الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 34938" data-attributes="member: 329"><p>ونحو ذلك ما جاء في (إنجيل يوحنا) في الإصحاح الرابع: </p><p>(20-24 قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله).</p><p>وهذا النص يشير إلى ظهور الدين الجديد، وإنّه سيتحول مركزه عن أورشليم ويشير إلى تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة، قبلة أصحاب الدين الجديد، ويصدقه قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [ البقرة: 144 ]. </p><p>فقد كان المسلمون أول الأمر يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نزلت الآية بوجوب توجههم إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة. - من إنجيل لوقا :</p><p>ذكر صاحب كتاب (الإنجيل والصليب) أنه جاء في (إنجيل لوقا) 2: 14 (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد).</p><p>ولكن المترجمين ترجموها في الإنجيل هكذا: </p><p>(الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة).</p><p>ومؤلف الكتاب يرى أن الترجمة الصحيحة ما ذكره هو. </p><p>يقول المؤلف أنّ ثمة كلمتين وردتا في اللغة الأصلية لم يدرك أحد ما تحتويان عليه من المعاني تماماً، فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من السريانية. </p><p>هاتان الكلمتان هما: </p><p>أيريني – التي يترجمونها: السلامة. </p><p>وأيودكيا – التي يترجمونها: حسن الرضا. </p><p>فالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (أيريني)، فقد ترجمت بكلمات (سلامة) (مسالمة) (سلام). </p><p>والمؤلف يرى أن ترجمتها الصحيحة (إسلام) فيقول في ص: 40: (ومن المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جداً، ويشتمل على ما تشتمل عليه ألفاظ (السلم، السلام) (الصلح، المسالمة) (الأمن، الراحة). . وتتضمن معنى زائداً وتأويلاً آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى، ولكن قول الملائكة: (على الأرض سلام) لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة، لأنّ جميع الكائنات وعلى الأخص الحيَّة منها، ولا سيما النوع البشري الموجود على كرة الأرض دارنا الصغيرة هي بمقتضى السنن الطبيعة والنواميس الاجتماعية خاضعة للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات..، فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة).</p><p>ثم يستشهد بقول المسيح: (ما جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً) (متى 10: 34). </p><p>ويستشهد بقول آخر للمسيح: (جئت لألقي ناراً على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض؟ كلا أقول لكم بل انقساماً) (لوقا: 12: 49-53).</p><p>وعلى هذا فالترجمة لا تنطبق ورسالة المسيح وأقواله والصواب (وعلى الأرض إسلام). (انظر البحث من ص38-44). </p><p>كما يرى أن (أيادوكيا) بمعنى (أحمد) لا (المسرة أو حسن الرضا) كما يترجمها القسس، وذلك لأنه لا يقال في اليونانية لحسن الرضا (أيودوكيا) بل يقال: (ثليما). ويقول: إن كلمة (دوكوته)، هي بمعنى (الحمد، الاشتهاء، الشوق، الرغبة، بيان الفكر). وها هي ذي الصفات المشتقة من هذا الفعل (دوكسا) وهي (حمد، محمود، ممدوح، نفيس، مشتهى، مرغوب، مجيد). </p><p>واستشهد بأمثلة كثيرة من اليونانية لذلك. وقال: إنهم يترجمون (محمديتو) في (أشعيا 64: 11) بـ (اندوكساهيمون)، ويترجمون الصفات منها (محمد، أحمد، أمجد، ممدوح، محتشم، ذو الشوكة) بـ(ايندكسوس).</p><p>واستدل بهذا التحقيق النفيس أن الترجمة الحقيقية الصحيحة لما ذكره لوقا هي (أحمد، محمد) لا (المسرة)، فتكون الترجمة الصحيحة لعبارة الإنجيل: (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد) .</p><p>- بشارات إنجيل برنابا: </p><p>هذا الإنجيل مليء بالبشارات الصريحة بالرسول المصطفى المختار، ومما ورد فيه (ص161): (قال الله اصبر يا محمد. .) وفي (ص162) (إن اسمه المبارك محمد. .) (ص162): (يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم). </p><p>رأي في إنجيل برنابا: </p><p>لا شكّ أن هذا الإنجيل من الأناجيل التي كانت معروفة قديماً، وقد ورد ذكره في كتب القرن الثاني والثالث للميلاد، ثمّ لم يرد له ذكر بعد ذلك، إلى أن عثر على نسخة منه في أوائل القرن الثامن عشر الهجري، ولا تزال هذه النسخة في مكتبة بلاط (فيّنا). </p><p>وعندما نشر هذا الكتاب أحدث ضجّة – كبرى في ذلك الوقت – في أوربا في نوادي العلم والدين، وقد طبعت ترجمة هذا الكتاب مرتين باللغة العربية، الطبعة الثانية نشرتها دار القلم بالكويت. </p><p>وقد اطلعت على هذا الكتاب، وأمعنت النظر فيه، فتبين لي فيه رأي لم أجد أحداً قد تنبه إليه، تبين لي أن هذا الكتاب وإن كان له أصل فقد لعبت فيه يد مسلم، فأدخلت فيه ما ليس منه، والذي جعلني أذهب هذا المذهب ليست تلك التعليقات العربية التي وجدت على هامش النسخة الأصلية الموجودة في (فينّا)، وإنّما تلك المبالغات التي وصف بها الإنجيل الرسول صلى الله عليه وسلم، نحن نصدّق أن يبشر الإنجيل بالرسول صلى الله عليه وسلم ولكننا نستبعد كل البعد أن يكون قد شاع بين أهل الكتاب تلك الخرافات التي شاعت بين المسلمين بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم، فنجد في هذا الإنجيل أنّ الله أعطى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء، وخلق من أجله كل شيء، وجعله قبل كل شيء، انظر ص (91، 93، 110)، وفي ص (111) يقول حاكياً كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رب اذكر أنك لما خلقتني قلت: إنّك أردت أن تخلق العالم والجنة والملائكة – والناس حبّاً فيّ ليمجدوك بي أنا عبدك). وفي ص (161)، اصبر يا محمد، لأجلك أريد أن أخلق الجنّة والعالم وجمّاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك. .).</p><p>وفي ص (266) (هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء).</p><p>وفي ص (152) يقول: (ولذلك لما خلق الله قبل كل شيء رسوله). </p><p>هذه الأقوال بدون شكّ غير صحيحة، وهي تناقض الحقّ الذي بين أيدينا، فالله خلق البشر والملائكة والجنَّ لعبادته {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [ الذاريات: 56]. </p><p>وأول المخلوقات القلم كما في الحديث ((أول ما خلق الله القلم)) وهذه الأقوال التي فيها غلو شاعت بين المسلمين، وصاغوها أحاديث نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث ((لولاك لما خلقت الأفلاك)) (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث رقم 282) وحديث ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)) (حديث رقم 302، 303) وحديث: ((كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث)) (كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص326).</p><p>وحديث: ((لقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك علي ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا)) (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ص325).</p><p>وفي هذا المصدر ص337 حديث يقول: ((خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري)) .</p><p>وإذا أنت قارنت بين ما نقلته عن إنجيل برنابا وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة أدركت أن الذي أدخل هذه الأوصاف كان من هذا النوع الذي عشعشت أمثال هذه الأحاديث المكذوبة في ذهنه. </p><p>وهناك أمور منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم زوراً، لأنها تخالف الحقَّ الذي في أيدينا، فمن ذلك ما ورد (ص209) من (أن الجحيم ترتعد لحضور الرسول عليه السلام، فيمكث بلا مكابدة عقاب مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمشاهدة الجحيم). فهذا مخالف لصريح القرآن {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف:75].</p><p>ومن ذلك نقل هذا الكتاب عن عيسى قوله في (ص92): (لست أهلاً أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله) ويقول قريباً من هذا في ص (96) وص (160)، ومثل هذا بعيد أن يصدر عن رسول من أولي العزم من الرسل. ومع ذلك فقد وصف الكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمور فيها تحقير له، ففي ص (108) يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنّه سيكون كالمخبول، وفي ص (105) يقول: (إن الله سيجرد رسوله محمد في يوم القيامة من الذاكرة). </p><p></p><p>ومن البشارات به في الإنجيل ما في الفصل الخامس عشر من الإنجيل الذي جمعه يوحنا: (أن الفارقليط روح الحق الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء). انتهى. </p><p>وفي موضع آخر منه<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />والفارقليط روح القدس الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء, وهو يذكركم ما قلت لكم), وفي موضع آخر منه<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />إذا جاء الفارقليط الذي أرسله الله روح الحق الذي هو يشهد لي, قلت لكم هذا حتى إذا كان يؤمنون به ولا يشكون فيه). </p><p>وفي الفصل السادس عشر منه: لكني أقول لكم الحق: (إنه خير لكم أن أنطلق, لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط, فإذا انطلقت أرسلته إليكم, فهو يوبخ العالم على الخطيئة, وعلى البر, وعلى الحكم, أما على الخطيئة فإنهم لم يؤمنوا بي, وأما على البر فإني منطلق ولستم تروني, وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم يدان, وأن لي كلاماً كثيراً لستم تطيقون كله الآن, لكن إذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق, لأنه ليس ينطق من عنده, بل يتكلم بما يسمع, ويخبركم بكل ما يأتي). انتهى.</p><p>وقد تكرر ذكر الفارقليط في الإنجيل, وأنذر به المسيح, وبشر به قومه في غير موضع منه, وقد اختلفوا في المراد فالفارقليط في لغتهم على أقوال, وذهب الأكثر من النصارى إنه المخلص, وقالوا: هو مشتق من الفاروق, أو من فارق, قالوا ومعنى ليط كلمة تزاد كما يقال رجل هو, وحجر هو, وعالم هو, وجاهل هو.</p><p>وقد تقرر أنه لا نبي بعد المسيح غير نبينا صلى الله عليه وسلم, وهذه البشارات قد تضمنت أنه سيأتي بعد المسيح نبي يخلص تلك الأمة مما هم فيه, ويوبخهم على الخطية, ويتكلم بما يسمع, ويخبر بكل ما يأتي, ولم يكن هذا لأحد بعد المسيح غير نبينا صلى الله عليه وسلم, ومما يدل على أن المراد بالفارقليط هو نبينا صلى الله عليه وسلم أنه وقع الحذف بهذا اللفظ من بعض نسخ الإنجيل مع ثبوته في غالبها, وليس ذلك إلا تغييراً وتبديلاً من النصارى لما يعلمونه من أن المراد بهذا اللفظ هو التبشير بنبي يأتي بعد المسيح, وأنها ستقوم بذلك الحجة عليهم, فحذفوا هذا اللفظ لهذه العلة, وقد حكى الله سبحانه في القرآن العظيم أن المسيح بشر بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[ الصف: 6] وفي الإنجيل الذي جمعه يوحنا أن المسيح قال: (أركون العالم سيأتي, وليس لي شيء) وهذا اللفظ فيه أعظم بشارة بنبينا محمد, فإن الأركون في لغة النصارى العظيم القدر, ولم يأت بعد المسيح من هو بهذه الصفة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم, فإنه جعله أركون العالم, وقال عن نفسه ليس له من الأمر شيء, فدل هذا على أنه سيأتي بعده عظيم من عظماء العالم, يكون منه الإصدار والإيراد, والحل والعقد في الدين وإثبات الشرائع, وأن المسيح بالنسبة إليه كمن ليس له شيء, وهذا إنما يكون تبشيراً بمن هو أعظم من المبشر به أعني المسيح عليه السلام, ولا يصح حمله على رجل عظيم القدر في الدنيا, أو في الملك, أو غير ذلك, لأن الأنبياء لا يبشرون بمن هو كذلك ويجعلونه أركون العالم, ويجعلون الأمر إليه, وينفون الأمر عن أنفسهم, فإن هذا لا يكون أبداً من الأنبياء, ولا يصح نسبته إليهم, ولا صدوره منهم قط بلا خلاف بين أهل الملل, ولا يمكن أن يدعي مدع أنه جاء بعد المسيح من هو بهذه الصفة غير نبينا صلى الله عليه وسلم, فإن الحواريين إنما دانوا بدينه, ودعوا الناس إلى شريعته, ولم يستقل أحد منهم بشيء من جهة نفسه قط, ومن جاء بعدهم من أتباع المسيح فهو دونهم بمراحل . </p><p>المبحث الرابع: شيوع هذه البشارات قبل البعثة </p><p></p><p>لقد كانت هذه البشارات منتشرة قبل البعثة النبوية، فلم يكن أهل الكتاب يكتمونها في ذلك الوقت، بل كانوا يذيعونها، ويزعمون أنهم سيتابعون صاحبها عندما يبعث، وقد حفظ لنا المسلمون بعض هذه البشارات، ونقل لنا الأنصار من أهل المدينة أحاديث اليهود قبل البعثة عن هذه البشارات، وقد تعرف بعض أهل الكتاب على الرسول صلى الله عليه وسلم في صغره، وانتفع بعض أهل الكتاب بهذه البشارات وآمنوا. </p><p>1- صفة رسولنا صلى الله عليه وسلم في التوراة:</p><p>روى البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قال: ((لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، والله إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، {يَا أَيُّهَا النبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45]، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق السخب: الصياح، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولا يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح أعينا عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً)) (1). وروى الدارمي عن عطاء عن ابن سلام ونحوه وعن كعب – وهو من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم – قال: ((نجد مكتوباً في التوراة محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كلّ منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفهم في القتال، وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل)) قال التبريزي: هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير يسير.</p><p>أين هذه البشارة في التوراة: </p><p>وهذه البشارة ليست موجودة في التوراة المنتشرة اليوم بين اليهود والنصارى، فإن كان المراد بالتوراة التوراة المعينة فتكون هذه البشارة مما أخفته اليهود، وقد تكون مخفية عندهم مما لا يطلع عليه إلاّ أحبارهم، إلاّ أنه قد تطلق التوراة ولا يراد بها توراة موسى، بل يراد بها الكتب المنزلة من عند الله، وقد يطلق على الكتب المنزلة اسم القرآن، كما في الحديث الصحيح ((خفّف على داود القرآن، فكان ما بين أن يسرج دابته على أن يركبها يقرأ القرآن)) والمراد به قرآنه وهو الزبور. وجاء في بعض البشارات عن هذه الأمة (أناجيلهم في صدورهم) فسمى القرآن إنجيلاً، وعلى ذلك فهذه البشارة موجودة عندهم في نبوة أشعيا، فقد جاء فيها: (عبدي الذي سرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، والآذان الصمّ، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحداً، يحمد الله حمداً جديداً، يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البريّة وسكانها، يهللون على كلِّ شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى مشقح، ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّي الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا ينطفي، أثر سلطانه على كتفيه) .</p><p>2- خبر ابن الهيبان: </p><p>ومما حفظته لنا كتب السنة عن علماء اليهود قبل الإسلام أن رجلاً من اليهود كان يدعى ابن الهيبان قدم المدينة ونزل في يهود بني قريظة قبل الإسلام بسنين، قال راوي القصة: ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مدّين من شعير، قال: فنخرجها ثمَّ يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي، وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً. قال: ثَمَّ حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنّه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: الله أعلم. قال: فإني إنّما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعثه الله، وقد أظلّكم زمانه، فلا تسبقّن إليه يا معشر يهود، فإنّه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري، فيمن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه، وفد انتفع بوصية ابن الهيبان مجموعة من شباب يهود بني قريظة، وهم ثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأسد بن عبيد، فإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم – لما حاصر بني قريظة – قال هؤلاء الفتية وكانوا شباباً أحداثاً: يا بني قريظة، والله إنّه للنبي الذي عهد إليكم ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى، إنّه لهو صفته، فنزلوا، فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم ورحالهم .</p><p>3- خبر يوشع: </p><p>وروى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناده عن محمد بن سلمة، قال: ((لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له: يوشع، فسمعته يقول – وإني لغلام في إزار – قد أظلَّكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثمّ أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدّقه، فبعث رسول الله فأسلمنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسداً وبغياً)) .</p><p>4- خبر عبد الله بن سلام: </p><p>وقد كان عبد الله بن سلام سيد اليهود وأعلمهم وابن سيدهم وأعلمهم، قال: ((لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسراً صامتاً عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلمّا قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبّرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها: أي عمّة، والله هو أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث بما بعث به. قال: فقالت: يا ابن أخي أهو الذي كنّا نخبر أنّه يبعث مع الساعة؟ قال: قلت: نعم، قالت: فذاك إذاً)) .</p><p>وقد ذكر البخاري قصة مجيء عبد الله بن سلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإسلامه وطلبه من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرسل إلى اليهود ويسألهم عنه بل أن يعلموا بإسلامه، فلما جاؤوا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقاً، وأنّي جئتكم بحقٍّ، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، (قالها ثلاث مرات) قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاش لله ما كان ليسلم (سألهم ذلك ثلاثاً، ويرددون عليه بالجواب نفسه)، قال: يا ابن سلام، اخرج عليهم "، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .</p><p>5- شهادة غلام يهودي: </p><p>وروى أنس بن مالك ((أنَّ غلاماً يهودياً كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا. </p><p>قال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنّا لنجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإنّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله)) رواه البيهقي بإسناد صحيح .</p><p>6- فراسة راهب: </p><p>وقد تعرف على الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الرهبان وهو صغير، عندما كان في تجارة مع عمّه أبي طالب إلى الشام، روى أبو موسى قال: ((خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلمّا أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، قال: فهم يحلّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. </p><p>فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجداً، ولا يسجدان إلاّ لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثمَّ رجع فصنع لهم طعاماً، فلمّا أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل عليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)) .</p><p>7- معرفة علماء اليهود بموعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم: </p><p>عندما اقترب موعد خروج المصطفى صلى الله عليه وسلم علم أهل الكتاب بذلك بأمارات كانت عندهم، فقد روى أبو زرعة بإسناد صحيح عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة ((أن الرسول صلى الله عليه وسلم التقى بزيد بن عمرو بن نفيل قبل البعثة، وكان مما أخبر به زيد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رحل في طلب الدين الحق دين التوحيد فقال له حبر في الشام: إنك لتسأل عن دين ما نعلم عليه أحداً يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة. </p><p>قال فخرجت: فقدمت عليه، فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كلّ من رأيت في ضلالة، ممنّ أنت ؟</p><p>قلت: أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرظ. </p><p>فقال: إنه قد خرج في بلدك نبيّ، أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه، فرجعت فلم أحسّ شيئاً بعد)) .</p><p>كان زيد يحدّث بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، ولم يكن يعلم أنَّ الذي يحدثه هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ظهر نجمه، ومات زيد قبل البعثة بسنوات. </p><p>وقد سبق ذكر خبر ابن الهيبان، الذي خرج من الشام إلى المدينة، فقد قال لليهود عندما حضرته الوفاة: (إنّما أخرجني توقع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، هذه البلاد مهاجره) .</p><p>وفي صحيح البخاري: (كان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفاً على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختانِ قد ظهر. وقال هرقل في آخر كلامه: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر)</p><p>الكتاب السادس: الإيمان باليوم الآخر</p><p>تمهيد:</p><p>إن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام. ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع على ذلك المسلمون.....</p><p>- عناية الكتاب والسنة بالإيمان باليوم الآخر:</p><p>إن المتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة؛ يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطاً واسعاً من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة، ويتمثل ذلك فيما يلي: </p><p>1- ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر: </p><p>كما قال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}، وكذا قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ البقرة: 62]، فنحن نرى كيف ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر, وجعله في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله. </p><p>فلا إيمان إذاً للشخص وإن قال أنه مؤمن بالله حتى يؤمن باليوم الآخر كإيمانه بالله تعالى، وإن المفرق بينهما لا حظَّ له من الإيمان وإن ادعاه، وقد كان كثير من الكفار يؤمنون بالله ولكنهم يجحدون اليوم الآخر؛ فلم ينفعهم ذلك الإيمان, وأباح الله للمؤمنين دماءهم وأموالهم لأنهم كفار. </p><p>ويتمثل كذلك ربط الإيمان بالله باليوم الآخر من السنة المطهرة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) .</p><p>2- الإكثار من ذكره في القرآن الكريم و في السنة النبوية: </p><p>فقلما تخلو سورة من سور القرآن عن التحدث عنه وتقريبه إلى الأذهان بشتى الأساليب، من إقامة للحجة والبرهان، أو من ضرب الأمثال، كالاستدلال بالنشأة الأولى، وكذا خلق السموات والأرض, وإحياء الأرض بعد موتها - على الإعادة، وما إلى ذلك من المسالك التي سلكها القرآن الكريم ... </p><p>3- كثرة الأسماء التي جاءت له في القرآن الكريم: </p><p>فقد وردت أسماء كثيرة وكلها تبين ما سيقع في هذا اليوم من أهوال .</p><p>ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم. </p><p>ولتلك العناية أسباب نذكرها فيما يلي: </p><p>بعض أسباب العناية باليوم الآخر: </p><p>لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في وقت انمحت فيه كثير من الأمور التعبدية، وجهلت فيه على الخصوص عقيدة الإيمان باليوم الآخر، فلم تعد على ذلك الوضوح الذي كان في زمن الأنبياء، بل صارت بتطاول الزمن عقيدة محرفة بعيدة عن الصواب والواقع، فلم تبق من معالم الإيمان باليوم الآخر إلا بقايا رسوم؛ هي إلى الاندثار أقرب منها إلى التماسك، ليس عند جهة أو قوم بل في كل بقاع الأرض, وعند كل أمة عربية أو غير عربية، اللهم إلا ما ورد عن أناس بخصوصهم من العرب بقوا على الحنفية ملة إبراهيم. </p><p>فالعرب منهم مشركون ينكرون اليوم الآخر أساساً، وأهل الكتاب من يهود ونصارى –وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر عموماً – لكنهم على جهل كبير بحقيقته, وما ينبغي اعتقاده فيه، وغير هؤلاء وثنيون أو مجوس لا يؤمنون به مطلقاً عند بعضهم، وعند بعضهم الآخر يؤمنون أن هناك عودة للروح، لكنه لا يمت إلى الإيمان باليوم الآخر كما جاءت به الأنبياء بأي صلة، كما هو الحال عند الهنود والبوذيين وغيرهم من الفرق الضالة. </p><p>وعلى هذا فمن أسباب تلك العناية ما يلي: </p><p>1- إنكار المشركين لليوم الآخر أشد الإنكار، ونسبة ما يشاهد من الإحياء والإماتة إلى الدهر، دون أن يكون هناك تنظيم لهذا التغير المستمر أو هدف من وراء هذا الخلق: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} [ الجاثية: 24]. </p><p>فكان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة ذلك السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر. </p><p>2- ... فإن أهل الكتاب وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر لكنهم لم يكونوا على العقيدة الصحيحة فيه، فقد حرفوه وبلغوا به منتهى الفساد، وحتى صاروا فيه كالوثنيين من هنود وبوذيين، وذلك من ناحية أن الهنود يعتقدون في كرشنة أنه هو المخلص لهم من الآلام .</p><p>والنصارى – بخصوصهم – يعتقدون في عيسى أنه هو المخلص لأمته من عقوبة الخطايا في الآخرة؛ فالكل في الجنة والنعيم .</p><p>وأما اليهود فقد اختلفوا في الإيمان باليوم الآخر، وحتى نفس هذا الاختلاف بعيد كل البعد عن حقيقة اليوم الآخر.</p><p>3- ومن الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يهتم باليوم الآخر ذلك الاهتمام الشديد، هو التأكيد على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يوماً يجازى فيه المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته؛ لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى, والمصير مجهول, ولا وازع نفسي, ولا ضمير حي.</p><p>إذاً فلا عجب إن رأينا الإسلام يهتم بذكر اليوم الآخر, ويحث على الإيمان به, ويجعله من أهم القضايا الأساسية التي لا يمكن أن يسمى الشخص مؤمناً إلا إذا جاء بها, معتقداً صحتها في قرارة نفسه. </p><p>فالإسلام خاتم الديانات ورسوله خاتم المرسلين، ولا عجب كذلك حينما نرى ونقرأ حقائق وتفاصيل عن اليوم الآخر لم تكن معلومة عند أهل الديانات السابقة. </p><p>وهذا هو الذي حمل بعض الفلاسفة ومن سار على طريقهم على القول بأنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ...</p><p>ولأن تلك التفاصيل لم تكن معلومة لدى الكفار من قريش وغيرهم؛ نرى أن الإسلام قد سلك مسالك شتى وطرقاً متعددة في إقناع الكفار بالإيمان باليوم الآخر، مبيناً أن هذا الكون لابد وأن ينتهي ويزول كل أثر له، وأنه لم يخلق عبثاً دون حساب وجزاء. </p><p>الباب الأول: القيامة الصغرى.</p><p>الفصل الأول: الاحتضار.</p><p>تمهيد</p><p>ويدخل في الإيمان باليوم الآخر (الإيمان بالموت) الذي هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وهو ساعة كل إنسان بخصوصه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.....: ((إنْ يعش هذا لَمْ يُدْرِكْهُ الهرم قامَتْ عليكم ساعَتُكُمْ))</p><p>المبحث الأول: تعريف الاحتضار</p><p>الحضور: نقيض المغيب والغيبة، يقال: حَضَر الرجل يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضَارة، ويعدّى فيقال: حَضَرَه، يَحْضُرُهُ، وأحْضَرَ الشيء وأَحْضَرَه إياه، وكان ذلك بِحَضْرَةِ فلان وحِضْرَته وحُضْرَتِهِ، وحَضَرِه ومَحْضَرِه، وكلّمته بِحَضْرَةِ فُلان وبمَحْضَرٍ منه، أي بمشهد منه.</p><p>وحَضْرَةُ الرجل: قُرْبه وفِناؤه، والحَضْرة: قرب الشيء، يقال: أُكْرِم فلانُ بِحَضْرة فلان وبمَحْضَرِه، ويقال: حَضَرَت الصَلاة.</p><p>ورجل حَضِرٌ وحَضُرٌ: يتحيّن طعام الناس حتى يَحْضُرَه، تقول العرب: اللبن مُحْتضِرٌ ومَحْضُوْرٌ فَغَطِّه: أي كثير الآفة، يعني يحتضره الجنّ والدواب وغيرها.</p><p>وقولـه تعالى: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 98] أي: أعوذ بك من حضور الشياطين في شيء من أمري .</p><p>وحضره الهمُّ واحْتضره وتَحَضّرَه إذا نزل به.</p><p>وحُضِر المريض واحْتُضِرَ إذا نزل به الموت .</p><p>نخلص مما سبق إلى أن الاحتضار هو حضور الموت ونزوله بالعبد. </p><p>المبحث الثالث: مع ملك الموت ملائكة يعاونونه في قبض الروح</p><p>إذا حان أجل العبد وأراد الله تعالى قبض روحه أرسل إليه ملك الموت ومعه ملائكة يعاونونه على قبض روح ذلك العبد، قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]، فقولـه: {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي احتضر وحان أجله، {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} أي ملائكة موكلون بذلك، روى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وغير واحد قولهم: إن لملك الموت أعواناً من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم .</p><p>يقول الطبري: (يقول تعالى ذكره: إن ربكم يحفظكم... إلى أن يحضركم الموت، وينْزل بكم أمر الله وإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به وهم لا يفرطون في ذلك، فيضيعونه؛ فإن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت فكيف قيل {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} والرسل جملة، وهو واحد، أو ليس قد قال {يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [ السجدة: 11]، قيل جائز أن يكون الله تعالى أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافاً، وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إلى ملك الموت؛ إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان، وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده) .</p><p>فالمتأمل في نصوص القرآن الكريم يدرك أن الله سبحانه وتعالى أسند التوفي للملائكة كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} [النحل: 28]، وقوله:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ} [ سورة النحل: 32]، وقوله {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}، وغيرها من الآيات، وأسنده في آية أخرى لملك الموت، قال تعالى:{قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}، وأسنده سبحانه في آية أخرى إليه جل وعلا، قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [ الزمر: 42]، ولا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناد التوفي إليه سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته وإذنه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} [ آل عمران: 145]، وإسناده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وإسناده للملائكة؛ لأن لملك الموت أعواناً من الملائكة ينْزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم؛ فيأخذها ملك الموت)</p><p>المبحث الرابع: حضور الشيطان عند الموت</p><p>إذا حضر الموت كان الشيطان حريصاً على الإنسان حتى لا يفلت منه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة)) .</p><p>وقد ذكر علماؤنا أن الشيطان يأتي الإنسان في تلك اللحظات الحرجة في صورة أبيه أو أمه أو غيرهم ممن هو شفيق عليه ناصح له، ويدعوه إلى اتباع اليهودية أو النصرانية أو غيرها من المبادئ المعارضة للإسلام، فهناك يزيغ الله من كتبت له الشقاوة ، وهو معنى قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].</p><p>وقد حدث عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: (حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي خرقة لأشد لحييه، فكان يغرق، ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مراراً، فقلت له: يا أبت أي شيء يبدو منك؟ قال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت) .</p><p>وقال القرطبي: سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي، يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق، ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا، لا...) . </p><p></p><p>وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث – حديث جابر بن عبد الله - على حضور الشيطان عند المحتضر؛ لإغوائه وافتتانه، كما استدلوا أيضاً بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) .</p><p>قال ابن دقيق العيد ت 702هـ: (فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عنـد الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هـذا مـا قبل ذلك، ويـجوز أن يراد بها فتنة القبر) .</p><p>كما قد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات على حضور الشيطان عند المحتضر لإغوائه، وأنه قد يعرض الأديان على بعض العباد، حيث قال رحمه الله: (أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمراً عاماً لكل أحد، ولا هو أيضاً منتفياً عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا، منها ما في الحديث الصحيح ((أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) ، ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((الأعمال بخواتيمها)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) ...، ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك، لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ملك زاداً أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً)) ...) .</p><p>وقال في موضع آخر: (وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض...) .</p><p>وذكر ابن حجر أن الأكثر والأغلب في سوء الخاتمة أنه لا يقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصرّ على الكبائر والمجترئ على العظائم، إذ يهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته .</p><p>ويدل على حضور الشيطان عند المحتضر قوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [ المؤمنون: 97، 98]، فالمعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمرٍ من أموري كائناً ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات .</p><p>وتحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي عن حضور الشيطان عند المحتضر تحت عنوان (الفصل الثاني والعشرون في اجتهاد الشيطان على المؤمن عند الموت)، واستشهد بما رواه النسائي وأبو داود بسنديهما عن أبي اليسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول((اللهم إني أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً)) .</p><p>فقولـه صلى الله عليه وسلم: ((وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت))، قال الخطابي ت388هـ في شرحه: (هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله، ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكره له الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له، ويلقى الله وهو ساخط عليه) .</p><p>ويقول ابن الجوزي ت597هـ: (وقد يتعرض إبليس للمريض فيؤذيه في دينه ودنياه، وقد يستولي على الإنسان فيضله في اعتقاده، وربما حال بينه وبين التوبة... وربما جاء الاعتراض على المقدر؛ فينبغي للمؤمن أن يعلم أن تلك الساعة هي مصدوقة للحرب، وحين يحمى الوطيس فينبغي أن يتجلد، ويستعين بالله على العدو)</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 34938, member: 329"] ونحو ذلك ما جاء في (إنجيل يوحنا) في الإصحاح الرابع: (20-24 قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله). وهذا النص يشير إلى ظهور الدين الجديد، وإنّه سيتحول مركزه عن أورشليم ويشير إلى تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة، قبلة أصحاب الدين الجديد، ويصدقه قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [ البقرة: 144 ]. فقد كان المسلمون أول الأمر يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نزلت الآية بوجوب توجههم إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة. - من إنجيل لوقا : ذكر صاحب كتاب (الإنجيل والصليب) أنه جاء في (إنجيل لوقا) 2: 14 (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد). ولكن المترجمين ترجموها في الإنجيل هكذا: (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة). ومؤلف الكتاب يرى أن الترجمة الصحيحة ما ذكره هو. يقول المؤلف أنّ ثمة كلمتين وردتا في اللغة الأصلية لم يدرك أحد ما تحتويان عليه من المعاني تماماً، فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من السريانية. هاتان الكلمتان هما: أيريني – التي يترجمونها: السلامة. وأيودكيا – التي يترجمونها: حسن الرضا. فالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (أيريني)، فقد ترجمت بكلمات (سلامة) (مسالمة) (سلام). والمؤلف يرى أن ترجمتها الصحيحة (إسلام) فيقول في ص: 40: (ومن المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جداً، ويشتمل على ما تشتمل عليه ألفاظ (السلم، السلام) (الصلح، المسالمة) (الأمن، الراحة). . وتتضمن معنى زائداً وتأويلاً آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى، ولكن قول الملائكة: (على الأرض سلام) لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة، لأنّ جميع الكائنات وعلى الأخص الحيَّة منها، ولا سيما النوع البشري الموجود على كرة الأرض دارنا الصغيرة هي بمقتضى السنن الطبيعة والنواميس الاجتماعية خاضعة للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات..، فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة). ثم يستشهد بقول المسيح: (ما جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً) (متى 10: 34). ويستشهد بقول آخر للمسيح: (جئت لألقي ناراً على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض؟ كلا أقول لكم بل انقساماً) (لوقا: 12: 49-53). وعلى هذا فالترجمة لا تنطبق ورسالة المسيح وأقواله والصواب (وعلى الأرض إسلام). (انظر البحث من ص38-44). كما يرى أن (أيادوكيا) بمعنى (أحمد) لا (المسرة أو حسن الرضا) كما يترجمها القسس، وذلك لأنه لا يقال في اليونانية لحسن الرضا (أيودوكيا) بل يقال: (ثليما). ويقول: إن كلمة (دوكوته)، هي بمعنى (الحمد، الاشتهاء، الشوق، الرغبة، بيان الفكر). وها هي ذي الصفات المشتقة من هذا الفعل (دوكسا) وهي (حمد، محمود، ممدوح، نفيس، مشتهى، مرغوب، مجيد). واستشهد بأمثلة كثيرة من اليونانية لذلك. وقال: إنهم يترجمون (محمديتو) في (أشعيا 64: 11) بـ (اندوكساهيمون)، ويترجمون الصفات منها (محمد، أحمد، أمجد، ممدوح، محتشم، ذو الشوكة) بـ(ايندكسوس). واستدل بهذا التحقيق النفيس أن الترجمة الحقيقية الصحيحة لما ذكره لوقا هي (أحمد، محمد) لا (المسرة)، فتكون الترجمة الصحيحة لعبارة الإنجيل: (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد) . - بشارات إنجيل برنابا: هذا الإنجيل مليء بالبشارات الصريحة بالرسول المصطفى المختار، ومما ورد فيه (ص161): (قال الله اصبر يا محمد. .) وفي (ص162) (إن اسمه المبارك محمد. .) (ص162): (يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم). رأي في إنجيل برنابا: لا شكّ أن هذا الإنجيل من الأناجيل التي كانت معروفة قديماً، وقد ورد ذكره في كتب القرن الثاني والثالث للميلاد، ثمّ لم يرد له ذكر بعد ذلك، إلى أن عثر على نسخة منه في أوائل القرن الثامن عشر الهجري، ولا تزال هذه النسخة في مكتبة بلاط (فيّنا). وعندما نشر هذا الكتاب أحدث ضجّة – كبرى في ذلك الوقت – في أوربا في نوادي العلم والدين، وقد طبعت ترجمة هذا الكتاب مرتين باللغة العربية، الطبعة الثانية نشرتها دار القلم بالكويت. وقد اطلعت على هذا الكتاب، وأمعنت النظر فيه، فتبين لي فيه رأي لم أجد أحداً قد تنبه إليه، تبين لي أن هذا الكتاب وإن كان له أصل فقد لعبت فيه يد مسلم، فأدخلت فيه ما ليس منه، والذي جعلني أذهب هذا المذهب ليست تلك التعليقات العربية التي وجدت على هامش النسخة الأصلية الموجودة في (فينّا)، وإنّما تلك المبالغات التي وصف بها الإنجيل الرسول صلى الله عليه وسلم، نحن نصدّق أن يبشر الإنجيل بالرسول صلى الله عليه وسلم ولكننا نستبعد كل البعد أن يكون قد شاع بين أهل الكتاب تلك الخرافات التي شاعت بين المسلمين بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم، فنجد في هذا الإنجيل أنّ الله أعطى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء، وخلق من أجله كل شيء، وجعله قبل كل شيء، انظر ص (91، 93، 110)، وفي ص (111) يقول حاكياً كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رب اذكر أنك لما خلقتني قلت: إنّك أردت أن تخلق العالم والجنة والملائكة – والناس حبّاً فيّ ليمجدوك بي أنا عبدك). وفي ص (161)، اصبر يا محمد، لأجلك أريد أن أخلق الجنّة والعالم وجمّاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك. .). وفي ص (266) (هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء). وفي ص (152) يقول: (ولذلك لما خلق الله قبل كل شيء رسوله). هذه الأقوال بدون شكّ غير صحيحة، وهي تناقض الحقّ الذي بين أيدينا، فالله خلق البشر والملائكة والجنَّ لعبادته {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [ الذاريات: 56]. وأول المخلوقات القلم كما في الحديث ((أول ما خلق الله القلم)) وهذه الأقوال التي فيها غلو شاعت بين المسلمين، وصاغوها أحاديث نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث ((لولاك لما خلقت الأفلاك)) (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث رقم 282) وحديث ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)) (حديث رقم 302، 303) وحديث: ((كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث)) (كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص326). وحديث: ((لقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك علي ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا)) (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ص325). وفي هذا المصدر ص337 حديث يقول: ((خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري)) . وإذا أنت قارنت بين ما نقلته عن إنجيل برنابا وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة أدركت أن الذي أدخل هذه الأوصاف كان من هذا النوع الذي عشعشت أمثال هذه الأحاديث المكذوبة في ذهنه. وهناك أمور منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم زوراً، لأنها تخالف الحقَّ الذي في أيدينا، فمن ذلك ما ورد (ص209) من (أن الجحيم ترتعد لحضور الرسول عليه السلام، فيمكث بلا مكابدة عقاب مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمشاهدة الجحيم). فهذا مخالف لصريح القرآن {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف:75]. ومن ذلك نقل هذا الكتاب عن عيسى قوله في (ص92): (لست أهلاً أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله) ويقول قريباً من هذا في ص (96) وص (160)، ومثل هذا بعيد أن يصدر عن رسول من أولي العزم من الرسل. ومع ذلك فقد وصف الكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمور فيها تحقير له، ففي ص (108) يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنّه سيكون كالمخبول، وفي ص (105) يقول: (إن الله سيجرد رسوله محمد في يوم القيامة من الذاكرة). ومن البشارات به في الإنجيل ما في الفصل الخامس عشر من الإنجيل الذي جمعه يوحنا: (أن الفارقليط روح الحق الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء). انتهى. وفي موضع آخر منه:(والفارقليط روح القدس الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء, وهو يذكركم ما قلت لكم), وفي موضع آخر منه:(إذا جاء الفارقليط الذي أرسله الله روح الحق الذي هو يشهد لي, قلت لكم هذا حتى إذا كان يؤمنون به ولا يشكون فيه). وفي الفصل السادس عشر منه: لكني أقول لكم الحق: (إنه خير لكم أن أنطلق, لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط, فإذا انطلقت أرسلته إليكم, فهو يوبخ العالم على الخطيئة, وعلى البر, وعلى الحكم, أما على الخطيئة فإنهم لم يؤمنوا بي, وأما على البر فإني منطلق ولستم تروني, وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم يدان, وأن لي كلاماً كثيراً لستم تطيقون كله الآن, لكن إذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق, لأنه ليس ينطق من عنده, بل يتكلم بما يسمع, ويخبركم بكل ما يأتي). انتهى. وقد تكرر ذكر الفارقليط في الإنجيل, وأنذر به المسيح, وبشر به قومه في غير موضع منه, وقد اختلفوا في المراد فالفارقليط في لغتهم على أقوال, وذهب الأكثر من النصارى إنه المخلص, وقالوا: هو مشتق من الفاروق, أو من فارق, قالوا ومعنى ليط كلمة تزاد كما يقال رجل هو, وحجر هو, وعالم هو, وجاهل هو. وقد تقرر أنه لا نبي بعد المسيح غير نبينا صلى الله عليه وسلم, وهذه البشارات قد تضمنت أنه سيأتي بعد المسيح نبي يخلص تلك الأمة مما هم فيه, ويوبخهم على الخطية, ويتكلم بما يسمع, ويخبر بكل ما يأتي, ولم يكن هذا لأحد بعد المسيح غير نبينا صلى الله عليه وسلم, ومما يدل على أن المراد بالفارقليط هو نبينا صلى الله عليه وسلم أنه وقع الحذف بهذا اللفظ من بعض نسخ الإنجيل مع ثبوته في غالبها, وليس ذلك إلا تغييراً وتبديلاً من النصارى لما يعلمونه من أن المراد بهذا اللفظ هو التبشير بنبي يأتي بعد المسيح, وأنها ستقوم بذلك الحجة عليهم, فحذفوا هذا اللفظ لهذه العلة, وقد حكى الله سبحانه في القرآن العظيم أن المسيح بشر بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[ الصف: 6] وفي الإنجيل الذي جمعه يوحنا أن المسيح قال: (أركون العالم سيأتي, وليس لي شيء) وهذا اللفظ فيه أعظم بشارة بنبينا محمد, فإن الأركون في لغة النصارى العظيم القدر, ولم يأت بعد المسيح من هو بهذه الصفة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم, فإنه جعله أركون العالم, وقال عن نفسه ليس له من الأمر شيء, فدل هذا على أنه سيأتي بعده عظيم من عظماء العالم, يكون منه الإصدار والإيراد, والحل والعقد في الدين وإثبات الشرائع, وأن المسيح بالنسبة إليه كمن ليس له شيء, وهذا إنما يكون تبشيراً بمن هو أعظم من المبشر به أعني المسيح عليه السلام, ولا يصح حمله على رجل عظيم القدر في الدنيا, أو في الملك, أو غير ذلك, لأن الأنبياء لا يبشرون بمن هو كذلك ويجعلونه أركون العالم, ويجعلون الأمر إليه, وينفون الأمر عن أنفسهم, فإن هذا لا يكون أبداً من الأنبياء, ولا يصح نسبته إليهم, ولا صدوره منهم قط بلا خلاف بين أهل الملل, ولا يمكن أن يدعي مدع أنه جاء بعد المسيح من هو بهذه الصفة غير نبينا صلى الله عليه وسلم, فإن الحواريين إنما دانوا بدينه, ودعوا الناس إلى شريعته, ولم يستقل أحد منهم بشيء من جهة نفسه قط, ومن جاء بعدهم من أتباع المسيح فهو دونهم بمراحل . المبحث الرابع: شيوع هذه البشارات قبل البعثة لقد كانت هذه البشارات منتشرة قبل البعثة النبوية، فلم يكن أهل الكتاب يكتمونها في ذلك الوقت، بل كانوا يذيعونها، ويزعمون أنهم سيتابعون صاحبها عندما يبعث، وقد حفظ لنا المسلمون بعض هذه البشارات، ونقل لنا الأنصار من أهل المدينة أحاديث اليهود قبل البعثة عن هذه البشارات، وقد تعرف بعض أهل الكتاب على الرسول صلى الله عليه وسلم في صغره، وانتفع بعض أهل الكتاب بهذه البشارات وآمنوا. 1- صفة رسولنا صلى الله عليه وسلم في التوراة: روى البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قال: ((لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، والله إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، {يَا أَيُّهَا النبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45]، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق السخب: الصياح، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولا يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح أعينا عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً)) (1). وروى الدارمي عن عطاء عن ابن سلام ونحوه وعن كعب – وهو من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم – قال: ((نجد مكتوباً في التوراة محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كلّ منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفهم في القتال، وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل)) قال التبريزي: هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير يسير. أين هذه البشارة في التوراة: وهذه البشارة ليست موجودة في التوراة المنتشرة اليوم بين اليهود والنصارى، فإن كان المراد بالتوراة التوراة المعينة فتكون هذه البشارة مما أخفته اليهود، وقد تكون مخفية عندهم مما لا يطلع عليه إلاّ أحبارهم، إلاّ أنه قد تطلق التوراة ولا يراد بها توراة موسى، بل يراد بها الكتب المنزلة من عند الله، وقد يطلق على الكتب المنزلة اسم القرآن، كما في الحديث الصحيح ((خفّف على داود القرآن، فكان ما بين أن يسرج دابته على أن يركبها يقرأ القرآن)) والمراد به قرآنه وهو الزبور. وجاء في بعض البشارات عن هذه الأمة (أناجيلهم في صدورهم) فسمى القرآن إنجيلاً، وعلى ذلك فهذه البشارة موجودة عندهم في نبوة أشعيا، فقد جاء فيها: (عبدي الذي سرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، والآذان الصمّ، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحداً، يحمد الله حمداً جديداً، يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البريّة وسكانها، يهللون على كلِّ شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى مشقح، ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّي الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا ينطفي، أثر سلطانه على كتفيه) . 2- خبر ابن الهيبان: ومما حفظته لنا كتب السنة عن علماء اليهود قبل الإسلام أن رجلاً من اليهود كان يدعى ابن الهيبان قدم المدينة ونزل في يهود بني قريظة قبل الإسلام بسنين، قال راوي القصة: ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مدّين من شعير، قال: فنخرجها ثمَّ يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي، وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً. قال: ثَمَّ حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنّه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: الله أعلم. قال: فإني إنّما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعثه الله، وقد أظلّكم زمانه، فلا تسبقّن إليه يا معشر يهود، فإنّه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري، فيمن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه، وفد انتفع بوصية ابن الهيبان مجموعة من شباب يهود بني قريظة، وهم ثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأسد بن عبيد، فإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم – لما حاصر بني قريظة – قال هؤلاء الفتية وكانوا شباباً أحداثاً: يا بني قريظة، والله إنّه للنبي الذي عهد إليكم ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى، إنّه لهو صفته، فنزلوا، فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم ورحالهم . 3- خبر يوشع: وروى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناده عن محمد بن سلمة، قال: ((لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له: يوشع، فسمعته يقول – وإني لغلام في إزار – قد أظلَّكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثمّ أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدّقه، فبعث رسول الله فأسلمنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسداً وبغياً)) . 4- خبر عبد الله بن سلام: وقد كان عبد الله بن سلام سيد اليهود وأعلمهم وابن سيدهم وأعلمهم، قال: ((لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسراً صامتاً عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلمّا قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبّرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها: أي عمّة، والله هو أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث بما بعث به. قال: فقالت: يا ابن أخي أهو الذي كنّا نخبر أنّه يبعث مع الساعة؟ قال: قلت: نعم، قالت: فذاك إذاً)) . وقد ذكر البخاري قصة مجيء عبد الله بن سلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإسلامه وطلبه من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرسل إلى اليهود ويسألهم عنه بل أن يعلموا بإسلامه، فلما جاؤوا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقاً، وأنّي جئتكم بحقٍّ، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، (قالها ثلاث مرات) قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاش لله ما كان ليسلم (سألهم ذلك ثلاثاً، ويرددون عليه بالجواب نفسه)، قال: يا ابن سلام، اخرج عليهم "، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . 5- شهادة غلام يهودي: وروى أنس بن مالك ((أنَّ غلاماً يهودياً كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنّا لنجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإنّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله)) رواه البيهقي بإسناد صحيح . 6- فراسة راهب: وقد تعرف على الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الرهبان وهو صغير، عندما كان في تجارة مع عمّه أبي طالب إلى الشام، روى أبو موسى قال: ((خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلمّا أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، قال: فهم يحلّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجداً، ولا يسجدان إلاّ لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثمَّ رجع فصنع لهم طعاماً، فلمّا أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل عليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)) . 7- معرفة علماء اليهود بموعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم: عندما اقترب موعد خروج المصطفى صلى الله عليه وسلم علم أهل الكتاب بذلك بأمارات كانت عندهم، فقد روى أبو زرعة بإسناد صحيح عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة ((أن الرسول صلى الله عليه وسلم التقى بزيد بن عمرو بن نفيل قبل البعثة، وكان مما أخبر به زيد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رحل في طلب الدين الحق دين التوحيد فقال له حبر في الشام: إنك لتسأل عن دين ما نعلم عليه أحداً يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة. قال فخرجت: فقدمت عليه، فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كلّ من رأيت في ضلالة، ممنّ أنت ؟ قلت: أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرظ. فقال: إنه قد خرج في بلدك نبيّ، أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه، فرجعت فلم أحسّ شيئاً بعد)) . كان زيد يحدّث بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، ولم يكن يعلم أنَّ الذي يحدثه هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ظهر نجمه، ومات زيد قبل البعثة بسنوات. وقد سبق ذكر خبر ابن الهيبان، الذي خرج من الشام إلى المدينة، فقد قال لليهود عندما حضرته الوفاة: (إنّما أخرجني توقع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، هذه البلاد مهاجره) . وفي صحيح البخاري: (كان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفاً على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختانِ قد ظهر. وقال هرقل في آخر كلامه: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر) الكتاب السادس: الإيمان باليوم الآخر تمهيد: إن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام. ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع على ذلك المسلمون..... - عناية الكتاب والسنة بالإيمان باليوم الآخر: إن المتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة؛ يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطاً واسعاً من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة، ويتمثل ذلك فيما يلي: 1- ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر: كما قال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}، وكذا قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ البقرة: 62]، فنحن نرى كيف ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر, وجعله في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله. فلا إيمان إذاً للشخص وإن قال أنه مؤمن بالله حتى يؤمن باليوم الآخر كإيمانه بالله تعالى، وإن المفرق بينهما لا حظَّ له من الإيمان وإن ادعاه، وقد كان كثير من الكفار يؤمنون بالله ولكنهم يجحدون اليوم الآخر؛ فلم ينفعهم ذلك الإيمان, وأباح الله للمؤمنين دماءهم وأموالهم لأنهم كفار. ويتمثل كذلك ربط الإيمان بالله باليوم الآخر من السنة المطهرة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) . 2- الإكثار من ذكره في القرآن الكريم و في السنة النبوية: فقلما تخلو سورة من سور القرآن عن التحدث عنه وتقريبه إلى الأذهان بشتى الأساليب، من إقامة للحجة والبرهان، أو من ضرب الأمثال، كالاستدلال بالنشأة الأولى، وكذا خلق السموات والأرض, وإحياء الأرض بعد موتها - على الإعادة، وما إلى ذلك من المسالك التي سلكها القرآن الكريم ... 3- كثرة الأسماء التي جاءت له في القرآن الكريم: فقد وردت أسماء كثيرة وكلها تبين ما سيقع في هذا اليوم من أهوال . ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم. ولتلك العناية أسباب نذكرها فيما يلي: بعض أسباب العناية باليوم الآخر: لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في وقت انمحت فيه كثير من الأمور التعبدية، وجهلت فيه على الخصوص عقيدة الإيمان باليوم الآخر، فلم تعد على ذلك الوضوح الذي كان في زمن الأنبياء، بل صارت بتطاول الزمن عقيدة محرفة بعيدة عن الصواب والواقع، فلم تبق من معالم الإيمان باليوم الآخر إلا بقايا رسوم؛ هي إلى الاندثار أقرب منها إلى التماسك، ليس عند جهة أو قوم بل في كل بقاع الأرض, وعند كل أمة عربية أو غير عربية، اللهم إلا ما ورد عن أناس بخصوصهم من العرب بقوا على الحنفية ملة إبراهيم. فالعرب منهم مشركون ينكرون اليوم الآخر أساساً، وأهل الكتاب من يهود ونصارى –وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر عموماً – لكنهم على جهل كبير بحقيقته, وما ينبغي اعتقاده فيه، وغير هؤلاء وثنيون أو مجوس لا يؤمنون به مطلقاً عند بعضهم، وعند بعضهم الآخر يؤمنون أن هناك عودة للروح، لكنه لا يمت إلى الإيمان باليوم الآخر كما جاءت به الأنبياء بأي صلة، كما هو الحال عند الهنود والبوذيين وغيرهم من الفرق الضالة. وعلى هذا فمن أسباب تلك العناية ما يلي: 1- إنكار المشركين لليوم الآخر أشد الإنكار، ونسبة ما يشاهد من الإحياء والإماتة إلى الدهر، دون أن يكون هناك تنظيم لهذا التغير المستمر أو هدف من وراء هذا الخلق: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} [ الجاثية: 24]. فكان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة ذلك السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر. 2- ... فإن أهل الكتاب وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر لكنهم لم يكونوا على العقيدة الصحيحة فيه، فقد حرفوه وبلغوا به منتهى الفساد، وحتى صاروا فيه كالوثنيين من هنود وبوذيين، وذلك من ناحية أن الهنود يعتقدون في كرشنة أنه هو المخلص لهم من الآلام . والنصارى – بخصوصهم – يعتقدون في عيسى أنه هو المخلص لأمته من عقوبة الخطايا في الآخرة؛ فالكل في الجنة والنعيم . وأما اليهود فقد اختلفوا في الإيمان باليوم الآخر، وحتى نفس هذا الاختلاف بعيد كل البعد عن حقيقة اليوم الآخر. 3- ومن الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يهتم باليوم الآخر ذلك الاهتمام الشديد، هو التأكيد على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يوماً يجازى فيه المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته؛ لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى, والمصير مجهول, ولا وازع نفسي, ولا ضمير حي. إذاً فلا عجب إن رأينا الإسلام يهتم بذكر اليوم الآخر, ويحث على الإيمان به, ويجعله من أهم القضايا الأساسية التي لا يمكن أن يسمى الشخص مؤمناً إلا إذا جاء بها, معتقداً صحتها في قرارة نفسه. فالإسلام خاتم الديانات ورسوله خاتم المرسلين، ولا عجب كذلك حينما نرى ونقرأ حقائق وتفاصيل عن اليوم الآخر لم تكن معلومة عند أهل الديانات السابقة. وهذا هو الذي حمل بعض الفلاسفة ومن سار على طريقهم على القول بأنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ... ولأن تلك التفاصيل لم تكن معلومة لدى الكفار من قريش وغيرهم؛ نرى أن الإسلام قد سلك مسالك شتى وطرقاً متعددة في إقناع الكفار بالإيمان باليوم الآخر، مبيناً أن هذا الكون لابد وأن ينتهي ويزول كل أثر له، وأنه لم يخلق عبثاً دون حساب وجزاء. الباب الأول: القيامة الصغرى. الفصل الأول: الاحتضار. تمهيد ويدخل في الإيمان باليوم الآخر (الإيمان بالموت) الذي هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وهو ساعة كل إنسان بخصوصه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.....: ((إنْ يعش هذا لَمْ يُدْرِكْهُ الهرم قامَتْ عليكم ساعَتُكُمْ)) المبحث الأول: تعريف الاحتضار الحضور: نقيض المغيب والغيبة، يقال: حَضَر الرجل يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضَارة، ويعدّى فيقال: حَضَرَه، يَحْضُرُهُ، وأحْضَرَ الشيء وأَحْضَرَه إياه، وكان ذلك بِحَضْرَةِ فلان وحِضْرَته وحُضْرَتِهِ، وحَضَرِه ومَحْضَرِه، وكلّمته بِحَضْرَةِ فُلان وبمَحْضَرٍ منه، أي بمشهد منه. وحَضْرَةُ الرجل: قُرْبه وفِناؤه، والحَضْرة: قرب الشيء، يقال: أُكْرِم فلانُ بِحَضْرة فلان وبمَحْضَرِه، ويقال: حَضَرَت الصَلاة. ورجل حَضِرٌ وحَضُرٌ: يتحيّن طعام الناس حتى يَحْضُرَه، تقول العرب: اللبن مُحْتضِرٌ ومَحْضُوْرٌ فَغَطِّه: أي كثير الآفة، يعني يحتضره الجنّ والدواب وغيرها. وقولـه تعالى: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 98] أي: أعوذ بك من حضور الشياطين في شيء من أمري . وحضره الهمُّ واحْتضره وتَحَضّرَه إذا نزل به. وحُضِر المريض واحْتُضِرَ إذا نزل به الموت . نخلص مما سبق إلى أن الاحتضار هو حضور الموت ونزوله بالعبد. المبحث الثالث: مع ملك الموت ملائكة يعاونونه في قبض الروح إذا حان أجل العبد وأراد الله تعالى قبض روحه أرسل إليه ملك الموت ومعه ملائكة يعاونونه على قبض روح ذلك العبد، قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]، فقولـه: {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي احتضر وحان أجله، {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} أي ملائكة موكلون بذلك، روى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وغير واحد قولهم: إن لملك الموت أعواناً من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم . يقول الطبري: (يقول تعالى ذكره: إن ربكم يحفظكم... إلى أن يحضركم الموت، وينْزل بكم أمر الله وإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به وهم لا يفرطون في ذلك، فيضيعونه؛ فإن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت فكيف قيل {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} والرسل جملة، وهو واحد، أو ليس قد قال {يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [ السجدة: 11]، قيل جائز أن يكون الله تعالى أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافاً، وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إلى ملك الموت؛ إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان، وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده) . فالمتأمل في نصوص القرآن الكريم يدرك أن الله سبحانه وتعالى أسند التوفي للملائكة كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} [النحل: 28]، وقوله:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ} [ سورة النحل: 32]، وقوله {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}، وغيرها من الآيات، وأسنده في آية أخرى لملك الموت، قال تعالى:{قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}، وأسنده سبحانه في آية أخرى إليه جل وعلا، قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [ الزمر: 42]، ولا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناد التوفي إليه سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته وإذنه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} [ آل عمران: 145]، وإسناده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وإسناده للملائكة؛ لأن لملك الموت أعواناً من الملائكة ينْزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم؛ فيأخذها ملك الموت) المبحث الرابع: حضور الشيطان عند الموت إذا حضر الموت كان الشيطان حريصاً على الإنسان حتى لا يفلت منه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة)) . وقد ذكر علماؤنا أن الشيطان يأتي الإنسان في تلك اللحظات الحرجة في صورة أبيه أو أمه أو غيرهم ممن هو شفيق عليه ناصح له، ويدعوه إلى اتباع اليهودية أو النصرانية أو غيرها من المبادئ المعارضة للإسلام، فهناك يزيغ الله من كتبت له الشقاوة ، وهو معنى قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]. وقد حدث عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: (حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي خرقة لأشد لحييه، فكان يغرق، ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مراراً، فقلت له: يا أبت أي شيء يبدو منك؟ قال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت) . وقال القرطبي: سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي، يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق، ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا، لا...) . وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث – حديث جابر بن عبد الله - على حضور الشيطان عند المحتضر؛ لإغوائه وافتتانه، كما استدلوا أيضاً بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) . قال ابن دقيق العيد ت 702هـ: (فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عنـد الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هـذا مـا قبل ذلك، ويـجوز أن يراد بها فتنة القبر) . كما قد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات على حضور الشيطان عند المحتضر لإغوائه، وأنه قد يعرض الأديان على بعض العباد، حيث قال رحمه الله: (أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمراً عاماً لكل أحد، ولا هو أيضاً منتفياً عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا، منها ما في الحديث الصحيح ((أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) ، ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((الأعمال بخواتيمها)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) ...، ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك، لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ملك زاداً أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً)) ...) . وقال في موضع آخر: (وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض...) . وذكر ابن حجر أن الأكثر والأغلب في سوء الخاتمة أنه لا يقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصرّ على الكبائر والمجترئ على العظائم، إذ يهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته . ويدل على حضور الشيطان عند المحتضر قوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [ المؤمنون: 97، 98]، فالمعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمرٍ من أموري كائناً ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات . وتحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي عن حضور الشيطان عند المحتضر تحت عنوان (الفصل الثاني والعشرون في اجتهاد الشيطان على المؤمن عند الموت)، واستشهد بما رواه النسائي وأبو داود بسنديهما عن أبي اليسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول((اللهم إني أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً)) . فقولـه صلى الله عليه وسلم: ((وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت))، قال الخطابي ت388هـ في شرحه: (هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله، ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكره له الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له، ويلقى الله وهو ساخط عليه) . ويقول ابن الجوزي ت597هـ: (وقد يتعرض إبليس للمريض فيؤذيه في دينه ودنياه، وقد يستولي على الإنسان فيضله في اعتقاده، وربما حال بينه وبين التوبة... وربما جاء الاعتراض على المقدر؛ فينبغي للمؤمن أن يعلم أن تلك الساعة هي مصدوقة للحرب، وحين يحمى الوطيس فينبغي أن يتجلد، ويستعين بالله على العدو) [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية