الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 34858" data-attributes="member: 329"><p>المطلب الثالث: مثال يوضح دور الرسل</p><p>وقد ضربت الملائكة للرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً يوضح دوره، ويبين وظيفته، فعن جابر بن عبد الله قال: ((جاءت ملائكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم فقال بعضهم إنه نائم . وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا . فقال بعضهم إنه نائم . وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا ، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة . فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم . وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا فالدار الجنة ، والداعي محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن أطاع محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد أطاع الله ، ومن عصى محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد عصى الله ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - فرق بين الناس)</p><p>الفصل الثاني: حاجة البشرية إلى الرسل والرسالات</p><p>تمهيد:</p><p>إذا كان الناس في القديم يجادلون الرسل، ويرفضون علومهم، ويعرضون عنهم فإن البشر اليوم في القرن العشرين – حيث بلغت البشرية ذروة التقدم المادي، فغاصت في أعماق البحار، وانطلقت بعيداً في أجواز الفضاء، وفجرت الذرة، وكشفت كثيراً من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود – أشدُّ جدالاً للرسل، وأكثر رفضاً لعلومهم، وأعظم إعراضاً عنهم، وحال البشر اليوم من الرسل وتعاليمهم كحال الحمر المستنفرة حين ترى الأسد فتفرّ لا تلوي على شيء، قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [ المدثر: 49-51].</p><p>والبشر – اليوم – يأبون أكثر من قبل التسليم للرسل وتعاليمهم اغتراراً بعلومهم، واستكباراً عن متابعة رجال عاشوا في عصور متقدمة على عصورهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [ التغابن: 6 ]. </p><p>واليوم ينفخ شياطين الإنس في عقول البشر يدعونهم إلى التمرد على الله وعلى شريعة الله، ورفض تعاليم الرسل، بحجة أنَّ في شريعة الله حجراً على عقولهم، وتوقيفاً لركب الحياة، وتجميداً للحضارة والرقي ّ، وقد أقامت الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل، بل إنَّ بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستورياً، وهو الذي يسمى بالعلمانية، وكثير من الدول التي تتحكم في رقاب المسلمين تسير على هذا النهج، وقد ترضي عوامّ الناس بأن تضع مادة في دستورها تقول: دين الدولة الإسلام، ثمَّ تهدم هذه المادة بالموادّ السابقة واللاحقة، والتشريعات التي تحكم العباد. </p><p>فهل صحيح أنَّ البشرية بلغت – اليوم – مبلغاً يجعلها تستغني عن الرسل وتعاليم الرسل؟ وهل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيداً عن منهج الرسل؟ يكفي في الإجابة أن ننظر في حال تلك الدول التي نسميها متقدمة متحضرة كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين – لنعلم مدى الشقاء الذي يغشاهم، نحن لا ننكر أنَّهم بلغوا في التقدّم المادي شأواً بعيداً، ولكنّهم في الجانب الآخر الذي جاء الرسل وجاءت تعاليمهم لإصلاحه انحدروا انحداراً بعيداً. </p><p>لا ينكر أحد أنَّ الهموم والأوجاع النفسية والعقد النفسية – اليوم – سمة العالم المتحضر، الإنسان في العالم المتحضر اليوم فقد إنسانيته، خسر نفسه، ولذلك فإن الشباب هناك يتمردون، يتمردون على القيم والأخلاق والأوضاع والقوانين، أخذوا يرفضون حياتهم التي يعيشونها، وأخذوا يتبعون كل ناعق من الشرق أو الغرب يلوِّح لهم بفلسفة أو دروشة أو سفسطة يظنون فيه هناءهم، لقد تحوّل عالم الغرب إلى عالم تنخر الجريمة عظامه، وتقوده الانحرافات والضياع، لقد زلزلت الفضائح أركان الدول الكبرى، والخافي أعظم وأكثر من البادي، إن الذين يسمّون – اليوم – بالعالم المتحضر يخربون بيوتهم بأيديهم، حضارتهم تقتلهم، حضارتهم تفرز سموماً تسري فيهم فتقتل الأفراد، وتفرق المجتمعات، الذين نسميهم اليوم بالعالم المتحضر كالطائر الجبّار الذي يريد أن يحلق في أجواز الفضاء بجناح واحد. إننا بحاجة إلى الرسل وتعاليمهم لصلاح قلوبنا، وإنارة نفوسنا، وهداية عقولنا... ونحن بحاجة إلى الرسل كي نعرف وجهتنا في الحياة، وعلاقتنا بالحياة وخالق الحياة. نحن بحاجة إلى الرسل كيلا ننحرف أو نزيغ فنقع في المستنقع الآسن. </p><p>المبحث الأول: كلام ابن القيم في حاجة البشرية إلى الرسل</p><p>يقول ابن القيم مبيناً حاجة العباد إلى الرسل وتعاليمهم:</p><p>(ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلاّ على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلاّ من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلاّ على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلاّ هديهم وما جاؤوا به، فهم الميزان الراجح، الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأيّ ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحسُّ بهذا إلاّ قلبٌّ حيٌّ. </p><p>ما لجرح بميت إيلام وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحبَّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقلٍّ، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم) . </p><p>المبحث الثاني: كلام ابن تيمية في حاجة البشرية إلى الرسل</p><p>وممن جلى هذه المسألة وبينها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: (الرسالة ضرورية للعباد، لا بدَّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأيُّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} [الأنعام: 122]، فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات). وبين رحمه الله تعالى: (أن الله سمّى رسالته روحاً، والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [ الشورى: 52 ]، فذكر هنا الأصلين، وهما: الروح، والنور، فالروح الحياة، والنور النور) وبين رحمه الله تعالى: (أن الله يضرب الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب ونوراً لها بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض، وبالنَّار التي يحصل بها النور، وهذا كما في قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ} [الرعد: 17].</p><p>يقول شيخ الإسلام رحمه الله معقباً على الآية: (فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب، كما أنَّ بالماء حياة الأبدان، وشبّه القلوب بالأودية، لأنّها محلّ العلم، كما أنَّ الأودية محل الماء، فقلب يسع علماً كثيراً، وواد يسع ماءً كثيراً، وقلب يسع علماً قليلاً، وواد يسع ماءً قليلاً، وأخبر تعالى أنَّه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء، وأنّه يذهب جفاءً، أي: يرمى به، ويخفى، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات، ثم تذهب جفاءً، ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس، وقال: {وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ} [الرعد: 17]. فهذا المثل الآخر وهو الناري، فالأول للحياة، والثاني للضياء. </p><p>وبين رحمه الله أن لهذين المثالين نظيراً وهما المثالان المذكوران في سورة البقرة في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ} [ البقرة: 17-19 ]. </p><p>وبعد أن بيَّن الشيخ رحمه الله وصف المؤمن، بين وصف الكافر، فقال: (وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حيّ، وإن كانت حياته حياة بهيمية، فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها الإيمان، وبها حصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الله – سبحانه – جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعاً بالدعوة إلى الله وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه). </p><p>ثم بيّن رحمه الله هذه الأصول التي أشار إليها هنا فقال: (فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصّها الله على عباده والأمثال التي ضربها لهم. </p><p>والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنّة والنار والثواب والعقاب). </p><p>ثم بيّن أنَّ (على هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلاّ من جهة الرسل، فإنَّ العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض، وتنزيل الدواء عليه) .</p><p>مقارنة بين حاجة العباد إلى علم الرسل وعلم الطب: </p><p>عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم (مفتاح دار السعادة) مقارنة بيّن فيها أنّ حاجة الناس إلى الشريعة أعظم من حاجتهم إلى علم الطب مع شدّة حاجة الناس إليه لصلاح أبدانهم، فحاجتهم إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم، قال: (حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية، فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها، ألا ترى أنَّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب، ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة، وأمَّا أهل البدو كلهم، وأهل الكفور كلّهم، وعامة بني آدم – لا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصحُّ أبدانا، وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بالطبيب، ولعّل أعمارهم متقاربة، وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم، واجتناب ما يضرهم، وجعل لكلّ قوم عادة وعرفاً في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء، حتى إنَّ كثيراً من أصول الطب إنما أخذت من عوائد الناس، وعرفهم وتجاربهم.</p><p>وأمّا الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضا الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية، فمبناها على الوحي المحض، والحاجة إلى التنفس فضلاً عن الطعام والشراب، لأنّ غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن، وتعطل الروح عنه، وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس النّاس قطّ إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك ألبتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلاّ بالعبور على هذا الجسم) . </p><p>المبحث الثالث: التبشير والإنذار</p><p>ودعوة الرسل إلى الله تقترن دائماً بالتبشير والإنذار، ولأنَّ ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جداً فقد قصر القرآن مهمة الرسل عليهما في بعض آياته {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [ الكهف: 56 ]، وقد ضرب الرسول – صلى الله عليه وسلم – لنفسه مثلاً في هذا، فقال: ((إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوماً، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعينيَّ، وإني أنا النذير العُريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذَّبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق)) .</p><p>وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [ النحل: 97 ]. {فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَىَ} [ طه: 123 ]، ويعدونهم بالعزّ والتمكين والأمن {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [ النور: 55 ]. ويخوِّفون العصاة بالشقاء الدنيوي {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124 ] ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [ فصلت: 13 ]، وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ النساء: 13 ]. </p><p>ويخوفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة، {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [ النساء: 14 ].</p><p>ومن يطالع دعوات الرسل يجد أنّ دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، ويبدو أنّ التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بصّر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصِّلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تُبيَّن لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال فإنّ النفوس تهرب من هذه الأعمال، ونعيم الله المبشر به نعيم يستعذبه القلب، وتلذُّه النفس، ويهيم به الخيال، اسمع إلى قوله تعالى يصف نعيم المؤمنين في جنات النعيم: {عَلَىَ سُرُرٍ مّوْضُونَةٍ مّتّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مّن مّعِينٍ لاّ يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مّمّا يَتَخَيّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ} [ الواقعة: 15-38 ]. </p><p>وانظر إلى عذاب الكفرة في دار الشقاء {وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ لاّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [ الواقعة: 41-45 ] {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [ الواقعة: 51-56 ]. </p><p>وحسبك أن تطالع كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري وتقرأ منه على إخوانك ومن تدعوهم إلى الله، ثم انظر أثر هذا في نفسك وفي نفوس السامعين. إن بعض الذين لم يفقهوا دعوة الإسلام يعيبون على دعاة الإسلام أخذهم بالإنذار والتبشير، ويقولون: فلان واعظ، ويعيبون عليهم عدم فلسفتهم للأمور التي يدعون إليها، ويطالبون الدعاة بالكف عن طريقة الوعظ وتخويف النّاس وترغيبهم، وهؤلاء بحاجة إلى أن يراجعوا أنفسهم، وينظروا في موقفهم هذا، في ضوء نصوص القرآن وأحاديث الرسول التي تبين أسلوب الدعوة، وتوضيح مهمة الرسل الكرام</p><p>المبحث الرابع: إصلاح النفوس وتزكيتها</p><p>الله رحيم بعباده، ومن رحمته أن يحي نفوسهم بوحيه، وينيرها بنوره، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [ الشورى: 52 ]. </p><p>والله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق: {اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [ البقرة: 257 ]، وقد أرسل اللهُ رسله بهديه ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [ إبراهيم: 5]، وبدون هذا النور تعمى القلوب {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [ الحج: 46 ]، وعماها ضلالها عن الحق، وتركها لما ينفعها وإقبالها على ما يضرها {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ} [ الفرقان: 55 ]. </p><p>وإخراج الرسل الناس من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلاّ بتعليمهم تعاليم ربهم وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، ودلالتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته، وتعريفهم بعبادته {هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ}[ الجمعة: 2 ] {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [ البقرة: 129 ].</p><p>المبحث الخامس: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة</p><p>كان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة، يعبدون الله وحده، ولا يشركون به أحداً، فلمّا تفرقوا واختلفوا أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلوهم من الضلال، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213]. </p><p>أي: كان الناس أمّة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله فاختلفوا فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين.</p><p>وقد كان كلُّ رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم ويهديهم إليه، وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعاً، ثم كُلُّ رسول يقوِّم الانحراف الحادث في عصره ومصره، فالانحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط وهو يتمثل في أشكال مختلفة، وكلُّ رسول يُعنى بتقويم الانحراف الموجود في عصره، فنوح أنكر على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وهود أنكر على قومه الاستعلاء في الأرض والتجبّر فيها، وصالح أنكر عليهم الإفساد في الأرض واتباع المفسدين، ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه، وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان، وهكذا، فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط المستقيم وانحراف عنه، والرّسل يبينون هذا الصراط ويحاربون الخروج عليه بأيّ شكل من الأشكال كان.</p><p>المبحث السادس: إقامة الحجّة</p><p>لا أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى، فالله جلّ وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حجّة في يوم القيامة، {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [ النساء: 165 ]، ولو لم يرسل الله إلى الناس لجاؤوا يوم القيامة يخاصمون الله – جل وعلا – ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار، وأنت لم ترسل إلينا من يبلغنا مرادك منّا، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [ طه: 134 ]، أي: لو أهلكهم الله بعذاب جزاء كفرهم قبل أن يرسل إليهم رسولاً لقالوا: هلا أرسلت إلينا رسولا كي نعرف مرادك، ونتبع آياتك، ونسير على النهج الذي تريد ؟</p><p>وفي يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين يأتي الله لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنّه بلغها رسالة ربه، وأقام عليها الحجّة {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [ النساء: 41-42 ]. </p><p>وقال في آية أخرى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ} [ النحل: 89 ]. </p><p>ولذلك فإن الذين يرفضون اتبّاع الرسل، ويعرضون عن هديهم – لا يملكون إلاّ الاعتراف بظلمهم إذا وقع بهم العذاب في الدنيا {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [ الأنبياء: 11-15 ]. </p><p>وفي يوم القيامة عندما يساقون إلى المصير الرهيب، وقبل أن يلقوا في الجحيم يسألون عن ذنبهم فيعترفون {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ} [ الملك: 8-11 ]. </p><p>وعندما يضجّون في النَّار بعد أن يُحيط بهم العذاب من كل جانب، وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة النار: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيّنَاتِ قَالُواْ بَلَىَ قَالُواْ فَادْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ}[ غافر: 50 ]. </p><p>المبحث السابع: سياسة الأمة</p><p>الذين يستجيبون للرسل يُكونّون جماعة وأمة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرُّسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فهم يحكمون بين الناس بحكم الله {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [ المائدة: 48 ]. </p><p>ونادى ربُّ العزة داود قائلاً: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ ص: 26 ]، وأنبياء بني إسرائيل كانوا يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ)) وقال الله عن التوراة: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [ المائدة: 44].</p><p>فالرسل وأتباعهم من بعدهم يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويلون شؤون القضاء، ويقومون على رعاية مصالح الناس، وهم في كلّ ذلك عاملون بطاعة الله، وطاعتهم في ذلك كلّه طاعة لله {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [ النساء: 80 ]. </p><p>ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بهذه الطاعة {قُلْ أن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [ آل عمران: 31 ]. </p><p>ولذا فإنّ شعار المسلم الذي يعلنه دائماً هو السمع والطاعة {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [ النور: 51 ].</p><p>الفصل الثالث: الوحي</p><p>المبحث الأول: النبّوة منحة إلهيّة</p><p>النبوة منحة إلهية، لا تنال بمجرد التشهي والرغبة، ولا تنال بالمجاهدة والمعاناة، وقد كذّب الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة تنال بمجرد الكسب بالجدّ والاجتهاد، وتكلّف أنواع العبادات، واقتحام أشقّ الطاعات، والدأب في تهذيب النفوس، وتنقية الخواطر، وتطهير الأخلاق، ورياضة النفس والبدن .</p><p>وقد بيّن الله في أكثر من آية أنّ النبوة نعمة ربانية إلهية، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [ مريم: 58 ]، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبّكَ} [ يوسف: 6 ]، وقال الله لموسى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [ الأعراف: 144 ].</p><p>وقد طمع أمية بن أبي الصَّلت في أن يكون نبي هذه الأمة، وقال الكثير من الشعر متوجهاً به إلى الله، وداعياً إليه، ولكنه لم يحصل على مراده، وصدق الله إذ يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [ الأنعام: 124].</p><p>وعندما اقترح المشركون أن يختار الله لأمر النبوة والرسالة أحد الرجلين العظيمين في مكة والطائف عروة بن مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة، أنكر الله ذلك القول، وبين أنّ هذا مستنكر، فهو الإله العظيم الذي قسم بينهم أرزاقهم في الدنيا، أفيجوز لهم أن يتدخلوا في تحديد المستحقِّ لرحمة النبوة والرسالة؟ {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىَ رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا..} [ الزخرف: 31-32 ]. </p><p>المبحث الثاني: طريق إعلام الله أنبياءه ورسله</p><p>تعريف الوحي:</p><p>سمى الله الطريق الذي يعلم الله به أنبياءَه ورسله وحياً، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً} [ النساء: 163 ].</p><p>والوحي في اللغة: الإعلام الخفّي السريع مهما اختلفت أسبابه ، فقد يكون بالإلهام كوحي الله إلى الحواريين: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيّينَ أن آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} [ المائدة: 111 ] وكوحي الله لأم موسى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [ القصص: 7 ]، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة، فقد سمّى القرآن إشارة زكريا إلى قومه وحياً {فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [ مريم: 11 ].</p><p>وأكثر ما وردت كلمة (وحي) في القرآن الكريم بمعنى إخبار وإعلام الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، بطريقة سرّية خفيّة، غير معتادة للبشر. </p><p>المبحث الثالث: مقامات وحي الله إلى رسله</p><p>للوحي الذي يعلم الله به رسله وأنبياءَه مقامات، قال الله تعالى مبيِّناً هذه المقامات: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ ٌ} [ الشورى: 51 ]. </p><p>فالمقامات ثلاثة: </p><p>الأولى: الإلقاء في روع النبي الموحى إليه، بحيث لا يمتري النبي في أنّ هذا الذي ألقي في قلبه من الله تعالى، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب)) . وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد بالوحي في قوله: {إِلاّ وَحْياً} الوحي في المنام .</p><p>رؤيا الأنبياء:</p><p>وهذا الذي فسّر به ابن الجوزي المقام الأول داخل في الوحي بلا شّك، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌ، ولذلك فإنَّ خليل الرحمن إبراهيم بادر إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنّه يذبحه، وعدّ هذه الرؤيا أمراً إلهياً، قال تعالى في إبراهيم وابنه إسماعيل: {فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَبُنَيّ إِنِّي أَرَىَ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىَ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ فَلَمّا أَسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَآ إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [ الصافات: 102- 105].</p><p>وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت: ((أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) .</p><p>المقام الثاني: تكليم الله لرسله من وراء حجاب:</p><p>وذلك كما كلَّم الله تعالى موسى عليه السلام، وذكر الله ذلك في أكثر من موضع في كتابه: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [ الأعراف: 143 ]، {فَلَمّآ أَتَاهَا نُودِيَ يَمُوسَىَ إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ إِنّنِي أَنَا اللّهُ لآ إِلَهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ} [ طه: 11-14 ]، وممن كلّمه الله آدم عليه السلام {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ..} [ البقرة: 33 ]، وكلّم الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء. </p><p>المقام الثالث: الوحي إلى الرسول بواسطة الملك:</p><p>وهذا هو الذي يفقه من قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} [ الشورى: 51 ] وهذا الرسول هو جبريل، وقد يكون غيره وذلك في أحوال قليلة</p><p>المبحث الرابع: صفة مجيء الملك إلى الرسول</p><p>بالتأمل في النصوص في هذا الموضوع نجد أنّ للملك ثلاثة أحوال : الأول: أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها، ولم يحدث هذا لرسولنا صلى الله عليه وسلم إلا مرتين.</p><p>الثاني: أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، فيذهب عنه وقد وعى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال. </p><p>الثالث: أن يتمثل له الملك رجلاً فيكلّمه ويخاطبه ويعي عنه قوله، وهذه أخف الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حدث هذا من جبريل في اللقاء الأول عندما فجأه في غار حراء</p><p>المبحث الخامس: بشائر الوحي</p><p>كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل معاينته للملك، يرى ضوءاً، ويسمع صوتاً، ولكنه لا يرى الملك الذي يحدث الضوء، ولا يرى مخاطبه والهاتف به، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: ((مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً)) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 34858, member: 329"] المطلب الثالث: مثال يوضح دور الرسل وقد ضربت الملائكة للرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً يوضح دوره، ويبين وظيفته، فعن جابر بن عبد الله قال: ((جاءت ملائكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم فقال بعضهم إنه نائم . وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا . فقال بعضهم إنه نائم . وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا ، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة . فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم . وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا فالدار الجنة ، والداعي محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن أطاع محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد أطاع الله ، ومن عصى محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد عصى الله ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - فرق بين الناس) الفصل الثاني: حاجة البشرية إلى الرسل والرسالات تمهيد: إذا كان الناس في القديم يجادلون الرسل، ويرفضون علومهم، ويعرضون عنهم فإن البشر اليوم في القرن العشرين – حيث بلغت البشرية ذروة التقدم المادي، فغاصت في أعماق البحار، وانطلقت بعيداً في أجواز الفضاء، وفجرت الذرة، وكشفت كثيراً من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود – أشدُّ جدالاً للرسل، وأكثر رفضاً لعلومهم، وأعظم إعراضاً عنهم، وحال البشر اليوم من الرسل وتعاليمهم كحال الحمر المستنفرة حين ترى الأسد فتفرّ لا تلوي على شيء، قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [ المدثر: 49-51]. والبشر – اليوم – يأبون أكثر من قبل التسليم للرسل وتعاليمهم اغتراراً بعلومهم، واستكباراً عن متابعة رجال عاشوا في عصور متقدمة على عصورهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [ التغابن: 6 ]. واليوم ينفخ شياطين الإنس في عقول البشر يدعونهم إلى التمرد على الله وعلى شريعة الله، ورفض تعاليم الرسل، بحجة أنَّ في شريعة الله حجراً على عقولهم، وتوقيفاً لركب الحياة، وتجميداً للحضارة والرقي ّ، وقد أقامت الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل، بل إنَّ بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستورياً، وهو الذي يسمى بالعلمانية، وكثير من الدول التي تتحكم في رقاب المسلمين تسير على هذا النهج، وقد ترضي عوامّ الناس بأن تضع مادة في دستورها تقول: دين الدولة الإسلام، ثمَّ تهدم هذه المادة بالموادّ السابقة واللاحقة، والتشريعات التي تحكم العباد. فهل صحيح أنَّ البشرية بلغت – اليوم – مبلغاً يجعلها تستغني عن الرسل وتعاليم الرسل؟ وهل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيداً عن منهج الرسل؟ يكفي في الإجابة أن ننظر في حال تلك الدول التي نسميها متقدمة متحضرة كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين – لنعلم مدى الشقاء الذي يغشاهم، نحن لا ننكر أنَّهم بلغوا في التقدّم المادي شأواً بعيداً، ولكنّهم في الجانب الآخر الذي جاء الرسل وجاءت تعاليمهم لإصلاحه انحدروا انحداراً بعيداً. لا ينكر أحد أنَّ الهموم والأوجاع النفسية والعقد النفسية – اليوم – سمة العالم المتحضر، الإنسان في العالم المتحضر اليوم فقد إنسانيته، خسر نفسه، ولذلك فإن الشباب هناك يتمردون، يتمردون على القيم والأخلاق والأوضاع والقوانين، أخذوا يرفضون حياتهم التي يعيشونها، وأخذوا يتبعون كل ناعق من الشرق أو الغرب يلوِّح لهم بفلسفة أو دروشة أو سفسطة يظنون فيه هناءهم، لقد تحوّل عالم الغرب إلى عالم تنخر الجريمة عظامه، وتقوده الانحرافات والضياع، لقد زلزلت الفضائح أركان الدول الكبرى، والخافي أعظم وأكثر من البادي، إن الذين يسمّون – اليوم – بالعالم المتحضر يخربون بيوتهم بأيديهم، حضارتهم تقتلهم، حضارتهم تفرز سموماً تسري فيهم فتقتل الأفراد، وتفرق المجتمعات، الذين نسميهم اليوم بالعالم المتحضر كالطائر الجبّار الذي يريد أن يحلق في أجواز الفضاء بجناح واحد. إننا بحاجة إلى الرسل وتعاليمهم لصلاح قلوبنا، وإنارة نفوسنا، وهداية عقولنا... ونحن بحاجة إلى الرسل كي نعرف وجهتنا في الحياة، وعلاقتنا بالحياة وخالق الحياة. نحن بحاجة إلى الرسل كيلا ننحرف أو نزيغ فنقع في المستنقع الآسن. المبحث الأول: كلام ابن القيم في حاجة البشرية إلى الرسل يقول ابن القيم مبيناً حاجة العباد إلى الرسل وتعاليمهم: (ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلاّ على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلاّ من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلاّ على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلاّ هديهم وما جاؤوا به، فهم الميزان الراجح، الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأيّ ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحسُّ بهذا إلاّ قلبٌّ حيٌّ. ما لجرح بميت إيلام وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحبَّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقلٍّ، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم) . المبحث الثاني: كلام ابن تيمية في حاجة البشرية إلى الرسل وممن جلى هذه المسألة وبينها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: (الرسالة ضرورية للعباد، لا بدَّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأيُّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} [الأنعام: 122]، فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات). وبين رحمه الله تعالى: (أن الله سمّى رسالته روحاً، والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [ الشورى: 52 ]، فذكر هنا الأصلين، وهما: الروح، والنور، فالروح الحياة، والنور النور) وبين رحمه الله تعالى: (أن الله يضرب الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب ونوراً لها بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض، وبالنَّار التي يحصل بها النور، وهذا كما في قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ} [الرعد: 17]. يقول شيخ الإسلام رحمه الله معقباً على الآية: (فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب، كما أنَّ بالماء حياة الأبدان، وشبّه القلوب بالأودية، لأنّها محلّ العلم، كما أنَّ الأودية محل الماء، فقلب يسع علماً كثيراً، وواد يسع ماءً كثيراً، وقلب يسع علماً قليلاً، وواد يسع ماءً قليلاً، وأخبر تعالى أنَّه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء، وأنّه يذهب جفاءً، أي: يرمى به، ويخفى، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات، ثم تذهب جفاءً، ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس، وقال: {وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ} [الرعد: 17]. فهذا المثل الآخر وهو الناري، فالأول للحياة، والثاني للضياء. وبين رحمه الله أن لهذين المثالين نظيراً وهما المثالان المذكوران في سورة البقرة في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ} [ البقرة: 17-19 ]. وبعد أن بيَّن الشيخ رحمه الله وصف المؤمن، بين وصف الكافر، فقال: (وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حيّ، وإن كانت حياته حياة بهيمية، فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها الإيمان، وبها حصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الله – سبحانه – جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعاً بالدعوة إلى الله وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه). ثم بيّن رحمه الله هذه الأصول التي أشار إليها هنا فقال: (فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصّها الله على عباده والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنّة والنار والثواب والعقاب). ثم بيّن أنَّ (على هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلاّ من جهة الرسل، فإنَّ العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض، وتنزيل الدواء عليه) . مقارنة بين حاجة العباد إلى علم الرسل وعلم الطب: عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم (مفتاح دار السعادة) مقارنة بيّن فيها أنّ حاجة الناس إلى الشريعة أعظم من حاجتهم إلى علم الطب مع شدّة حاجة الناس إليه لصلاح أبدانهم، فحاجتهم إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم، قال: (حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية، فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها، ألا ترى أنَّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب، ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة، وأمَّا أهل البدو كلهم، وأهل الكفور كلّهم، وعامة بني آدم – لا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصحُّ أبدانا، وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بالطبيب، ولعّل أعمارهم متقاربة، وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم، واجتناب ما يضرهم، وجعل لكلّ قوم عادة وعرفاً في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء، حتى إنَّ كثيراً من أصول الطب إنما أخذت من عوائد الناس، وعرفهم وتجاربهم. وأمّا الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضا الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية، فمبناها على الوحي المحض، والحاجة إلى التنفس فضلاً عن الطعام والشراب، لأنّ غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن، وتعطل الروح عنه، وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس النّاس قطّ إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك ألبتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلاّ بالعبور على هذا الجسم) . المبحث الثالث: التبشير والإنذار ودعوة الرسل إلى الله تقترن دائماً بالتبشير والإنذار، ولأنَّ ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جداً فقد قصر القرآن مهمة الرسل عليهما في بعض آياته {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [ الكهف: 56 ]، وقد ضرب الرسول – صلى الله عليه وسلم – لنفسه مثلاً في هذا، فقال: ((إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوماً، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعينيَّ، وإني أنا النذير العُريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذَّبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق)) . وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [ النحل: 97 ]. {فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَىَ} [ طه: 123 ]، ويعدونهم بالعزّ والتمكين والأمن {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [ النور: 55 ]. ويخوِّفون العصاة بالشقاء الدنيوي {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124 ] ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [ فصلت: 13 ]، وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ النساء: 13 ]. ويخوفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة، {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [ النساء: 14 ]. ومن يطالع دعوات الرسل يجد أنّ دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، ويبدو أنّ التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بصّر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصِّلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تُبيَّن لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال فإنّ النفوس تهرب من هذه الأعمال، ونعيم الله المبشر به نعيم يستعذبه القلب، وتلذُّه النفس، ويهيم به الخيال، اسمع إلى قوله تعالى يصف نعيم المؤمنين في جنات النعيم: {عَلَىَ سُرُرٍ مّوْضُونَةٍ مّتّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مّن مّعِينٍ لاّ يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مّمّا يَتَخَيّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ} [ الواقعة: 15-38 ]. وانظر إلى عذاب الكفرة في دار الشقاء {وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ لاّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [ الواقعة: 41-45 ] {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [ الواقعة: 51-56 ]. وحسبك أن تطالع كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري وتقرأ منه على إخوانك ومن تدعوهم إلى الله، ثم انظر أثر هذا في نفسك وفي نفوس السامعين. إن بعض الذين لم يفقهوا دعوة الإسلام يعيبون على دعاة الإسلام أخذهم بالإنذار والتبشير، ويقولون: فلان واعظ، ويعيبون عليهم عدم فلسفتهم للأمور التي يدعون إليها، ويطالبون الدعاة بالكف عن طريقة الوعظ وتخويف النّاس وترغيبهم، وهؤلاء بحاجة إلى أن يراجعوا أنفسهم، وينظروا في موقفهم هذا، في ضوء نصوص القرآن وأحاديث الرسول التي تبين أسلوب الدعوة، وتوضيح مهمة الرسل الكرام المبحث الرابع: إصلاح النفوس وتزكيتها الله رحيم بعباده، ومن رحمته أن يحي نفوسهم بوحيه، وينيرها بنوره، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [ الشورى: 52 ]. والله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق: {اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [ البقرة: 257 ]، وقد أرسل اللهُ رسله بهديه ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [ إبراهيم: 5]، وبدون هذا النور تعمى القلوب {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [ الحج: 46 ]، وعماها ضلالها عن الحق، وتركها لما ينفعها وإقبالها على ما يضرها {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ} [ الفرقان: 55 ]. وإخراج الرسل الناس من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلاّ بتعليمهم تعاليم ربهم وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، ودلالتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته، وتعريفهم بعبادته {هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ}[ الجمعة: 2 ] {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [ البقرة: 129 ]. المبحث الخامس: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة كان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة، يعبدون الله وحده، ولا يشركون به أحداً، فلمّا تفرقوا واختلفوا أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلوهم من الضلال، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213]. أي: كان الناس أمّة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله فاختلفوا فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين. وقد كان كلُّ رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم ويهديهم إليه، وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعاً، ثم كُلُّ رسول يقوِّم الانحراف الحادث في عصره ومصره، فالانحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط وهو يتمثل في أشكال مختلفة، وكلُّ رسول يُعنى بتقويم الانحراف الموجود في عصره، فنوح أنكر على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وهود أنكر على قومه الاستعلاء في الأرض والتجبّر فيها، وصالح أنكر عليهم الإفساد في الأرض واتباع المفسدين، ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه، وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان، وهكذا، فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط المستقيم وانحراف عنه، والرّسل يبينون هذا الصراط ويحاربون الخروج عليه بأيّ شكل من الأشكال كان. المبحث السادس: إقامة الحجّة لا أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى، فالله جلّ وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حجّة في يوم القيامة، {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [ النساء: 165 ]، ولو لم يرسل الله إلى الناس لجاؤوا يوم القيامة يخاصمون الله – جل وعلا – ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار، وأنت لم ترسل إلينا من يبلغنا مرادك منّا، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [ طه: 134 ]، أي: لو أهلكهم الله بعذاب جزاء كفرهم قبل أن يرسل إليهم رسولاً لقالوا: هلا أرسلت إلينا رسولا كي نعرف مرادك، ونتبع آياتك، ونسير على النهج الذي تريد ؟ وفي يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين يأتي الله لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنّه بلغها رسالة ربه، وأقام عليها الحجّة {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [ النساء: 41-42 ]. وقال في آية أخرى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ} [ النحل: 89 ]. ولذلك فإن الذين يرفضون اتبّاع الرسل، ويعرضون عن هديهم – لا يملكون إلاّ الاعتراف بظلمهم إذا وقع بهم العذاب في الدنيا {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [ الأنبياء: 11-15 ]. وفي يوم القيامة عندما يساقون إلى المصير الرهيب، وقبل أن يلقوا في الجحيم يسألون عن ذنبهم فيعترفون {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ} [ الملك: 8-11 ]. وعندما يضجّون في النَّار بعد أن يُحيط بهم العذاب من كل جانب، وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة النار: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيّنَاتِ قَالُواْ بَلَىَ قَالُواْ فَادْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ}[ غافر: 50 ]. المبحث السابع: سياسة الأمة الذين يستجيبون للرسل يُكونّون جماعة وأمة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرُّسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فهم يحكمون بين الناس بحكم الله {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [ المائدة: 48 ]. ونادى ربُّ العزة داود قائلاً: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ ص: 26 ]، وأنبياء بني إسرائيل كانوا يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ)) وقال الله عن التوراة: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [ المائدة: 44]. فالرسل وأتباعهم من بعدهم يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويلون شؤون القضاء، ويقومون على رعاية مصالح الناس، وهم في كلّ ذلك عاملون بطاعة الله، وطاعتهم في ذلك كلّه طاعة لله {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [ النساء: 80 ]. ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بهذه الطاعة {قُلْ أن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [ آل عمران: 31 ]. ولذا فإنّ شعار المسلم الذي يعلنه دائماً هو السمع والطاعة {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [ النور: 51 ]. الفصل الثالث: الوحي المبحث الأول: النبّوة منحة إلهيّة النبوة منحة إلهية، لا تنال بمجرد التشهي والرغبة، ولا تنال بالمجاهدة والمعاناة، وقد كذّب الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة تنال بمجرد الكسب بالجدّ والاجتهاد، وتكلّف أنواع العبادات، واقتحام أشقّ الطاعات، والدأب في تهذيب النفوس، وتنقية الخواطر، وتطهير الأخلاق، ورياضة النفس والبدن . وقد بيّن الله في أكثر من آية أنّ النبوة نعمة ربانية إلهية، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [ مريم: 58 ]، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبّكَ} [ يوسف: 6 ]، وقال الله لموسى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [ الأعراف: 144 ]. وقد طمع أمية بن أبي الصَّلت في أن يكون نبي هذه الأمة، وقال الكثير من الشعر متوجهاً به إلى الله، وداعياً إليه، ولكنه لم يحصل على مراده، وصدق الله إذ يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [ الأنعام: 124]. وعندما اقترح المشركون أن يختار الله لأمر النبوة والرسالة أحد الرجلين العظيمين في مكة والطائف عروة بن مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة، أنكر الله ذلك القول، وبين أنّ هذا مستنكر، فهو الإله العظيم الذي قسم بينهم أرزاقهم في الدنيا، أفيجوز لهم أن يتدخلوا في تحديد المستحقِّ لرحمة النبوة والرسالة؟ {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىَ رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا..} [ الزخرف: 31-32 ]. المبحث الثاني: طريق إعلام الله أنبياءه ورسله تعريف الوحي: سمى الله الطريق الذي يعلم الله به أنبياءَه ورسله وحياً، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً} [ النساء: 163 ]. والوحي في اللغة: الإعلام الخفّي السريع مهما اختلفت أسبابه ، فقد يكون بالإلهام كوحي الله إلى الحواريين: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيّينَ أن آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} [ المائدة: 111 ] وكوحي الله لأم موسى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [ القصص: 7 ]، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة، فقد سمّى القرآن إشارة زكريا إلى قومه وحياً {فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [ مريم: 11 ]. وأكثر ما وردت كلمة (وحي) في القرآن الكريم بمعنى إخبار وإعلام الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، بطريقة سرّية خفيّة، غير معتادة للبشر. المبحث الثالث: مقامات وحي الله إلى رسله للوحي الذي يعلم الله به رسله وأنبياءَه مقامات، قال الله تعالى مبيِّناً هذه المقامات: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ ٌ} [ الشورى: 51 ]. فالمقامات ثلاثة: الأولى: الإلقاء في روع النبي الموحى إليه، بحيث لا يمتري النبي في أنّ هذا الذي ألقي في قلبه من الله تعالى، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب)) . وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد بالوحي في قوله: {إِلاّ وَحْياً} الوحي في المنام . رؤيا الأنبياء: وهذا الذي فسّر به ابن الجوزي المقام الأول داخل في الوحي بلا شّك، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌ، ولذلك فإنَّ خليل الرحمن إبراهيم بادر إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنّه يذبحه، وعدّ هذه الرؤيا أمراً إلهياً، قال تعالى في إبراهيم وابنه إسماعيل: {فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَبُنَيّ إِنِّي أَرَىَ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىَ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ فَلَمّا أَسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَآ إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [ الصافات: 102- 105]. وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت: ((أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) . المقام الثاني: تكليم الله لرسله من وراء حجاب: وذلك كما كلَّم الله تعالى موسى عليه السلام، وذكر الله ذلك في أكثر من موضع في كتابه: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [ الأعراف: 143 ]، {فَلَمّآ أَتَاهَا نُودِيَ يَمُوسَىَ إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ إِنّنِي أَنَا اللّهُ لآ إِلَهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ} [ طه: 11-14 ]، وممن كلّمه الله آدم عليه السلام {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ..} [ البقرة: 33 ]، وكلّم الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء. المقام الثالث: الوحي إلى الرسول بواسطة الملك: وهذا هو الذي يفقه من قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} [ الشورى: 51 ] وهذا الرسول هو جبريل، وقد يكون غيره وذلك في أحوال قليلة المبحث الرابع: صفة مجيء الملك إلى الرسول بالتأمل في النصوص في هذا الموضوع نجد أنّ للملك ثلاثة أحوال : الأول: أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها، ولم يحدث هذا لرسولنا صلى الله عليه وسلم إلا مرتين. الثاني: أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، فيذهب عنه وقد وعى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال. الثالث: أن يتمثل له الملك رجلاً فيكلّمه ويخاطبه ويعي عنه قوله، وهذه أخف الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حدث هذا من جبريل في اللقاء الأول عندما فجأه في غار حراء المبحث الخامس: بشائر الوحي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل معاينته للملك، يرى ضوءاً، ويسمع صوتاً، ولكنه لا يرى الملك الذي يحدث الضوء، ولا يرى مخاطبه والهاتف به، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: ((مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً)) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية