل ، فإن اختلفا في ذكر العوض صدّق المالك بيمينه ، إذ لو لم يصدّق لرغب النّاس عن إطعام المضطرّ ، وأفضى ذلك إلى الضّرر .</p><p> ثانياً : - الشّروط العامّة المختلف فيها : </p><p>99 - اختلف فقهاء المذاهب في بعض الشّرائط المبيحة لأكل الميتة ونحوها من المحرّمات للمضطرّ :</p><p> فاشترط الشّافعيّة أن يكون المضطرّ نفسه معصوم الدّم . فإن كان المضطرّ مهدر الدّم شرعاً كالحربيّ ، والمرتدّ ، وتارك الصّلاة الّذي استوجب القتل ، لم يجز له أكل المحرّمات من ميتةٍ أو غيرها إلاّ إذا تاب .</p><p> أمّا مهدر الدّم الّذي لا تفيد توبته عصمة دمه ، كالزّاني المحصن ، والقاتل في قطع الطّريق الّذي قدر عليه الحاكم ، فقيل : لا يأكل الميتة حتّى يتوب وإن لم تكن توبته مفيدةً لعصمته . وقيل : لا يتوقّف حلّ الميتة له على توبته .</p><p>100 - واشترط الشّافعيّة والحنابلة ألاّ يكون المضطرّ عاصياً بسفره أو بإقامته . فإن كان كذلك لم يحلّ له تناول الميتة ونحوها حتّى يتوب .</p><p> والعاصي بسفره أو بإقامته هو الّذي نوى بسفره أو إقامته المعصية ، أي هو الّذي سافر أو أقام لأجل المعصية ، كمن خرج من بلده ناوياً قطع الطّريق ، وكذا الّذي قصد بسفره أو إقامته أموراً مباحةً ثمّ قلبه معصيةً ، كمن سافر أو أقام للتّجارة ثمّ بدا له أن يجعل السّفر أو الإقامة لقطع الطّريق .</p><p> وأمّا العاصي في أثناء السّفر - وهو من سافر سفراً مباحاً ، وفي أثناء سفره عصى بتأخير الصّلاة عن وقتها ، أو بالزّنى وهو غير محصنٍ ، أو بالسّرقة أو نحو ذلك - فلا يتوقّف حلّ أكله للميتة ونحوها على توبته . ومثله العاصي في إقامته ، كمن كان مقيماً في بلده لغرضٍ مباحٍ ، وعصى فيها بنحو ما سبق ، فإنّه يباح له الأكل من المحرّم إن اضطرّ إليه من غير توقّفٍ على التّوبة .</p><p> والوجه لمنع المسافر سفر معصيةٍ أنّ أكل الميتة رخصةٌ ، والعاصي بسفره أو إقامته ليس من أهلها ، وأيضاً في الأكل المذكور عونٌ على المعصية فلا يجوز .</p><p>101 - أمّا الحنفيّة والمالكيّة ، فقالوا : لا يشترط في المضطرّ عدم المعصية ، لإطلاق النّصوص وعمومها .</p><p> إطلاقٌ *</p><p>التعريف : </p><p>1 - من معاني الإطلاق في اللّغة : التّخلية ، والحلّ والإرسال ، وعدم التّقييد .</p><p> وعند الفقهاء والأصوليّين يؤخذ تعريف الإطلاق من بيان المطلق ، فالمطلق اسم مفعولٍ من أطلق ، والمطلق : ما دلّ على فردٍ شائعٍ ، أو هو : ما دلّ على الماهيّة بلا قيدٍ . أو هو : ما لم يقيّد بصفةٍ تمنعه أن يتعدّاها إلى غيرها .</p><p> كما يراد بالإطلاق : استعمال اللّفظ في معناه حقيقةً كان أو مجازاً . كما يأتي أيضاً بمعنى النّفاذ ، فإطلاق التّصرّف نفاذه .</p><p> الألفاظ ذات الصّلة : </p><p>أ - العموم : </p><p>2 - تظهر صلة الإطلاق بالعموم من بيان العلاقة بين المطلق والعامّ ، فالمطلق يشابه العامّ من حيث الشّيوع حتّى ظنّ أنّه عامٌّ . لكن هناك فرقاً بين العامّ والمطلق ، فالعامّ عمومه شموليٌّ ، وعموم المطلق بدليٌّ . فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أنّ موارده غير منحصرةٍ .</p><p> والفرق بينهما : أنّ عموم الشّموليّ كلّيٌّ يحكم فيه على كلّ فردٍ فردٍ . وعموم البدل كلّيٌّ من حيث إنّه لا يمنع نفس تصوّر مفهومه من وقوع الشّركة فيه ، ولكن لا يحكم فيه على كلّ فردٍ ، بل على فردٍ شائعٍ في أفراده ، يتناولها على سبيل البدل ، ولا يتناول أكثر من واحدٍ دفعةً . وفي تهذيب الفروق نقلاً عن الأنبابيّ : عموم العامّ شموليٌّ ، بخلاف عموم المطلق ، نحو رجلٍ وأسدٍ وإنسانٍ ، فإنّه بدليٌّ ، حتّى إذا دخلت عليه أداة النّفي أو أل الاستغراقيّة صار عامّاً .</p><p>ب - التّنكير : </p><p>3 - يتّضح الفرق بين الإطلاق والتّنكير من بيان الفرق بين المطلق والنّكرة ، فيرى بعض الأصوليّين ، أنّه لا فرق بين النّكرة والمطلق ، لأنّ تمثيل جميع العلماء المطلق بالنّكرة في كتبهم يشعر بعدم الفرق . وفي تيسير التّحرير : المطلق والنّكرة بينهما عمومٌ من وجهٍ ، لصدقهما في نحو : تحرير رقبةٍ ، وانفراد النّكرة عنه إذا كانت عامّةً ، كما إذا وقعت في سياق النّفي ، وانفراد المطلق عنها في نحو اشتر اللّحم . هذا عند الإطلاق ، فإن قيّدت النّكرة كانت مباينةً للمطلق .</p><p> الشّيء المطلق ومطلق الشّيء : </p><p>4 - الشّيء المطلق عبارةٌ عن الشّيء من حيث الإطلاق ، وهو ما صدق عليه اسم الشّيء بلا قيدٍ لازمٍ ، ومنه قول الفقهاء : يرفع الحدث بالماء المطلق أي غير المقيّد بقيدٍ ، فخرج به ماء الورد ، وماء الزّعفران ، والماء المعتصر من شجرٍ أو ثمرٍ ، وكذلك الماء المستعمل عند أكثر الفقهاء ، لأنّها مياهٌ مقيّدةٌ بقيدٍ لازمٍ لا يطلق الماء عليه بدونه ، بخلاف ماء البحر وماء البئر وماء السّماء ونحوها ، لأنّ القيود فيها غير لازمةٍ ، وتستعمل بدونها ، فهي مياهٌ مطلقةٌ .</p><p> أمّا مطلق الشّيء فهو عبارةٌ عن الشّيء من حيث هو من غير أن يلاحظ معه الإطلاق أو التّقييد ، فيصدق على أيّ شيءٍ مطلقاً كان أو مقيّداً . ومنه قولهم : مطلق الماء ، فيدخل فيه الماء الطّاهر والطّهور والنّجس وغيرها من أنواع المياه المقيّدة ( كماء الورد والزّعفران ) والمطلقة . فالشّيء المطلق أخصّ من مطلق الشّيء ( الشّامل للمقيّد ) . ومثل ذلك ما يقال في البيع المطلق ، ومطلق البيع ، والطّهارة المطلقة ، ومطلق الطّهارة وأمثالها .</p><p> مواطن الإطلاق : </p><p>5 - يتناول الأصوليّون الإطلاق في عدّة مواضع منها : مسألة حمل المطلق على المقيّد ، ومنها : مقتضى الأمر هل هو للتّكرار أو لا ؟ وهل هو للفور أو لا ؟ وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .</p><p> مواطن الإطلاق عند الفقهاء :</p><p> أوّلاً : إطلاق النّيّة في الطّهارة : </p><p>أ - الوضوء والغسل : </p><p>6 - لو نوى المتوضّئ مطلق ( الطّهارة ) أو مطلق ( الوضوء ) ، لا لرفع حدثٍ ، ولا لاستباحة صلاةٍ ، أو نحوها ، ففي ارتفاع الحدث وعدمه رأيان :</p><p> أحدهما : أنّه لا يرتفع ، لعدم نيّته له . وهذا أحد الرّأيين عند الجمهور ، وهم الّذين يشترطون النّيّة لصحّة الطّهارة . وعلّلوا لذلك بأنّ الطّهارة قسمان : طهارة حدثٍ ، وطهارة نجسٍ ، فإذا قصد الطّهارة المطلقة ، فإنّ ذلك لا يرفع الحدث .</p><p> والرّأي الأصحّ للجمهور أنّه يرتفع ، لأنّ الطّهارة والوضوء إنّما ينصرف إطلاقهما إلى المشروع ، فيكون ناوياً لوضوءٍ شرعيٍّ . ولا دخل لمذهب الحنفيّة في هذه المسألة ، فالنّيّة سنّةٌ عندهم وليست شرطاً في الوضوء .</p><p>ب - التّيمّم :</p><p> 7 - جمهور الفقهاء على أنّ المتيمّم لو نوى استباحة الصّلاة ، وأطلق ولم يقيّد تلك الصّلاة بفرضٍ أو نفلٍ ، صلّى النّافلة مع هذا الإطلاق . وللشّافعيّة وجهٌ ضعيفٌ أنّه لا يستبيح به النّفل . وللفقهاء في صلاة الفرض بهذا التّيمّم رأيان :</p><p> أحدهما : صحّة صلاة الفرض ، وهو قول الحنفيّة ، وقولٌ عند الشّافعيّة اختاره إمام الحرمين والغزاليّ ، لأنّها طهارةٌ يصحّ بها النّفل ، فصحّ بها الفرض كطهارة الماء ، ولأنّ الصّلاة اسم جنسٍ تتناول الفرض والنّفل .</p><p> الثّاني : أنّه لا يستبيح به الفرض ، وهو قول المالكيّة ، والحنابلة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة .</p><p>إطلاق النّيّة في الصّلاة : </p><p>أ - صلاة الفرض : </p><p>8 - جمهور الفقهاء على أنّه يشترط التّعيين في نيّة الفرض وأنّ الإطلاق لا يكفي . قال الحنفيّة : وكذا الواجب من وترٍ أو نذرٍ أو سجود تلاوةٍ ، وكذا يشترط التّعيين في نيّة سجدة الشّكر ، بخلاف سجود السّهو . وفي روايةٍ عن أحمد أنّه لا يشترط التّعيين في نيّة صلاة الفرض .</p><p>ب - النّفل المطلق : </p><p>9 - يتّفق الفقهاء على أنّ الإطلاق يكفي في نيّة صلاة النّفل المطلق ، وألحق بعض الشّافعيّة بالنّفل المطلق تحيّة المسجد ، وركعتي الوضوء ، وركعتي الإحرام ، وركعتي الطّواف ، وصلاة الحاجة ، وصلاة الغفلة بين المغرب والعشاء ، والصّلاة في بيته إذا أراد الخروج للسّفر ، والمسافر إذا نزل منزلاً وأراد مفارقته .</p><p>ج - السّنن الرّواتب ، والمؤقّتة : </p><p>10 - للفقهاء في إطلاق النّيّة في صلاة السّنّة الرّاتبة ، والمؤقّتة رأيان :</p><p> الأوّل : أنّه لا يكفي الإطلاق لحصول تلك السّنّة الرّاتبة . وهو قول المالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة باستثناء النّوافل الّتي ألحقت بالنّفل المطلق عند البعض والّتي سبق ذكرها . وهو قول جماعةٍ من الحنفيّة ، قالوا : لأنّ السّنّة وصفٌ زائدٌ على أصل الصّلاة ، كوصف الفرضيّة ، فلا تحصل بمطلق نيّة الصّلاة .</p><p> الثّاني : صحّة النّيّة مع الإطلاق ، وهو أحد قولين للحنفيّة مصحّحين ، واعتمده بعضهم . وفي المحيط أنّه قول عامّة المشايخ ، ورجّحه في الفتح ، ونسبه إلى المحقّقين .</p><p>إطلاق النّيّة في الصّوم : </p><p>11 - للفقهاء في إطلاق نيّة الصّوم رأيان :</p><p> الأوّل : عدم الصّحّة مع الإطلاق ، وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستدلّوا له بأنّه صومٌ واجبٌ فوجب تعيين النّيّة له .</p><p> والثّاني : صحّة الصّوم ، وهو قول الحنفيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، ووجهٌ شاذٌّ للشّافعيّة حكاه صاحب التّتمّة عن الحليميّ ، واستدلّوا لذلك بأنّه فرضٌ مستحقٌّ في زمنٍ بعينه ، فلا يجب تعيين النّيّة له .</p><p>إطلاق نيّة الإحرام : </p><p>12 - إذا نوى مريد النّسك نفس الإحرام ، وأطلق بأن لم يقصد القران ، ولا التّمتّع ولا الإفراد جاز بلا خلافٍ ، لأنّ الإحرام يصحّ مع الإبهام فيصحّ مع الإطلاق . وله صرفه إلى أيّ نوعٍ شاء من أنواع الإحرام الثّلاثة ، إن كان ذلك قبل الشّروع في أعمال الإحرام ، وكان في أشهر الحجّ ، غير أنّ المالكيّة والحنابلة قالوا : الأولى الصّرف إلى العمرة ، لأنّ التّمتّع أفضل .</p><p> وما عمله قبل التّعيين فلغوٌ عند الشّافعيّة ، والحنابلة ، وعند الحنفيّة والمالكيّة ، يعتدّ بما أتى به من الشّعائر ، غير أنّهم يختلفون فيما تصرف النّيّة له ، فقال الحنفيّة : تصرف إلى العمرة إن لم يعيّن ، وقد طاف ، لكن في اللّباب وشرحه لو وقف بعرفة قبل الطّواف تعيّن إحرامه للحجّ ، ولو لم يقصد الحجّ في وقوفه . وقال المالكيّة : يجب صرفه إلى الحجّ إن وقع الصّرف بعد طواف قدومٍ .</p><p>13 - وإن كان الإحرام بنسكٍ ولم يعيّن وذلك في غير أشهر الحجّ - على كراهته أو امتناعه عند الحنابلة - فالحكم لا يختلف عندهم في أنّ الأولى صرف النّيّة إلى العمرة .</p><p> وكذا لا يختلف الحكم عند المالكيّة في غير أشهر الحجّ عن أشهر الحجّ إن كان طاف قبل التّعيين - يجب صرف النّيّة للحجّ - ويؤخّر سعيه لإفاضته ، فإن لم يكن قد طاف كره صرف النّيّة إلى الحجّ ، لأنّه أحرم به قبل وقته . وفصّل الشّافعيّة في ذلك فقالوا : إن أحرم قبل الأشهر ، فإن صرفه إلى العمرة صحّ ، وإن صرفه إلى الحجّ بعد دخول الأشهر فوجهان ، الصّحيح : لا يجوز بل انعقد إحرامه ، ( أي عمرةً ) .</p><p> والثّاني : ينعقد مبهماً ، وله صرفه بعد دخول أشهر الحجّ إلى حجٍّ أو قرانٍ ، فإن صرفه إلى الحجّ قبل الأشهر كان كمن أحرم بالحجّ قبل الأشهر .</p><p>14 - وهل الإطلاق أفضل أم التّعيين ؟ رأيان : أحدهما : أنّ التّعيين أفضل ، وهو قول الحنابلة ، فقد صرّحوا باستحباب التّعيين ، وبه قال مالكٌ ، وهو قول بعض الشّافعيّة . ثانيهما : الإطلاق أفضل ، وهو الأظهر ند الشّافعيّة .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 40924, member: 329"] أجزاء الحيوان وما انفصل منه : حكم العضو المبان : 74 - إنّ العضو الّذي يبان من الحيوان ، أي يفصل منه ، يختلف الحكم الشّرعيّ في حلّ أكله وحرمته بحسب الأحوال . وتفصيل ذلك كما يلي : أ - العضو المبان من حيوانٍ حيٍّ : يعتبر كميتة هذا الحيوان في حلّ الأكل وحرمته ، فالمبان من السّمك الحيّ أو الجراد الحيّ يؤكل عند الجمهور ، لأنّ ميتتهما تؤكل . والمالكيّة يقولون في الجراد : إن كانت الإبانة خاليةً عن نيّة التّذكية ، أو خاليةً عن التّسمية عمداً لم يؤكل المبان ، وإن كانت مصحوبةً بالنّيّة والتّسمية أكل المبان إن كان هو الرّأس ، ولا يؤكل إن كان جناحاً أو يداً أو نحوهما . والمبان من سائر الحيوانات البرّيّة ذات الدّم السّائل لا يؤكل ، سواءٌ أكان أصله مأكولاً كالأنعام ، أم غير مأكولٍ كالخنزير ، فإنّ ميتة كلٍّ منهما لا تؤكل بلا خلافٍ ، فكذلك ما أبين منه حيّاً ، فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما قطع من البهيمة وهي حيّةٌ فهو ميتةٌ » . ب - العضو المبان من الميتة : حكمه حكم سائر الميتة في الأكل وعدمه بلا خلافٍ . ج - العضو المبان من المذكّى المأكول في أثناء تذكيته قبل تمامها : حكمه حكم المبان من الحيّ . فلو قطع إنسانٌ حلقوم الشّاة وبعض مريئها للتّذكية ، فقطع إنسانٌ آخر يدها أو أليتها ، فالمقطوع نجسٌ حرام الأكل ، كالمقطوع من الحيّ ، وهذا لا خلاف فيه أيضاً . د - العضو المبان من المذكّى المأكول بعد تمام تذكيته وقبل زهوق روحه : يحلّ أكله عند الجمهور ، لأنّ حكمه حكم المذكّى ، لأنّ بقاء رمقٍ من الحياة هو رمقٌ في طريق الزّوال العاجل ، فحكمه حكم الموت . هـ -العضو المبان من المصيد بآلة الصّيد : إمّا أن يبقى المصيد بعد إبانته حيّاً حياةً مستقرّةً ، وإمّا أن تصير حياته حياة مذبوحٍ : ففي الحالة الأولى : يكون عضواً مباناً من حيوانٍ حيٍّ ، فيكون كميتته . وفي الحالة الثّانية : يكون عضواً مباناً بالتّذكية ، ويختلف النّظر إليه ، لأنّ له صفتين شبه متعارضتين : الصّفة الأولى : أنّه عضوٌ أبين قبل تمام التّذكية فيكون حكمه حكم المبان من الحيّ فلا يحلّ . والصّفة الثّانية : أنّ التّذكية سببٌ في حلّ المذكّى ، وكلٌّ من المبان والمبان منه مذكًّى ، لأنّ التّذكية بالصّيد هي تذكيةٌ للمصيد كلّه لا لبعضه ، فيحلّ العضو كما يحلّ الباقي . ولهذا كان في المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ( ر : صيدٌ ) . حكم أجزاء الحيوان المذكّى : 75 - لا شكّ أنّ التّذكية حينما تقع على الحيوان المأكول تقتضي إباحة أكله في الجملة ، وقد يكون لبعض الأجزاء حكمٌ خاصٌّ : فالدّم المسفوح مثلاً ، حرامٌ بالإجماع ، وهو ما سال من الذّبيحة ، وما بقي بمكان الذّبح ، وما تسرّب إلى داخل الحيوان من الحلقوم والمريء . وأمّا ما بقي في العروق واللّحم والكبد والطّحال والقلب فإنّه حلال الأكل ، حتّى إنّه لو طبخ اللّحم فظهرت الحمرة في المرق لم ينجس ولم يحرم . وقد ذكر الحنفيّة وغيرهم أشياء تكره أو تحرم من الذّبيحة . وفيما يلي تفصيل ما قالوه وما قاله غيرهم في ذلك : 76 - قال الحنفيّة : يحرم من أجزاء الحيوان سبعةٌ : الدّم المسفوح ، والذّكر ، والأنثيان ، والقبل ( أي فرج الأنثى وهو المسمّى بالحيا ) ، والغدّة ، والمثانة ( وهي مجمع البول ) ، والمرارة ( وهي وعاء المرّة الصّفراء ، وتكون ملصقةً بالكبد ) . وهذه الحرمة في نظرهم لقوله عزّ شأنه : { ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث } ، وهذه السّبعة ممّا تستخبثه الطّباع السّليمة فكانت محرّمةً ، وقد دلّت السّنّة على خبثها ، لما روى الأوزاعيّ عن واصل بن أبي جميلة عن مجاهدٍ أنّه قال : « كره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الشّاة : الذّكر ، والأنثيين ، والقبل ، والغدّة ، والمرارة ، والمثانة ، والدّم » . والمراد كراهة التّحريم قطعاً ، بدليل أنّه جمع بين الأشياء السّتّة وبين الدّم في الكراهة ، والدّم المسفوح محرّمٌ بنصّ القرآن . 77 - والمرويّ عن أبي حنيفة أنّه قال : الدّم حرامٌ ، وأكره السّتّة . فأطلق وصف الحرام على الدّم المسفوح ، وسمّى ما سواه مكروهاً ، لأنّ الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليلٍ مقطوعٍ به ، وحرمة الدّم المسفوح قد ثبتت بدليلٍ مقطوعٍ به ، وهو قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً ... } الآية ، وانعقد الإجماع أيضاً على حرمته . فأمّا حرمة ما سواه من الأجزاء فلم تثبت بدليلٍ مقطوعٍ به بل بالاجتهاد ، أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتّأويل ، وهو قوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } ، أو بالحديث السّابق ذكره . لذلك فصّل أبو حنيفة بينهما في الوصف فسمّى الدّم حراماً ، والباقي مكروهاً . وقيل : إنّ الكراهة في الأجزاء السّتّة تنزيهيّةٌ ، لكنّ الأوجه كما في " الدّرّ المختار " أنّها تحريميّةٌ . 78 - هذا ، والدّم المسفوح متّفقٌ على تحريمه كما مرّ . وروى ابن حبيبٍ من المالكيّة استثقال أكل عشرةٍ - دون تحريمٍ - الأنثيان والعسيب والغدّة والطّحال والعروق والمرارة والكليتان والمثانة وأذنا القلب . 79 - والحنابلة قالوا بكراهة أكل الغدّة وأذن القلب . أمّا الغدّة «فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كره أكلها »، روى ذلك عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه . وأمّا أذن القلب« فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلها »، نقل ذلك أبو طالبٍ الحنبليّ . حكم ما انفصل من الحيوان : 80 - من المقرّر في موضوع " النّجاسة " أنّ المائعات المنفصلة من الحيوان ، والفضلات ، والبيض ، والجنين ، تارةً تكون نجسةً ، وتارةً تكون طاهرةً ، فما كان نجساً منها في مذهبٍ من المذاهب فهو غير مأكولٍ في ذلك المذهب ، وما كان طاهراً فتارةً يكون مأكولاً ، وتارةً يكون غير مأكولٍ ، إذ لا يلزم من الطّهارة حلّ الأكل ، فإنّ الطّاهر قد يكون مضرّاً أو مستقذراً فلا يحلّ أكله . ويكفينا هنا أن نضرب أمثلةً لما يكثر السّؤال عنه : أوّلاً - البيض : 81 - إن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ في حال حياته ، أو بعد تذكيته شرعاً ، أو بعد موته ، وهو ممّا لا يحتاج إلى التّذكية كالسّمك ، فبيضه مأكولٌ إجماعاً ، إلاّ إذا فسد . وفسّر المالكيّة البيض الفاسد بأنّه ما فسد بعد انفصاله بعفنٍ ، أو صار دماً ، أو صار مضغةً ، أو فرخاً ميّتاً . وفسّره الشّافعيّة بأنّه الّذي تغيّر بحيث أصبح غير صالحٍ للتّخلّق ، فلا يضرّ عندهم صيرورته دماً ، إذا قال أهل الخبرة : إنّه صالحٌ للتّخلّق . 82 - وإن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ بعد موته دون تذكيةٍ شرعيّةٍ ، وهو ممّا يحتاج إلى الذّكاة ، كالدّجاج ، فعند أبي حنيفة : يؤكل سواءٌ أتصلّبت قشرته أم لا . وقال المالكيّة : لا يؤكل . وقال الشّافعيّة : يؤكل ما تصلّبت قشرته فقط . وحكى الزّيلعيّ عن أبي يوسف ومحمّدٍ أنّه يكون نجساً إن كان مائعاً ، فلا يؤكل عندهما إلاّ إذا كان جامداً . 83 - وإن خرج البيض من حيوانٍ غير مأكولٍ فمقتضى مذهب الحنفيّة أنّه إن كان من ذوات الدّم السّائل ، كالغراب الأبقع ، فبيضه نجسٌ تبعاً للحمه ، فلا يكون مأكولاً . وإن لم يكن من ذوات الدّم السّائل كالزّنبور فبيضه طاهرٌ تبعاً للحمه ، ومأكولٌ لأنّه ليس بميتةٍ . والمالكيّة يحلّ عندهم كلّ البيض الخارج من الحيّ أو المذكّى ، لأنّ الحيوانات الّتي تبيض لا تنقسم عندهم إلى مأكولٍ وغير مأكولٍ ، بل كلّها مباح الأكل ، إلاّ ما لا يؤمن سمّه كالوزغ ، فهو محرّمٌ على من يضرّه . فكذلك بيضه إن كان يضرّ ، فهو محرّمٌ وإلاّ فلا ، فالعبرة عندهم إنّما هي للضّرر . وصرّح النّوويّ بأنّ بيض الحيّ غير المأكول طاهرٌ مأكولٌ : أمّا كونه طاهراً فلأنّه أصل حيوانٍ طاهرٍ ، وأمّا كونه مأكولاً فلأنّه غير مستقذرٍ ، لكن قال ابن المقري في الرّوض " وفي بيض ما لا يؤكل تردّدٌ ". وصرّح الحنابلة بأنّ بيض غير المأكول نجسٌ لا يحلّ أكله . وممّا احتجّ به لهذا أنّ البيض بعض الحيوان ، فإذا كان الحيوان غير مأكولٍ فبعضه غير مأكولٍ . ثانياً : اللّبن : 84 - إن خرج اللّبن من حيوانٍ حيٍّ فهو تابعٌ للحمه في إباحة التّناول وكراهته وتحريمه . ويستثنى من المحرّم : الآدميّ ، فلبنه مباحٌ ، وإن كان لحمه محرّماً ، لأنّ تحريمه للتّكريم لا للاستخباث . وعلى هذا اتّفق الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستثنى الحنفيّة من المحرّم أو المكروه الخيل ، بناءً على ما نقل عن الإمام أبي حنيفة من أنّها محرّمةٌ أو مكروهةٌ ، ففي لبنها على هذا رأيان : أحدهما : أنّه تابعٌ للّحم فيكون حراماً أو مكروهاً . وثانيهما : - وهو الصّحيح - أنّه مباحٌ ، لأنّ تحريم الخيل أو كراهتها لكونها آلة الجهاد لا لاستخباث لحمها ، واللّبن ليس آلة الجهاد . ونقل عن عطاءٍ وطاوسٍ والزّهريّ أنّهم رخّصوا في لبن الحمر الأهليّة . وإن خرج اللّبن من حيوانٍ مأكولٍ بعد تذكيته فهو مأكولٌ ، وهذا متّفقٌ عليه . وإن خرج من آدميّةٍ ميّتةٍ فهو مأكولٌ عند القائلين بأنّ الآدميّ لا ينجس بالموت . وكذا أيضاً عند بعض القائلين بأنّه ينجس بالموت كأبي حنيفة ، فإنّه مع قوله بنجاسة الآدميّ الميّت يقول : إنّ لبن المرأة الميتة طاهرٌ مأكولٌ ، خلافاً للصّاحبين . وإن خرج اللّبن من ميّتة المأكول ، كالنّعجة مثلاً ، فهو طاهرٌ مأكولٌ عند أبي حنيفة . ويرى صاحباه والمالكيّة والشّافعيّة أنّه حرامٌ لتنجّسه بنجاسة الوعاء ، وهو ضرع الميتة الّذي تنجّس بالموت . وحجّة القائلين بطهارته وإباحته قوله تعالى : { وإنّ لكم في الأنعام لعبرةٌ ، نسقيكم ممّا في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشّاربين } . وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ وصفه بكونه خالصاً فلا يتنجّس بنجاسة مجراه ، ووصفه بكونه سائغاً وهذا يقتضي الحلّ ، وامتنّ علينا به ، والمنّة بالحلال لا بالحرام . ثالثاً : الإنفحة : 85 - الإنفحة هي مادّةٌ بيضاء صفراويّةٌ في وعاءٍ جلديٍّ ، يستخرج من بطن الجدي أو الحمل الرّضيع ، يوضع منها قليلٌ في اللّبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبناً ، يسمّيها النّاس في بعض البلدان : ( مجبنةٌ ) . وجلدة الإنفحة هي الّتي تسمّى : كرشاً ، إذا رعى الحيوان العشب . فالإنفحة إن أخذت من مذكًّى ذكاةً شرعيّةً فهي طاهرةٌ مأكولةٌ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وإن أخذت الإنفحة من ميّتٍ ، أو مذكًّى ذكاةً غير شرعيّةٍ فهي نجسةٌ غير مأكولةٍ عند الجمهور ، وطاهرةٌ مأكولةٌ عند أبي حنيفة ، سواءٌ كانت صلبةً أم مائعةً قياساً على اللّبن كما سبق . وقال الصّاحبان : إن كانت صلبةً يغسل ظاهرها وتؤكل ، وإن كانت مائعةً فهي نجسةٌ لنجاسة وعائها بالموت فلا تؤكل . وبهذا يعلم أنّ الجبن المصنوع من لبن الحيوان المأكول إذا عقد بإنفحة المذكّى ذكاةً شرعيّةً فهو طاهرٌ مأكولٌ بالاتّفاق ، وإن عقد بإنفحة الميتة فهو على الخلاف . رابعاً - الجنين : 86 - جنين الحيوان المأكول إن خرج من حيٍّ أو ميتةٍ لا يحلّ إلاّ إن أدركت ذكاته ، فذكّي ذكاةً شرعيّةً . وإن خرج من مذكّاةٍ ذكاةً شرعيّةً اختياريّةً أو اضطراريّةً فهناك حالتان : الحالة الأولى : أن يخرج قبل نفخ الرّوح فيه ، بأن يكون علقةً أو مضغةً أو جنيناً غير كامل الخلقة فلا يحلّ عند الجمهور ، لأنّه ميتةٌ ، إذ لا يشترط في الموت تقدّم الحياة . قال تعالى : { وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم } . فمعنى قوله : ( كنتم أمواتاً ) كنتم مخلوقين بلا حياةٍ ، وذلك قبل أن تنفخ فيهم الرّوح . الحالة الثّانية : أن يخرج بعد نفخ الرّوح فيه بأن يكون جنيناً كامل الخلقة - أشعر أو لم يشعر - ولهذه الحالة صورٌ : الصّورة الأولى : أن يخرج حيّاً حياةً مستقرّةً فتجب تذكيته ، فإن مات قبل التّذكية فهو ميتةٌ اتّفاقاً . الصّورة الثّانية : أن يخرج حيّاً حياة مذبوحٍ ، فإن أدركنا ذكاته وذكّيناه حلّ اتّفاقاً ، وإن لم يذكّ حلّ أيضاً عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ حياة المذبوح كلا حياةٍ ، فكأنّه مات بتذكية أمّه . وعند أبي يوسف ومحمّدٍ أنّه إذا خرج حيّاً ، ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه فمات يؤكل ، وهو تفريعٌ على قولهما : إنّ ذكاة الجنين بذكاة أمّه . وقال المالكيّة إن سارعنا إليه بالذّكاة فمات قبلها حلّ ، لأنّ حياته حينئذٍ كلا حياةٍ ، وكأنّه خرج ميّتاً بذكاة أمّه ، لكنّهم اشترطوا في حلّه حينئذٍ أن ينبت شعر جسده ، وإن لم يتكامل ، ولا يكفي شعر رأسه أو عينه . الصّورة الثّالثة : أن يخرج ميّتاً ، ويعلم أنّ موته كان قبل تذكية أمّه ، فلا يحلّ اتّفاقاً ، ويعرف موته قبل ذكاة أمّه بأمورٍ ، منها : أن يكون متحرّكاً في بطنها فتضرب فتسكن حركته ، ثمّ تذكّى ، فيخرج ميّتاً ، ومنها : أن يخرج رأسه ميّتاً ثمّ تذكّى . الصّورة الرّابعة : أن يخرج ميّتاً بعد تذكية أمّه بمدّةٍ لتواني المذكّي في إخراجه فلا يحلّ اتّفاقاً للشّكّ في أنّ موته كان بتذكية أمّه أو بالانخناق للتّواني في إخراجه . الصّورة الخامسة : أن يخرج ميّتاً عقب تذكية أمّه من غير أن يعلم موته قبل التّذكية ، فيغلب على الظّنّ أنّ موته بسبب التّذكية لا بسببٍ آخر . وهذه الصّورة هي محلّ الخلاف بين الفقهاء . فأبو حنيفة وزفر والحسن بن زيادٍ يرون أنّه لا يحلّ ، وأبو يوسف ومحمّدٌ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وجمهور الفقهاء من الصّحابة وغيرهم يقولون : إنّه لا بأس بأكله . غير أنّ المالكيّة اشترطوا الإشعار . وهو مذهب كثيرٍ من الصّحابة . وحجّة أبي حنيفة ومن معه قوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة } والجنين الّذي لم يدرك حيّاً بعد تذكية أمّه ميتةٌ ، وممّا يؤكّد ذلك أنّ حياة الجنين مستقلّةٌ ، إذ يتصوّر بقاؤها بعد موت أمّه فتكون تذكيته مستقلّةً . وحجّة أبي يوسف ومحمّدٍ والجمهور قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ذكاة الجنين ذكاة أمّه » وهذا يقتضي أنّه يتذكّى بذكاة أمّه ، واحتجّوا أيضاً بأنّه تبعٌ لأمّه حقيقةً وحكماً ، أمّا حقيقةٌ فظاهرٌ ، وأمّا حكماً فلأنّه يباع ببيع الأمّ ، ولأنّ جنين الأمّ يعتق بعتقها ، والحكم في التّبع يثبت بعلّة الأصل ، ولا تشترط له علّةٌ على حدةٍ ، لئلاّ ينقلب التّبع أصلاً . تناول المضطرّ للميتة ونحوها : 87 - أجمع المسلمون على إباحة أكل الميتة ونحوها للمضطرّ ، وقد ذكر اللّه عزّ وجلّ الاضطرار إلى المحرّمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم : الأوّل : - الآية /173 /من سورة البقرة ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } . الثّاني : - الآية الثّالثة من سورة المائدة ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } . الثّالث : - الآية/145/ من سورة الأنعام ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربّك غفورٌ رحيمٌ } . الرّابع : - الآية /119/من سورة الأنعام ، وقد جاء فيها : { وما لكم ألاّ تأكلوا ممّا ذكر اسم اللّه عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } . الخامس : - الآية/115/ من سورة النّحل ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } . 88 - فقوله تعالى : { فمن اضطرّ } معناه : فمن دفعته الضّرورة وألجأته إلى تناول الميتة ونحوها ، بأن يخاف عند ترك تناولها ضرراً على نفسه أو بعض أعضائه مثلاً . ( والباغي ) ، هو الّذي يبغي على غيره في تناول الميتة ، بأن يؤثر نفسه على مضطرٍّ آخر ، فينفرد بتناول الميتة ونحوها فيهلك الآخر من الجوع . وقيل : الباغي هو العاصي بالسّفر ونحوه ، وسيأتي الخلاف فيه ( ف/100 ) . ( والعادي ) : هو الّذي يتجاوز ما يسدّ الرّمق ويندفع به الضّرر ، أو يتجاوز حدّ الشّبع ، على الخلاف الآتي . ( والمخمصة ) : المجاعة ، والتّقييد بقوله تعالى : { في مخمصةٍ } . إنّما هو لبيان الحالة الّتي يكثر فيها وقوع الاضطرار ، وليس المقصود به الاحتراز عن الحالة الّتي لا مجاعة فيها ، فإنّ المضطرّ في غير المجاعة يباح له التّناول كالمضطرّ في المجاعة . ( والمتجانف للإثم ) هو المنحرف المائل إليه ، أي الّذي يقصد الوقوع في الحرام ، وهو البغي والعدوان المذكوران في الآيات الأخرى . 89 - وممّا ورد في السّنّة النّبويّة ما رواه أبو واقدٍ اللّيثيّ رضي الله عنه قال : قلت : « يا رسول اللّه إنّا بأرضٍ تصيبنا مخمصةٌ ، فما يحلّ لنا من الميتة ؟ فقال : إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها » . غير أنّهم اختلفوا في المقصود بالإباحة ، وفي حدّ الضّرورة المبيحة ، وفي تفصيل المحرّمات الّتي يبيحها الاضطرار ، وترتيبها عند التّعدّد ، وفي الشّبع أو التّزوّد منها ، وغير ذلك من المسائل . وبيان ذلك ما يأتي . المقصود بإباحة الميتة ونحوها : 90 - اختلف الفقهاء في المقصود بإباحة الميتة ونحوها ، فقال بعضهم : المقصود جواز التّناول وعدمه ، لظاهر قوله تعالى : { فلا إثم عليه } . وهذا القول ذهب إليه بعض المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وقال آخرون : إنّ المقصود بإباحة الميتة ونحوها للمضطرّ وجوب تناولها . وإلى هذا ذهب الحنفيّة ، وهو الرّاجح عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ودليله قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } وقوله عزّ وجلّ : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } . ولا شكّ أنّ الّذي يترك تناول الميتة ونحوها حتّى يموت يعتبر قاتلاً لنفسه ، وملقياً بنفسه إلى التّهلكة ، لأنّ الكفّ عن التّناول فعلٌ منسوبٌ للإنسان . 91 - ولا يتنافى القول بالوجوب عند القائلين به مع قوله تعالى : { فلا إثم عليه } لأنّ نفي الإثم في الأكل عامٌّ يشمل حالتي الجواز والوجوب ، فإذا وجدت قرينةٌ على تخصيصه بالوجوب عمل بها كما في قوله تعالى : { إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما } فنفي الجناح عن التّطوّف ، أي السّعي بين الصّفا والمروة ، مفهومٌ عامٌّ قد خصّص بما دلّ على وجوبه أو فرضيّته . حدّ الضّرورة المبيحة : 92 - قال أبو بكرٍ الجصّاص : معنى الضّرورة في الآيات خوف الضّرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل . وقد انطوى تحته معنيان : أحدهما : أن يحصل في وضعٍ لا يجد غير الميتة . والثّاني : أن يكون غيرها موجوداً ، ولكنّه أكره على أكلها بوعيدٍ يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه . وكلا المعنيين مرادٌ بالآية عندنا لاحتمالهما . وحالة الإكراه يؤيّد دخولها في معنى الاضطرار قول الرّسول عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » . ويؤخذ من " الدّرّ المختار " أنّ الضّرورة تشمل خوف الهلاك ، وخوف العجز عن الصّلاة قائماً أو عن الصّيام . وفسّر " الشّرح الصّغير " للمالكيّة الضّرورة بخوف الهلاك أو شدّة الضّرر . وفسّرها الرّمليّ الشّافعيّ في " نهاية المحتاج " بخوف الموت أو المرض أو غيرهما من كلّ محذورٍ يبيح التّيمّم ، وكذا خوف العجز عن المشي ، أو التّخلّف عن الرّفقة إن حصل له به ضررٌ ، وكذا إجهاد الجوع إيّاه بحيث لا يستطيع معه الصّبر . والمحذور الّذي يبيح التّيمّم عند الشّافعيّة هو حدوث مرضٍ أو زيادته أو استحكامه ، أو زيادة مدّته ، أو حصول شينٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ ، بخلاف الشّين الفاحش في عضوٍ باطنٍ . والظّاهر : ما يبدو عند المهنة كالوجه واليدين ، والباطن : بخلافه . ويعتمد في ذلك قول الطّبيب العدل في الرّواية . وإذا كان المضطرّ عارفاً في الطّبّ عمل بمقتضى معرفته ، ولا يعمل بتجربته إن كان مجرّباً ، على ما قاله الرّمليّ . وقال ابن حجرٍ : يعمل بها ، ولا سيّما عند فقد الطّبيب . وقال الحنابلة : إنّ الضّرورة أن يخاف التّلف فقط لا ما دونه ، هذا هو الصّحيح من المذهب ، وقيل : إنّها تشمل خوف التّلف أو الضّرر ، وقيل : أن يخاف تلفاً أو ضرراً أو مرضاً أو انقطاعاً عن الرّفقة يخشى معه الهلاك . تفصيل المحرمات التي تبيحها الضرورة : 93- ذكر في الآيات السابقة تحريم الميتة ، والدم ، ولم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والنخنقة ، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، فهذه كلها تبيحها الضرورة بلا خلاف . وكذا كل حيوان حي من الحيونات التي لا تؤكل يحل للمضطر قتله بذبح أو بغير ذبح للتوصل إلى أكله . وكذاما حرم من غير الحيونات لنجاسته، ويمثلون له بالترياق المشتمل على خمر ولحوم حيات . أما ما حرم لكونه يقتل الإنسان إذا تناوله، كالسموم ، فإن لا تبيحه الضرورة، لأن تناوله استعجال للموت وقتل للنفس، وهو من أكبر الكبائر.وهذا متفق عليه بين المذهب . 94-واختلفت الاجتهادات في الخمر فقال الحنفية :يشربها من خاف العطش ولم يجد غيرها، ولايشرب إلا قدر ما يدفع العطش، إن علم أنها تدفعه . وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لايشرب المضطر الخمر الصرفة للعطش، وإنما يشربها من غص بلقمة أو غيرها، فلم يجد ما يزيل الغصة سوى الخمر . شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ : 95 - إنّ الفقهاء في كلامهم عن الاضطرار وأحكامه الاستثنائيّة لم يجمعوا شروط إباحة الميتة وغيرها من المحرّمات لمضطرٍّ تحت عنوانٍ خاصٍّ بالشّروط ، بل يجدها المتتبّع مفرّقةً في خلال المسائل والأحكام . ويستخلص من كلامهم عن حالات الاضطرار وأحكامها أنّ الشّروط الشّرعيّة الّتي يشترطها فقهاء المذاهب لإباحة المحرّمات للمضطرّ نوعان : 1 - شروطٌ عامّةٌ متّفقٌ عليها بين المذاهب لجميع أحوال الاضطرار . 2 - شروطٌ عامّةٌ اشترطتها بعض المذاهب دون سواها . وفيما يلي بيان ذلك : أوّلاً : - الشّروط العامّة المتّفق عليها : 96 - يشترط في إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ بوجهٍ عامٍّ ثلاثة شروطٍ : الأوّل : - ألاّ يجد طعاماً حلالاً ولو لقمةً ، فإن وجدها وجب تقديمها ، فإن لم تغنه حلّ له المحرّم . الثّاني : - ألاّ يكون قد أشرف على الموت بحيث لا ينفعه تناول الطّعام ، فإن انتهى إلى هذه الحالة لم يحلّ له المحرّم . الثّالث : - ألاّ يجد مال مسلمٍ أو ذمّيٍّ من الأطعمة الحلال ، وفي هذا الشّرط بعض تفصيلٍ بيانه فيما يلي : 97 - قال الحنفيّة : لو خاف المضطرّ الموت جوعاً ، ومع رفيقه طعامٌ ليس مضطرّاً إليه فللمضطرّ أن يأخذ بالقيمة منه قدر ما يسدّ جوعته ، فإن لم يكن معه ما يؤدّي به القيمة حالاً لزمته ديناً في ذمّته . وإنّما تلزمه القيمة لأنّ من القواعد العامّة المقرّرة عندهم أنّ " الاضطرار لا يبطل حقّ الغير " . وكذا يأخذ من الماء الّذي لغيره ما يدفع العطش ، فإن منعه صاحبه قاتله المضطرّ بلا سلاحٍ ، لأنّ الرّفيق المانع في هذه الحال ظالمٌ . فإن خاف الرّفيق جوعاً أو عطشاً ترك له بعضه . ولا يحلّ له أن يدفع الجوع أو العطش بالمحرّمات كالميتة والخمر مع وجود حلال مملوكٍ لغيره ليس مضطرّاً إليه ، والمضطرّ قادرٌ على أخذه ولو بالقوّة . وجوّز المالكيّة في هذه الحال مقاتلة صاحب الطّعام بالسّلاح بعد الإنذار ، بأن يعلمه المضطرّ أنّه مضطرٌّ ، وأنّه إن لم يعطه قاتله ، فإن قتله بعد ذلك فدمه هدرٌ ، لوجوب بذل طعامه للمضطرّ ، وإن قتله الآخر فعليه القصاص . 98 - وقال الشّافعيّة والحنابلة : لو وجد المضطرّ طعاماً لغيره . فإن كان صاحبه غائباً ولم يجد المضطرّ سواه ، أكل منه وغرم عند قدرته مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً ، حفظاً لحقّ المالك . فإن كان صاحبه حاضراً ، فإن كان ذلك الحاضر مضطرّاً أيضاً لم يلزمه بذله للأوّل إن لم يفضل عنه ، بل هو أولى ، لحديثٍ : « ابدأ بنفسك ... » لكن يجوز له إيثاره على نفسه إن كان الأوّل مسلماً معصوماً ، واستطاع الثّاني الصّبر على التّضييق على نفسه . فإن فضل بعد سدّ رمقه شيءٌ لزمه بذله للأوّل . وإن لم يكن صاحب الطّعام الحاضر مضطرّاً لزمه إطعام المضطرّ . فإن منعه ، أو طلب زيادةً على ثمن المثل بمقدارٍ كثيرٍ جاز للمضطرّ قهره ، وإن أدّى إلى قتله ، ويكون دم المانع حينئذٍ مهدراً . وإن قتل المالك المضطرّ في الدّفع عن طعامه لزمه القصاص . وإن منع المالك الطّعام عن المضطرّ فمات هذا جوعاً لم يضمنه المانع بقصاصٍ ولا ديةٍ ، لأنّه لم يحدث فعلاً مهلكاً . فإن لم يمنع المالك الطّعام ، ولكن طلب ثمناً ، ولو بزيادةٍ على ثمن المثل بمقدارٍ يسيرٍ ، لزم المضطرّ قبوله به ، ولم يجز له قهره . ولو أطعمه ولم يذكر عوضاً فلا عوض له على الأرجح ، حملاً له على المسامحة المعتادة في الطّعام ، ولا سيّما في حقّ المضطرّ . وقيل : يلزمه ثمن المثل ، لأنّه خلص من الهلاك بذلك فيرجع عليه بالبدل ، فإن اختلفا في ذكر العوض صدّق المالك بيمينه ، إذ لو لم يصدّق لرغب النّاس عن إطعام المضطرّ ، وأفضى ذلك إلى الضّرر . ثانياً : - الشّروط العامّة المختلف فيها : 99 - اختلف فقهاء المذاهب في بعض الشّرائط المبيحة لأكل الميتة ونحوها من المحرّمات للمضطرّ : فاشترط الشّافعيّة أن يكون المضطرّ نفسه معصوم الدّم . فإن كان المضطرّ مهدر الدّم شرعاً كالحربيّ ، والمرتدّ ، وتارك الصّلاة الّذي استوجب القتل ، لم يجز له أكل المحرّمات من ميتةٍ أو غيرها إلاّ إذا تاب . أمّا مهدر الدّم الّذي لا تفيد توبته عصمة دمه ، كالزّاني المحصن ، والقاتل في قطع الطّريق الّذي قدر عليه الحاكم ، فقيل : لا يأكل الميتة حتّى يتوب وإن لم تكن توبته مفيدةً لعصمته . وقيل : لا يتوقّف حلّ الميتة له على توبته . 100 - واشترط الشّافعيّة والحنابلة ألاّ يكون المضطرّ عاصياً بسفره أو بإقامته . فإن كان كذلك لم يحلّ له تناول الميتة ونحوها حتّى يتوب . والعاصي بسفره أو بإقامته هو الّذي نوى بسفره أو إقامته المعصية ، أي هو الّذي سافر أو أقام لأجل المعصية ، كمن خرج من بلده ناوياً قطع الطّريق ، وكذا الّذي قصد بسفره أو إقامته أموراً مباحةً ثمّ قلبه معصيةً ، كمن سافر أو أقام للتّجارة ثمّ بدا له أن يجعل السّفر أو الإقامة لقطع الطّريق . وأمّا العاصي في أثناء السّفر - وهو من سافر سفراً مباحاً ، وفي أثناء سفره عصى بتأخير الصّلاة عن وقتها ، أو بالزّنى وهو غير محصنٍ ، أو بالسّرقة أو نحو ذلك - فلا يتوقّف حلّ أكله للميتة ونحوها على توبته . ومثله العاصي في إقامته ، كمن كان مقيماً في بلده لغرضٍ مباحٍ ، وعصى فيها بنحو ما سبق ، فإنّه يباح له الأكل من المحرّم إن اضطرّ إليه من غير توقّفٍ على التّوبة . والوجه لمنع المسافر سفر معصيةٍ أنّ أكل الميتة رخصةٌ ، والعاصي بسفره أو إقامته ليس من أهلها ، وأيضاً في الأكل المذكور عونٌ على المعصية فلا يجوز . 101 - أمّا الحنفيّة والمالكيّة ، فقالوا : لا يشترط في المضطرّ عدم المعصية ، لإطلاق النّصوص وعمومها . إطلاقٌ * التعريف : 1 - من معاني الإطلاق في اللّغة : التّخلية ، والحلّ والإرسال ، وعدم التّقييد . وعند الفقهاء والأصوليّين يؤخذ تعريف الإطلاق من بيان المطلق ، فالمطلق اسم مفعولٍ من أطلق ، والمطلق : ما دلّ على فردٍ شائعٍ ، أو هو : ما دلّ على الماهيّة بلا قيدٍ . أو هو : ما لم يقيّد بصفةٍ تمنعه أن يتعدّاها إلى غيرها . كما يراد بالإطلاق : استعمال اللّفظ في معناه حقيقةً كان أو مجازاً . كما يأتي أيضاً بمعنى النّفاذ ، فإطلاق التّصرّف نفاذه . الألفاظ ذات الصّلة : أ - العموم : 2 - تظهر صلة الإطلاق بالعموم من بيان العلاقة بين المطلق والعامّ ، فالمطلق يشابه العامّ من حيث الشّيوع حتّى ظنّ أنّه عامٌّ . لكن هناك فرقاً بين العامّ والمطلق ، فالعامّ عمومه شموليٌّ ، وعموم المطلق بدليٌّ . فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أنّ موارده غير منحصرةٍ . والفرق بينهما : أنّ عموم الشّموليّ كلّيٌّ يحكم فيه على كلّ فردٍ فردٍ . وعموم البدل كلّيٌّ من حيث إنّه لا يمنع نفس تصوّر مفهومه من وقوع الشّركة فيه ، ولكن لا يحكم فيه على كلّ فردٍ ، بل على فردٍ شائعٍ في أفراده ، يتناولها على سبيل البدل ، ولا يتناول أكثر من واحدٍ دفعةً . وفي تهذيب الفروق نقلاً عن الأنبابيّ : عموم العامّ شموليٌّ ، بخلاف عموم المطلق ، نحو رجلٍ وأسدٍ وإنسانٍ ، فإنّه بدليٌّ ، حتّى إذا دخلت عليه أداة النّفي أو أل الاستغراقيّة صار عامّاً . ب - التّنكير : 3 - يتّضح الفرق بين الإطلاق والتّنكير من بيان الفرق بين المطلق والنّكرة ، فيرى بعض الأصوليّين ، أنّه لا فرق بين النّكرة والمطلق ، لأنّ تمثيل جميع العلماء المطلق بالنّكرة في كتبهم يشعر بعدم الفرق . وفي تيسير التّحرير : المطلق والنّكرة بينهما عمومٌ من وجهٍ ، لصدقهما في نحو : تحرير رقبةٍ ، وانفراد النّكرة عنه إذا كانت عامّةً ، كما إذا وقعت في سياق النّفي ، وانفراد المطلق عنها في نحو اشتر اللّحم . هذا عند الإطلاق ، فإن قيّدت النّكرة كانت مباينةً للمطلق . الشّيء المطلق ومطلق الشّيء : 4 - الشّيء المطلق عبارةٌ عن الشّيء من حيث الإطلاق ، وهو ما صدق عليه اسم الشّيء بلا قيدٍ لازمٍ ، ومنه قول الفقهاء : يرفع الحدث بالماء المطلق أي غير المقيّد بقيدٍ ، فخرج به ماء الورد ، وماء الزّعفران ، والماء المعتصر من شجرٍ أو ثمرٍ ، وكذلك الماء المستعمل عند أكثر الفقهاء ، لأنّها مياهٌ مقيّدةٌ بقيدٍ لازمٍ لا يطلق الماء عليه بدونه ، بخلاف ماء البحر وماء البئر وماء السّماء ونحوها ، لأنّ القيود فيها غير لازمةٍ ، وتستعمل بدونها ، فهي مياهٌ مطلقةٌ . أمّا مطلق الشّيء فهو عبارةٌ عن الشّيء من حيث هو من غير أن يلاحظ معه الإطلاق أو التّقييد ، فيصدق على أيّ شيءٍ مطلقاً كان أو مقيّداً . ومنه قولهم : مطلق الماء ، فيدخل فيه الماء الطّاهر والطّهور والنّجس وغيرها من أنواع المياه المقيّدة ( كماء الورد والزّعفران ) والمطلقة . فالشّيء المطلق أخصّ من مطلق الشّيء ( الشّامل للمقيّد ) . ومثل ذلك ما يقال في البيع المطلق ، ومطلق البيع ، والطّهارة المطلقة ، ومطلق الطّهارة وأمثالها . مواطن الإطلاق : 5 - يتناول الأصوليّون الإطلاق في عدّة مواضع منها : مسألة حمل المطلق على المقيّد ، ومنها : مقتضى الأمر هل هو للتّكرار أو لا ؟ وهل هو للفور أو لا ؟ وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ . مواطن الإطلاق عند الفقهاء : أوّلاً : إطلاق النّيّة في الطّهارة : أ - الوضوء والغسل : 6 - لو نوى المتوضّئ مطلق ( الطّهارة ) أو مطلق ( الوضوء ) ، لا لرفع حدثٍ ، ولا لاستباحة صلاةٍ ، أو نحوها ، ففي ارتفاع الحدث وعدمه رأيان : أحدهما : أنّه لا يرتفع ، لعدم نيّته له . وهذا أحد الرّأيين عند الجمهور ، وهم الّذين يشترطون النّيّة لصحّة الطّهارة . وعلّلوا لذلك بأنّ الطّهارة قسمان : طهارة حدثٍ ، وطهارة نجسٍ ، فإذا قصد الطّهارة المطلقة ، فإنّ ذلك لا يرفع الحدث . والرّأي الأصحّ للجمهور أنّه يرتفع ، لأنّ الطّهارة والوضوء إنّما ينصرف إطلاقهما إلى المشروع ، فيكون ناوياً لوضوءٍ شرعيٍّ . ولا دخل لمذهب الحنفيّة في هذه المسألة ، فالنّيّة سنّةٌ عندهم وليست شرطاً في الوضوء . ب - التّيمّم : 7 - جمهور الفقهاء على أنّ المتيمّم لو نوى استباحة الصّلاة ، وأطلق ولم يقيّد تلك الصّلاة بفرضٍ أو نفلٍ ، صلّى النّافلة مع هذا الإطلاق . وللشّافعيّة وجهٌ ضعيفٌ أنّه لا يستبيح به النّفل . وللفقهاء في صلاة الفرض بهذا التّيمّم رأيان : أحدهما : صحّة صلاة الفرض ، وهو قول الحنفيّة ، وقولٌ عند الشّافعيّة اختاره إمام الحرمين والغزاليّ ، لأنّها طهارةٌ يصحّ بها النّفل ، فصحّ بها الفرض كطهارة الماء ، ولأنّ الصّلاة اسم جنسٍ تتناول الفرض والنّفل . الثّاني : أنّه لا يستبيح به الفرض ، وهو قول المالكيّة ، والحنابلة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة . إطلاق النّيّة في الصّلاة : أ - صلاة الفرض : 8 - جمهور الفقهاء على أنّه يشترط التّعيين في نيّة الفرض وأنّ الإطلاق لا يكفي . قال الحنفيّة : وكذا الواجب من وترٍ أو نذرٍ أو سجود تلاوةٍ ، وكذا يشترط التّعيين في نيّة سجدة الشّكر ، بخلاف سجود السّهو . وفي روايةٍ عن أحمد أنّه لا يشترط التّعيين في نيّة صلاة الفرض . ب - النّفل المطلق : 9 - يتّفق الفقهاء على أنّ الإطلاق يكفي في نيّة صلاة النّفل المطلق ، وألحق بعض الشّافعيّة بالنّفل المطلق تحيّة المسجد ، وركعتي الوضوء ، وركعتي الإحرام ، وركعتي الطّواف ، وصلاة الحاجة ، وصلاة الغفلة بين المغرب والعشاء ، والصّلاة في بيته إذا أراد الخروج للسّفر ، والمسافر إذا نزل منزلاً وأراد مفارقته . ج - السّنن الرّواتب ، والمؤقّتة : 10 - للفقهاء في إطلاق النّيّة في صلاة السّنّة الرّاتبة ، والمؤقّتة رأيان : الأوّل : أنّه لا يكفي الإطلاق لحصول تلك السّنّة الرّاتبة . وهو قول المالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة باستثناء النّوافل الّتي ألحقت بالنّفل المطلق عند البعض والّتي سبق ذكرها . وهو قول جماعةٍ من الحنفيّة ، قالوا : لأنّ السّنّة وصفٌ زائدٌ على أصل الصّلاة ، كوصف الفرضيّة ، فلا تحصل بمطلق نيّة الصّلاة . الثّاني : صحّة النّيّة مع الإطلاق ، وهو أحد قولين للحنفيّة مصحّحين ، واعتمده بعضهم . وفي المحيط أنّه قول عامّة المشايخ ، ورجّحه في الفتح ، ونسبه إلى المحقّقين . إطلاق النّيّة في الصّوم : 11 - للفقهاء في إطلاق نيّة الصّوم رأيان : الأوّل : عدم الصّحّة مع الإطلاق ، وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستدلّوا له بأنّه صومٌ واجبٌ فوجب تعيين النّيّة له . والثّاني : صحّة الصّوم ، وهو قول الحنفيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، ووجهٌ شاذٌّ للشّافعيّة حكاه صاحب التّتمّة عن الحليميّ ، واستدلّوا لذلك بأنّه فرضٌ مستحقٌّ في زمنٍ بعينه ، فلا يجب تعيين النّيّة له . إطلاق نيّة الإحرام : 12 - إذا نوى مريد النّسك نفس الإحرام ، وأطلق بأن لم يقصد القران ، ولا التّمتّع ولا الإفراد جاز بلا خلافٍ ، لأنّ الإحرام يصحّ مع الإبهام فيصحّ مع الإطلاق . وله صرفه إلى أيّ نوعٍ شاء من أنواع الإحرام الثّلاثة ، إن كان ذلك قبل الشّروع في أعمال الإحرام ، وكان في أشهر الحجّ ، غير أنّ المالكيّة والحنابلة قالوا : الأولى الصّرف إلى العمرة ، لأنّ التّمتّع أفضل . وما عمله قبل التّعيين فلغوٌ عند الشّافعيّة ، والحنابلة ، وعند الحنفيّة والمالكيّة ، يعتدّ بما أتى به من الشّعائر ، غير أنّهم يختلفون فيما تصرف النّيّة له ، فقال الحنفيّة : تصرف إلى العمرة إن لم يعيّن ، وقد طاف ، لكن في اللّباب وشرحه لو وقف بعرفة قبل الطّواف تعيّن إحرامه للحجّ ، ولو لم يقصد الحجّ في وقوفه . وقال المالكيّة : يجب صرفه إلى الحجّ إن وقع الصّرف بعد طواف قدومٍ . 13 - وإن كان الإحرام بنسكٍ ولم يعيّن وذلك في غير أشهر الحجّ - على كراهته أو امتناعه عند الحنابلة - فالحكم لا يختلف عندهم في أنّ الأولى صرف النّيّة إلى العمرة . وكذا لا يختلف الحكم عند المالكيّة في غير أشهر الحجّ عن أشهر الحجّ إن كان طاف قبل التّعيين - يجب صرف النّيّة للحجّ - ويؤخّر سعيه لإفاضته ، فإن لم يكن قد طاف كره صرف النّيّة إلى الحجّ ، لأنّه أحرم به قبل وقته . وفصّل الشّافعيّة في ذلك فقالوا : إن أحرم قبل الأشهر ، فإن صرفه إلى العمرة صحّ ، وإن صرفه إلى الحجّ بعد دخول الأشهر فوجهان ، الصّحيح : لا يجوز بل انعقد إحرامه ، ( أي عمرةً ) . والثّاني : ينعقد مبهماً ، وله صرفه بعد دخول أشهر الحجّ إلى حجٍّ أو قرانٍ ، فإن صرفه إلى الحجّ قبل الأشهر كان كمن أحرم بالحجّ قبل الأشهر . 14 - وهل الإطلاق أفضل أم التّعيين ؟ رأيان : أحدهما : أنّ التّعيين أفضل ، وهو قول الحنابلة ، فقد صرّحوا باستحباب التّعيين ، وبه قال مالكٌ ، وهو قول بعض الشّافعيّة . ثانيهما : الإطلاق أفضل ، وهو الأظهر ند الشّافعيّة . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
الموسوعة الفقهية