الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35165" data-attributes="member: 329"><p>نص كلام شيخ الإسلام في المسالة: قال –رحمه الله-: (... وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق) .</p><p>ذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: لم أقف فيه على من نقل الإجماع من أهل العلم.. ولكن الحديث فيه صحيح صريح.</p><p>ذكر مستند الإجماع على دنو الشمس من الناس يوم القيامة ولجومهم بالعرق: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى يكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه) . </p><p>وعن سهلِ بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يحشرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء كقرصةِ النَّقى ليس فيها معلم لأحد)) . وفي (صحيح البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((تكونُ الأرضُ يَوْمَ القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبارُ بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة)) . وفي (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها أَنَّها قالت: ((أنا أَوَّل الناس سأل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم:48] قالت قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط)) . وفيه من حديث ((اليهودي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تُبدَّلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر)) الحديث. ولابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ((أَنَّ حبراً من اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيتَ إذ يقول اللهُ تعالى: في كتابه {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم:48] فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه))، ورواه ابن أبي حاتم أيضاً . وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: ((يبدل الله الأَرْض غير الأَرْضِ والسَّموات فيبسطها ويمدها مدَّ الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة)) وهذا هو الذي أشار رحمه الله تعالى: إليه بقوله: وتمد أيضاً مثل مد أديمنا الخ البيت. وقوله: وهما كتبديل الجلود لساكني النيران إلى آخر، يشير إلى قول الله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء:56] ووجْهُ المشابهة بين التبديلين أَنَّ جلودَ الكفار كلما احترقت قيل لها عودي فعادت كما كانت، ومعنى قوله (غيرها) أي صارت غيرها لعودها بعدما نضجت واحترقت، وإلاّ فهي هي التي عملت المعاصي في الدنيا وبها تجازى في الآخرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما يبدِّلون جلوداً بيضاً أمثال القراطيس، يعني تجدد لهم الجلود التي نضجت كذلك ليتجدد لهم العذاب أبداً والعياذ بالله، وكذلك تبديل الأرض والسموات هو تغييرها من حال إلى حال وإلا فهي هي. والله أعلم. وقوله رحمه الله: وكذلك يقبض أرضه وسماءه بيديه الخ. يشير إلى قول الله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104] وقوله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر:67]. وفي (الصحيحين) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((جاء رجلٌ مِنَ الأحبار إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمَّد إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ عز وجل يجعل السَّمَوَاتِ على إصبع، والأرضينَ على إصبع، والشجر على إصبع، والماءَ والثَّرى على إصبع، وسائرَ الخلق على إصبع فيقول أنا الملك. فضحك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر:67] الآية)) . وفي (الصحيحين) أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يَقبِضُ الله تعالى: الأرض ويطوي السماءَ بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوكُ الأرضِ)) وفيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ الله تبارك وتعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السَّمَواتُ بيمينه ثم يقول أنا الملك)) . وفي لفظ لمسلم ((يأخذ الله تبارك وتعالى سماواته وأرضه بيده ويقول أنا الله – ويقبض أصابعه ويبسطها – أنا الملك – حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرَّك من أسفل شيءٍ منه حتى إِنِّي لأقول أساقطٌ هو برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)) ، ولفظ أحمد رحمه الله تعالى: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((إِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر: يمجد الرَبُّ نفسه، أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملكُ أنا العزيزُ أنا الكريمُ، فرجف برسولِ الله صلى الله عليه وسلم المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ به)) . ولابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يطوي اللهُ السَّمَواتِ السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السَّبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه يكونُ ذلك كله في يده بمنْزلة خردلةٍ) . وقوله رحمه الله تعالى: (وتحدِّثُ الأرْضُ التي كنا بها، أخبارها الخ) يشير إلى قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:4 – 5] وقال البخاري رحمه الله تعالى: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها واحد. وكذا قال ابن عباس. وعنه رضي الله عنه قال: قال لها ربها: قولي فقالت وقال مجاهد: أوحى لها أي أمرها. وقوله رحمه الله تعالى: </p><p></p><p> وتقيء يوم العَرض من أكبادها </p><p>كالأسطوانِ نفائس الأثمانِ </p><p></p><p>يشير إلى قول الله عز وجل: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2] وإلى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تُلقي الأرضُ أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيءُ القاتل فيقول في هذا قُتِلت، ويجيءُ القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارقُ فيقول في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً)) . وقوله (وكذا الجبال تفت فتاً محكماً) يشير إلى قول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًاً} [طه:105 – 107] وقوله عز وجل: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] الآية، وقوله عز وجل: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا} [الواقعة:5 – 6] وقوله عز وجل {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} [المعارج:9] وفي سورة القارعة: {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} [القارعة:5] وقوله عز وجل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً} [المزمل:14] وقوله عز وجل: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} [المرسلات:10] وقوله عز وجل: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير:3] وقوله عز وجل: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ:20] وقوله عز وجل: {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة:14] وقوله عز وجل: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} [الكهف:47] وما في معانيها من الآيات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تكونُ الجبال يومَ القيامة؟ فأنزل اللهُ تعالى: هذه الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ}) أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] أي يذهبها عن أماكنها ويسيِّرها تسييراً فيذرها أي الأرض قاعاً صفصفاً أي بسطاً واحداً، والقاع هو المنبسط المستوي من الأرض والصفصف الأملس {لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًاً} [طه:107] أي لا ترى في الأرض يومئذٍ وادياً ولا رابية ولا صدعاً ولا أكمة ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً. كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف رحمهم الله تعالى. وقوله تعالى: {تَحْسَبُهَا جَامِدَة} [النمل:88] أي قائمة واقفة {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض، قال البغوي رحمه الله تعالى: وذلك أنَّ كلَّ شيء عظيم وكُلَّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم في قوله تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة:5]: أي فتت فتاً. وقال عطاء ومجاهد ومقاتل: فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدِّي: كسرت كسراً. وقال الكلبي: سُيِّرَتْ على وجه الأرض تسييراً. وقال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت. ونظيرُها {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] وقال ابن كيسان: جعلت كثيباً مهيلاً بعد أن كانت شامخة طويلة {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا} [الواقعة:6]: غباراً متفرقاً كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء. وقال أبو إسحاق: عن الحارث عن علي رضي الله عنه {هَبَاء مُّنبَثًّا}: كوهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء. وقال العوفي عن ابن عباس: (الهباء يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً) . وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثَّته. وقال قتادة: هباءً منبثاً، كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح، وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدّي: العهن الصوف، وقال البغوي: كالصوف المصبوغ، ولا يقال عِهن إلا للمصبوغ. وقال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف. وقال: المنفوش المندوف. وقال ابن كثير: المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. وقال في قوله {كَثِيبًا مَّهِيلاً}: أي تصير ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء. وقال البغوي: رملاً سائلاً. قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده، يقال أهلت الرمل أهيله هيلاً إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وقال {نُسِفَتْ} قلعت من أماكنها. وقال ابن كثير: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر. وقال في {فَكَانَتْ سَرَابًا}: أي يخيل إلى النَّاظر أَنَّها شيء، وليس بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر. وقال في {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ}: تذهب عن أماكنها وتزول. {وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} [الكهف:47] أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحداً، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة: {وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} لا حجر فيها ولا غيابة. وقال قتادة أيضاً: لا بناء ولا شجر. وقال البغوي: {فَدُكَّتَا} كسرتا {دَكَّةً} كسرة {وَاحِدَةً}. قال: وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً، ثم عِهناً منفوشاً، ثم تصير هباءً منثوراً. وقوله رحمه الله تعالى: وكذا البحار فإنها مسجورة، قد فجرت إلخ، يشير إلى قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير:6] وقوله عز وجل: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار:3] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فجر الله تعالى: بعضها في بعض) . وقال الحسن: فجر الله تعالى: بعضها في بعض فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها. وقال الكلبي: ملئت. وقوله تعالى: {سُجِّرَتْ} قال ابن عباس: (أوقدت فصارت ناراً تضطرم) . وقال مجاهد ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب والملح، فصارت كلها بحراً واحداً. وقال الكلبي: ملئت. وقيل: صارت مياهها بحراً واحداً من الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست. وهو قول قتادة، قال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. والمعنى المتحصل من أقوالهم رحمهم الله أنها يفجر بعضها في بعض فتمتلئ ثم تسجر ناراً فيذهب ماؤها، ولهذا جمع ابن القيم رحمه الله تعالى: بينهما فقال (مسجورة قد فجرت) والله تعالى: أعلم. وقوله رحمه الله تعالى: (وكذلك القمران يأذَنُ ربُّنا لهما فيجتمعان) إلخ، يشير إلى قول الله عز وجل {وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة:8 – 9] وقوله {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] خسف: أظلم وذهب نوره وضوؤه. {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة:9] أي صارا أسودين مكوَّرين كأنهما ثوران عقيران. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1]: أظلمت . وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كوّرت غورت. وقال ربيع بن خيثم: رمي بها. وقال أبو صالح: ألقيت. وعنه أيضاً: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. وقال ابن جرير: والصواب عندنا من القول في ذلك أَنَّ التكويرَ جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها على بعض، فمعنى قوله تعالى: {كُوِّرَتْ} جمع بعضها إلى بعض ثم لفَّت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. ولابن أبي حاتم (عن ابن عباس {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] قال: يكور الله تعالى: الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله تعالى: ريحاً دبوراً فيضرمها ناراً) . وكذا قال عامر الشعبي. ولابن أبي حاتم عن ابن يزيد بن أبي مريم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قول الله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] قال: ((كوِّرَتْ في جَهَنَّم)) وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشَّمس والقمر يُكوَّران يَوْمَ القيامة)) . وقوله رحمه الله تعالى: (وكواكب الأفلاك تنثر كلها إلخ) يشير إلى قول الله عز وجل {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير:2] وقوله تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} [الانفطار:2]، وقوله تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} [المرسلات:8] أي محي نورها وذهب ضوؤها. وانكدرت: تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض. يقال انكدَرَ الطائر إذا سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم إلا وقع.</p><p>وقولـه رحمه الله تعالى: (وكذا السماء تشق شقاً ظاهراً وتمور) إلخ، يشير إلى قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} [الانشقاق:1] وقوله تعالى: {وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة:16] وقوله {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25] وقوله عز وجل: {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل:18] وقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} [الانفطار:1] وقوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ} [التكوير:11] وقوله عز وجل {وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ} [المرسلات:9] وقوله تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ:19] وقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} [الطور:9] وقوله عز وجل {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} [المعارج:8] وقوله {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن:37] وقوله {انشَقَّتِ} أي: صارت أبواباً لنُزول الملائكة {فَكَانَتْ وَرْدَةً} عن ابن عباس: (تغير لونها، وعنه قال كالفرس الورد) . وقال أبو صالح: كالبرذون الورد. وحكى البغوي وغيره أَنَّ الفرس الورد تكون في الربيع صفراء وفي الشتاء حمراء فإذا اشتد البرد اغبرَّ لونها، فشبَّه السَّمَاءَ في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. {كَالدِّهَانِ} قال الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع: هو جمع دهن، شبّه السماء في تلونها بلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، وقال عطاء بن أبي رباح: كالدهان كعصير الزيت يتلون في الساعة ألواناً، وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي، وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب. وذلك حين يصيبها حر جهنم. وقال ابن عباس والكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه دهنة ودهن. وقال عطاء الخراساني: كلون الدهن في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذو ألوان، وقال ابن كثير رحمه الله: تذوبُ كما يذوب الدرديُّ والفضّةُ في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شِدَّةِ الأمر وهو يوم القيامة العظيم. وللإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم)) قال الجوهري: الطش المطر الضعيف. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا} [الطور:9]. قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكاً، وعنه: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دوراً، وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض، وهذا اختيار ابن جرير أَنَّه التحرك في استدارة. وقال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض، وقيل تضطرب، وقال البغوي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال: والمور يجمع هذه المعاني كلها: فهو في اللغة الذهاب والمجيء، والتردد والدوران، والاضطراب. وقال تعالى: {وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة:16 – 17] عن علي قال: (تنشق السماء من المجرة) رواه ابن أبي حاتم ، والملك اسم جنس – أي الملائكة – على أرجاء السماء، قال ابن عباس: (على ما لم ير منها) أي حافاتها. وكذلك قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أي أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس: على ما استرق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل:18]: متشقق. قال الحسن وقتادة أي بسببه من شدته وهوله، و{فُرِجَتْ} قال ابن كثير: أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها...</p><p>وقوله: </p><p></p><p>وإذا أرادَ اللهُ إخـراجَ الـورى </p><p>بعد الممات إلى معادٍ ثانِ </p><p></p><p>ألقى على الأرض التي هم تحتها </p><p> </p><p></p><p>...إلخ </p><p>يشير إلى حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما بطوله وفيه: ((ثم يرسل الله – أو قال يُنْزل الله – تعالى مطراً كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس)) الحديث. وفي حديث الصور الطويل: ((ثم يُنْزِلُ الله عليهم ماءً مِنْ تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الأجساد أن تنبت فتنبت كنباتِ الطراثيث أو كنبات البقل)) وهو الذي عناه بقوله: (عشراً وعشراً بعدها عشران). وقوله: (أوحى لها ربُّ السماء فتشقَّقت إلخ) يشير إلى قول الله عز وجل {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار:4]، وقوله {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} [العاديات:9] قال ابن عباس: بحثت ، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها، وقال البغوي: بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء، يقال بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وقال في الآية الأخرى {إِذَا بُعْثِرَ}: أثير وأخرج {مَا فِي الْقُبُورِ} أي من الأموات. وقوله: (وتخلت الأمُ الولودُ إلخ) يشير إلى قوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق:4] قال مجاهــد وسعيد وقتادة: ألقتْ ما في بطنها مِنَ الأموات وتخلَّت منهم. اهـ.</p><p>وقوله: (وأخرجت أثقالها إلخ) يشير إلى قوله عز وجل {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا – إلى قوله - بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:2 – 5]. قال ابن كثير رحمه الله: يعني ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف: وقد تقدم تفسيرها بإلقائها أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان. وقال البغوي رحمه الله: أثقالها موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها. وقوله رحمه الله: (والله ينشي خلقه) أي هم أنفسهم لا غيرهم بعد موتهم (في نشأة أخرى إلخ) يشير إلى قول الله عزَّ وجل {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم:45 – 46] فهذه هي النشأة الأولى. قال تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} [النجم:47] وهو البعث بعد الموت. قال تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ} [الواقعة:60 – 62] وما في معنى ذلك من الآيات والأحاديث. والمقصود أنَّ الله سبحانه وتعالى يبعث الموتى أنفسهم ويجمعهم بعد ما فرقهم وينشرهم بعد ما مزقهم، ويعيدهم كما خلقهم، قد علم الله ما تنقص الأرض منهم {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر:44]. وقوله: (ما قال إنَّ الله يعدم خلقه إلخ) أي لم يقل الله تعالى: ولا رسوله صلى الله عليه وسلم إنه يعدمهم العدم المحض ويأتي بغيرهم، ولا إنَّ المثاب غير من عمل الطاعات في الدنيا، ولا إنَ المعذب غير من مرد على المعاصي {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء:40] {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت:46] {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} [غافر:31]، بل قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55]، فالذين خلقهم من الأرض هم الذين أعادهم فيها، وهم الذين يخرجهم منها، ليسوا غيرهم كما يقوله الزنادقة قبحهم الله تعالى. والكلام في هذا الباب يطول جداً، والنصوص فيه لا تحصى كثيرة، وإنَّما أشرنا إلى بعض من كل ودق من جل وقطرة من بحر والله المستعان. إلى آخر ما ذكرنا من التعليق على الأبيات التي سقنا من (نونية ابن القيم) رحمه الله تعالى: مع غاية الاختصار، والإيجاز ولله الحمد والمنة. </p><p>المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى</p><p>حينما يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين يساقون إلى المحشر لفصل القضاء، ولتجزى كل نفس بما تسعى؛ فيجزى كل عامل ما يستحق من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.</p><p>ولكن كيف يكون مجيئهم للحشر؟ </p><p>والجواب: </p><p>قد بينت السنة النبوية الهيئات التي يأتي بها الخلائق، وهي هيئات وحالات مختلفة؛ إما حسنة، وإما قبيحة، بحسب ما قدموا من خير، وشر، وإيمان، وكفر، وطاعة, ومعصية، فتزود لها بالعمل الصالح. </p><p>ومن تلك الهيئات الأمثلة الآتية: </p><p>1- ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن حالة الناس عند حشرهم لفصل القضاء – مؤمنهم وكافرهم – من أنهم يكونون في هيئة واحدة، لا عهد لهم بها في الدنيا، ولا يتصورون حدوثها، ولهذا فقد كثر التساؤل والاستغراب لتلك الحالة حينما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم. </p><p>كما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) .</p><p>ومعنى حفاة: أي تمشون على أرجلكم دون نعل أو خف. </p><p>والعاري: هو من لا ثوب له على جسده، والأغرل: هو الذي لم يختتن، أي إن البشر يرجعون كهيئتهم يوم ولدوا، حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن صاحبها في الدنيا؛ تحقيقاً لقوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]. </p><p>وقد ورد هذا المعنى في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: ((إنكم محشورون حفاة عراة)) {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] .</p><p>2- يحشر بعض الناس (وهم الكافرون) وهم يسحبون في المحشر على وجوههم، وكم يستغرب كثير من الناس هذه الحال؛ لأنهم في الدنيا لم يعرفوا تلك الحال، ولم يتصوروا وقوعها، ومع أنها حالة غريبة لكنها غير منفية لا عقلا ولا نقلا.</p><p>فأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها، وذلك إذا علمنا أن قدرة الله على كل شيء أمر هين، فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم على وجوههم، بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة.</p><p>ومصداق ما قدمنا ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه كما في الصحيحين – ((أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) قال قتادة: بلى وعزة ربنا .</p><p>(قال ابن حجر في بيان معنى المشي المذكور في الحديث قوله: ((أليس الذي أمشاه...)) ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) </p><p>ثم رد على الذين يزعمون أن هذا هو مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بأن (الجواب الصادر عن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر في تقرير المشي على حقيقته) أي فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره.</p><p>ومعلوم أن أمر الآخرة وأحوالها غير أمر الدنيا وأحوالها، فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به، فهي حياة أخرى لها مميزات وكيفيات لا توجد في الدنيا، وليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه، إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها، ولكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على الرجلين.</p><p>ولله تعالى فوق هذا كله حكم قد ندركها، وقد لا ندركها، فإن الكافر في الدنيا كان ذا عتو واستكبار، يمشي على رجليه متبخترا معتزا بنفسه، لا يحني رأسه لشيء غير هواه، فلا يعرف التواضع لله في شيء، بل كان يستنكف من السجود لربه والخضوع له.</p><p>وهذا ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال: (والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات)) </p><p>وكثرة النصوص في هذا الموضوع تمنع كونه من باب التمثيل، فهو إذا على حقيقته فلا ينبغي تأويله، بالإضافة إلى أنه من الأمور الممكنة عقلا، وليست من قبيل المستحيلات على الله تعالى.....</p><p>3- حشر المتكبرين</p><p>ومن الأوصاف الأخرى التي وردت في السنة لحشر فئات من الناس، صنف من الناس يحشرون في أحقر صفة وأذلها، وهؤلاء هم المتكبرون. </p><p>فلأنهم في الدنيا يمشون في كبرهم وتبخترهم على الناس، عالية رؤوسهم عن التواضع لله أو لخلقه، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان)) الحديث.</p><p>وفي رواية عن جابر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يبعث الله يوم القيامة ناساً في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا)) .</p><p>وهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تعاظم وغرور بأنفسهم، لأنهم كانوا في الدنيا يتصورون أنفسهم أعظم وأجل المخلوقات؛ فجعلهم الله في دار الجزاء أحقر المخلوقات وأصغرها. </p><p>4- حشر السائلين: </p><p>ومن الصور الأخرى التي تشاهد في يوم القيامة صور أولئك السائلين الذين يسألون الناس وعندهم ما يغنيهم، يأتون يوم القيامة و في وجوههم خموش أو كدوح، أو يأتون وليس في وجوههم مزعة لحم، يعرفهم الناس كلهم. </p><p>وهذا ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) .</p><p>وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة)) والجزاء من جنس العمل.</p><p>والمزعة هي: (بضم الميم – وحكى كسرها – وسكون الزاي بعدها مهملة: أي قطعة"، " وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي). </p><p>قال ابن حجر: (والذي أحفظه عن المحدثين الضم). </p><p>ومعنى الحديث: (قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله؛ فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به). </p><p>والمعنى الأول الذي ذكره الخطابي تأويل للحديث بغير معناه، ولهذا قال ابن حجر: (والأول صرف للحديث عن ظاهره).</p><p>وإن كان قد ورد ما يؤيده، وهو ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعاً: ((لا يزال العبد يسأل وهو غني؛ حتى يخلق وجهه، فلا يكون له عند الله وجه)) .</p><p>(وقال ابن أبي جمرة: معناه: أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومالَ المهلَّبُ إلى حمله على ظاهره).</p><p>ثم ذكر أن السر في ذلك هو (أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه؛ كانت أذية الشمس له أكثر من غيره) قال – يعني المهلَّب: (والمراد به: من سأل تكثراً وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه) .</p><p>5- حشر أصحاب الغلول :</p><p>ومن المشاهد كذلك: مشهد أقوام يأتون حاملين أثقالاً على ظهورهم، كالبعير والشاة وغيرهما، وهؤلاء هم أهل الغلول، فإنهم يحشرون في هيئة تشهد عليهم بالخيانة والغلول أمام الخلق أجمعين، فمن غل شيئاً في حياته الدنيا ولم يظهره؛ فسيظهره الله عليه يوم يبعث، يكون علامة له، وزيادة في النكاية وتشهيراً بجريمته يحمل ما غل على ظهره. </p><p>ومصداق هذا ما جاء في كتاب الله عز وجل حيث قال: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]. </p><p> قال قتادة في معنى الآية: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غنم مغنماً؛ بعث منادياً: ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما دونه، ألا لا يغلن رجل بعيراً، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن رجل فرساً، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حمحمة) .</p><p>وما جاء في السنة النبوية كما في حديث أبي مسعود الأنصاري قال: ((بعثني النبي صلى الله عليه وسلم ساعياً، ثم قال: انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد أغللته قال: إذاً لا أنطلق، قال: إذا لا أكرهك)) ...........</p><p>والخلاصة: أن من مات على عمل بعث عليه. </p><p>قال البرديسي في شرح حديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)) .</p><p>قال: (أي على الحالة التي مات عليها من خير أو شر، فالزامر يأتي يوم القيامة بمزماره، والسكران بقدحه، والمؤذن يؤذن، ونحو ذلك) .</p><p>6- حشر أهل الوضوء، أهل الغرة والتحجيل: </p><p> وإذا كان من قدمنا ذكرهم كانوا أمثلة سيئة لمن يعمل أعمالهم، فإنه في الجانب الآخر نجد من يتسم بالصفات الحميدة، ولهذا فإنه يبعث حميداً عليه سيما أهل الصلاح والتقوى، سيما أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من الغرة والتحجيل بسبب آثار الوضوء. </p><p>وهي كرامة من الله تعالى لأوليائه وأحبائه، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) .</p><p>وكما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أمتي يوم القيامة غر من السجود, محجلون من الوضوء)) .</p><p>7- حشر الشهداء: </p><p>ومن المشاهد الأخرى: مشهد لأقوام يحشرون ودماؤهم تسيل عليهم، وهم الشهداء، فإنهم يحشرون ودماؤهم تسيل كهيئتها يوم جرحت في الدنيا، تفجر دماً، كما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دماً. اللون لون دم والعرف عرف المسك)) إلى آخر الحديث .</p><p>وهذا إكرام لهم وبيان لمزاياهم، وتشهيراً بمواقفهم وعلو مقامهم عند الله تعالى، لأن الجزاء من جنس العمل. </p><p>قال النووي: (وأما الكلم – بفتح الكاف وإسكان اللام – فهو الجرح، ويكلم – بإسكان الكاف – أي يجرح) قال: (وفيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى) .</p><p>ويلخص البرديسي أحوال البشر في مجيئهم إلى الموقف فيقول: (واعلم أن الناس يحشرون يومئذ على ثلاثة أصناف: ركباناً، ومشاة، وعلى وجوههم. قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [ مريم: 85 - 86]. </p><p>ثم قال: الوفد في اللغة: القوم المكرمون، يفدون من بلادهم في جماعتهم إلى ملكهم، فينزلون ويكرمهم، والورد: العطاش، يساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام، فتسوقهم الملائكة بأسياط النار إلى النار، وقوم يمشون على وجوههم. </p><p>وقال بعضهم: إذا قام الناس من قبورهم لفصل القضاء؛ حضروا على أحوال مختلفة: فمنهم من يكسى، ومنهم من يحشر عرياناً، ومنهم راكباً، ومنهم ماش، ومسحوب على وجهه، ومنهم من يذهب إلى الموقف راغباً، ومنهم من يذهب خائفاً، ومنهم من تسوقه النار سوقاً) .</p><p>وقوله: (ومنهم راكبا)، هذه المسألة مما أكثر فيه المؤلف الكلام عنها، وإن كان القول بأن الناس يأتون ركباناً يخالف ما ثبت في الصحيح من أنهم يأتون ((حفاة عراة غرلاً))، إلا أن المؤلف جمع بين أقوال من ذهب إلى أنهم يأتون ركباناً، وبين هذا النص وما جاء في معناه بقوله: </p><p>(ثم إن الروايات التي فيها الركوب في المحشر تخالف حديث الصحيحين أن الناس يحشرون حفاة عراة، ولا يبعد أن يكون الركوب في المحشر لبعض السعداء، فيكون حديث الصحيحين محمولاً على بعض الصور) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35165, member: 329"] نص كلام شيخ الإسلام في المسالة: قال –رحمه الله-: (... وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق) . ذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: لم أقف فيه على من نقل الإجماع من أهل العلم.. ولكن الحديث فيه صحيح صريح. ذكر مستند الإجماع على دنو الشمس من الناس يوم القيامة ولجومهم بالعرق: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى يكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه) . وعن سهلِ بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يحشرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء كقرصةِ النَّقى ليس فيها معلم لأحد)) . وفي (صحيح البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((تكونُ الأرضُ يَوْمَ القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبارُ بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة)) . وفي (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها أَنَّها قالت: ((أنا أَوَّل الناس سأل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم:48] قالت قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط)) . وفيه من حديث ((اليهودي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تُبدَّلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر)) الحديث. ولابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ((أَنَّ حبراً من اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيتَ إذ يقول اللهُ تعالى: في كتابه {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم:48] فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه))، ورواه ابن أبي حاتم أيضاً . وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: ((يبدل الله الأَرْض غير الأَرْضِ والسَّموات فيبسطها ويمدها مدَّ الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة)) وهذا هو الذي أشار رحمه الله تعالى: إليه بقوله: وتمد أيضاً مثل مد أديمنا الخ البيت. وقوله: وهما كتبديل الجلود لساكني النيران إلى آخر، يشير إلى قول الله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء:56] ووجْهُ المشابهة بين التبديلين أَنَّ جلودَ الكفار كلما احترقت قيل لها عودي فعادت كما كانت، ومعنى قوله (غيرها) أي صارت غيرها لعودها بعدما نضجت واحترقت، وإلاّ فهي هي التي عملت المعاصي في الدنيا وبها تجازى في الآخرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما يبدِّلون جلوداً بيضاً أمثال القراطيس، يعني تجدد لهم الجلود التي نضجت كذلك ليتجدد لهم العذاب أبداً والعياذ بالله، وكذلك تبديل الأرض والسموات هو تغييرها من حال إلى حال وإلا فهي هي. والله أعلم. وقوله رحمه الله: وكذلك يقبض أرضه وسماءه بيديه الخ. يشير إلى قول الله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104] وقوله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر:67]. وفي (الصحيحين) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((جاء رجلٌ مِنَ الأحبار إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمَّد إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ عز وجل يجعل السَّمَوَاتِ على إصبع، والأرضينَ على إصبع، والشجر على إصبع، والماءَ والثَّرى على إصبع، وسائرَ الخلق على إصبع فيقول أنا الملك. فضحك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر:67] الآية)) . وفي (الصحيحين) أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يَقبِضُ الله تعالى: الأرض ويطوي السماءَ بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوكُ الأرضِ)) وفيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ الله تبارك وتعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السَّمَواتُ بيمينه ثم يقول أنا الملك)) . وفي لفظ لمسلم ((يأخذ الله تبارك وتعالى سماواته وأرضه بيده ويقول أنا الله – ويقبض أصابعه ويبسطها – أنا الملك – حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرَّك من أسفل شيءٍ منه حتى إِنِّي لأقول أساقطٌ هو برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)) ، ولفظ أحمد رحمه الله تعالى: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((إِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر: يمجد الرَبُّ نفسه، أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملكُ أنا العزيزُ أنا الكريمُ، فرجف برسولِ الله صلى الله عليه وسلم المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ به)) . ولابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يطوي اللهُ السَّمَواتِ السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السَّبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه يكونُ ذلك كله في يده بمنْزلة خردلةٍ) . وقوله رحمه الله تعالى: (وتحدِّثُ الأرْضُ التي كنا بها، أخبارها الخ) يشير إلى قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:4 – 5] وقال البخاري رحمه الله تعالى: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها واحد. وكذا قال ابن عباس. وعنه رضي الله عنه قال: قال لها ربها: قولي فقالت وقال مجاهد: أوحى لها أي أمرها. وقوله رحمه الله تعالى: وتقيء يوم العَرض من أكبادها كالأسطوانِ نفائس الأثمانِ يشير إلى قول الله عز وجل: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2] وإلى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تُلقي الأرضُ أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيءُ القاتل فيقول في هذا قُتِلت، ويجيءُ القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارقُ فيقول في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً)) . وقوله (وكذا الجبال تفت فتاً محكماً) يشير إلى قول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًاً} [طه:105 – 107] وقوله عز وجل: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] الآية، وقوله عز وجل: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا} [الواقعة:5 – 6] وقوله عز وجل {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} [المعارج:9] وفي سورة القارعة: {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} [القارعة:5] وقوله عز وجل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً} [المزمل:14] وقوله عز وجل: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} [المرسلات:10] وقوله عز وجل: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير:3] وقوله عز وجل: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ:20] وقوله عز وجل: {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة:14] وقوله عز وجل: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} [الكهف:47] وما في معانيها من الآيات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تكونُ الجبال يومَ القيامة؟ فأنزل اللهُ تعالى: هذه الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ}) أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] أي يذهبها عن أماكنها ويسيِّرها تسييراً فيذرها أي الأرض قاعاً صفصفاً أي بسطاً واحداً، والقاع هو المنبسط المستوي من الأرض والصفصف الأملس {لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًاً} [طه:107] أي لا ترى في الأرض يومئذٍ وادياً ولا رابية ولا صدعاً ولا أكمة ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً. كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف رحمهم الله تعالى. وقوله تعالى: {تَحْسَبُهَا جَامِدَة} [النمل:88] أي قائمة واقفة {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض، قال البغوي رحمه الله تعالى: وذلك أنَّ كلَّ شيء عظيم وكُلَّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم في قوله تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة:5]: أي فتت فتاً. وقال عطاء ومجاهد ومقاتل: فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدِّي: كسرت كسراً. وقال الكلبي: سُيِّرَتْ على وجه الأرض تسييراً. وقال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت. ونظيرُها {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] وقال ابن كيسان: جعلت كثيباً مهيلاً بعد أن كانت شامخة طويلة {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا} [الواقعة:6]: غباراً متفرقاً كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء. وقال أبو إسحاق: عن الحارث عن علي رضي الله عنه {هَبَاء مُّنبَثًّا}: كوهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء. وقال العوفي عن ابن عباس: (الهباء يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً) . وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثَّته. وقال قتادة: هباءً منبثاً، كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح، وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدّي: العهن الصوف، وقال البغوي: كالصوف المصبوغ، ولا يقال عِهن إلا للمصبوغ. وقال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف. وقال: المنفوش المندوف. وقال ابن كثير: المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. وقال في قوله {كَثِيبًا مَّهِيلاً}: أي تصير ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء. وقال البغوي: رملاً سائلاً. قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده، يقال أهلت الرمل أهيله هيلاً إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وقال {نُسِفَتْ} قلعت من أماكنها. وقال ابن كثير: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر. وقال في {فَكَانَتْ سَرَابًا}: أي يخيل إلى النَّاظر أَنَّها شيء، وليس بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر. وقال في {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ}: تذهب عن أماكنها وتزول. {وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} [الكهف:47] أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحداً، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة: {وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} لا حجر فيها ولا غيابة. وقال قتادة أيضاً: لا بناء ولا شجر. وقال البغوي: {فَدُكَّتَا} كسرتا {دَكَّةً} كسرة {وَاحِدَةً}. قال: وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً، ثم عِهناً منفوشاً، ثم تصير هباءً منثوراً. وقوله رحمه الله تعالى: وكذا البحار فإنها مسجورة، قد فجرت إلخ، يشير إلى قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير:6] وقوله عز وجل: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار:3] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فجر الله تعالى: بعضها في بعض) . وقال الحسن: فجر الله تعالى: بعضها في بعض فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها. وقال الكلبي: ملئت. وقوله تعالى: {سُجِّرَتْ} قال ابن عباس: (أوقدت فصارت ناراً تضطرم) . وقال مجاهد ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب والملح، فصارت كلها بحراً واحداً. وقال الكلبي: ملئت. وقيل: صارت مياهها بحراً واحداً من الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست. وهو قول قتادة، قال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. والمعنى المتحصل من أقوالهم رحمهم الله أنها يفجر بعضها في بعض فتمتلئ ثم تسجر ناراً فيذهب ماؤها، ولهذا جمع ابن القيم رحمه الله تعالى: بينهما فقال (مسجورة قد فجرت) والله تعالى: أعلم. وقوله رحمه الله تعالى: (وكذلك القمران يأذَنُ ربُّنا لهما فيجتمعان) إلخ، يشير إلى قول الله عز وجل {وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة:8 – 9] وقوله {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] خسف: أظلم وذهب نوره وضوؤه. {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة:9] أي صارا أسودين مكوَّرين كأنهما ثوران عقيران. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1]: أظلمت . وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كوّرت غورت. وقال ربيع بن خيثم: رمي بها. وقال أبو صالح: ألقيت. وعنه أيضاً: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. وقال ابن جرير: والصواب عندنا من القول في ذلك أَنَّ التكويرَ جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها على بعض، فمعنى قوله تعالى: {كُوِّرَتْ} جمع بعضها إلى بعض ثم لفَّت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. ولابن أبي حاتم (عن ابن عباس {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] قال: يكور الله تعالى: الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله تعالى: ريحاً دبوراً فيضرمها ناراً) . وكذا قال عامر الشعبي. ولابن أبي حاتم عن ابن يزيد بن أبي مريم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قول الله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] قال: ((كوِّرَتْ في جَهَنَّم)) وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشَّمس والقمر يُكوَّران يَوْمَ القيامة)) . وقوله رحمه الله تعالى: (وكواكب الأفلاك تنثر كلها إلخ) يشير إلى قول الله عز وجل {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير:2] وقوله تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} [الانفطار:2]، وقوله تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} [المرسلات:8] أي محي نورها وذهب ضوؤها. وانكدرت: تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض. يقال انكدَرَ الطائر إذا سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم إلا وقع. وقولـه رحمه الله تعالى: (وكذا السماء تشق شقاً ظاهراً وتمور) إلخ، يشير إلى قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} [الانشقاق:1] وقوله تعالى: {وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة:16] وقوله {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25] وقوله عز وجل: {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل:18] وقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} [الانفطار:1] وقوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ} [التكوير:11] وقوله عز وجل {وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ} [المرسلات:9] وقوله تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ:19] وقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} [الطور:9] وقوله عز وجل {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} [المعارج:8] وقوله {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن:37] وقوله {انشَقَّتِ} أي: صارت أبواباً لنُزول الملائكة {فَكَانَتْ وَرْدَةً} عن ابن عباس: (تغير لونها، وعنه قال كالفرس الورد) . وقال أبو صالح: كالبرذون الورد. وحكى البغوي وغيره أَنَّ الفرس الورد تكون في الربيع صفراء وفي الشتاء حمراء فإذا اشتد البرد اغبرَّ لونها، فشبَّه السَّمَاءَ في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. {كَالدِّهَانِ} قال الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع: هو جمع دهن، شبّه السماء في تلونها بلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، وقال عطاء بن أبي رباح: كالدهان كعصير الزيت يتلون في الساعة ألواناً، وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي، وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب. وذلك حين يصيبها حر جهنم. وقال ابن عباس والكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه دهنة ودهن. وقال عطاء الخراساني: كلون الدهن في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذو ألوان، وقال ابن كثير رحمه الله: تذوبُ كما يذوب الدرديُّ والفضّةُ في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شِدَّةِ الأمر وهو يوم القيامة العظيم. وللإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم)) قال الجوهري: الطش المطر الضعيف. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا} [الطور:9]. قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكاً، وعنه: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دوراً، وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض، وهذا اختيار ابن جرير أَنَّه التحرك في استدارة. وقال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض، وقيل تضطرب، وقال البغوي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال: والمور يجمع هذه المعاني كلها: فهو في اللغة الذهاب والمجيء، والتردد والدوران، والاضطراب. وقال تعالى: {وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة:16 – 17] عن علي قال: (تنشق السماء من المجرة) رواه ابن أبي حاتم ، والملك اسم جنس – أي الملائكة – على أرجاء السماء، قال ابن عباس: (على ما لم ير منها) أي حافاتها. وكذلك قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أي أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس: على ما استرق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل:18]: متشقق. قال الحسن وقتادة أي بسببه من شدته وهوله، و{فُرِجَتْ} قال ابن كثير: أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها... وقوله: وإذا أرادَ اللهُ إخـراجَ الـورى بعد الممات إلى معادٍ ثانِ ألقى على الأرض التي هم تحتها ...إلخ يشير إلى حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما بطوله وفيه: ((ثم يرسل الله – أو قال يُنْزل الله – تعالى مطراً كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس)) الحديث. وفي حديث الصور الطويل: ((ثم يُنْزِلُ الله عليهم ماءً مِنْ تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الأجساد أن تنبت فتنبت كنباتِ الطراثيث أو كنبات البقل)) وهو الذي عناه بقوله: (عشراً وعشراً بعدها عشران). وقوله: (أوحى لها ربُّ السماء فتشقَّقت إلخ) يشير إلى قول الله عز وجل {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار:4]، وقوله {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} [العاديات:9] قال ابن عباس: بحثت ، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها، وقال البغوي: بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء، يقال بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وقال في الآية الأخرى {إِذَا بُعْثِرَ}: أثير وأخرج {مَا فِي الْقُبُورِ} أي من الأموات. وقوله: (وتخلت الأمُ الولودُ إلخ) يشير إلى قوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق:4] قال مجاهــد وسعيد وقتادة: ألقتْ ما في بطنها مِنَ الأموات وتخلَّت منهم. اهـ. وقوله: (وأخرجت أثقالها إلخ) يشير إلى قوله عز وجل {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا – إلى قوله - بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:2 – 5]. قال ابن كثير رحمه الله: يعني ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف: وقد تقدم تفسيرها بإلقائها أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان. وقال البغوي رحمه الله: أثقالها موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها. وقوله رحمه الله: (والله ينشي خلقه) أي هم أنفسهم لا غيرهم بعد موتهم (في نشأة أخرى إلخ) يشير إلى قول الله عزَّ وجل {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم:45 – 46] فهذه هي النشأة الأولى. قال تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} [النجم:47] وهو البعث بعد الموت. قال تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ} [الواقعة:60 – 62] وما في معنى ذلك من الآيات والأحاديث. والمقصود أنَّ الله سبحانه وتعالى يبعث الموتى أنفسهم ويجمعهم بعد ما فرقهم وينشرهم بعد ما مزقهم، ويعيدهم كما خلقهم، قد علم الله ما تنقص الأرض منهم {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر:44]. وقوله: (ما قال إنَّ الله يعدم خلقه إلخ) أي لم يقل الله تعالى: ولا رسوله صلى الله عليه وسلم إنه يعدمهم العدم المحض ويأتي بغيرهم، ولا إنَّ المثاب غير من عمل الطاعات في الدنيا، ولا إنَ المعذب غير من مرد على المعاصي {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء:40] {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت:46] {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} [غافر:31]، بل قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55]، فالذين خلقهم من الأرض هم الذين أعادهم فيها، وهم الذين يخرجهم منها، ليسوا غيرهم كما يقوله الزنادقة قبحهم الله تعالى. والكلام في هذا الباب يطول جداً، والنصوص فيه لا تحصى كثيرة، وإنَّما أشرنا إلى بعض من كل ودق من جل وقطرة من بحر والله المستعان. إلى آخر ما ذكرنا من التعليق على الأبيات التي سقنا من (نونية ابن القيم) رحمه الله تعالى: مع غاية الاختصار، والإيجاز ولله الحمد والمنة. المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى حينما يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين يساقون إلى المحشر لفصل القضاء، ولتجزى كل نفس بما تسعى؛ فيجزى كل عامل ما يستحق من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ولكن كيف يكون مجيئهم للحشر؟ والجواب: قد بينت السنة النبوية الهيئات التي يأتي بها الخلائق، وهي هيئات وحالات مختلفة؛ إما حسنة، وإما قبيحة، بحسب ما قدموا من خير، وشر، وإيمان، وكفر، وطاعة, ومعصية، فتزود لها بالعمل الصالح. ومن تلك الهيئات الأمثلة الآتية: 1- ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن حالة الناس عند حشرهم لفصل القضاء – مؤمنهم وكافرهم – من أنهم يكونون في هيئة واحدة، لا عهد لهم بها في الدنيا، ولا يتصورون حدوثها، ولهذا فقد كثر التساؤل والاستغراب لتلك الحالة حينما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم. كما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) . ومعنى حفاة: أي تمشون على أرجلكم دون نعل أو خف. والعاري: هو من لا ثوب له على جسده، والأغرل: هو الذي لم يختتن، أي إن البشر يرجعون كهيئتهم يوم ولدوا، حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن صاحبها في الدنيا؛ تحقيقاً لقوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]. وقد ورد هذا المعنى في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: ((إنكم محشورون حفاة عراة)) {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] . 2- يحشر بعض الناس (وهم الكافرون) وهم يسحبون في المحشر على وجوههم، وكم يستغرب كثير من الناس هذه الحال؛ لأنهم في الدنيا لم يعرفوا تلك الحال، ولم يتصوروا وقوعها، ومع أنها حالة غريبة لكنها غير منفية لا عقلا ولا نقلا. فأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها، وذلك إذا علمنا أن قدرة الله على كل شيء أمر هين، فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم على وجوههم، بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة. ومصداق ما قدمنا ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه كما في الصحيحين – ((أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) قال قتادة: بلى وعزة ربنا . (قال ابن حجر في بيان معنى المشي المذكور في الحديث قوله: ((أليس الذي أمشاه...)) ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) ثم رد على الذين يزعمون أن هذا هو مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بأن (الجواب الصادر عن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر في تقرير المشي على حقيقته) أي فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره. ومعلوم أن أمر الآخرة وأحوالها غير أمر الدنيا وأحوالها، فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به، فهي حياة أخرى لها مميزات وكيفيات لا توجد في الدنيا، وليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه، إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها، ولكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على الرجلين. ولله تعالى فوق هذا كله حكم قد ندركها، وقد لا ندركها، فإن الكافر في الدنيا كان ذا عتو واستكبار، يمشي على رجليه متبخترا معتزا بنفسه، لا يحني رأسه لشيء غير هواه، فلا يعرف التواضع لله في شيء، بل كان يستنكف من السجود لربه والخضوع له. وهذا ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال: (والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات)) وكثرة النصوص في هذا الموضوع تمنع كونه من باب التمثيل، فهو إذا على حقيقته فلا ينبغي تأويله، بالإضافة إلى أنه من الأمور الممكنة عقلا، وليست من قبيل المستحيلات على الله تعالى..... 3- حشر المتكبرين ومن الأوصاف الأخرى التي وردت في السنة لحشر فئات من الناس، صنف من الناس يحشرون في أحقر صفة وأذلها، وهؤلاء هم المتكبرون. فلأنهم في الدنيا يمشون في كبرهم وتبخترهم على الناس، عالية رؤوسهم عن التواضع لله أو لخلقه، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان)) الحديث. وفي رواية عن جابر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يبعث الله يوم القيامة ناساً في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا)) . وهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تعاظم وغرور بأنفسهم، لأنهم كانوا في الدنيا يتصورون أنفسهم أعظم وأجل المخلوقات؛ فجعلهم الله في دار الجزاء أحقر المخلوقات وأصغرها. 4- حشر السائلين: ومن الصور الأخرى التي تشاهد في يوم القيامة صور أولئك السائلين الذين يسألون الناس وعندهم ما يغنيهم، يأتون يوم القيامة و في وجوههم خموش أو كدوح، أو يأتون وليس في وجوههم مزعة لحم، يعرفهم الناس كلهم. وهذا ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)) . وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة)) والجزاء من جنس العمل. والمزعة هي: (بضم الميم – وحكى كسرها – وسكون الزاي بعدها مهملة: أي قطعة"، " وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي). قال ابن حجر: (والذي أحفظه عن المحدثين الضم). ومعنى الحديث: (قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله؛ فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به). والمعنى الأول الذي ذكره الخطابي تأويل للحديث بغير معناه، ولهذا قال ابن حجر: (والأول صرف للحديث عن ظاهره). وإن كان قد ورد ما يؤيده، وهو ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعاً: ((لا يزال العبد يسأل وهو غني؛ حتى يخلق وجهه، فلا يكون له عند الله وجه)) . (وقال ابن أبي جمرة: معناه: أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومالَ المهلَّبُ إلى حمله على ظاهره). ثم ذكر أن السر في ذلك هو (أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه؛ كانت أذية الشمس له أكثر من غيره) قال – يعني المهلَّب: (والمراد به: من سأل تكثراً وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه) . 5- حشر أصحاب الغلول : ومن المشاهد كذلك: مشهد أقوام يأتون حاملين أثقالاً على ظهورهم، كالبعير والشاة وغيرهما، وهؤلاء هم أهل الغلول، فإنهم يحشرون في هيئة تشهد عليهم بالخيانة والغلول أمام الخلق أجمعين، فمن غل شيئاً في حياته الدنيا ولم يظهره؛ فسيظهره الله عليه يوم يبعث، يكون علامة له، وزيادة في النكاية وتشهيراً بجريمته يحمل ما غل على ظهره. ومصداق هذا ما جاء في كتاب الله عز وجل حيث قال: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]. قال قتادة في معنى الآية: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غنم مغنماً؛ بعث منادياً: ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما دونه، ألا لا يغلن رجل بعيراً، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن رجل فرساً، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حمحمة) . وما جاء في السنة النبوية كما في حديث أبي مسعود الأنصاري قال: ((بعثني النبي صلى الله عليه وسلم ساعياً، ثم قال: انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد أغللته قال: إذاً لا أنطلق، قال: إذا لا أكرهك)) ........... والخلاصة: أن من مات على عمل بعث عليه. قال البرديسي في شرح حديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)) . قال: (أي على الحالة التي مات عليها من خير أو شر، فالزامر يأتي يوم القيامة بمزماره، والسكران بقدحه، والمؤذن يؤذن، ونحو ذلك) . 6- حشر أهل الوضوء، أهل الغرة والتحجيل: وإذا كان من قدمنا ذكرهم كانوا أمثلة سيئة لمن يعمل أعمالهم، فإنه في الجانب الآخر نجد من يتسم بالصفات الحميدة، ولهذا فإنه يبعث حميداً عليه سيما أهل الصلاح والتقوى، سيما أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من الغرة والتحجيل بسبب آثار الوضوء. وهي كرامة من الله تعالى لأوليائه وأحبائه، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) . وكما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أمتي يوم القيامة غر من السجود, محجلون من الوضوء)) . 7- حشر الشهداء: ومن المشاهد الأخرى: مشهد لأقوام يحشرون ودماؤهم تسيل عليهم، وهم الشهداء، فإنهم يحشرون ودماؤهم تسيل كهيئتها يوم جرحت في الدنيا، تفجر دماً، كما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دماً. اللون لون دم والعرف عرف المسك)) إلى آخر الحديث . وهذا إكرام لهم وبيان لمزاياهم، وتشهيراً بمواقفهم وعلو مقامهم عند الله تعالى، لأن الجزاء من جنس العمل. قال النووي: (وأما الكلم – بفتح الكاف وإسكان اللام – فهو الجرح، ويكلم – بإسكان الكاف – أي يجرح) قال: (وفيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى) . ويلخص البرديسي أحوال البشر في مجيئهم إلى الموقف فيقول: (واعلم أن الناس يحشرون يومئذ على ثلاثة أصناف: ركباناً، ومشاة، وعلى وجوههم. قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [ مريم: 85 - 86]. ثم قال: الوفد في اللغة: القوم المكرمون، يفدون من بلادهم في جماعتهم إلى ملكهم، فينزلون ويكرمهم، والورد: العطاش، يساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام، فتسوقهم الملائكة بأسياط النار إلى النار، وقوم يمشون على وجوههم. وقال بعضهم: إذا قام الناس من قبورهم لفصل القضاء؛ حضروا على أحوال مختلفة: فمنهم من يكسى، ومنهم من يحشر عرياناً، ومنهم راكباً، ومنهم ماش، ومسحوب على وجهه، ومنهم من يذهب إلى الموقف راغباً، ومنهم من يذهب خائفاً، ومنهم من تسوقه النار سوقاً) . وقوله: (ومنهم راكبا)، هذه المسألة مما أكثر فيه المؤلف الكلام عنها، وإن كان القول بأن الناس يأتون ركباناً يخالف ما ثبت في الصحيح من أنهم يأتون ((حفاة عراة غرلاً))، إلا أن المؤلف جمع بين أقوال من ذهب إلى أنهم يأتون ركباناً، وبين هذا النص وما جاء في معناه بقوله: (ثم إن الروايات التي فيها الركوب في المحشر تخالف حديث الصحيحين أن الناس يحشرون حفاة عراة، ولا يبعد أن يكون الركوب في المحشر لبعض السعداء، فيكون حديث الصحيحين محمولاً على بعض الصور) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية