الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35229" data-attributes="member: 329"><p>المطلب الخامس: السمع والبصر والفؤاد</p><p>يسأل الله العباد عن جميع ما يقولونه، ولذلك حذرهم من القول بلا علم {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]، قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله. قال ابن كثير: ومضمون ما ذكروه في الآية: أن الله نهى عن القول بغير علم، بل بالظن، الذي هو التوهم والخيال. كما قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، وفي الحديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) ، وفي (سنن أبي داود): ((بئس مطية الرجل زعموا)) ، وفي الحديث الآخر: ((إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا)) وفي (الصحيح): ((من تحلم حلماً كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل)) . </p><p>المبحث السابع: أول من يحاسب من الناس</p><p>يحاسب الله سبحانه وتعالى البشر في أسرع وقت كما ذكر, سبحانه لا يشغله شأن عن شأن, وقد اختلفت أقوال العلماء في ذكر أول من يحاسب في يوم القيامة من الجماعات أو الأفراد, هل هم الملائكة؟ أم هو اللوح المحفوظ؟ أم هم الأنبياء والرسل؟ أم أرباب الأموال و السعة؟ أم أنهم أول من تبارزوا في يوم بدر؛ علي بن أبي طالب, وحمزة, وعبيدة, و أقرانهم من المشركين؟ أم أن أول المحاسبين جاران من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم الزوج وزوجته؟.</p><p>كل ذلك قد قيل, ونوضح فيما يلي أدلة تلك الأقوال والجمع بينها:</p><p>- أما ما جاء من أنهم الملائكة: فهو ما روى ابن أنعم عن حبان بن أبي جيلة فيما يعزوه البرديسي قال: (أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل, فيقول الله عز وجل ثناؤه: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب, فيخلى عن إسرافيل, و يقول لجبريل: ما صنعت بعهدي؟ فيقول: بلغت الرسل, فتدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم فيخلى جبريل. ويقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: نعم قد بلغناه الأمم, فتدعى الأمم فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمكذب, ومصدق, فتقول الرسل: لنا عليكم شهداء, فيقول الله تبارك وتعالى وهو أعلم: من؟ فيقولون: أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم؟ فتقول الأمم: يا رب, كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول الله عز وجل: تشهدوا عليهم ولم تدركوهم؟ فيقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً, وأنزلت علينا كتاباً, فقصصت علينا فيه أن قد بلغوا قولك)(1).</p><p>- وأما ما جاء من أول المحاسبين اللوح المحفوظ: فهو ماجاء عن سنان أنه قال: (اللوح المحفوظ معلق بالعرش, فإذا أراد الله أن يوحي بشئ كتب في اللوح المحفوظ, فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل, فينظر فيه, فإن كان لأهل السماء دفعه إلى ميكائيل, و إن كان لأهل الأرض دفعه إلى جبريل.</p><p>فأول ما يحاسب يوم القيامة اللوح المحفوظ, يدعى به ترعد فرائصه, فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم, فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: إسرافيل، فيجاء بإسرافيل ترعد فرائصه, فيقال: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال: نعم؛ قال اللوح: الحمد لله الذى نجاني من سوء الحساب, ثم كذلك).</p><p>وفى حديث وهب بن الورد أن ((إسرافيل عليه السلام يقول: بلغت جبريل, فيدعى جبريل عليه السلام ترعد فرائصه, فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل، فيؤتى بالرسل فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس, فهو قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين} [ الأعراف: 6 ])) (2).</p><p>وأما ما جاء من أن أول المحاسبين الأنبياء والرسل فقد قال البرديسي: (فيبدأ بالأنبياء عليهم الصلاة السلام, فيقول: ماذا أجبتم؟ قيل في تفسيرها: كانوا قد علموا ولكن ذهبت عقولهم, وغربت أفهامهم ونسوا من شدة الهول, وعظيم الخطب, و صعوبة الأمر، فقالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب, ثم يقويهم الله عز وجل فيدعى بنوح عليه الصلاة والسلام) (1)</p><p>ثم استدل بما أخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة, فيقول: لبيك و سعديك يا رب, فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير, فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فيشهدون أنه قد بلغ, ويكون الرسول عليهم شهيداً, وذلك في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [ البقرة: 143 ]. والوسط: العدل, أى عدولاً خياراً, وخير الأمور الوسط))(2). </p><p>- و أما ما جاء من أنهم العلماء, أو المغازون, أو أرباب المال و السعة: فهو ما ذكره السفاريني إلا أنه لم يسنده إلى أحد (3).</p><p>- أما ما جاء من أنهم الذين تبارزوا فى يوم بدر: فهو ما أخرج البخاري بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ((أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)) (1).</p><p>وروى كذلك عن قيس بن عباد وعن أبي ذر عن علي بن أبي طالب أن الآية من قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [ الحج: 19 ]. أنها نزلت في شأن الذين تبارزوا يوم بدر, وهم حمزة, وعلي, وعبيدة – أبو عبيدة – ابن الحارث, وشيبة بن ربيعة, وعتبة, والوليد بن عتبة (4).</p><p>- وأما ما جاء من أنهم جاران: فهو ما روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أول خصمين يوم القيامة جاران)) (1).</p><p>ويجمع بين تلك الأقوال: </p><p>أن ما صح من تلك الأقوال والروايات فإنه يحمل على أولية مقيدة فى بابها, على أن هذه الروايات التي تقدمت تحتاج إلى نصوص تؤيدها ... و أما بالنسبة للأمم, فقد جاء في السنة أن أول الأمم يقضي الله بينهم هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذه مزية ومفخرة لهم؛ ليكونوا شهداء على الناس.</p><p>ومما ورد في هذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نحن آخر الأمم, وأول من يحاسب, يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون)) (1).</p><p>وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يجئ النبي ومعه الرجلان. ويجئ النبي ومعه الثلاثة, و أكثر من ذلك و أقل, فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم, فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا, فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فتدعى أمة محمد, فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم, فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك؛ أن الرسل قد بلغوا فصدقناه قال فذلكم قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [ البقرة: 143 ])) (1).</p><p>وورد عن رفاعة الجهني قال: ((صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفس محمد بيده ما من عبد يؤمن ثم يسدد إلا سلك به في الجنة, وأرجو ألا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم ومن صلح من ذراريكم مساكن في الجنة, ولقد وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب)) (1).</p><p>وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنكم وفيتم سبعين أمة, أنتم خيرها وأكرمها على الله)) .</p><p>فثبت بهذه النصوص أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أول الأمم تحاسب, وأول الأمم تدخل الجنة, وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير: (ويكون أو الأمم يقضى بينهم هذه الأمة, لشرف نبيها صلى الله عليه وسلم، كما أنهم أول من يدخل على الصراط, وأول من يدخل الجنة). (1) </p><p>المبحث الثامن: العباد وأنواع الحساب</p><p>المطلب الأول: أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله</p><p>أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله تبارك وتعالى الصلاة، فإن صلحت أفلح ونجح وإلا خاب وخسر، ففي (سنن الترمذي) و(النسائي) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً. قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) . وفي (سنن أبي داود) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا – عز وجل – لملائكته: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال بعد ذلك)) . </p><p>المطلب الثاني: أنواع الحساب</p><p>يتفاوت حساب العباد، فبعض العباد يكون حسابهم عسيراً وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمـها. وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب، وهم فئة قليلة لا يجاوزون السبعين ألفاً، وهم الصفوة من هذه الأمة، والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد، وسيأتي ذكرهم وصفتهم عند الحديث عن أهل الجنة وبعض العباد يحاسبون حساباً يسيراً، وهؤلاء لا يناقشون الحساب، أي لا يدقق، ولا يحقق معهم، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها. وهذا معنى قوله تبارك وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8]، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) . قال النووي في شرحه للحديث: معنى نوقش الحساب: استقصي عليه. قال القاضي: وقوله: (عذب) له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: (هلك) مكان (عذب) هذا كلام القاضي. قال النووي: وهذا الثاني هو (الصحيح)، ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصي عليه، ولم يسامح هلك، ودخل النار، ولكن الله تعالى: يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: إنما ذلك العرض، قال: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة. والمراد بالعرض - كما هو ظاهر من هذه الأحاديث - عرض ذنوب المؤمنين عليهم، كي يدركوا مدى نعمة الله عليهم في غفرانها لهم. </p><p>المطلب الثالث: أمثلة من السنة للمناقشة والعرض والمعاتبة</p><p>ورد في السنة النبوية مشاهد للمناقشة والعرض والمعاتبة التي تكون من الله لعباده، وسنسوق لكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة مشهداً مما صح في السنة. </p><p>- مناقشة المرائين </p><p>روى مسلم والترمذي والنسائي عن شفي بن ماتع الأصبحي رحمه الله أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أسألك بحق وحق، لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: ((أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة، فمكثنا قليلاً، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خاراً على وجهه، فأسندته طويلاً، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، وقد قيل ذلك. ويؤتى بصحاب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك، حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقيل ذلك. ثم يؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة)). قال الوليد أبو عثمان المدائني: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شفياً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم: أنه كان سيافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هكذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاء هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 15-16]. أخرجه الترمذي. وفي رواية مسلم والنسائي عن سليمان بن يسار: قال: ((تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل أخو أهل الشام: أيها الشيخ حدثني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فقال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأوتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه بنعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)) .</p><p>- عرض الرب ذنوب عبده عليه </p><p>عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: {هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18 ])) . قال القرطبي في قوله: فيضع عليه كنفه أي: ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطب خطاب ملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله ممتناً عليه، ومظهراً فضله لديه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، أي لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم.</p><p>- معاتبة الرب عبده فيما وقع منه من تقصير </p><p>وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن معاتبة الرب لعبده يوم القيامة، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى: يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني؟ قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقتيك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟)) . </p><p>- إيتاء العباد كتبهم </p><p>في ختام مشهد الحساب يعطى كل عبد كتابه المشتمل على سجل كامل لأعماله التي عملها في الحياة الدنيا وتختلف الطريقة التي يؤتى بها العباد كتبهم، فأما المؤمن فإنه يؤتى كتابه بيمينه من أمامه، فيحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله في الجنة مسروراً {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق: 7-9]، وإذا اطلع المؤمن على ما تحويه صحيفته من التوحيد وصالح الأعمال سر واستبشر، وأعلن هذا السرور، ورفع به صوته، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 19-24]. وأما الكافر والمنافق وأهل الضلال فإنهم يؤتون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، وعند ذلك يدعو الكافر بالويل والثبور، وعظائم الأمور: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 10-12]. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [الحاقة: 25-31]. وعندما يعطى العباد كتبهم يقال لهم: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]</p><p>المبحث التاسع: التفاضل في الحساب</p><p>قسم الله عباده في الحساب قسمين:</p><p>الأول: من يكون حسابه يسيراً وهم أهل اليمين، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [ الانشقاق: 7 - 8]. </p><p>الثاني: من يلقى سوء الحساب وهم أهل جهنم، قال تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [ الرعد: 18]. و في نصوص السنة دلالة على أن المؤمنين في الحساب ثلاثة أصناف: </p><p>فصنف لا يحاسب، وهؤلاء طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم, وعدتهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب، ففي الحديث: ((عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل: انظر، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب)) .</p><p> وفي رواية: ((هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب)) .</p><p>فهذه زيادة فضيلة لهؤلاء أنهم يتقدمون الأمة، وجاء في وصفهم أنهم يدخلون الجنة: ((متماسكين آخذ بعضهم ببعض، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)) .</p><p>وفي حديث آخر أنهم يدخلون زمرة واحدة .</p><p>وفي رواية في الصحيحين: ((سبعون ألفاً، أو سبعمائة ألف)) شك من الراوي .</p><p>ووقع في أحاديث أخرى في غير الصحيحين أن مع السبعين ألفاً زيادة عليهم .</p><p>والصنف الثاني: لا يناقشون الحساب، وإنما تعرض أعمالهم ثم يتجاوز لهم عنها، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نوقش الحساب عذب)) فقالت عائشة: ((أو ليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} – فقال: إنما ذلك العرض, ولكن من نوقش الحساب يهلك)) .</p><p>وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً, فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه – (و في رواية قال: الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها) – أن من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك)) .</p><p>والصنف الثالث: يناقشون الحساب ويسألون فيه عن أعمالهم، يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته . ومن أمثلة هذا الصنف الذي يناقش الحساب وتوزن حسناته وسيئاته صاحب البطاقة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء)) .</p><p>فهذه دلائل على تفاضل المؤمنين في الحساب. </p><p>وفي هذا الباب تظهر فضيلة خص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي اختصاصها بشهادتها للأنبياء على أممهم, وبشهادة رسولهم صلى الله عليه وسلم عليها، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. وقال عز وجل: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]. وتكون شهادة هذه الأمة على نحو ما قال صلى الله عليه وسلم: ((يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} والوسط: العدل)) . </p><p>الفصل الحادي عشر: اقتصاص المظالم بين الخلق</p><p>تمهيد</p><p>يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) . والذي يعتدي على غيره بالضرب، يقتص منه بالضرب في يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري في (الأدب المفرد) والبيهقي في (السنن)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ضرب بسوط ظلماً، اقتص منه يوم القيامة)). وفي (معجم الطبراني الكبير) عن عمار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ضرب مملوكه ظالماً، أقيد منه يوم القيامة)) . وإسناده صحيح والذي يقذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد في يوم القيامة، إن كان كذاباً فيما رماه به، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)) </p><p>المبحث الأول: كيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة</p><p>إذا كان يوم القيامة كانت ثروة الإنسان ورأس ماله حسناته، فإذا كانت عليه مظالم للعباد فإنهم يأخذون من حسناته بقدر ما ظلمهم، فإن لم يكن له حسنات أو فنيت حسناته، فإنه يؤخذ من سيئاتهم فيطرح فوق ظهره. ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) . وهذا الذي يأخذ الناس حسناته، ثم يقذفون فوق ظهره بسيئاتهم هو المفلس، كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) . والمدين الذي مات، وللناس في ذمته أموال يأخذ أصحاب الأموال من حسناته بمقدار ما لهم عنده، ففي (سنن ابن ماجه) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وعليه دينار أو درهم، قضى من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم)) . وإذا كانت بين العباد مظالم متبادلة اقتص لبعضهم من بعض، فإن تساوى ظلم كل واحد منهما للآخر كان كفافاً لا له ولا عليه، وإن بقي لبعضهم حقوق عند الآخرين أخذها. ففي (سنن الترمذي) عن عائشة، قالت: ((جاء رجل فقعد بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني، ويخونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك، ولا عليك. وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل فتنحى الرجل، وجعل يهتف ويبكى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تقرأ قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47])) . ولما كان هذا شأن الظلم فحريٌّ بالعباد الذين يخافون ذلك اليوم أن يتركوه ويجتنبوه وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الظلم يكون ظلمات في يوم القيامة، ففي (صحيح البخاري) و(مسلم) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) . وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35229, member: 329"] المطلب الخامس: السمع والبصر والفؤاد يسأل الله العباد عن جميع ما يقولونه، ولذلك حذرهم من القول بلا علم {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]، قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله. قال ابن كثير: ومضمون ما ذكروه في الآية: أن الله نهى عن القول بغير علم، بل بالظن، الذي هو التوهم والخيال. كما قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، وفي الحديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) ، وفي (سنن أبي داود): ((بئس مطية الرجل زعموا)) ، وفي الحديث الآخر: ((إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا)) وفي (الصحيح): ((من تحلم حلماً كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل)) . المبحث السابع: أول من يحاسب من الناس يحاسب الله سبحانه وتعالى البشر في أسرع وقت كما ذكر, سبحانه لا يشغله شأن عن شأن, وقد اختلفت أقوال العلماء في ذكر أول من يحاسب في يوم القيامة من الجماعات أو الأفراد, هل هم الملائكة؟ أم هو اللوح المحفوظ؟ أم هم الأنبياء والرسل؟ أم أرباب الأموال و السعة؟ أم أنهم أول من تبارزوا في يوم بدر؛ علي بن أبي طالب, وحمزة, وعبيدة, و أقرانهم من المشركين؟ أم أن أول المحاسبين جاران من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم الزوج وزوجته؟. كل ذلك قد قيل, ونوضح فيما يلي أدلة تلك الأقوال والجمع بينها: - أما ما جاء من أنهم الملائكة: فهو ما روى ابن أنعم عن حبان بن أبي جيلة فيما يعزوه البرديسي قال: (أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل, فيقول الله عز وجل ثناؤه: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب, فيخلى عن إسرافيل, و يقول لجبريل: ما صنعت بعهدي؟ فيقول: بلغت الرسل, فتدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم فيخلى جبريل. ويقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: نعم قد بلغناه الأمم, فتدعى الأمم فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمكذب, ومصدق, فتقول الرسل: لنا عليكم شهداء, فيقول الله تبارك وتعالى وهو أعلم: من؟ فيقولون: أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم؟ فتقول الأمم: يا رب, كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول الله عز وجل: تشهدوا عليهم ولم تدركوهم؟ فيقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً, وأنزلت علينا كتاباً, فقصصت علينا فيه أن قد بلغوا قولك)(1). - وأما ما جاء من أول المحاسبين اللوح المحفوظ: فهو ماجاء عن سنان أنه قال: (اللوح المحفوظ معلق بالعرش, فإذا أراد الله أن يوحي بشئ كتب في اللوح المحفوظ, فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل, فينظر فيه, فإن كان لأهل السماء دفعه إلى ميكائيل, و إن كان لأهل الأرض دفعه إلى جبريل. فأول ما يحاسب يوم القيامة اللوح المحفوظ, يدعى به ترعد فرائصه, فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم, فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: إسرافيل، فيجاء بإسرافيل ترعد فرائصه, فيقال: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال: نعم؛ قال اللوح: الحمد لله الذى نجاني من سوء الحساب, ثم كذلك). وفى حديث وهب بن الورد أن ((إسرافيل عليه السلام يقول: بلغت جبريل, فيدعى جبريل عليه السلام ترعد فرائصه, فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل، فيؤتى بالرسل فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس, فهو قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين} [ الأعراف: 6 ])) (2). وأما ما جاء من أن أول المحاسبين الأنبياء والرسل فقد قال البرديسي: (فيبدأ بالأنبياء عليهم الصلاة السلام, فيقول: ماذا أجبتم؟ قيل في تفسيرها: كانوا قد علموا ولكن ذهبت عقولهم, وغربت أفهامهم ونسوا من شدة الهول, وعظيم الخطب, و صعوبة الأمر، فقالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب, ثم يقويهم الله عز وجل فيدعى بنوح عليه الصلاة والسلام) (1) ثم استدل بما أخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة, فيقول: لبيك و سعديك يا رب, فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير, فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فيشهدون أنه قد بلغ, ويكون الرسول عليهم شهيداً, وذلك في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [ البقرة: 143 ]. والوسط: العدل, أى عدولاً خياراً, وخير الأمور الوسط))(2). - و أما ما جاء من أنهم العلماء, أو المغازون, أو أرباب المال و السعة: فهو ما ذكره السفاريني إلا أنه لم يسنده إلى أحد (3). - أما ما جاء من أنهم الذين تبارزوا فى يوم بدر: فهو ما أخرج البخاري بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ((أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)) (1). وروى كذلك عن قيس بن عباد وعن أبي ذر عن علي بن أبي طالب أن الآية من قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [ الحج: 19 ]. أنها نزلت في شأن الذين تبارزوا يوم بدر, وهم حمزة, وعلي, وعبيدة – أبو عبيدة – ابن الحارث, وشيبة بن ربيعة, وعتبة, والوليد بن عتبة (4). - وأما ما جاء من أنهم جاران: فهو ما روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أول خصمين يوم القيامة جاران)) (1). ويجمع بين تلك الأقوال: أن ما صح من تلك الأقوال والروايات فإنه يحمل على أولية مقيدة فى بابها, على أن هذه الروايات التي تقدمت تحتاج إلى نصوص تؤيدها ... و أما بالنسبة للأمم, فقد جاء في السنة أن أول الأمم يقضي الله بينهم هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذه مزية ومفخرة لهم؛ ليكونوا شهداء على الناس. ومما ورد في هذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نحن آخر الأمم, وأول من يحاسب, يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون)) (1). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يجئ النبي ومعه الرجلان. ويجئ النبي ومعه الثلاثة, و أكثر من ذلك و أقل, فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم, فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا, فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فتدعى أمة محمد, فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم, فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك؛ أن الرسل قد بلغوا فصدقناه قال فذلكم قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [ البقرة: 143 ])) (1). وورد عن رفاعة الجهني قال: ((صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفس محمد بيده ما من عبد يؤمن ثم يسدد إلا سلك به في الجنة, وأرجو ألا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم ومن صلح من ذراريكم مساكن في الجنة, ولقد وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب)) (1). وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنكم وفيتم سبعين أمة, أنتم خيرها وأكرمها على الله)) . فثبت بهذه النصوص أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أول الأمم تحاسب, وأول الأمم تدخل الجنة, وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير: (ويكون أو الأمم يقضى بينهم هذه الأمة, لشرف نبيها صلى الله عليه وسلم، كما أنهم أول من يدخل على الصراط, وأول من يدخل الجنة). (1) المبحث الثامن: العباد وأنواع الحساب المطلب الأول: أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله تبارك وتعالى الصلاة، فإن صلحت أفلح ونجح وإلا خاب وخسر، ففي (سنن الترمذي) و(النسائي) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً. قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) . وفي (سنن أبي داود) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا – عز وجل – لملائكته: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال بعد ذلك)) . المطلب الثاني: أنواع الحساب يتفاوت حساب العباد، فبعض العباد يكون حسابهم عسيراً وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمـها. وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب، وهم فئة قليلة لا يجاوزون السبعين ألفاً، وهم الصفوة من هذه الأمة، والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد، وسيأتي ذكرهم وصفتهم عند الحديث عن أهل الجنة وبعض العباد يحاسبون حساباً يسيراً، وهؤلاء لا يناقشون الحساب، أي لا يدقق، ولا يحقق معهم، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها. وهذا معنى قوله تبارك وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8]، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) . قال النووي في شرحه للحديث: معنى نوقش الحساب: استقصي عليه. قال القاضي: وقوله: (عذب) له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: (هلك) مكان (عذب) هذا كلام القاضي. قال النووي: وهذا الثاني هو (الصحيح)، ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصي عليه، ولم يسامح هلك، ودخل النار، ولكن الله تعالى: يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: إنما ذلك العرض، قال: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة. والمراد بالعرض - كما هو ظاهر من هذه الأحاديث - عرض ذنوب المؤمنين عليهم، كي يدركوا مدى نعمة الله عليهم في غفرانها لهم. المطلب الثالث: أمثلة من السنة للمناقشة والعرض والمعاتبة ورد في السنة النبوية مشاهد للمناقشة والعرض والمعاتبة التي تكون من الله لعباده، وسنسوق لكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة مشهداً مما صح في السنة. - مناقشة المرائين روى مسلم والترمذي والنسائي عن شفي بن ماتع الأصبحي رحمه الله أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أسألك بحق وحق، لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: ((أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة، فمكثنا قليلاً، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خاراً على وجهه، فأسندته طويلاً، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، وقد قيل ذلك. ويؤتى بصحاب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك، حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقيل ذلك. ثم يؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة)). قال الوليد أبو عثمان المدائني: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شفياً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم: أنه كان سيافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هكذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاء هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 15-16]. أخرجه الترمذي. وفي رواية مسلم والنسائي عن سليمان بن يسار: قال: ((تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل أخو أهل الشام: أيها الشيخ حدثني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فقال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأوتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه بنعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)) . - عرض الرب ذنوب عبده عليه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: {هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18 ])) . قال القرطبي في قوله: فيضع عليه كنفه أي: ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطب خطاب ملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله ممتناً عليه، ومظهراً فضله لديه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، أي لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم. - معاتبة الرب عبده فيما وقع منه من تقصير وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن معاتبة الرب لعبده يوم القيامة، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى: يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني؟ قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقتيك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟)) . - إيتاء العباد كتبهم في ختام مشهد الحساب يعطى كل عبد كتابه المشتمل على سجل كامل لأعماله التي عملها في الحياة الدنيا وتختلف الطريقة التي يؤتى بها العباد كتبهم، فأما المؤمن فإنه يؤتى كتابه بيمينه من أمامه، فيحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله في الجنة مسروراً {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق: 7-9]، وإذا اطلع المؤمن على ما تحويه صحيفته من التوحيد وصالح الأعمال سر واستبشر، وأعلن هذا السرور، ورفع به صوته، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 19-24]. وأما الكافر والمنافق وأهل الضلال فإنهم يؤتون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، وعند ذلك يدعو الكافر بالويل والثبور، وعظائم الأمور: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 10-12]. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [الحاقة: 25-31]. وعندما يعطى العباد كتبهم يقال لهم: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] المبحث التاسع: التفاضل في الحساب قسم الله عباده في الحساب قسمين: الأول: من يكون حسابه يسيراً وهم أهل اليمين، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [ الانشقاق: 7 - 8]. الثاني: من يلقى سوء الحساب وهم أهل جهنم، قال تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [ الرعد: 18]. و في نصوص السنة دلالة على أن المؤمنين في الحساب ثلاثة أصناف: فصنف لا يحاسب، وهؤلاء طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم, وعدتهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب، ففي الحديث: ((عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل: انظر، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب)) . وفي رواية: ((هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب)) . فهذه زيادة فضيلة لهؤلاء أنهم يتقدمون الأمة، وجاء في وصفهم أنهم يدخلون الجنة: ((متماسكين آخذ بعضهم ببعض، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)) . وفي حديث آخر أنهم يدخلون زمرة واحدة . وفي رواية في الصحيحين: ((سبعون ألفاً، أو سبعمائة ألف)) شك من الراوي . ووقع في أحاديث أخرى في غير الصحيحين أن مع السبعين ألفاً زيادة عليهم . والصنف الثاني: لا يناقشون الحساب، وإنما تعرض أعمالهم ثم يتجاوز لهم عنها، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نوقش الحساب عذب)) فقالت عائشة: ((أو ليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} – فقال: إنما ذلك العرض, ولكن من نوقش الحساب يهلك)) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً, فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه – (و في رواية قال: الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها) – أن من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك)) . والصنف الثالث: يناقشون الحساب ويسألون فيه عن أعمالهم، يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته . ومن أمثلة هذا الصنف الذي يناقش الحساب وتوزن حسناته وسيئاته صاحب البطاقة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء)) . فهذه دلائل على تفاضل المؤمنين في الحساب. وفي هذا الباب تظهر فضيلة خص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي اختصاصها بشهادتها للأنبياء على أممهم, وبشهادة رسولهم صلى الله عليه وسلم عليها، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. وقال عز وجل: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]. وتكون شهادة هذه الأمة على نحو ما قال صلى الله عليه وسلم: ((يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} والوسط: العدل)) . الفصل الحادي عشر: اقتصاص المظالم بين الخلق تمهيد يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) . والذي يعتدي على غيره بالضرب، يقتص منه بالضرب في يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري في (الأدب المفرد) والبيهقي في (السنن)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ضرب بسوط ظلماً، اقتص منه يوم القيامة)). وفي (معجم الطبراني الكبير) عن عمار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ضرب مملوكه ظالماً، أقيد منه يوم القيامة)) . وإسناده صحيح والذي يقذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد في يوم القيامة، إن كان كذاباً فيما رماه به، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)) المبحث الأول: كيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة إذا كان يوم القيامة كانت ثروة الإنسان ورأس ماله حسناته، فإذا كانت عليه مظالم للعباد فإنهم يأخذون من حسناته بقدر ما ظلمهم، فإن لم يكن له حسنات أو فنيت حسناته، فإنه يؤخذ من سيئاتهم فيطرح فوق ظهره. ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) . وهذا الذي يأخذ الناس حسناته، ثم يقذفون فوق ظهره بسيئاتهم هو المفلس، كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) . والمدين الذي مات، وللناس في ذمته أموال يأخذ أصحاب الأموال من حسناته بمقدار ما لهم عنده، ففي (سنن ابن ماجه) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وعليه دينار أو درهم، قضى من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم)) . وإذا كانت بين العباد مظالم متبادلة اقتص لبعضهم من بعض، فإن تساوى ظلم كل واحد منهما للآخر كان كفافاً لا له ولا عليه، وإن بقي لبعضهم حقوق عند الآخرين أخذها. ففي (سنن الترمذي) عن عائشة، قالت: ((جاء رجل فقعد بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني، ويخونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك، ولا عليك. وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل فتنحى الرجل، وجعل يهتف ويبكى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تقرأ قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47])) . ولما كان هذا شأن الظلم فحريٌّ بالعباد الذين يخافون ذلك اليوم أن يتركوه ويجتنبوه وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الظلم يكون ظلمات في يوم القيامة، ففي (صحيح البخاري) و(مسلم) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) . وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية