الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 33724" data-attributes="member: 329"><p>أما المستشرقون فيمثلهم كتاب دائرة المعارف الإسلامية، حيث يزعم أحدهم أن الصحابة والتابعين عندما انتهوا من الفتوحات قاموا بتفهم القرآن، حيث يقول: (ولما استقر المسلمون بعد الفتوحات, ودخل من دخل في الإسلام من أرباب الديانات المختلفة, عكف المسلمون من جهة على فهم القرآن، والتعمق في الفهم، وأثار بعض هؤلاء الذين التحقوا بالإسلام دون أن يتبطنوه من جهة أخرى كثيراً من عقائدهم الدينية، وصاروا يتجادلون حولها، ويجادلون المسلمين فيها، في هذا المرحلة نجد الآيات المتشابهات في القرآن يتسعرضها المفكرون ويحللونها, ويحاول كل أحد أن يخضعها لما يرى, إما بأخذها على ظواهرها، وإما بتأويلها تنزيهاً لله تعالى، عما يوهم التشبيه في الذات أو الصفات وإما بالإيمان بها كما جاءت دون تعرض لها بتفسير أو تأويل, وكان نتيجة هذه المواقف من تلك الآيات ظهور فرقة المشبهة والمجسمة, وفرقة المعتزلة النافية للصفات مبالغة في التنزيه, والصفاتية، وهم جمهور السلف الذين بين بين) </p><p>ويردد أحمد أمين نفس فكرة المستشرقين فيقول: (إن المسلمين لما فرغوا من الفتح واستقر بهم الأمر، واتسع لهم الرزق، أخذ عقلهم يتفلسف في الدين، فيثير خلافات دينية، ويجتهد في بحثها، والتوفيق بين مظاهرها, ويكاد يكون هذا مظهراً عاماً في كل ما نعرفه من أديان, فهي أول أمرها عقيدة ساذجة، قوية لا تأبه الخلاف ولا تلتفت إلى بحث) </p><p>وهذه المزاعم في غاية البطلان وذلك لأن الصحابة قد اكتملت معالم عقيدتهم وشريعتهم قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, ولقد كانت الأحداث التي عاشوها رضوا ن الله عليهم، والآيات التي خوطبوا بها ابتداء والتي تتحدث عن كل مسائل العقيدة هي الزاد الحقيقي الذي فهموا فيه أمور عقيدتهم، والتي عرضت بوضوح وشمول كبير أغناهم عن البحث, والتنقير, والابتداع, أو السؤال, فانطلقوا بهذا التصور الكامل عن الإله الحق، ووعده الحق لهم بالجزاء الحسن بالجنة، وأنه رضي الله عنهم، ورضوا عنه، انطلقوا يفتحون الدنيا شرقاً وغرباً، وقد امتلأت قلوبهم حباً وعقولهم معرفة وفهماً لكل معاني الصفات ويمثل هذا ا لكمال في الفهم والمعرفة ما رواه البخاري عن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا، لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت: يوم عرفة، وإنا والله بعرفة، قال سفيان، وأشك كان يوم الجمعة أم لا {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]).</p><p>فقد أكمل الله دينه، وفهمته العصبة المؤمنة تمام الفهم، وأعرض عمر رضي الله عنه عن مزاعم اليهود، بأخذهم يوم نزول الآيات أعياداً، وأخبرهم عن علمه بزمان نزولها ومكان نزولها، فكانت تفيد تمام هذا الدين، وأعظم ما فيه مسائل العقيدة، ومن أخصها توحيد الإله الحق بأسمائه، وصفاته والإيمان الحق، وعدم تعريضها للجدال والخصومة، ولم يكن الصحابة ولا التابعين سلفاً لمن زاغت عقيدته فمال إلى التأويل, والتعطيل, أو مال إلى التشبيه, فإن الصحابة والتابعين ما كانوا يعدلون بالقرآن والسنة أي فكر بشري أبداً، وإنما الذين تفلسفوا هم قنائص زنادقة البلاد المفتوحة, الذين دخلوا في جدال معهم؛ كالجعد والجهم، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء وغيرهم الذين سقطوا في حمأة البدعة الممقوتة، وفتحوا باب الشرور على الأمة</p><p>المطلب الرابع: إبطال التعليل الباطل لسكوت الصحابة، وعدم سؤالهم عن الصفات الإلهية</p><p>ومن المزاعم الباطلة التي قيلت حول عقيدة الصحابة سكوتهم، وعدم خوضهم في الصفات وعدم سؤالهم عنها، وهذا الزعم في غاية الفساد والبطلان وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم، إنما سكتوا عن الخوض في الصفات ولم يسألوا عنها؛ لأنهم وجدوا أن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم قد كفتهم مؤنة التكلف والسؤال فقد أحاطت الآيات والأحاديث بكل ما يخص الإله الحق من أسمائه وصفاته، وكل مسائل العقيدة فقد وردت بشتى الأشكال والصور التي يطول حصرها كما ذكرنا من قبل.</p><p>ويقرر شيخ الإسلام رحمه الله هذه الشبهة ويرد عليها فيقول: (وصار كثير منهم يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف أصول الدين, ومنهم من هاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن، يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائراً كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس أحوج منهم إلى غيرهم) .</p><p>ويرد شيخ الإسلام فيقول: (فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة، ثم التابعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نقلوها أيضاً عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب) .</p><p>ومما يؤكد أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا في غنى عن السؤال, وإنما سكتوا عن فهم وعلم، ما سبق، وذكرنا من هيمنة مسائل الصفات على الكتاب والسنة، واستيعابها من قبلهم بأعلى درجات الاستيعاب، ولو احتاجوا إلى السؤال لسألوا كما سألوا عن رؤية الله عز وجل، وكسؤال أبي رزين العقيلي أين كان ربنا؟ وقول ذلك الصحابي: أيضحك ربنا؟ وسؤالهم عن القدر، وعن مسائل الآخرة من الحساب، والجنة والنار، فلم يكن هناك حجر على السؤال عن مسائل الاعتقاد، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق، ومعرفة الخطأ من الصواب فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه, ولا يشتاقون إلى معرفته, ولا تطلب قلوبهم الحق فيه، وهم ليلاً ونهاراً، يتوجهون بقلوبهم إليه سبحانه، ويدعونه تضرعاً وخفية، ورغباً ورهباً، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد وهم قادرون على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم, وسؤال بعضهم بعضاً، وقد سألوا عما دون ذلك, سألوه: أنرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رزين: أيضحك الرب؟ فقال: نعم، فقال، لن نعدم من رب يضحك خيراً) .</p><p>وغاية القول أن سكوت الصحابة وعدم سؤالهم عن حقائق الصفات وكيفيتها كان لوجود هذا الفهم، والإيمان وعدم تعرض عقولهم لشبهات الشك والحيرة، ولوفرة النصوص القرآنية، والنبوية التي أفاضت في البيان فلم تبقى لأنفسهم مجالاً للتساؤل فكان هذا البيان وهذا الوضوح وسلامة الاعتقاد من أعظم أسباب استقرار عصر الصحابة والتابعين وبعدهم عن الجدال والبدع العقدية فانصرفوا إلى خدمة دينهم، فانطلقوا يفتحون الأمصار شرقاً وغرباً، ويزكون أنفسهم بقراءة كتابه وتتبع سنة نبيه، واجتهدوا بالعبادات، والطاعات النافعة بخلاف من تقاصرت أفهامهم، وضعف إيمانهم، ويقينهم فراموا ابتداع تصور جديد عن الإله الحق فوقعوا في الفتن التي كانت سبباً في حيرتهم وشكهم, وكان من خيارهم الذين امتن الله عليهم بالهداية قبل موتهم أن ندموا أشد الندم على مخالفة منهج الصحابة والتابعين</p><p>المطلب الخامس: إبطال الزعم أن الصحابة والتابعين أقاموا العقيدة على أسس غير دقيقة باعتمادهم على أخبار الآحاد</p><p>وقد ابتدع هذا القول فرق الابتداع على مختلف مشاربها، وأولهم المعتزلة؛ الذين حكموا عقولهم بالنصوص الشرعية، بزعم أن العقائد لا تثبت عندهم إلا إذا بلغ الخبر حد التواتر، وهذا الشرط الذي وضعوه كان دافعه المنهج المبتدع الذي اختطوه في رد معظم العقائد التي جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى.</p><p>يقول الشيخ عمر الأشقر: (والناظر في كلام سلفنا الصالح يعلم أنهم كانوا يثبتون العقائد بنصوص القرآن والحديث، لا يفرقون بين المتواتر والآحاد، ولا يفرقون في الاحتجاج بين العقائد والأحكام، ولم يعرف أحد خالف في هذا من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولا من الأئمة المرضيين؛ أمثال الأئمة الأربعة، وكان السلف الصالح وما يزال أتباعهم ينكرون أشد الإنكار على الذين يرغبون إلى ترك الأحاديث والنصوص، والاحتكام إلى العقل، ويسفهون من قال بذلك.</p><p>ونبتت نابتة ترفض الاحتجاج والأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد, وعندما سئل هؤلاء عن مستندهم وجدناهم يستدلون بحجة الخوارج والمعتزلة، الذين رفضوا أحاديث الآحاد في العقائد والأحكام، فنراهم يقولون: الأحاديث الآحاد لا تفيد اليقين, والعقائد لا تبنى إلا على اليقين) </p><p>وعلماء أهل السنة مجمعون على الأخذ بخبر الآحاد في العقائد قال الإمام الشافعي: (فقال لي قائل: احدد لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم؛ حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟ فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من انتهى به إلى دونه) .</p><p>ثم يفصل قوله هذا، فيقول : (فإن قال قائل: أذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر، أو دلالة فيه، أو إجماع فقلت له: أخبرنا سفيان بن عبدالملك بن عمير عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين, ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) فلما ندب رسول الله إلى سماع مقالته، وحفظها، وأدائها إمرءاً يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال, وحرام يجتنب, وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا) .</p><p>وقال ابن الأثير: (فإن الصحيح من المذاهب والذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأئمة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء والمتكلمين: أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلاً، ولا يجب التعبد عقلاً، وأن لا تنحصر، وإنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله، وقضاته، وأمراءه وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد, وبإجماع الأمة على أن العامي مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر عن السماع الذي لا شك فيه أولى بالتصديق) .</p><p>ويقول ابن القيم رحمه الله: (وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها؛ فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم من بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم، تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقها عن التابعين كذلك وكذلك تابع التابعين مع التابعين, هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم، وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتهم، ونقل الأذان والتشهد، والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه, وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل، على أن كثيراً من القادحين في دين الإسلام قد طردوه، وقالوا، لا وثوق لنا بشيء من ذلك البتة) .</p><p>وقد أتى ابن القيم رحمه الله بواحد وعشرين دليلاً على صحة خبر الآحاد، وقال إن مقصود المبتدعة هو رد الأخبار في مسائل العقيدة حسب أصولهم الفاسدة, مع أنهم يحتجون بأخبار الآحاد؛ لتأييد بدعتهم، فيقول: (وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، فلا بد من نقله بطريق التواتر؛ لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية، والمعتزلة وكان مقصدهم منه رد الأخبار, وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت, ولن يقفوا على مقصودهم من هذا القول, ولو أنصف أهل الفرق في الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد – ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)) .</p><p> وبقوله عن ربه: ((خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين)) .</p><p>وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: ((من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة)) </p><p> وذكر احتجاج الشيعة، والخوارج ثم قال: إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق، ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث، ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد, وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله، ومسائل القدر، والرؤية وأصول الإيمان, والشفاعة، والحوض, وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة, وفي الترغيب, والترهيب، والوعد, والوعيد) .</p><p>وقد ترتب على عدم احتجاج هؤلاء المبتدعة بخبر الآحاد أن أنكروا جملة من عقائد الإسلام التي آمن بها الصحابة والتابعون، وجمهور الأمة من بعدهم، حيث يقول الشيخ الألباني: (أنكروا جملة من العقائد؛ منها:</p><p>1- نبوة آدم – عليه السلام، وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.</p><p>2- أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، على غيره من الأنبياء.</p><p>3- شفاعته صلى الله عليه وسلم العظمى في المحشر.</p><p>4- شفاعته لأهل الكبائر من أمته.</p><p>5- معجزاته صلى الله عليه وسلم كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر فإنها مع ذكرها في القرآن تأولها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.</p><p>6- صفاته البدنية, وبعض شمائله الخلقية.</p><p>7- الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق, وصفة الملائكة, والجن, والجنة, والنار, وأنهما مخلوقتان, وأن الحجر الأسود من الجنة.</p><p>8- خصوصياته مثل دخول الجنة، ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين, وإسلام قرينه من الجن، وغير ذلك.</p><p>9- القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.</p><p>10- الإيمان بعذاب القبر.</p><p>11- الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.</p><p>12- الإيمان بضغطة القبر.</p><p>13- الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.</p><p>14- الإيمان بالصراط.</p><p>15- الإيمان بالحوض.</p><p>16- دخول سبعين ألفاً من أمته الجنة بغير حساب.</p><p>17- الإيمان بكل ما صح في الحديث عن صفة القيامة، والحشر, والنشر.</p><p>18- الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره.</p><p>19- الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.</p><p>20- الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازاً.</p><p>21- الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازاً.</p><p>22- الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار وغيرها. حتى عدد 30 معتقداً يفضي عدم الأخذ بأحاديث الآحاد إلى إنكارها وعدم الاعتقاد بها.</p><p>وهكذا تبدو خطورة هذا الانحراف الذي قالت به فرق الابتداع التي ردت عقائد الإسلام, التي آمن بها الصحابة الكرام الذين تلقوها عن الصادق المصدوق، وكانت لهم بشرى من الله نالوا بها الرضوان والثواب العظيم، وكانت وما زالت الأمة على هذه المعتقدات لم تهزها في نفوسهم زوابع أهل الفتنة على مر الأزمان والحمد لله رب العالمين. </p><p>• المبحث الثامن: وظيفة العقل في باب الصفات.</p><p>تمهيد: العلاقة بين العقل والشرع</p><p>من تمام تكريم الإسلام للعقل إعماله فيما خلق له، وهيئ من أجله، وحجبه عن التهوك والخوض فيما لا سبيل له ولا قدرة عليه. </p><p>وباب الصفات يتضمن علوماً ضرورية، وعلوماً نظرية، وعلوماً غيبية، فالعلوم الضرورية يتفق عليها جميع العقلاء. والعلوم النظرية يتفاوت الناس في إدراكها بحسب ما أتوا من قدرات ذهنية وتدبر ونظر, وأما العلوم الغيبية فتعلق العقل بها من جهتين: </p><p>أولاً: العلم بها: وهذا لا يستقل به العقل، ولا يهتدي إليه من حيث هو إلا أن يهدى إليه بخبر الصادق، فيعلمه حينئذ علماً معنوياً عاماً مبنياً على الاشتراك الذهني مع ما يوافقه في عالم الشهادة. </p><p>ثانيا: إدراك تفاصيلها وكيفياتها: وهذا لا سبيل إليه مطلقاً، إذ أنه قاصر قصوراً ذاتياً عن بلوغ دركه والإحاطة بعلمه. </p><p>ومع كون العقل لا يستقل بالعلم بباب الصفات على سبيل التفصيل، فضلاً عن إدراك كيفية جميع الصفات، فإنه لا يحيل ذلك ولا يمنعه كما يمنع المستحيلات العقلية، مثل اجتماع النقيضين في محل واحد، أو ارتفاعهما عنه معاً، بل يقف من هذه النصوص الغيبية الخبرية موقف التسليم إذا صح النقل وسلمت الرواية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه) ، وقال أيضاً: (فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئاً من الحق، ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه. لكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول، لا بمحالات العقول. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة، التي رواها عبدوس بن مالك العطار، قال: (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول)، هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول) .</p><p>والعقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح السالم من العلل والقوادح في سنده ومتنه. وسر ذلك أن كلاً منهما من الله، فالعقل خلقه والنقل خبره وأمره، {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [ الأعراف: 54]. فكيف يختلفان! قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [ النساء: 82]. ولهذا فإن العلاقة بين العقل والشرع لها حالان لا ثالث لهما: </p><p>- فإما أن يؤيد العقل الشرع ويصدقه ويدل عليه. </p><p>- وإما أن يسلم له، ويجوز ما جاء به. </p><p>ولا يمكن أن يكون الثالث: وهو أن يعارضه ويخالفه. </p><p>وهذه الموافقة بين العقل الصريح والنقل الصحيح تقع من الطرفين، بحيث يصدق أحدهما الآخر، أو لا يعارضه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (.. كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، وإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده كان عارفاً بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول.. وكذلك (العقليات الصريحة) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً، لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول) .</p><p>ولما كان (النقل الصحيح) معصوماً محفوظاً، وكان العقل عرضة للزلل والانحراف، كان للنقل على العقل وصاية وحماية. فلا قياس في مقابلة النص، وإذا قدر ظهور تعارض بين العقل والنقل الصحيح، فالنقل ثابت والعقل متهم. فالنقل يحوط العقل ويسوسه ويوجهه الوجهة الصحيحة، ويحفظه من الزيغ. </p><p>كما أن النقل الصحيح ينير الطريق للعقل، ويوفر عليه الجهد، كما مثل شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم أثر النقل على العقل بقوله: (إن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها)</p><p>المطلب الأول: من وظائف العقل في باب الصفات فهم معانيها</p><p>فإن الله سبحانه وتعالى خاطب عباده بلسان عربي مبين، وجعل كتابه تبياناً لكل شيء وشفاء لما في الصدور. ولم يستثن نوعاً من الآيات يمتنع فهمها ومعرفة معناها. قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 193- 195]. وقال أيضاً: {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12]. وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]. ولا يمكن أن تتحقق النذارة المذكورة إلا بفهم معناه وتعقله. ولهذا قال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]. فالتلازم بين كونه عربياً وتعقله واضح. فالألفاظ إنما هي أوعية للمعاني. كما أن عربية القرآن سبب لحصول التقوى الناشئة من الفهم. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113]. وعربية القرآن سبب لحصول العلم الذي هو ثمرة الفهم للمعنى. قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]. وقد قطع الله حجة الذين قد يتعللون بعدم فهمه بجعله عربياً مفهوم المعنى لدى المخاطبين فقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} [فصلت: 44]. </p><p>فالعقل مدعو لفهم خطاب الشارع دون استثناء، ومن ادعى استثناء نص معين, أو نوع معين من النصوص طولب بالدليل، ولا دليل. </p><p>ومن أمثلة فهم معاني ما أخبر الله عن نفسه من الأسماء والصفات، قول الإمام الأصبهاني أبي القاسم إسماعيل بن محمد في شرح أسماء الله الحسنى: (ومن أسماء الله تعالى: الحليم: حليم عمن عصاه لأنه لو أراد أخذه في وقته أخذه، فهو يحلم عنه ويؤخره إلى أجله، وهذا الاسم وإن كان مشتركاً يوصف به المخلوق، فحلم المخلوقين حلم لم يكن في الصغر ثم كان في الكبر، وقد يتغير بالمرض, والغضب, والأسباب الحادثة، ويفنى حلمه بفنائه، وحلم الله عز وجل لم يزل ولم يزول. والمخلوق يحلم عن شيء ولا يحلم عن غيره، ويحلم عمن لا يقدر عليه، والله تعالى حليم مع القدرة) .</p><p>فهذا مثال للمنهج الشرعي في فهم نصوص الصفات تضمن إثبات المعنى المشترك للفظ الصفة المعهود بالأذهان، ثم فرق بين ما ينبغي للخالق وما ينبغي للمخلوق، وأن لله تعالى المثل الأعلى. وهكذا صنع في بقية الأسماء والصفات.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 33724, member: 329"] أما المستشرقون فيمثلهم كتاب دائرة المعارف الإسلامية، حيث يزعم أحدهم أن الصحابة والتابعين عندما انتهوا من الفتوحات قاموا بتفهم القرآن، حيث يقول: (ولما استقر المسلمون بعد الفتوحات, ودخل من دخل في الإسلام من أرباب الديانات المختلفة, عكف المسلمون من جهة على فهم القرآن، والتعمق في الفهم، وأثار بعض هؤلاء الذين التحقوا بالإسلام دون أن يتبطنوه من جهة أخرى كثيراً من عقائدهم الدينية، وصاروا يتجادلون حولها، ويجادلون المسلمين فيها، في هذا المرحلة نجد الآيات المتشابهات في القرآن يتسعرضها المفكرون ويحللونها, ويحاول كل أحد أن يخضعها لما يرى, إما بأخذها على ظواهرها، وإما بتأويلها تنزيهاً لله تعالى، عما يوهم التشبيه في الذات أو الصفات وإما بالإيمان بها كما جاءت دون تعرض لها بتفسير أو تأويل, وكان نتيجة هذه المواقف من تلك الآيات ظهور فرقة المشبهة والمجسمة, وفرقة المعتزلة النافية للصفات مبالغة في التنزيه, والصفاتية، وهم جمهور السلف الذين بين بين) ويردد أحمد أمين نفس فكرة المستشرقين فيقول: (إن المسلمين لما فرغوا من الفتح واستقر بهم الأمر، واتسع لهم الرزق، أخذ عقلهم يتفلسف في الدين، فيثير خلافات دينية، ويجتهد في بحثها، والتوفيق بين مظاهرها, ويكاد يكون هذا مظهراً عاماً في كل ما نعرفه من أديان, فهي أول أمرها عقيدة ساذجة، قوية لا تأبه الخلاف ولا تلتفت إلى بحث) وهذه المزاعم في غاية البطلان وذلك لأن الصحابة قد اكتملت معالم عقيدتهم وشريعتهم قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, ولقد كانت الأحداث التي عاشوها رضوا ن الله عليهم، والآيات التي خوطبوا بها ابتداء والتي تتحدث عن كل مسائل العقيدة هي الزاد الحقيقي الذي فهموا فيه أمور عقيدتهم، والتي عرضت بوضوح وشمول كبير أغناهم عن البحث, والتنقير, والابتداع, أو السؤال, فانطلقوا بهذا التصور الكامل عن الإله الحق، ووعده الحق لهم بالجزاء الحسن بالجنة، وأنه رضي الله عنهم، ورضوا عنه، انطلقوا يفتحون الدنيا شرقاً وغرباً، وقد امتلأت قلوبهم حباً وعقولهم معرفة وفهماً لكل معاني الصفات ويمثل هذا ا لكمال في الفهم والمعرفة ما رواه البخاري عن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا، لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت: يوم عرفة، وإنا والله بعرفة، قال سفيان، وأشك كان يوم الجمعة أم لا {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]). فقد أكمل الله دينه، وفهمته العصبة المؤمنة تمام الفهم، وأعرض عمر رضي الله عنه عن مزاعم اليهود، بأخذهم يوم نزول الآيات أعياداً، وأخبرهم عن علمه بزمان نزولها ومكان نزولها، فكانت تفيد تمام هذا الدين، وأعظم ما فيه مسائل العقيدة، ومن أخصها توحيد الإله الحق بأسمائه، وصفاته والإيمان الحق، وعدم تعريضها للجدال والخصومة، ولم يكن الصحابة ولا التابعين سلفاً لمن زاغت عقيدته فمال إلى التأويل, والتعطيل, أو مال إلى التشبيه, فإن الصحابة والتابعين ما كانوا يعدلون بالقرآن والسنة أي فكر بشري أبداً، وإنما الذين تفلسفوا هم قنائص زنادقة البلاد المفتوحة, الذين دخلوا في جدال معهم؛ كالجعد والجهم، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء وغيرهم الذين سقطوا في حمأة البدعة الممقوتة، وفتحوا باب الشرور على الأمة المطلب الرابع: إبطال التعليل الباطل لسكوت الصحابة، وعدم سؤالهم عن الصفات الإلهية ومن المزاعم الباطلة التي قيلت حول عقيدة الصحابة سكوتهم، وعدم خوضهم في الصفات وعدم سؤالهم عنها، وهذا الزعم في غاية الفساد والبطلان وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم، إنما سكتوا عن الخوض في الصفات ولم يسألوا عنها؛ لأنهم وجدوا أن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم قد كفتهم مؤنة التكلف والسؤال فقد أحاطت الآيات والأحاديث بكل ما يخص الإله الحق من أسمائه وصفاته، وكل مسائل العقيدة فقد وردت بشتى الأشكال والصور التي يطول حصرها كما ذكرنا من قبل. ويقرر شيخ الإسلام رحمه الله هذه الشبهة ويرد عليها فيقول: (وصار كثير منهم يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف أصول الدين, ومنهم من هاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن، يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائراً كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس أحوج منهم إلى غيرهم) . ويرد شيخ الإسلام فيقول: (فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة، ثم التابعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نقلوها أيضاً عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب) . ومما يؤكد أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا في غنى عن السؤال, وإنما سكتوا عن فهم وعلم، ما سبق، وذكرنا من هيمنة مسائل الصفات على الكتاب والسنة، واستيعابها من قبلهم بأعلى درجات الاستيعاب، ولو احتاجوا إلى السؤال لسألوا كما سألوا عن رؤية الله عز وجل، وكسؤال أبي رزين العقيلي أين كان ربنا؟ وقول ذلك الصحابي: أيضحك ربنا؟ وسؤالهم عن القدر، وعن مسائل الآخرة من الحساب، والجنة والنار، فلم يكن هناك حجر على السؤال عن مسائل الاعتقاد، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق، ومعرفة الخطأ من الصواب فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه, ولا يشتاقون إلى معرفته, ولا تطلب قلوبهم الحق فيه، وهم ليلاً ونهاراً، يتوجهون بقلوبهم إليه سبحانه، ويدعونه تضرعاً وخفية، ورغباً ورهباً، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد وهم قادرون على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم, وسؤال بعضهم بعضاً، وقد سألوا عما دون ذلك, سألوه: أنرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رزين: أيضحك الرب؟ فقال: نعم، فقال، لن نعدم من رب يضحك خيراً) . وغاية القول أن سكوت الصحابة وعدم سؤالهم عن حقائق الصفات وكيفيتها كان لوجود هذا الفهم، والإيمان وعدم تعرض عقولهم لشبهات الشك والحيرة، ولوفرة النصوص القرآنية، والنبوية التي أفاضت في البيان فلم تبقى لأنفسهم مجالاً للتساؤل فكان هذا البيان وهذا الوضوح وسلامة الاعتقاد من أعظم أسباب استقرار عصر الصحابة والتابعين وبعدهم عن الجدال والبدع العقدية فانصرفوا إلى خدمة دينهم، فانطلقوا يفتحون الأمصار شرقاً وغرباً، ويزكون أنفسهم بقراءة كتابه وتتبع سنة نبيه، واجتهدوا بالعبادات، والطاعات النافعة بخلاف من تقاصرت أفهامهم، وضعف إيمانهم، ويقينهم فراموا ابتداع تصور جديد عن الإله الحق فوقعوا في الفتن التي كانت سبباً في حيرتهم وشكهم, وكان من خيارهم الذين امتن الله عليهم بالهداية قبل موتهم أن ندموا أشد الندم على مخالفة منهج الصحابة والتابعين المطلب الخامس: إبطال الزعم أن الصحابة والتابعين أقاموا العقيدة على أسس غير دقيقة باعتمادهم على أخبار الآحاد وقد ابتدع هذا القول فرق الابتداع على مختلف مشاربها، وأولهم المعتزلة؛ الذين حكموا عقولهم بالنصوص الشرعية، بزعم أن العقائد لا تثبت عندهم إلا إذا بلغ الخبر حد التواتر، وهذا الشرط الذي وضعوه كان دافعه المنهج المبتدع الذي اختطوه في رد معظم العقائد التي جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى. يقول الشيخ عمر الأشقر: (والناظر في كلام سلفنا الصالح يعلم أنهم كانوا يثبتون العقائد بنصوص القرآن والحديث، لا يفرقون بين المتواتر والآحاد، ولا يفرقون في الاحتجاج بين العقائد والأحكام، ولم يعرف أحد خالف في هذا من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولا من الأئمة المرضيين؛ أمثال الأئمة الأربعة، وكان السلف الصالح وما يزال أتباعهم ينكرون أشد الإنكار على الذين يرغبون إلى ترك الأحاديث والنصوص، والاحتكام إلى العقل، ويسفهون من قال بذلك. ونبتت نابتة ترفض الاحتجاج والأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد, وعندما سئل هؤلاء عن مستندهم وجدناهم يستدلون بحجة الخوارج والمعتزلة، الذين رفضوا أحاديث الآحاد في العقائد والأحكام، فنراهم يقولون: الأحاديث الآحاد لا تفيد اليقين, والعقائد لا تبنى إلا على اليقين) وعلماء أهل السنة مجمعون على الأخذ بخبر الآحاد في العقائد قال الإمام الشافعي: (فقال لي قائل: احدد لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم؛ حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟ فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من انتهى به إلى دونه) . ثم يفصل قوله هذا، فيقول : (فإن قال قائل: أذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر، أو دلالة فيه، أو إجماع فقلت له: أخبرنا سفيان بن عبدالملك بن عمير عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين, ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) فلما ندب رسول الله إلى سماع مقالته، وحفظها، وأدائها إمرءاً يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال, وحرام يجتنب, وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا) . وقال ابن الأثير: (فإن الصحيح من المذاهب والذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأئمة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء والمتكلمين: أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلاً، ولا يجب التعبد عقلاً، وأن لا تنحصر، وإنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله، وقضاته، وأمراءه وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد, وبإجماع الأمة على أن العامي مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر عن السماع الذي لا شك فيه أولى بالتصديق) . ويقول ابن القيم رحمه الله: (وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها؛ فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم من بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم، تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقها عن التابعين كذلك وكذلك تابع التابعين مع التابعين, هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم، وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتهم، ونقل الأذان والتشهد، والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه, وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل، على أن كثيراً من القادحين في دين الإسلام قد طردوه، وقالوا، لا وثوق لنا بشيء من ذلك البتة) . وقد أتى ابن القيم رحمه الله بواحد وعشرين دليلاً على صحة خبر الآحاد، وقال إن مقصود المبتدعة هو رد الأخبار في مسائل العقيدة حسب أصولهم الفاسدة, مع أنهم يحتجون بأخبار الآحاد؛ لتأييد بدعتهم، فيقول: (وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، فلا بد من نقله بطريق التواتر؛ لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية، والمعتزلة وكان مقصدهم منه رد الأخبار, وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت, ولن يقفوا على مقصودهم من هذا القول, ولو أنصف أهل الفرق في الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد – ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)) . وبقوله عن ربه: ((خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين)) . وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: ((من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة)) وذكر احتجاج الشيعة، والخوارج ثم قال: إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق، ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث، ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد, وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله، ومسائل القدر، والرؤية وأصول الإيمان, والشفاعة، والحوض, وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة, وفي الترغيب, والترهيب، والوعد, والوعيد) . وقد ترتب على عدم احتجاج هؤلاء المبتدعة بخبر الآحاد أن أنكروا جملة من عقائد الإسلام التي آمن بها الصحابة والتابعون، وجمهور الأمة من بعدهم، حيث يقول الشيخ الألباني: (أنكروا جملة من العقائد؛ منها: 1- نبوة آدم – عليه السلام، وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن. 2- أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، على غيره من الأنبياء. 3- شفاعته صلى الله عليه وسلم العظمى في المحشر. 4- شفاعته لأهل الكبائر من أمته. 5- معجزاته صلى الله عليه وسلم كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر فإنها مع ذكرها في القرآن تأولها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 6- صفاته البدنية, وبعض شمائله الخلقية. 7- الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق, وصفة الملائكة, والجن, والجنة, والنار, وأنهما مخلوقتان, وأن الحجر الأسود من الجنة. 8- خصوصياته مثل دخول الجنة، ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين, وإسلام قرينه من الجن، وغير ذلك. 9- القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة. 10- الإيمان بعذاب القبر. 11- الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر. 12- الإيمان بضغطة القبر. 13- الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة. 14- الإيمان بالصراط. 15- الإيمان بالحوض. 16- دخول سبعين ألفاً من أمته الجنة بغير حساب. 17- الإيمان بكل ما صح في الحديث عن صفة القيامة، والحشر, والنشر. 18- الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. 19- الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء. 20- الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازاً. 21- الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازاً. 22- الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار وغيرها. حتى عدد 30 معتقداً يفضي عدم الأخذ بأحاديث الآحاد إلى إنكارها وعدم الاعتقاد بها. وهكذا تبدو خطورة هذا الانحراف الذي قالت به فرق الابتداع التي ردت عقائد الإسلام, التي آمن بها الصحابة الكرام الذين تلقوها عن الصادق المصدوق، وكانت لهم بشرى من الله نالوا بها الرضوان والثواب العظيم، وكانت وما زالت الأمة على هذه المعتقدات لم تهزها في نفوسهم زوابع أهل الفتنة على مر الأزمان والحمد لله رب العالمين. • المبحث الثامن: وظيفة العقل في باب الصفات. تمهيد: العلاقة بين العقل والشرع من تمام تكريم الإسلام للعقل إعماله فيما خلق له، وهيئ من أجله، وحجبه عن التهوك والخوض فيما لا سبيل له ولا قدرة عليه. وباب الصفات يتضمن علوماً ضرورية، وعلوماً نظرية، وعلوماً غيبية، فالعلوم الضرورية يتفق عليها جميع العقلاء. والعلوم النظرية يتفاوت الناس في إدراكها بحسب ما أتوا من قدرات ذهنية وتدبر ونظر, وأما العلوم الغيبية فتعلق العقل بها من جهتين: أولاً: العلم بها: وهذا لا يستقل به العقل، ولا يهتدي إليه من حيث هو إلا أن يهدى إليه بخبر الصادق، فيعلمه حينئذ علماً معنوياً عاماً مبنياً على الاشتراك الذهني مع ما يوافقه في عالم الشهادة. ثانيا: إدراك تفاصيلها وكيفياتها: وهذا لا سبيل إليه مطلقاً، إذ أنه قاصر قصوراً ذاتياً عن بلوغ دركه والإحاطة بعلمه. ومع كون العقل لا يستقل بالعلم بباب الصفات على سبيل التفصيل، فضلاً عن إدراك كيفية جميع الصفات، فإنه لا يحيل ذلك ولا يمنعه كما يمنع المستحيلات العقلية، مثل اجتماع النقيضين في محل واحد، أو ارتفاعهما عنه معاً، بل يقف من هذه النصوص الغيبية الخبرية موقف التسليم إذا صح النقل وسلمت الرواية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه) ، وقال أيضاً: (فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئاً من الحق، ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه. لكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول، لا بمحالات العقول. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة، التي رواها عبدوس بن مالك العطار، قال: (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول)، هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول) . والعقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح السالم من العلل والقوادح في سنده ومتنه. وسر ذلك أن كلاً منهما من الله، فالعقل خلقه والنقل خبره وأمره، {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [ الأعراف: 54]. فكيف يختلفان! قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [ النساء: 82]. ولهذا فإن العلاقة بين العقل والشرع لها حالان لا ثالث لهما: - فإما أن يؤيد العقل الشرع ويصدقه ويدل عليه. - وإما أن يسلم له، ويجوز ما جاء به. ولا يمكن أن يكون الثالث: وهو أن يعارضه ويخالفه. وهذه الموافقة بين العقل الصريح والنقل الصحيح تقع من الطرفين، بحيث يصدق أحدهما الآخر، أو لا يعارضه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (.. كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، وإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده كان عارفاً بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول.. وكذلك (العقليات الصريحة) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً، لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول) . ولما كان (النقل الصحيح) معصوماً محفوظاً، وكان العقل عرضة للزلل والانحراف، كان للنقل على العقل وصاية وحماية. فلا قياس في مقابلة النص، وإذا قدر ظهور تعارض بين العقل والنقل الصحيح، فالنقل ثابت والعقل متهم. فالنقل يحوط العقل ويسوسه ويوجهه الوجهة الصحيحة، ويحفظه من الزيغ. كما أن النقل الصحيح ينير الطريق للعقل، ويوفر عليه الجهد، كما مثل شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم أثر النقل على العقل بقوله: (إن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها) المطلب الأول: من وظائف العقل في باب الصفات فهم معانيها فإن الله سبحانه وتعالى خاطب عباده بلسان عربي مبين، وجعل كتابه تبياناً لكل شيء وشفاء لما في الصدور. ولم يستثن نوعاً من الآيات يمتنع فهمها ومعرفة معناها. قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 193- 195]. وقال أيضاً: {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12]. وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]. ولا يمكن أن تتحقق النذارة المذكورة إلا بفهم معناه وتعقله. ولهذا قال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]. فالتلازم بين كونه عربياً وتعقله واضح. فالألفاظ إنما هي أوعية للمعاني. كما أن عربية القرآن سبب لحصول التقوى الناشئة من الفهم. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113]. وعربية القرآن سبب لحصول العلم الذي هو ثمرة الفهم للمعنى. قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]. وقد قطع الله حجة الذين قد يتعللون بعدم فهمه بجعله عربياً مفهوم المعنى لدى المخاطبين فقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} [فصلت: 44]. فالعقل مدعو لفهم خطاب الشارع دون استثناء، ومن ادعى استثناء نص معين, أو نوع معين من النصوص طولب بالدليل، ولا دليل. ومن أمثلة فهم معاني ما أخبر الله عن نفسه من الأسماء والصفات، قول الإمام الأصبهاني أبي القاسم إسماعيل بن محمد في شرح أسماء الله الحسنى: (ومن أسماء الله تعالى: الحليم: حليم عمن عصاه لأنه لو أراد أخذه في وقته أخذه، فهو يحلم عنه ويؤخره إلى أجله، وهذا الاسم وإن كان مشتركاً يوصف به المخلوق، فحلم المخلوقين حلم لم يكن في الصغر ثم كان في الكبر، وقد يتغير بالمرض, والغضب, والأسباب الحادثة، ويفنى حلمه بفنائه، وحلم الله عز وجل لم يزل ولم يزول. والمخلوق يحلم عن شيء ولا يحلم عن غيره، ويحلم عمن لا يقدر عليه، والله تعالى حليم مع القدرة) . فهذا مثال للمنهج الشرعي في فهم نصوص الصفات تضمن إثبات المعنى المشترك للفظ الصفة المعهود بالأذهان، ثم فرق بين ما ينبغي للخالق وما ينبغي للمخلوق، وأن لله تعالى المثل الأعلى. وهكذا صنع في بقية الأسماء والصفات. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية