الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35232" data-attributes="member: 329"><p>روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة قال قتادة: بلى وعزة ربنا)) .</p><p>ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم فإنهم يحشرون عمياً لا يرون، وبكماً لا يتكلمون، وصماً لا يسمعون {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97 ]. </p><p>3- ويزيد بلاءهم أنهم يحشرون مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم وأتباعهم {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22-23]. </p><p>4- وهم في هذا مغلوبون مقهورون أذلاء صاغرون {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12]. </p><p>5- وقبل أن يصلوا إلى النار تصك مسامعهم أصواتها التي تملأ قلوبهم رعباً وهلعاً {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان: 12]. </p><p>6- وعندما يبلغون النار ويعاينون أهوالها يندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27]، ولكنهم لا يجدون من النار مفراً: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53]. </p><p>7- وعند ذلك يؤمرون بالدخول في النار وغضب الجبار أذلاء خاسرين {فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29 ]، ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 68-72 ]. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: في تفسير هذه الآيات: يقسم الله بنفسه وهو أعظم قسم وأجله أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: 68]، ولن يكونوا وحدهم {لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [مريم: 68] فهم والشياطين سواء، والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار، وبينهما صلة التابع والمتبوع، والقائد والمقود, وهنا يرسم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم: 68]، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69]، وفي اللفظ تشديد، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع، تتبعها صورة القذف في النار، وهي الحركة التي يكملها الخيال. وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافاً من هذه الجموع التي لا تحصى، والتي أحصاها الله فرداً فرداً: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم:70]، فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين. وقد غيرت هذه الآية: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات، فقد ذكر ابن كثير أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها. وقال عبدالله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله، وقال ابن عباس لرجل يحاوره: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ . </p><p>الفصل الرابع عشر: الصراط</p><p>المبحث الأول: تعريف الصراط</p><p>قال ابن منظور في (اللسان) (2/430): (الصراط, والسراط, والزراط, الطريق، قال الشاعر: </p><p></p><p>أكر على الحروريين مهرى </p><p>واحملهم على وضح الصراط) </p><p></p><p>وقال الزبيدي في (تاج العروس) (19/345): (السراط بالكسر: السبيل الواضح، وبه فسر قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. أي ثبتنا على المنهاج الواضح كما قاله الأزهري). </p><p>وقال الفيروز أبادي في (ترتيب القاموس المحيط) (2/814): (الصراط بالكسر: الطريق، وجسر ممدود على متن جهنم. وبالضم السيف الطويل). </p><p>وقال يحيى بن سلام في (التصاريف) رقم (104/330): (الصراط على وجهين: </p><p>1- الطريق، وذلك في قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} [ الأعراف: 86]. يعني بكل طريق. </p><p>2- الدين وذلك في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [ الفاتحة: 6] يعني الدين المستقيم. </p><p>وقال في {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [ الأنعام: 153]: يعني ديناً مستقيماً). </p><p>وقال القرطبي: (في (الجامع لأحكام القرآن) (1 /147) أصل الصراط في كلام العرب الطريق. </p><p>قال عامر بن الطفيل: </p><p></p><p>شحنَّا أرضهم بالخيل حتى </p><p>تركناهم أذل من الصراط) </p><p></p><p>وقرئ السراط من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه. وقال الراغب في (المفردات في غريب القرآن) (ص337): (السراط: الطريق المستسهل. أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته). </p><p>المبحث الثاني: صفة الصراط</p><p>وردت في السنة أحاديث صحيحة في صفة الصراط, ووصفته وصفاً جلياً فينبغي على المسلم أن يعرف هذه الصفات ويستشعرها في فؤاده حتى ينجو من عذاب الجبار سبحانه وتعالى وذلك بالوقوف عند أوامره, واجتناب سخطه وغضبه، وهذه الصفات هي: </p><p>1- الصراط زلق: وذلك من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قلنا ما الجسر يا رسول الله قال: ((مدحضة مزلة)) .</p><p>قال أبو إسحاق الحربي: الجِسَر والجِسر: ما عبر عليه من قنطرة ونحوها. </p><p>(غريب الحديث لأبي إسحاق إبراهيم الحربي 1/3 باب جسر). </p><p>وقال العيني: (مدحضة من دحضت رجله دحضاً زلقت، ودحضت الشمس عند كبد السماء: زالت، ودحضت حجته بطلت. </p><p>مزلة: من زلت الأقدام سقطت، وقال الكرماني: بكسر الزاي وفتحها , قال ابن الجوزي، دحض: زلق ، وقال الفيومي: دحض الرجل: زلق ).</p><p>2- وله جنبتان أو حافتان: كما في حديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)) .</p><p>قال ابن الأثير في (النهاية)(4/24): (قوله: ((فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)) أي تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض. وتقادع القوم: إذا مات بعضهم إثر بعض). اهـ. </p><p>3- ولحافتي الصراط كلاليب: وذلك من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((و في حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به)) </p><p>ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((قلنا يا رسول الله ما الجسر؟ قال: مدخضة مزلة, عليه خطاطيف, وكلاليب, وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان)) </p><p>ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أن لا يعلم قدر عظمها إلا الله)) .</p><p>قال العيني في (عمدة القاري)(20/316): (كلاليب جمع كلوب بفتح الكاف وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. وقيل: الكلوب الذي يتناول به الحداد الحديد من النار. كذا في كتاب ابن بطال). اهـ. </p><p>وقال أيضاً رحمه الله: (خطاطيف: جمع خطاف بالضم وهو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء. </p><p>وقوله: حسكة: بفتحات وهي شوكة صلبة معروفة وقال صاحب التهذيب. الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم, وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب. </p><p>مفلطحة: أي عريضة. </p><p>عقيفاء: معوجة ) .</p><p>وقوله شوك السعدان: قال الحافظ: (جمع سعدانة وهو نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه قالوا: مرعى ولا كالسعدان. وقوله: أما رأيتم شوك السعدان: هو استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة) .</p><p>قال الزين بن المنير: (تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون تمثيلاً لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة.) اهـ. ذكره الحافظ في (الفتح)(11/453). </p><p>وقوله: (لا يعلم قدر عظمها إلا الله) في رواية مسلم: (لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله). </p><p>قال الجوهري، عظم الشيء عظماً: أي كبر فتقديره لا يعلم قدر كبرها إلا الله وعظم الشيء أكثره .</p><p>4- والصراط مثل حد الموسى أو حد السيف: قلت: كما في حديث سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: </p><p>((ويوضح الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي: فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)) </p><p>وحديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والصراط كحد السيف، دحض مزلة)) . </p><p>المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط</p><p>ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)) . وقد بيّن السفاريني رحمه الله تعالى: – موقف الفرق من الصراط، وهل هو صراط مجازي أم حقيقي؟ ثم قرر مذهب أهل الحق الذي دلت عليه النصوص فيه، فقال: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسراً ممدوداً على متن جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعماً منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد: 5]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات:23]، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة التي يسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب صلى الله عليه وسلم عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك. وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في (الصحيحين) و(المسانيد) و(السنن الصحاح) مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون. وذكر القرطبي مذهب القائلين بمجازية الصراط، المأوّلين للنصوص المصرحة به، فقال: ذهب بعض من تكلم على أحاديث وصف الصراط بأنه أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى: لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيق، فضرب المثل بدقة الشعر، فهذا من هذا الباب، ومعنى قوله: أحدّ من السيف أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى: إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعاً منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحده وقوة ضاربه في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد، وإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه، وأن فيه كلاليب وحسكاً، أي أن من يمر عليه يقطع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم، وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه، وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن دقة الشعر لا يحتمل هذا كله. ثم رد عليهم مقالتهم، فقال: ما ذكره هذا القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك، وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن، فيجريه أو يمشيه، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة، ولا استحالة في ذلك للآثار المروية في ذلك، وبيانها بنقل الأئمة العدول، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور . </p><p>المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين</p><p>عندما يذهب بالكفرة الملحدين، والمشركين الضالين إلى دار البوار: جهنم يصلونها، وبئس القرار، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر كما في الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عائشة قالت: ((سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)) . يقول شارح (الطحاوية): وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. روى البيهقي بسنده عن مسروق، عن عبدالله، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره في إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفأ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، ويقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك، لقد أعطانا ما لم يعط أحد . وقد حدثنا تبارك وتعالى عن مشهد مرور المؤمنين على الصراط، فقال: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 12-15]. فالحق يخبر أن المؤمنين والمؤمنات الذين استناروا بهذا الدين العظيم في الدنيا، وعاشوا في ضوئه، يعطون في يوم القيامة نوراً يكشف لهم الطريق الموصلة إلى جنات النعيم، ويجنبهم العثرات والمزالق في طريق دحض مزلة، وهناك يبشرون بجنات النعيم، ويحرم المنافقون الذين كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين، وأنهم منهم، لكنهم في الحقيقة مفارقون لهم لا يهتدون بهداهم، ولا يسلكون سبيلهم من النور، كما حرموا أنفسهم في الدنيا من نور القرآن العظيم، فيطلب المنافقون من أهل الإيمان أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم، وهناك يخدعون، كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وبذلك يعود المنافقون إلى الوراء، ويتقدم المؤمنون إلى الأمام، فإذا تمايز الفريقان، ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويكون مصير المؤمنين والمؤمنات الجنة، ومصير المنافقين والمنافقات النار. وقد أخبر الحق أن دعاء المؤمنين عندما يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم هو {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم:8]، قال تعالى: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طُفئ. </p><p>ويتفاوت الناس في المرور على الصراط تفاوتاً عظيماً وذلك لأن المرور عليه إنما يكون بقدر الأعمال الصالحة التي قدمها المرء المسلم لربه في الحياة الدنيا، ويمكن أن نلخص كيفية المرور بما يلي: </p><p>1- يعطي الله كل إنسان نوراً على قدر عمله يتبعه على الصراط: </p><p>كما في حديث جابر عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله)).</p><p>وكما في حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطي نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة, ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه, وإذا أطفئ قام)) </p><p>2- انطفاء نور المنافقين: في هذا الموقف الرهيب حيث تجد أن الذعر والخوف قد استحوذ على الناس، كلهم يريد النجاة بحشاشة نفسه من الكلاليب, والخطاطيف, فإذا نور المنافقين يطفأ كما في حديث جابر عند مسلم ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله, ثم يطفأ نور المنافقين. ثم ينجو المؤمنون)).</p><p>3- اختلاف سرعة الناس في المرور على الصراط: تختلف سرعة الناس في المرور على الصراط وذلك باختلاف قوة النور الذي يعطى لهم على قدر أعمالهم كما بينا في الفقرة السابقة، ويدل عليه حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف، دحض مزلة, فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كالطرف, ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً, فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخرُّ يد، وتعلق يد, وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون, فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) .</p><p>قلت: وفي رواية أخرى عن ابن مسعود تبين أن الناس يردون النار كلهم ثم يخرجون منها بأعمالهم مع اختلاف في سرعتهم, كما قال السدي: ((سألت مرة الهمداني عن قول الله عز وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [ مريم: 71].</p><p>فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمع البرق, ثم كمر الريح, ثم كحضر الفرس, ثم كالراكب, ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم)) .</p><p>وكذلك في رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بعد أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم صفة الصراط, وذكر الشوكة العقيفاء، قال: ((المؤمن عليها كالطرف, وكالبرق, وكالريح, وكأجاويد الخيل, والركاب)) .</p><p>شرح الألفاظ: قال العيني: (كالطرف): بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر)). </p><p>قلت: المعنى الثاني هو المراد بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعد ذلك البرق, والريح, ومرور الخيل على الترتيب في السرعة. </p><p>أجاويد الخيل: جمع الأجود وهو جمع الجواد وهو فرس بيَّنٌ الجودة. </p><p>(الركاب: الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها). (عمدة القاري)(20/320). </p><p>قلت: وهناك من يزحف على الصراط زحفاً كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً)) .</p><p>أما آخر الناس مروراً على الصراط فهو المسحوب كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حتى يمر آخرهم يسحب سحباً)) .</p><p>أثر ابن مسعود: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (يأمر الله تبارك وتعالى بالصراط فيضرب على جهنم قال: فيمر الناس زمراً على قدر أعمالهم، أوائلهم كلمح البرق (الخاطف), ثم كمر الريح، ثم كمر الطائر، ثم كأسرع البهائم, ثم كذلك ثم يمر الرجل سعياً، ثم يمر الرجل ماشياً، ثم يكون آخرهم رجلاً يتلبط على بطنه يقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: إنما أبطأ بك عملك!) . قلت: هذا الأثر له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي فهو من الأمور الغيبية.</p><p>الأمانة والرحم على الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر ذهاب الناس إلى آدم, ثم إبراهيم, ثم موسى, ثم عيسى, ثم محمد، قال صلى الله عليه وسلم: ((وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً)) </p><p>قلت: وذلك يدل على عظم شأنهما والظاهر والراجح أنهما تقومان كشيئين، ولا يعلم حقيقتهما إلا الله عز وجل. </p><p>قال الحافظ : (والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان هناك للأمين والخائن, والمواصل والقاطع, فيحاجان عن المحق, ويشهدان على المبطل). اهـ.</p><p>قال الطيبي : (ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [ الأحزاب: 72]. (2) وصلة الرحم ما في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [ النساء: 1]. فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وفطرتي الإيمان والدين القويم). اهـ.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35232, member: 329"] روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة قال قتادة: بلى وعزة ربنا)) . ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم فإنهم يحشرون عمياً لا يرون، وبكماً لا يتكلمون، وصماً لا يسمعون {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97 ]. 3- ويزيد بلاءهم أنهم يحشرون مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم وأتباعهم {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22-23]. 4- وهم في هذا مغلوبون مقهورون أذلاء صاغرون {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12]. 5- وقبل أن يصلوا إلى النار تصك مسامعهم أصواتها التي تملأ قلوبهم رعباً وهلعاً {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان: 12]. 6- وعندما يبلغون النار ويعاينون أهوالها يندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27]، ولكنهم لا يجدون من النار مفراً: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53]. 7- وعند ذلك يؤمرون بالدخول في النار وغضب الجبار أذلاء خاسرين {فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29 ]، ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 68-72 ]. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: في تفسير هذه الآيات: يقسم الله بنفسه وهو أعظم قسم وأجله أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: 68]، ولن يكونوا وحدهم {لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [مريم: 68] فهم والشياطين سواء، والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار، وبينهما صلة التابع والمتبوع، والقائد والمقود, وهنا يرسم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم: 68]، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69]، وفي اللفظ تشديد، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع، تتبعها صورة القذف في النار، وهي الحركة التي يكملها الخيال. وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافاً من هذه الجموع التي لا تحصى، والتي أحصاها الله فرداً فرداً: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم:70]، فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين. وقد غيرت هذه الآية: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات، فقد ذكر ابن كثير أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها. وقال عبدالله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله، وقال ابن عباس لرجل يحاوره: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ . الفصل الرابع عشر: الصراط المبحث الأول: تعريف الصراط قال ابن منظور في (اللسان) (2/430): (الصراط, والسراط, والزراط, الطريق، قال الشاعر: أكر على الحروريين مهرى واحملهم على وضح الصراط) وقال الزبيدي في (تاج العروس) (19/345): (السراط بالكسر: السبيل الواضح، وبه فسر قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. أي ثبتنا على المنهاج الواضح كما قاله الأزهري). وقال الفيروز أبادي في (ترتيب القاموس المحيط) (2/814): (الصراط بالكسر: الطريق، وجسر ممدود على متن جهنم. وبالضم السيف الطويل). وقال يحيى بن سلام في (التصاريف) رقم (104/330): (الصراط على وجهين: 1- الطريق، وذلك في قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} [ الأعراف: 86]. يعني بكل طريق. 2- الدين وذلك في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [ الفاتحة: 6] يعني الدين المستقيم. وقال في {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [ الأنعام: 153]: يعني ديناً مستقيماً). وقال القرطبي: (في (الجامع لأحكام القرآن) (1 /147) أصل الصراط في كلام العرب الطريق. قال عامر بن الطفيل: شحنَّا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط) وقرئ السراط من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه. وقال الراغب في (المفردات في غريب القرآن) (ص337): (السراط: الطريق المستسهل. أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته). المبحث الثاني: صفة الصراط وردت في السنة أحاديث صحيحة في صفة الصراط, ووصفته وصفاً جلياً فينبغي على المسلم أن يعرف هذه الصفات ويستشعرها في فؤاده حتى ينجو من عذاب الجبار سبحانه وتعالى وذلك بالوقوف عند أوامره, واجتناب سخطه وغضبه، وهذه الصفات هي: 1- الصراط زلق: وذلك من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قلنا ما الجسر يا رسول الله قال: ((مدحضة مزلة)) . قال أبو إسحاق الحربي: الجِسَر والجِسر: ما عبر عليه من قنطرة ونحوها. (غريب الحديث لأبي إسحاق إبراهيم الحربي 1/3 باب جسر). وقال العيني: (مدحضة من دحضت رجله دحضاً زلقت، ودحضت الشمس عند كبد السماء: زالت، ودحضت حجته بطلت. مزلة: من زلت الأقدام سقطت، وقال الكرماني: بكسر الزاي وفتحها , قال ابن الجوزي، دحض: زلق ، وقال الفيومي: دحض الرجل: زلق ). 2- وله جنبتان أو حافتان: كما في حديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)) . قال ابن الأثير في (النهاية)(4/24): (قوله: ((فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار)) أي تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض. وتقادع القوم: إذا مات بعضهم إثر بعض). اهـ. 3- ولحافتي الصراط كلاليب: وذلك من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((و في حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به)) ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((قلنا يا رسول الله ما الجسر؟ قال: مدخضة مزلة, عليه خطاطيف, وكلاليب, وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان)) ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أن لا يعلم قدر عظمها إلا الله)) . قال العيني في (عمدة القاري)(20/316): (كلاليب جمع كلوب بفتح الكاف وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. وقيل: الكلوب الذي يتناول به الحداد الحديد من النار. كذا في كتاب ابن بطال). اهـ. وقال أيضاً رحمه الله: (خطاطيف: جمع خطاف بالضم وهو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء. وقوله: حسكة: بفتحات وهي شوكة صلبة معروفة وقال صاحب التهذيب. الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم, وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب. مفلطحة: أي عريضة. عقيفاء: معوجة ) . وقوله شوك السعدان: قال الحافظ: (جمع سعدانة وهو نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه قالوا: مرعى ولا كالسعدان. وقوله: أما رأيتم شوك السعدان: هو استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة) . قال الزين بن المنير: (تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون تمثيلاً لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة.) اهـ. ذكره الحافظ في (الفتح)(11/453). وقوله: (لا يعلم قدر عظمها إلا الله) في رواية مسلم: (لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله). قال الجوهري، عظم الشيء عظماً: أي كبر فتقديره لا يعلم قدر كبرها إلا الله وعظم الشيء أكثره . 4- والصراط مثل حد الموسى أو حد السيف: قلت: كما في حديث سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويوضح الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي: فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)) وحديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والصراط كحد السيف، دحض مزلة)) . المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)) . وقد بيّن السفاريني رحمه الله تعالى: – موقف الفرق من الصراط، وهل هو صراط مجازي أم حقيقي؟ ثم قرر مذهب أهل الحق الذي دلت عليه النصوص فيه، فقال: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسراً ممدوداً على متن جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعماً منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد: 5]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات:23]، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة التي يسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب صلى الله عليه وسلم عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك. وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في (الصحيحين) و(المسانيد) و(السنن الصحاح) مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون. وذكر القرطبي مذهب القائلين بمجازية الصراط، المأوّلين للنصوص المصرحة به، فقال: ذهب بعض من تكلم على أحاديث وصف الصراط بأنه أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى: لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيق، فضرب المثل بدقة الشعر، فهذا من هذا الباب، ومعنى قوله: أحدّ من السيف أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى: إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعاً منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحده وقوة ضاربه في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد، وإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه، وأن فيه كلاليب وحسكاً، أي أن من يمر عليه يقطع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم، وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه، وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن دقة الشعر لا يحتمل هذا كله. ثم رد عليهم مقالتهم، فقال: ما ذكره هذا القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك، وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن، فيجريه أو يمشيه، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة، ولا استحالة في ذلك للآثار المروية في ذلك، وبيانها بنقل الأئمة العدول، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور . المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين عندما يذهب بالكفرة الملحدين، والمشركين الضالين إلى دار البوار: جهنم يصلونها، وبئس القرار، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر كما في الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عائشة قالت: ((سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر)) . يقول شارح (الطحاوية): وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. روى البيهقي بسنده عن مسروق، عن عبدالله، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره في إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفأ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، ويقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك، لقد أعطانا ما لم يعط أحد . وقد حدثنا تبارك وتعالى عن مشهد مرور المؤمنين على الصراط، فقال: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 12-15]. فالحق يخبر أن المؤمنين والمؤمنات الذين استناروا بهذا الدين العظيم في الدنيا، وعاشوا في ضوئه، يعطون في يوم القيامة نوراً يكشف لهم الطريق الموصلة إلى جنات النعيم، ويجنبهم العثرات والمزالق في طريق دحض مزلة، وهناك يبشرون بجنات النعيم، ويحرم المنافقون الذين كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين، وأنهم منهم، لكنهم في الحقيقة مفارقون لهم لا يهتدون بهداهم، ولا يسلكون سبيلهم من النور، كما حرموا أنفسهم في الدنيا من نور القرآن العظيم، فيطلب المنافقون من أهل الإيمان أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم، وهناك يخدعون، كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وبذلك يعود المنافقون إلى الوراء، ويتقدم المؤمنون إلى الأمام، فإذا تمايز الفريقان، ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويكون مصير المؤمنين والمؤمنات الجنة، ومصير المنافقين والمنافقات النار. وقد أخبر الحق أن دعاء المؤمنين عندما يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم هو {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم:8]، قال تعالى: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طُفئ. ويتفاوت الناس في المرور على الصراط تفاوتاً عظيماً وذلك لأن المرور عليه إنما يكون بقدر الأعمال الصالحة التي قدمها المرء المسلم لربه في الحياة الدنيا، ويمكن أن نلخص كيفية المرور بما يلي: 1- يعطي الله كل إنسان نوراً على قدر عمله يتبعه على الصراط: كما في حديث جابر عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله)). وكما في حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطي نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة, ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه, وإذا أطفئ قام)) 2- انطفاء نور المنافقين: في هذا الموقف الرهيب حيث تجد أن الذعر والخوف قد استحوذ على الناس، كلهم يريد النجاة بحشاشة نفسه من الكلاليب, والخطاطيف, فإذا نور المنافقين يطفأ كما في حديث جابر عند مسلم ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله, ثم يطفأ نور المنافقين. ثم ينجو المؤمنون)). 3- اختلاف سرعة الناس في المرور على الصراط: تختلف سرعة الناس في المرور على الصراط وذلك باختلاف قوة النور الذي يعطى لهم على قدر أعمالهم كما بينا في الفقرة السابقة، ويدل عليه حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف، دحض مزلة, فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كالطرف, ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً, فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخرُّ يد، وتعلق يد, وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون, فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) . قلت: وفي رواية أخرى عن ابن مسعود تبين أن الناس يردون النار كلهم ثم يخرجون منها بأعمالهم مع اختلاف في سرعتهم, كما قال السدي: ((سألت مرة الهمداني عن قول الله عز وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [ مريم: 71]. فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمع البرق, ثم كمر الريح, ثم كحضر الفرس, ثم كالراكب, ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم)) . وكذلك في رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بعد أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم صفة الصراط, وذكر الشوكة العقيفاء، قال: ((المؤمن عليها كالطرف, وكالبرق, وكالريح, وكأجاويد الخيل, والركاب)) . شرح الألفاظ: قال العيني: (كالطرف): بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر)). قلت: المعنى الثاني هو المراد بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعد ذلك البرق, والريح, ومرور الخيل على الترتيب في السرعة. أجاويد الخيل: جمع الأجود وهو جمع الجواد وهو فرس بيَّنٌ الجودة. (الركاب: الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها). (عمدة القاري)(20/320). قلت: وهناك من يزحف على الصراط زحفاً كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً)) . أما آخر الناس مروراً على الصراط فهو المسحوب كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حتى يمر آخرهم يسحب سحباً)) . أثر ابن مسعود: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (يأمر الله تبارك وتعالى بالصراط فيضرب على جهنم قال: فيمر الناس زمراً على قدر أعمالهم، أوائلهم كلمح البرق (الخاطف), ثم كمر الريح، ثم كمر الطائر، ثم كأسرع البهائم, ثم كذلك ثم يمر الرجل سعياً، ثم يمر الرجل ماشياً، ثم يكون آخرهم رجلاً يتلبط على بطنه يقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: إنما أبطأ بك عملك!) . قلت: هذا الأثر له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي فهو من الأمور الغيبية. الأمانة والرحم على الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر ذهاب الناس إلى آدم, ثم إبراهيم, ثم موسى, ثم عيسى, ثم محمد، قال صلى الله عليه وسلم: ((وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً)) قلت: وذلك يدل على عظم شأنهما والظاهر والراجح أنهما تقومان كشيئين، ولا يعلم حقيقتهما إلا الله عز وجل. قال الحافظ : (والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان هناك للأمين والخائن, والمواصل والقاطع, فيحاجان عن المحق, ويشهدان على المبطل). اهـ. قال الطيبي : (ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [ الأحزاب: 72]. (2) وصلة الرحم ما في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [ النساء: 1]. فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وفطرتي الإيمان والدين القويم). اهـ. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية