الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 34856" data-attributes="member: 329"><p>وقال سبحانه: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55]. ذكر المفسرون أن الآية في محاجة اليهود وأن المعنى: وإنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الزمخشري: (قوله: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في زبور داود وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} وهم محمد وأمته) .</p><p> وقد احتج العلماء – كما يقول الخازن – بقوله تعالى في الأنعام:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] لكون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء لأن ما تفرق في الأنبياء من خصال الفضل اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم .</p><p>وقال صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة)) .</p><p>وفي رواية من حديث أبي هريرة: ((فضلت على الأنبياء بست)) . فذكر أربعاً من الخمس المتقدمة إلا الشفاعة وزاد خصلتين هما: ((أعطيت جوامع الكلم)) و((ختم بي النبيون)) فتحصل من الروايتين سبع خصال.</p><p>ومن حديث حذيفة: ((فضلنا على الناس بثلاث)) . وفي روايات أن الخصائص أربع وروايات أنها اثنتين، ويتحصل من مجموع الروايات جملة من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي فضل بها على الأنبياء تزيد كثيراً على ما حدد في كل رواية من عدد، ذكر ابن حجر أنه ينتظم من الروايات سبع عشرة خصلة قال: (ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع) ونقل عن بعض أهل العلم أن عدد الذي اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ستون خصلة .</p><p>وأما اختلاف الروايات في تحديد العدد فإنه لا تعارض فيه، يقول ابن حجر في ذلك: (وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولاً على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجه يدفع هذا الإشكال من أصله) .</p><p>وفي أحاديث الشفاعة من بيان فضله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء ما هو ظاهر، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام .</p><p>وقال صلى الله عليه وسلم: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)) .</p><p>وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا أكثر الأنبياء تبعاً)) وقال: ((لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد)) .</p><p>ولقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع, وأول مشفع)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)) .</p><p> ومن حديث أبي بكر الصديق في الشفاعة أن عيسى عليه السلام يقول للناس إذا أتوه يستشفعونه: ((انطلقوا إلى سيد ولد آدم)) وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء شفاعته: ((رب خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر)) .</p><p>وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) .</p><p>وفي معنى ((ولا فخر)) قال ابن الجوزي: (قال ابن الأنباري: المعنى لا أتبجح بهذه الأوصاف وإنما أقولها شكراً لربي ومنبهاً أمتي على إنعامه علي، وقال ابن عقيل: إنما نفي الفخر الذي هو الكبر الواقع في النفس المنهي عنه الذي قيل فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] ولم ينف فخر التجمل بما ذكره من النعم التي بمثلها يفتخر، ومثله قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76] يعني الأشرين، ولم يرد الفرح بنعمة الله تعالى) وقد قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] فأمره سبحانه بالفرح بفضله.</p><p>وظاهر من النصوص أوجه تفضيله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء فبعثه إلى الناس كافة، وشريعته أكمل الشرائع، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات، إلى غير ذلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام فهو أكثر الأنبياء آيات، وقد ذكر أن آياته صلى الله عليه وسلم تبلغ ألفاً أو أكثر . وقد نحى بعض أهل العلم إلى المفاضلة بين معجزاته صلى الله عليه وسلم ومعجزات الأنبياء مبيناً في كل معجزة لنبي أن نبينا أوتي خيراً منها .</p><p>ولقد أجمعت الأمة على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق . وهو في كلام الأئمة سلفاً وخلفاً كثير، فمن ذلك ما نقل من عقيدة الإمام أحمد إمام أهل السنة أنه (كان يعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل, وخاتم الأنبياء, والشهيد على الجميع) . وأنه كان يقول: (إن بعض النبيين أفضل من بعض ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم) .</p><p>وعقد النووي في شرح صحيح الإمام مسلم باباً قال: (باب تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق) .</p><p>وعقد الآجري باباً في كتابه (الشريعة) فقال: (باب ذكر ما فضل الله عز وجل به نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء) وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: (فصل: ونعتقد أن محمداً المصطفى خير الخلائق وأفضلهم وأكرمهم على الله عز وجل وأعلاهم درجة وأقربهم إلى الله وسيلة) .</p><p>ومما ينبغي أن يعلم ما اختص به بعض الأنبياء من الفضائل لا يقتضي أفضليته على صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون – صلوات الله وسلامه عليهم-، فإن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل من غير أن يفضله بما اختص به، وقد وقع نحو هذا في نبينا صلى الله عليه وسلم وبعض أتباعه من الصحابة رضوان الله عليهم وهم دون الأنبياء في الفضل، فهذا عمر رضي الله عنه أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان ينفر منه قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك)) ، وعرض له صلى الله عليه وسلم الشيطان في صلاته ولم ينفر منه كما في حديث أبي هريرة قال القرافي في هذا: (وأين عمر من النبي عليه السلام، غير أنه لا يجوز أن يحصل للمفضول ما لا يحصل للفاضل) قال: (ومن ذلك أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أفضل من الملائكة على الصحيح، وقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع الأنفاس، يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لم تحصل للبشر، ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة, فمن استقرى هذا وجده كثيراً) إلى أن قال: (فعلى هذه القاعدة تخرجت الإقامة والأذان وأن من خواصهما التي جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر منهما دون الصلاة, وأن الصلاة أفضل منهما, ولا تناقض في ذلك بسبب أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل) . فالحاصل أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق ولا يلتفت إلى غير هذا، ولقد زعم قوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أفضل من إبراهيم ولا من نوح ولا من آدم عليهم السلام لأن الثلاثة آباؤه، وامتنعوا من تفضيل الابن على الأب، وفضلوه على كل نبي لم يكن أبا له . قال البغدادي: (وقياسهم يقتضي أن لا يكون أفضل من إدريس ولا من إسماعيل لأنهم أبواه) ولم ينصوا عليهما، فهم ينطقون عن جهل وسفه، وكذا يقتضي قياسهم أن يكون الأب الكافر المخلد في النار خير من الابن المؤمن المخلد في الجنة كمن نزل فيهم قوله سبحانه: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]. </p><p>المبحث الخامس: توجيه النهي الوارد في التفضيل بين الأنبياء</p><p>لابد من اعتقاد التفاضل بين الأنبياء واعتقاد فضل الرسل على الأنبياء وفضل أولي العزم على بقية الرسل وفضل محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، لقيام الأدلة الشرعية الصريحة الصحيحة على ذلك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن التفضيل بين الأنبياء، ونهيه عن تفضيله خاصة على بعض الأنبياء، و في هذا إشكال يظهر لناظره ويزول لمتأمله، وقد خرج العلماء وجوهاً من القول في توجيه ذلك النهي. </p><p>أما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تخيروا بين الأنبياء)), و في رواية ((لا تفضلوا بين الأنبياء)) وهو واقع في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي، فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: أضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء..)) الحديث ، وفي رواية: ((لا تخيروني بين الأنبياء)) وفي رواية: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله)) , وروى القصة أبو هريرة بنحوه إلا أنه قال: ((لا تخيروني على موسى)) وفي حديث ثان قال صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) إلا أن النهي في هذا الحديث يحتمل التأويل على وجهين:</p><p>الأول: أن يكون المراد بقوله (أنا): رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، قال الخطابي: (وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى الحديث، فقد جاء من غير هذا الطريق أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) فعم الأنبياء كلهم فدخل هو في جملتهم) .</p><p>الثاني: أن يكون إنما أراد صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا ينبغي لعبد)): من سواه من الناس، أي لا ينبغي للعبد القائل أن يقول ذلك .</p><p>وقد دل على أن هذا هو الأولى في معنى الحديث جملة من ألفاظ الحديث في عدد من رواياته في الصحيحين، ففي رواية: ((لا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متى)) و في رواية: ((من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)) فلا يصح مع قوله: ((فقد كذب)) أن يكون المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.</p><p>وفي رواية يقول صلى الله عليه وسلم: ((قال – يعني الله تبارك وتعالى – لا ينبغي لعبد لي (و في لفظ: لعبدي) أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) . فقوله: ((لعبد لي)) يمنع أن يكون المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة.</p><p>والحاصل أن في الحديثين ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء، وعن تفضيله على موسى ويونس خاصة - على حمل الحديث في يونس على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المراد – وهو صلى الله عليه وسلم أفضل منهما ومن سائر الأنبياء وجميع الخلق قطعاً كما تقدمت الدلائل عليه من الكتاب والسنة والإجماع، و في هذا إشكال ظاهر، وقد وجه العلماء ذلك النهي لإزالة الإشكال في أقوال متعددة، منها: </p><p>1- أن النهي ورد قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم وأفضل الأنبياء فلما علم أخبر به، وأن النهي عن التفضيل منسوخ بالقرآن .</p><p>إلا أن في هذا القول نظر كما يقول ابن كثير، قال: (لأن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخراً، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا والله أعلم) ، وهو كما قال، بل والقول بالنسخ مردود، فإن التفاضل بين الأنبياء ,وفضل أولى العزم من الرسل منهم, وتفضيله صلى الله عليه وسلم على يونس، كل ذلك قد ورد في الآيات المكية في سورة الإسراء, والأحقاف, والقلم, وقصة حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقعت في المدينة، وكذلك الحديث الآخر في يونس عليه السلام ورد من رواية أبي هريرة وابن عباس، وابن عباس على سبيل المثال، من صغار الصحابة توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقد ورد أيضاً من رواية عبد الله بن مسعود.</p><p>2- أن النهي من باب التواضع وهضم النفس ونفي الكبر والعجب . قال القاضي عياض: (وهذا لا يسلم من الاعتراض) . وهذا التوجيه لا يتناسب مع قوله صلى الله عليه وسلم ((فقد كذب)) في رواية: ((من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)) إن حمل الحديث على أن المراد بقوله ((أنا)) رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا حمل على أن المراد به من سواه صلى الله عليه وسلم، فإن لهذا التوجيه وجهه، خاصة مع قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوصى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد)) . ويكون مناسباً أيضاً مع قوله: ((ولا فخر)) في حديث ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) المتقدم ذكره.</p><p>3- أن النهي عن تعيين المفضول، أما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة دون تعيين المفضول فهو دلالة النصوص، قاله ابن عطية واستشهد له بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم)) بإطلاق دون تعيين. ونقل القرطبي قول من قال: (إن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي، اجتناباً لما نهي عنه، وتأدباً به, وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل) .</p><p>إلا أن في هذا التوجيه نظراً, فالله عز وجل لما أخبر أنه فضل بعض النبيين على بعض في آية الإسراء، وبعض الرسل على بعض في آية البقرة، جعل يعين في الآيتين بعض المتفاضلين ويذكر بعض الوجوه التي فضلوا بها، فعمم ثم خص كما هو ظاهر من لفظ الآيتين وقد تقدم ذكرهما مراراً .</p><p>وقد عين الله عز وجل أولي العزم بالذكر وفضلهم على بقية الأنبياء – كما تقدم -، والرسل أفضل من الأنبياء كما دل عليه الدليل واتفق عليه العلماء، فالرسول أفضل من النبي وفي هذا تعيين كما هو ظاهر، أما الإجمال في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم)) فهو دال على التعيين أيضاً، إذ ثبوت كونه صلى الله عليه وسلم أفضل من الأنبياء جملة دليل كونه أفضل من كل واحد منهم مفصلاً، هذا مع قيام دليل على التعيين فلقد استدل العلماء بقوله تعالى: {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من يونس، وهذا شاهد على التعيين، فالمراد بالنهي إذاً غير هذا الوجه. </p><p>4- أن المراد بالنهي المنع من التفضيل من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها فهم متساوون فيها, وإنما التفاضل بالخصائص والمحن ونحوها . قال القرطبي: (وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآيات والأحاديث من غير نسخ) .</p><p>وقال ابن قتيبة في حديث ((لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى)): (ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أكثر عملاً مني, ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم مني محنة) .</p><p>5- أن المراد بالنهي منع التفضيل من عند أنفسنا لأن مقام التفضيل إنما هو إلى الله ، وروي عن أحمد بن حنبل – رحمه الله – أنه كان يمنع من المفاضلة بين الأنبياء مع قوله بأن بعضهم أفضل من بعض وأن محمداً أفضلهم, لكنه يقول ليس تعيين التفضيل إلى أحد منا .</p><p>6- أن المراد بالنهي منع التفضيل بمجرد الآراء والعصبية . وهذا قد يؤول إلى سابقه.</p><p>7- أن المراد بالنهي منع التفضيل الذي يؤدي إلى الخصومة والتشاجر . وذلك في مثل الحال التي تحاكم فيها اليهودي مع الأنصاري عند النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة فهذا التوجيه ملائم لسبب ورود الحديث.</p><p>8 – أن المراد بالنهي منع التفضيل الذي يؤدي إلى توهم النقص في المفضول, أو الغض منه, والإزراء به .</p><p>قال الخطابي في النهي الوارد: (معنى هذا ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم, ويفرض الإيمان بهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله سبحانه قد أخبر أنه قد فاضل بينهم) . وممن قال بهذا التوجيه ابن تيمية رحمه الله وعليه حمل حديث أبي سعيد وأبي هريرة المذكور . وهو لائق بحديث: ((ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)).</p><p>فقد ذكر أهل العلم أنه إنما خص يونس عليه السلام بالذكر لما يخشى على من سمع ما قصه الله علينا من شأنه وما كان من قلة صبره، ونهي نبينا عليهما الصلاة والسلام عن أن يكون مثله، من أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ صلى الله عليه وسلم في ذكر فضل يونس عليه السلام لسد هذه الذريعة . إلا أن هناك من خرج بهذه العلة للنهي عن حدها فأطلق حكم النهي لمطلق هذه العلة، فجعل النهي مطلقاً لهذه العلة، فقال كما نقل القرطبي: (لا يقال: النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، كما هو ظاهر النهي، لما يتوهم من النقص في المفضول، لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون, فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي، اجتناباً لما نهي عنه, وتأدباً به وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل) .</p><p>وظاهر هذا الكلام أن المراد من النهي – عند قائله – هو منع تعيين المفضول، لا تفضيل بعض النبيين على بعض في الجملة كما في آخر النقل، ...، ثم جعل العلة من عدم تعيين المفضول هي دفع توهم نقص المفضول كما في أول النقل، وظاهر هذا جعل تعيين المفضول موهماً نقصه، هكذا بهذا الإطلاق وهو خطأ، ويكفي في الجواب عن القول بألا يقال النبي أفضل من الأنبياء أن يورد حديث أبي هريرة في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فضلت على الأنبياء بست)) الحديث ..</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 34856, member: 329"] وقال سبحانه: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55]. ذكر المفسرون أن الآية في محاجة اليهود وأن المعنى: وإنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الزمخشري: (قوله: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في زبور داود وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} وهم محمد وأمته) . وقد احتج العلماء – كما يقول الخازن – بقوله تعالى في الأنعام:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] لكون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء لأن ما تفرق في الأنبياء من خصال الفضل اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم . وقال صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة)) . وفي رواية من حديث أبي هريرة: ((فضلت على الأنبياء بست)) . فذكر أربعاً من الخمس المتقدمة إلا الشفاعة وزاد خصلتين هما: ((أعطيت جوامع الكلم)) و((ختم بي النبيون)) فتحصل من الروايتين سبع خصال. ومن حديث حذيفة: ((فضلنا على الناس بثلاث)) . وفي روايات أن الخصائص أربع وروايات أنها اثنتين، ويتحصل من مجموع الروايات جملة من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي فضل بها على الأنبياء تزيد كثيراً على ما حدد في كل رواية من عدد، ذكر ابن حجر أنه ينتظم من الروايات سبع عشرة خصلة قال: (ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع) ونقل عن بعض أهل العلم أن عدد الذي اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ستون خصلة . وأما اختلاف الروايات في تحديد العدد فإنه لا تعارض فيه، يقول ابن حجر في ذلك: (وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولاً على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجه يدفع هذا الإشكال من أصله) . وفي أحاديث الشفاعة من بيان فضله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء ما هو ظاهر، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وقال صلى الله عليه وسلم: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا أكثر الأنبياء تبعاً)) وقال: ((لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد)) . ولقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع, وأول مشفع)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)) . ومن حديث أبي بكر الصديق في الشفاعة أن عيسى عليه السلام يقول للناس إذا أتوه يستشفعونه: ((انطلقوا إلى سيد ولد آدم)) وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء شفاعته: ((رب خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) . وفي معنى ((ولا فخر)) قال ابن الجوزي: (قال ابن الأنباري: المعنى لا أتبجح بهذه الأوصاف وإنما أقولها شكراً لربي ومنبهاً أمتي على إنعامه علي، وقال ابن عقيل: إنما نفي الفخر الذي هو الكبر الواقع في النفس المنهي عنه الذي قيل فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] ولم ينف فخر التجمل بما ذكره من النعم التي بمثلها يفتخر، ومثله قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76] يعني الأشرين، ولم يرد الفرح بنعمة الله تعالى) وقد قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] فأمره سبحانه بالفرح بفضله. وظاهر من النصوص أوجه تفضيله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء فبعثه إلى الناس كافة، وشريعته أكمل الشرائع، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات، إلى غير ذلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام فهو أكثر الأنبياء آيات، وقد ذكر أن آياته صلى الله عليه وسلم تبلغ ألفاً أو أكثر . وقد نحى بعض أهل العلم إلى المفاضلة بين معجزاته صلى الله عليه وسلم ومعجزات الأنبياء مبيناً في كل معجزة لنبي أن نبينا أوتي خيراً منها . ولقد أجمعت الأمة على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق . وهو في كلام الأئمة سلفاً وخلفاً كثير، فمن ذلك ما نقل من عقيدة الإمام أحمد إمام أهل السنة أنه (كان يعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل, وخاتم الأنبياء, والشهيد على الجميع) . وأنه كان يقول: (إن بعض النبيين أفضل من بعض ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم) . وعقد النووي في شرح صحيح الإمام مسلم باباً قال: (باب تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق) . وعقد الآجري باباً في كتابه (الشريعة) فقال: (باب ذكر ما فضل الله عز وجل به نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء) وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: (فصل: ونعتقد أن محمداً المصطفى خير الخلائق وأفضلهم وأكرمهم على الله عز وجل وأعلاهم درجة وأقربهم إلى الله وسيلة) . ومما ينبغي أن يعلم ما اختص به بعض الأنبياء من الفضائل لا يقتضي أفضليته على صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون – صلوات الله وسلامه عليهم-، فإن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل من غير أن يفضله بما اختص به، وقد وقع نحو هذا في نبينا صلى الله عليه وسلم وبعض أتباعه من الصحابة رضوان الله عليهم وهم دون الأنبياء في الفضل، فهذا عمر رضي الله عنه أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان ينفر منه قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك)) ، وعرض له صلى الله عليه وسلم الشيطان في صلاته ولم ينفر منه كما في حديث أبي هريرة قال القرافي في هذا: (وأين عمر من النبي عليه السلام، غير أنه لا يجوز أن يحصل للمفضول ما لا يحصل للفاضل) قال: (ومن ذلك أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أفضل من الملائكة على الصحيح، وقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع الأنفاس، يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لم تحصل للبشر، ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة, فمن استقرى هذا وجده كثيراً) إلى أن قال: (فعلى هذه القاعدة تخرجت الإقامة والأذان وأن من خواصهما التي جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر منهما دون الصلاة, وأن الصلاة أفضل منهما, ولا تناقض في ذلك بسبب أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل) . فالحاصل أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق ولا يلتفت إلى غير هذا، ولقد زعم قوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أفضل من إبراهيم ولا من نوح ولا من آدم عليهم السلام لأن الثلاثة آباؤه، وامتنعوا من تفضيل الابن على الأب، وفضلوه على كل نبي لم يكن أبا له . قال البغدادي: (وقياسهم يقتضي أن لا يكون أفضل من إدريس ولا من إسماعيل لأنهم أبواه) ولم ينصوا عليهما، فهم ينطقون عن جهل وسفه، وكذا يقتضي قياسهم أن يكون الأب الكافر المخلد في النار خير من الابن المؤمن المخلد في الجنة كمن نزل فيهم قوله سبحانه: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]. المبحث الخامس: توجيه النهي الوارد في التفضيل بين الأنبياء لابد من اعتقاد التفاضل بين الأنبياء واعتقاد فضل الرسل على الأنبياء وفضل أولي العزم على بقية الرسل وفضل محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، لقيام الأدلة الشرعية الصريحة الصحيحة على ذلك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن التفضيل بين الأنبياء، ونهيه عن تفضيله خاصة على بعض الأنبياء، و في هذا إشكال يظهر لناظره ويزول لمتأمله، وقد خرج العلماء وجوهاً من القول في توجيه ذلك النهي. أما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تخيروا بين الأنبياء)), و في رواية ((لا تفضلوا بين الأنبياء)) وهو واقع في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي، فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: أضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء..)) الحديث ، وفي رواية: ((لا تخيروني بين الأنبياء)) وفي رواية: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله)) , وروى القصة أبو هريرة بنحوه إلا أنه قال: ((لا تخيروني على موسى)) وفي حديث ثان قال صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) إلا أن النهي في هذا الحديث يحتمل التأويل على وجهين: الأول: أن يكون المراد بقوله (أنا): رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، قال الخطابي: (وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى الحديث، فقد جاء من غير هذا الطريق أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) فعم الأنبياء كلهم فدخل هو في جملتهم) . الثاني: أن يكون إنما أراد صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا ينبغي لعبد)): من سواه من الناس، أي لا ينبغي للعبد القائل أن يقول ذلك . وقد دل على أن هذا هو الأولى في معنى الحديث جملة من ألفاظ الحديث في عدد من رواياته في الصحيحين، ففي رواية: ((لا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متى)) و في رواية: ((من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)) فلا يصح مع قوله: ((فقد كذب)) أن يكون المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية يقول صلى الله عليه وسلم: ((قال – يعني الله تبارك وتعالى – لا ينبغي لعبد لي (و في لفظ: لعبدي) أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) . فقوله: ((لعبد لي)) يمنع أن يكون المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. والحاصل أن في الحديثين ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء، وعن تفضيله على موسى ويونس خاصة - على حمل الحديث في يونس على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المراد – وهو صلى الله عليه وسلم أفضل منهما ومن سائر الأنبياء وجميع الخلق قطعاً كما تقدمت الدلائل عليه من الكتاب والسنة والإجماع، و في هذا إشكال ظاهر، وقد وجه العلماء ذلك النهي لإزالة الإشكال في أقوال متعددة، منها: 1- أن النهي ورد قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم وأفضل الأنبياء فلما علم أخبر به، وأن النهي عن التفضيل منسوخ بالقرآن . إلا أن في هذا القول نظر كما يقول ابن كثير، قال: (لأن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخراً، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا والله أعلم) ، وهو كما قال، بل والقول بالنسخ مردود، فإن التفاضل بين الأنبياء ,وفضل أولى العزم من الرسل منهم, وتفضيله صلى الله عليه وسلم على يونس، كل ذلك قد ورد في الآيات المكية في سورة الإسراء, والأحقاف, والقلم, وقصة حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقعت في المدينة، وكذلك الحديث الآخر في يونس عليه السلام ورد من رواية أبي هريرة وابن عباس، وابن عباس على سبيل المثال، من صغار الصحابة توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقد ورد أيضاً من رواية عبد الله بن مسعود. 2- أن النهي من باب التواضع وهضم النفس ونفي الكبر والعجب . قال القاضي عياض: (وهذا لا يسلم من الاعتراض) . وهذا التوجيه لا يتناسب مع قوله صلى الله عليه وسلم ((فقد كذب)) في رواية: ((من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)) إن حمل الحديث على أن المراد بقوله ((أنا)) رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا حمل على أن المراد به من سواه صلى الله عليه وسلم، فإن لهذا التوجيه وجهه، خاصة مع قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوصى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد)) . ويكون مناسباً أيضاً مع قوله: ((ولا فخر)) في حديث ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) المتقدم ذكره. 3- أن النهي عن تعيين المفضول، أما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة دون تعيين المفضول فهو دلالة النصوص، قاله ابن عطية واستشهد له بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم)) بإطلاق دون تعيين. ونقل القرطبي قول من قال: (إن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي، اجتناباً لما نهي عنه، وتأدباً به, وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل) . إلا أن في هذا التوجيه نظراً, فالله عز وجل لما أخبر أنه فضل بعض النبيين على بعض في آية الإسراء، وبعض الرسل على بعض في آية البقرة، جعل يعين في الآيتين بعض المتفاضلين ويذكر بعض الوجوه التي فضلوا بها، فعمم ثم خص كما هو ظاهر من لفظ الآيتين وقد تقدم ذكرهما مراراً . وقد عين الله عز وجل أولي العزم بالذكر وفضلهم على بقية الأنبياء – كما تقدم -، والرسل أفضل من الأنبياء كما دل عليه الدليل واتفق عليه العلماء، فالرسول أفضل من النبي وفي هذا تعيين كما هو ظاهر، أما الإجمال في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم)) فهو دال على التعيين أيضاً، إذ ثبوت كونه صلى الله عليه وسلم أفضل من الأنبياء جملة دليل كونه أفضل من كل واحد منهم مفصلاً، هذا مع قيام دليل على التعيين فلقد استدل العلماء بقوله تعالى: {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من يونس، وهذا شاهد على التعيين، فالمراد بالنهي إذاً غير هذا الوجه. 4- أن المراد بالنهي المنع من التفضيل من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها فهم متساوون فيها, وإنما التفاضل بالخصائص والمحن ونحوها . قال القرطبي: (وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآيات والأحاديث من غير نسخ) . وقال ابن قتيبة في حديث ((لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى)): (ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أكثر عملاً مني, ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم مني محنة) . 5- أن المراد بالنهي منع التفضيل من عند أنفسنا لأن مقام التفضيل إنما هو إلى الله ، وروي عن أحمد بن حنبل – رحمه الله – أنه كان يمنع من المفاضلة بين الأنبياء مع قوله بأن بعضهم أفضل من بعض وأن محمداً أفضلهم, لكنه يقول ليس تعيين التفضيل إلى أحد منا . 6- أن المراد بالنهي منع التفضيل بمجرد الآراء والعصبية . وهذا قد يؤول إلى سابقه. 7- أن المراد بالنهي منع التفضيل الذي يؤدي إلى الخصومة والتشاجر . وذلك في مثل الحال التي تحاكم فيها اليهودي مع الأنصاري عند النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة فهذا التوجيه ملائم لسبب ورود الحديث. 8 – أن المراد بالنهي منع التفضيل الذي يؤدي إلى توهم النقص في المفضول, أو الغض منه, والإزراء به . قال الخطابي في النهي الوارد: (معنى هذا ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم, ويفرض الإيمان بهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله سبحانه قد أخبر أنه قد فاضل بينهم) . وممن قال بهذا التوجيه ابن تيمية رحمه الله وعليه حمل حديث أبي سعيد وأبي هريرة المذكور . وهو لائق بحديث: ((ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)). فقد ذكر أهل العلم أنه إنما خص يونس عليه السلام بالذكر لما يخشى على من سمع ما قصه الله علينا من شأنه وما كان من قلة صبره، ونهي نبينا عليهما الصلاة والسلام عن أن يكون مثله، من أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ صلى الله عليه وسلم في ذكر فضل يونس عليه السلام لسد هذه الذريعة . إلا أن هناك من خرج بهذه العلة للنهي عن حدها فأطلق حكم النهي لمطلق هذه العلة، فجعل النهي مطلقاً لهذه العلة، فقال كما نقل القرطبي: (لا يقال: النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، كما هو ظاهر النهي، لما يتوهم من النقص في المفضول، لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون, فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي، اجتناباً لما نهي عنه, وتأدباً به وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل) . وظاهر هذا الكلام أن المراد من النهي – عند قائله – هو منع تعيين المفضول، لا تفضيل بعض النبيين على بعض في الجملة كما في آخر النقل، ...، ثم جعل العلة من عدم تعيين المفضول هي دفع توهم نقص المفضول كما في أول النقل، وظاهر هذا جعل تعيين المفضول موهماً نقصه، هكذا بهذا الإطلاق وهو خطأ، ويكفي في الجواب عن القول بألا يقال النبي أفضل من الأنبياء أن يورد حديث أبي هريرة في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فضلت على الأنبياء بست)) الحديث .. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية