الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35233" data-attributes="member: 329"><p>المبحث الخامس: الذين يمرُّون على الصّراط هم المؤمنون دون المشركين</p><p>دلت الأحاديث التي سقناها على أن الأمم الكافرة تتبع ما كانت تعبد من آلهة باطلة، فتسير تلك الآلهة بالعابدين، حتى تهوي بهم في النار، ثم يبقى بعد ذلك المؤمنون وفيهم المنافقون، وعصاة المؤمنين، وهؤلاء هم الذين ينصب لهم الصراط. ولم أر في كتب أهل العلم من تنبه إلى ما قررناه من أن الصراط إنما يكون للمؤمنين دون غيرهم من الكفرة المشركين والملحدين غير ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، فإنه قال: في كتابه (التخويف من النار): واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون، فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط. وقد ساق بعض الأحاديث التي سقناها، ومنها حديث أبي سعيد الخدري الذي في (الصحيحين)، ثم قال: فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولاً، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى: في شأن فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98] وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يردون النار بعد ذلك. وقد ورد في حديث آخر أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقاً أو منافقاً من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم عن السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين. وهذا نظر سديد من قائله رحمه الله.</p><p>المبحث السادس: أول من يجيز الصراط</p><p>الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أمته أول من يجيز الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويضرب السراط بين ظهري جهنم, فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها)) . (وهذا لفظ البخاري).</p><p>وكذلك رواية أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الآذان من صحيح البخاري وفيها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)) .</p><p>قلت: ورواية أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم توضح مكان النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تمر أمته كلها – وهو على الصراط صلى الله عليه وسلم وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم فيها بعد أن ذكر صفات الذين يمرون على الصراط: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم)) .</p><p>وكذلك الأنبياء عليهم السلام كما في رواية أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والأنبياء بجنبتي الصراط وأكثر قولهم: اللهم سلم سلم)) . </p><p>المبحث السابع: الناجون والهالكون</p><p>بين الرسول صلى الله عليه وسلم مصير الناس بعد المرور على الصراط في أحاديث كثيرة، فقال في حديث رواه ابن أبي عاصم من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بعد أن ذكر كيف يمر الناس على الصراط: ((فناج مسلم, ومخدوش مكلم, ومكردس في النار)) .</p><p>وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري أيضاً عند ابن ماجة وغيره: ((فناج مسلم, ومخدوش به, ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها)) . و في رواية أبي سعيد عند البخاري قال صلى الله عليه وسلم: ((فناج مسلم, ومخدوش, ومكدوس في نار جهنم)) </p><p>قال ابن أبي جمرة معلقاً على حديث البخاري: (يؤخذ منه أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: 1- ناج بلا خدش. 2- وهالك من أول وهلة. 3- ومتوسط بينهما يصاب ثم ينجو. وكل قسم منها ينقسم أقساماً تعرف بقوله: (بقدر أعمالهم)) اهـ .</p><p>قلت: وهناك قسم رابع وهو المحتبس به كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم. والله أعلم. </p><p>أما الصنف الأول الذي ذكره ابن أبي جمرة وهو: </p><p>1- الناج بلا خدش: فقد ذكره صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة بلفظ (ناج مسلم) كما في الأحاديث السابقة، والناس من هذا الصنف هم الذين يعطون نوراً عظيماً على الصراط على قدر أعمالهم, فينطلقون عليه بسرعة عظيمة كما بيَّنا في فصل (كيف يمر الناس على الصراط)(ص19). </p><p>وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر صفتهم بقوله: ((ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء)) </p><p>والصنف الثاني وهو: 2- الهالك من أول وهلة: ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: ((مكردس في النار)) و((منكوس فيها)) و ((مكدوس في نار جهنم)) وقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري: ((الموبق بقي بعمله)) .</p><p>والناس في هذا الصنف هم المنافقون الذين يعطيهم الله تعالى نوراً فينطلقون على الصراط ثم يطفأ نورهم فيسقطون في النار والعياذ بالله ... </p><p>وكذلك العصاة والفسقة من الموحدين والله أعلم. </p><p>وقوله: ((منكوس فيها)) قال الراغب في كتابه (المفردات في غريب القرآن) (ص505): (النكس قلب الشيء على رأسه). اهـ وقال الفيومي في (المصباح)(ص 625): (ومنه قيل ولد (منكوس) إذا خرج رجلاه قبل رأسه لأنه مخالف للعادة). اهـ. </p><p>قلت: مما سبق يتبين لنا أن قوله صلى الله عليه وسلم<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />(منكوس فيها)). أي مقلوب فيها على رأسه والله أعلم. وقوله<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />(مكدوس في نار جهنم)). قال ابن الأثير في (النهاية) (4/155): (أي مدفوع، وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو السوق الشديد. اهـ. وقوله: (الموبق بقي بعمله) قال العيني: الموبق: من وبق: أي هلك، أوبقته ذنوبه: أهلكته). اهـ .</p><p>قلت: كما في حديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) أي المهلكات.</p><p>أما الصنف الثالث وهو: 3- المتوسط بينهما يصاب ثم ينجو: فقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: ((مخدوش مكلم)) و ((مخدوج به)) وكقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري ((ومنهم المخردل ثم ينجو)) . وقوله في رواية أبي هريرة عند مسلم: ((ومنهم المجازى حتى يُنجَّى)) .</p><p>والناس من هذا الصنف هم الذين اجترحوا السيئات واكتسبوا الخطايا، فتخطفهم الكلاليب, فتجرح أجسادهم, ثم ينجون بفضل رحمة الله ثم بما قدموه من طاعات في الحياة الدنيا، والله أعلم. </p><p>وقوله: ((مخدوش مكلم)) قال ابن الأثير في (النهاية) (2/14): (خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه). اهـ. وقال الكرماني: (مخدوش: أي مخموش ممزوق. وهو من الخمش وهو تمزيق الوجه بالأظافير) . وقوله ((مكلم)) من الكلم وهو الجرح. وقوله ((مخدوج به)) من الخداج وهو النقصان كما قال ابن الأثير في (النهاية) (2/12). قلت: والمعنى أن كلاليب الصراط تجرحه فتنقص من جسده، والله أعلم.</p><p>وقوله: ((ومنهم المخردل ثم ينجو)) قال ابن الأثير في (النهاية)(3/20): (هو المرمي المصروع، وقيل: المقطع، تقطعه كلاليب الصراط، يقال: خردلت اللحم: أي فصلت أعضاءه وقطعته ومنها قصيدة كعب بن زهير: </p><p></p><p> يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما </p><p>لحم من القوم معفور خراديل </p><p></p><p> أي مقطع قطعاً). اهـ. </p><p>قلت: والمعنى الثاني أنسب لسياق الخبر، والله أعلم. وقوله: ((المجازي حتى ينجى)) المجازى: من الجزاء. والمعنى والله أعلم أن ما يحدث له على الصراط من تقطيع وترويع عظيمين إنما هو جزاء له على أعماله الفاسدة, وعلى تقصيره في حق ربه في حياته الدنيا. </p><p>كلام الناجين بعد المرور على الصراط: بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم ماذا يقول الناجون بعد الانتهاء من المرور على الصراط ونجاتهم من السقوط في النار بقوله بعد أن ذكر مرور الناس على الصراط: ((فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك, لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) .</p><p>نسأل الله تعالى الرحمن الرحيم، أن نكون من الناجين في ذلك اليوم العظيم العصيب، فالنجاة في ذلك اليوم لا تكون إلا بفضل مشيئة الله تعالى ورحمته ثم بما قدمه المرء من أعمال صالحة في هذه الحياة الفانية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)) . </p><p>المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط</p><p>والمؤمنون يتفاضلون في المرور على الصراط، وهم في ذلك ثلاثة أصناف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ((فناج مسلم, وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم)) .</p><p> فهم في الجملة صنفان: </p><p>1- ناجون سالمون من السقوط في جهنم يجوزون الصراط. </p><p>2- مطروحون ساقطون في جهنم لا يتمون المرور على الصراط، فإذا عوقبوا على معاصيهم أخرجوا من النار إلى الجنة، وقد ورد إجمالهم في هذين الصنفين عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية إذ قال: ((فمنهم من يوبق بعمله, ومنهم من يخردل ثم ينجو)) .</p><p>ثم الناجون في الجملة صنفان: سالمون من خدش الكلاليب التي على الصراط, ومخدوشون قد نالت منهم الكلاليب شيئاً بحسب أعمالهم. </p><p>ثم الناجون متفاضلون في صفة مرورهم على الصراط, فمنهم من يمر عليه كالطرف، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل, حتى يمر آخرهم يسحب سحباً، أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .</p><p>وأفضل المارين على الصراط وأكملهم مروراً الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)) </p><p>وأفضل أتباع الأنبياء مروراً أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فهم أول من يجوز الصراط من الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: ((فأكون أول من يجوز من الرسل بأمتي)) .</p><p>وقد سئل صلى الله عليه وسلم: ((من أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين)) وهذه فضيلة لفقراء المهاجرين. </p><p>المبحث التاسع: القنطرة</p><p>تمهيد</p><p>هذه القنطرة ثبتت في السنة النبوية، وهي خاصة لمسلك المؤمنين إلى الجنة، حيث يقفون عليها ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا؛ أذن لهم بدخول الجنة ,كما ورد بذلك الحديث، وهي أشبه ماتكون بتصفية الذهب لجعله نقيا خالصا من كل شائبة مهما دقت. </p><p>وقد اختلف العلماء فيها: هل هي صراط مستقل وله ميزات خاصة به؟ أم إنها من تتمة الصراط العظيم المنصوب على متن جهنم؟... والخلاف المشار إليه إنما هو في موضعها لا في ثبوتها، فهي ثابتة لا شك فيه، كما يتضح من أدلتها الآتية.</p><p>المطلب الأول: أدلة إثبات القنطرة</p><p>حديث القنطرة: وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضه من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة, فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة بمنزله كان في الدنيا)) .</p><p>قلت: وعند البخاري في (المظالم)(5/96): ((إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار)). قال الحافظ: ((واختلف في القنطرة المذكورة فقيل: هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل أنهما صراطان وبهذا الثاني جزم القرطبي)) اهـ . قلت: و في كتاب (المظالم) رجح الحافظ الأول فقال<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة). اهـ . قلت: ذكر القرطبي أن الصراط صراطان في كتابه التذكرة فقال<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب, أو من يلتقطه عنق النار فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط آخر خاص لهم ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه, وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه). اهـ .</p><p>(3) قلت: وذكر العيني نحو ذلك فقال عند ذكر القنطرة: (قيل هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والذي على متن جهنم المشهور بالصراط. واجب بأنه لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد فتأويله أن هذه القنطرة من تتمة الأول) اهـ .</p><p>قلت: الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصراط واحد, ولم يذكر صلى الله عليه وسلم أن الصراط صراطان (مجاز أو خاص) كما ذكر القرطبي رحمه الله. </p><p>والذي يقتضي الدليل رجحانه أن القنطرة جسر بين الجنة والنار لا علاقة له بالصراط كما هو ظاهر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وظاهره يدل أيضاً على أن المؤمنين خلصوا أي فرغوا وانتهوا من المرور على الصراط كما قال الحافظ: (قوله: ((إذا خلص المؤمنون من النار)): أي نجوا من السقوط فيها بعد ما جازوا على الصراط) اهـ .</p><p>وكما قال القرطبي رحمه الله: (معنى يخلص المؤمنون من النار أن يخلصوا من الصراط المضروب على النار) . قلت: ويشهد لذلك حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم والذي يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم مرور الناس على الصراط حتى قال فيه: ((حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد، وتعلق يد وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) .</p><p>قلت: فهذا الحديث نص صريح في أن معنى خلصوا هو انتهاء الناس من المرور على الصراط، وبذلك نعلم أن القنطرة ليست تتمة للصراط، والعلم عند الله تعالى. </p><p>المطلب الثاني: موضع تلك القنطرة</p><p>أما موضع تلك القنطرة؛ فقد اختلف العلماء كما أشرنا سابقا – في موضعها، وحاصل الخلاف يرجع إلى أمرين: -</p><p>الأمر الأول: أن تلك القنطرة هي جزء من الصراط وتتمة له. </p><p>الأمر الثاني: أنها صراط مستقل بين الصراط الأول و الجنة، خاصة بمن كتبت لهم السعادة. </p><p>وبعض العلماء لم يترجح لديه أحد الأمرين. </p><p>قال ابن حجر: واختلف في القنطرة المذكورة، فقيل: هي من تتمة الصراط، وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل: إنهما صراطان. </p><p> وذهب القرطبي إلى القول بأن القنطرة ليست من الصراط الأول العظيم المنصوب على متن جهنم، وإنما هي صراط ثان وقد بوب على هذا بقوله: باب: ذكر الصراط الثاني، وهو القنطرة التي بين الجنة والنار، وذكر أن المؤمنين إذا خلصوا من صراط جهنم حبسوا على صراط آخر خاص لهم. قال: ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد _ إن شاء الله _ لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه.(1)</p><p>ونقل القرطبي – عن مقاتل أيضا – ما يفيد أنه يرى أن القنطرة صراط آخر, وذلك في قوله: قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم؛ حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا و طيبوا؛ قال لهم رضوان و أصحابه: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الزمر: 73] بمعني التحية {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]. (2)</p><p>و ينقل السفاريني عن السيوطي ترجيحه لكون القنطرة طرف من الصراط الذي يلي الجنة؛ أي أنه يرى أنها جزء من الصراط وتتمة له؛ حسب نقل السفاريني الآتي: قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه (البدور السافرة في علوم الآخرة): و الأول – يعني أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة – هو المختار الذي دلت عليه أحاديث القناطر والحساب على الصراط.(3)</p><p>أما الإمام ابن كثير فإنه يجعلها بعد نهاية النار, وكأنه يجعلها صراطا مستقلا منصوبا على هول لانعلمه، فهو بعد ذكر كلام القرطبي ورأيه في هذه القنطرة من إنها صراط ثان؛ قال معلقا عليه: قلت: هذه بعد مجاوزة النار فقد تكون القنطرة منصوبة على هول آخر, مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن, وهو أعلم. (4)</p><p>فهو لم يترجح لديه – حسبما يظهر من كلامه – هل هي صراط آخر أو هي متصلة بالصراط العظيم الذي هو على متن جهنم ؟</p><p>وكذلك ابن حجر، فإنه لم يرجح أيا من القولين حيث قال: والذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، و يحتمل أن يكون من غيره بين الصراط والجنة.(5)</p><p>الفصل الخامس عشر: الورود</p><p>المبحث الأول: لفظة الورود في القرآن الكريم</p><p>قال الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71 - 72]. </p><p>وقد جاءت لفظة الورود في القرآن الكريم _ مرادا به الدخول في النار _ في ستة مواضع، في قوله تعالى في الآيات الآتية: </p><p>1- {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ]. </p><p>2- {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [ هود: 98 ]</p><p>3- {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}[ هود: 98 ]. </p><p>4 - {لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوها} [ الأنبياء: 99]</p><p>5- {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا}[ مريم: 86 ]</p><p>6- {حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [ الأنبياء: 98 ]</p><p>وكان ابن عباس يستند إلى هذه الآيات في تفسيره للورود بالدخول في النار فهل الورود المذكور في الآيات يراد به الدخول في النار؟ أو مجرد المرور من غير إحساس بها؟ الواقع أن هذه المسألة هي من المسائل التي فيها خلاف بين العلماء في زمن الصحابة ومن بعدهم. </p><p>المبحث الثاني: أقوال العلماء في معني الورود</p><p>اختلف العلماء في المراد بهذا الورود إلى أقوال كثيرة، يمكن إيجازها فيما يلي: </p><p>1- الورود المذكور في الآية: يراد به الدخول في النار </p><p>2- يراد به المرور عليها؛ أي فوق الصراط </p><p>3- يراد به الدخول, ولكن عني به الكفار دون المؤمنين </p><p>4- أنه عام لكل مؤمن وكافر, غير أن ورود المؤمن المرور, وورود الكافر الدخول </p><p>5- ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض </p><p>6- أنه يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم </p><p>وتلك أشهر الأقوال. </p><p>وهناك أقوال أخرى ذكرها بعض أهل العلم منها: </p><p>7- القول بالتوقف في معنى الورود </p><p>8- ومنها القول بأن المراد بالورود هنا هو الإشراف و الاطلاع و القرب منها، حيث يكونون وهم في الموقف يشاهدون النار؛ فينجيهم الله مما شاهدوه. </p><p>ونبدأ الآن بذكر عزو تلك الأقوال إلى أهلها ثم الترجيح فيما يأتي: </p><p>أما الذين فسروه بالدخول, من السلف: فمنهم ابن عباس, وابن مسعود وعبد الله بن رواحه, وجابر بن عبد الله, وأبو ميسرة, وابن جريج, وخالد ابن معدان. </p><p>أما ابن عباس, فقد اشتهر رأيه هذا, في جوابه لنافع بن الأزرق في مساءلات نافع لابن عباس المشهورة، فقد جاء نافع يسأل ابن عباس عن معنى الآية فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [ الأنبياء: 98 ] أورود هو أم لا؟ وقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [ هود: 98 ]، أورود هو أم لا؟ أما أنا و أنت فسندخلها، فانظر هل تخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع. (1)</p><p>و في رواية أخرى لعطاء بن أبي رباح قال: قال أبو راشد الحروري – يعنى نافع بن الأزرق -: ذكروا هذا؛ فقال الحروري: {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [ الأنبياء: 102]، قال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله تعالى: {يقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [ هود: 98 ]، وقوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [ مريم: 86 ]، وقوله {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ]، والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما و أدخلني الجنة غانما. (2)</p><p>و الروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة وبطرق متعددة، يرى أن الورود المذكور في الآية يراد به الدخول لكل أحد؛ مسلما كان أم كافرا، وهو المشهور عنه. (3)</p><p>قال الجمل: و هذا هو تفسير ابن عباس الصحيح عند أهل السنة. (1)</p><p>وأما جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ فقد جاء عن أبي سمية أنه قال: اختلفنا هاهنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا؛ ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا ها هنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: ((صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الورود: الدخول)) لا يبقى بر و لا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار – أو قال لجهنم – ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين)) (2). و أخرج الطبري بسنده إلى خالد بن معدان قال: (قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة). </p><p>و أخرج كذلك عن غنيم بن قيس قال: (ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم ثم يناديهم مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فيخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية أبدانهم، قال: و قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به الدفعة فيصرع به في النار سبعمائة ألف). (4)</p><p>و أخرج عن أبي إسحاق، قال: (كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي فقيل: وما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها). (5)</p><p>و عن قيس بن أبي حازم قال: (بكى عبد الله بن رواحة في مرضه فبكيت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ابن رواحة: إني قد علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أنا أم لا؟)(6) </p><p>و قال أبو عمرو داود بن الزبرقان: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني عن أبي مسعود: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ]، قال: داخلها. (1)</p><p>و أخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه سئل عن قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}[ مريم: 71 ]، قال: وإن منكم إلا داخلها (2)</p><p> والروايات عن ابن مسعود كثيرة يفسر الورود في النار بالدخول فيها. (3)</p><p>ومما يدل على أن الورود المراد به الدخول: ما جاء عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطانه بحرس، لم ير النار بعينه، إلا تحلة القسم، فإن الله تعالى يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ])) (4)</p><p>وكذا ماجاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم)) يعنى الورود. (5)</p><p>هذا ما يتعلق بالرأي الأول وهو تفسير الورود بالدخول في النار، وهل ذلك يشمل الأنبياء والرسل وخاصة المؤمنين أو لا؟ سيأتي جوابه في مسألة خاصة به بعد عرض آراء العلماء في الورود. </p><p>2- أما الرأي الثاني وهو تفسير الورود بالمرور عليها: </p><p>فهو رأي قتادة وغيره من علماء السلف وفي هذا يقول الطبري: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: </p><p>{وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ] يعنى: جهنم، مر الناس عليها. وفي رواية أخرى عن معمر عن قتادة بما سبق. (6)</p><p>وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول عند حفصة: ((لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الله عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [ مريم: 72 ] )) .</p><p>قال النووي عن معنى الحديث ((لايدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة. .....)) إلخ.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35233, member: 329"] المبحث الخامس: الذين يمرُّون على الصّراط هم المؤمنون دون المشركين دلت الأحاديث التي سقناها على أن الأمم الكافرة تتبع ما كانت تعبد من آلهة باطلة، فتسير تلك الآلهة بالعابدين، حتى تهوي بهم في النار، ثم يبقى بعد ذلك المؤمنون وفيهم المنافقون، وعصاة المؤمنين، وهؤلاء هم الذين ينصب لهم الصراط. ولم أر في كتب أهل العلم من تنبه إلى ما قررناه من أن الصراط إنما يكون للمؤمنين دون غيرهم من الكفرة المشركين والملحدين غير ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، فإنه قال: في كتابه (التخويف من النار): واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون، فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط. وقد ساق بعض الأحاديث التي سقناها، ومنها حديث أبي سعيد الخدري الذي في (الصحيحين)، ثم قال: فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولاً، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى: في شأن فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98] وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يردون النار بعد ذلك. وقد ورد في حديث آخر أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقاً أو منافقاً من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم عن السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين. وهذا نظر سديد من قائله رحمه الله. المبحث السادس: أول من يجيز الصراط الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أمته أول من يجيز الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويضرب السراط بين ظهري جهنم, فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها)) . (وهذا لفظ البخاري). وكذلك رواية أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الآذان من صحيح البخاري وفيها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)) . قلت: ورواية أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم توضح مكان النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تمر أمته كلها – وهو على الصراط صلى الله عليه وسلم وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم فيها بعد أن ذكر صفات الذين يمرون على الصراط: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم)) . وكذلك الأنبياء عليهم السلام كما في رواية أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والأنبياء بجنبتي الصراط وأكثر قولهم: اللهم سلم سلم)) . المبحث السابع: الناجون والهالكون بين الرسول صلى الله عليه وسلم مصير الناس بعد المرور على الصراط في أحاديث كثيرة، فقال في حديث رواه ابن أبي عاصم من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بعد أن ذكر كيف يمر الناس على الصراط: ((فناج مسلم, ومخدوش مكلم, ومكردس في النار)) . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري أيضاً عند ابن ماجة وغيره: ((فناج مسلم, ومخدوش به, ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها)) . و في رواية أبي سعيد عند البخاري قال صلى الله عليه وسلم: ((فناج مسلم, ومخدوش, ومكدوس في نار جهنم)) قال ابن أبي جمرة معلقاً على حديث البخاري: (يؤخذ منه أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: 1- ناج بلا خدش. 2- وهالك من أول وهلة. 3- ومتوسط بينهما يصاب ثم ينجو. وكل قسم منها ينقسم أقساماً تعرف بقوله: (بقدر أعمالهم)) اهـ . قلت: وهناك قسم رابع وهو المحتبس به كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم. والله أعلم. أما الصنف الأول الذي ذكره ابن أبي جمرة وهو: 1- الناج بلا خدش: فقد ذكره صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة بلفظ (ناج مسلم) كما في الأحاديث السابقة، والناس من هذا الصنف هم الذين يعطون نوراً عظيماً على الصراط على قدر أعمالهم, فينطلقون عليه بسرعة عظيمة كما بيَّنا في فصل (كيف يمر الناس على الصراط)(ص19). وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر صفتهم بقوله: ((ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء)) والصنف الثاني وهو: 2- الهالك من أول وهلة: ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: ((مكردس في النار)) و((منكوس فيها)) و ((مكدوس في نار جهنم)) وقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري: ((الموبق بقي بعمله)) . والناس في هذا الصنف هم المنافقون الذين يعطيهم الله تعالى نوراً فينطلقون على الصراط ثم يطفأ نورهم فيسقطون في النار والعياذ بالله ... وكذلك العصاة والفسقة من الموحدين والله أعلم. وقوله: ((منكوس فيها)) قال الراغب في كتابه (المفردات في غريب القرآن) (ص505): (النكس قلب الشيء على رأسه). اهـ وقال الفيومي في (المصباح)(ص 625): (ومنه قيل ولد (منكوس) إذا خرج رجلاه قبل رأسه لأنه مخالف للعادة). اهـ. قلت: مما سبق يتبين لنا أن قوله صلى الله عليه وسلم:((منكوس فيها)). أي مقلوب فيها على رأسه والله أعلم. وقوله:((مكدوس في نار جهنم)). قال ابن الأثير في (النهاية) (4/155): (أي مدفوع، وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو السوق الشديد. اهـ. وقوله: (الموبق بقي بعمله) قال العيني: الموبق: من وبق: أي هلك، أوبقته ذنوبه: أهلكته). اهـ . قلت: كما في حديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) أي المهلكات. أما الصنف الثالث وهو: 3- المتوسط بينهما يصاب ثم ينجو: فقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: ((مخدوش مكلم)) و ((مخدوج به)) وكقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري ((ومنهم المخردل ثم ينجو)) . وقوله في رواية أبي هريرة عند مسلم: ((ومنهم المجازى حتى يُنجَّى)) . والناس من هذا الصنف هم الذين اجترحوا السيئات واكتسبوا الخطايا، فتخطفهم الكلاليب, فتجرح أجسادهم, ثم ينجون بفضل رحمة الله ثم بما قدموه من طاعات في الحياة الدنيا، والله أعلم. وقوله: ((مخدوش مكلم)) قال ابن الأثير في (النهاية) (2/14): (خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه). اهـ. وقال الكرماني: (مخدوش: أي مخموش ممزوق. وهو من الخمش وهو تمزيق الوجه بالأظافير) . وقوله ((مكلم)) من الكلم وهو الجرح. وقوله ((مخدوج به)) من الخداج وهو النقصان كما قال ابن الأثير في (النهاية) (2/12). قلت: والمعنى أن كلاليب الصراط تجرحه فتنقص من جسده، والله أعلم. وقوله: ((ومنهم المخردل ثم ينجو)) قال ابن الأثير في (النهاية)(3/20): (هو المرمي المصروع، وقيل: المقطع، تقطعه كلاليب الصراط، يقال: خردلت اللحم: أي فصلت أعضاءه وقطعته ومنها قصيدة كعب بن زهير: يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما لحم من القوم معفور خراديل أي مقطع قطعاً). اهـ. قلت: والمعنى الثاني أنسب لسياق الخبر، والله أعلم. وقوله: ((المجازي حتى ينجى)) المجازى: من الجزاء. والمعنى والله أعلم أن ما يحدث له على الصراط من تقطيع وترويع عظيمين إنما هو جزاء له على أعماله الفاسدة, وعلى تقصيره في حق ربه في حياته الدنيا. كلام الناجين بعد المرور على الصراط: بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم ماذا يقول الناجون بعد الانتهاء من المرور على الصراط ونجاتهم من السقوط في النار بقوله بعد أن ذكر مرور الناس على الصراط: ((فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك, لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) . نسأل الله تعالى الرحمن الرحيم، أن نكون من الناجين في ذلك اليوم العظيم العصيب، فالنجاة في ذلك اليوم لا تكون إلا بفضل مشيئة الله تعالى ورحمته ثم بما قدمه المرء من أعمال صالحة في هذه الحياة الفانية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)) . المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط والمؤمنون يتفاضلون في المرور على الصراط، وهم في ذلك ثلاثة أصناف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ((فناج مسلم, وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم)) . فهم في الجملة صنفان: 1- ناجون سالمون من السقوط في جهنم يجوزون الصراط. 2- مطروحون ساقطون في جهنم لا يتمون المرور على الصراط، فإذا عوقبوا على معاصيهم أخرجوا من النار إلى الجنة، وقد ورد إجمالهم في هذين الصنفين عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية إذ قال: ((فمنهم من يوبق بعمله, ومنهم من يخردل ثم ينجو)) . ثم الناجون في الجملة صنفان: سالمون من خدش الكلاليب التي على الصراط, ومخدوشون قد نالت منهم الكلاليب شيئاً بحسب أعمالهم. ثم الناجون متفاضلون في صفة مرورهم على الصراط, فمنهم من يمر عليه كالطرف، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل, حتى يمر آخرهم يسحب سحباً، أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم . وأفضل المارين على الصراط وأكملهم مروراً الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)) وأفضل أتباع الأنبياء مروراً أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فهم أول من يجوز الصراط من الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: ((فأكون أول من يجوز من الرسل بأمتي)) . وقد سئل صلى الله عليه وسلم: ((من أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين)) وهذه فضيلة لفقراء المهاجرين. المبحث التاسع: القنطرة تمهيد هذه القنطرة ثبتت في السنة النبوية، وهي خاصة لمسلك المؤمنين إلى الجنة، حيث يقفون عليها ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا؛ أذن لهم بدخول الجنة ,كما ورد بذلك الحديث، وهي أشبه ماتكون بتصفية الذهب لجعله نقيا خالصا من كل شائبة مهما دقت. وقد اختلف العلماء فيها: هل هي صراط مستقل وله ميزات خاصة به؟ أم إنها من تتمة الصراط العظيم المنصوب على متن جهنم؟... والخلاف المشار إليه إنما هو في موضعها لا في ثبوتها، فهي ثابتة لا شك فيه، كما يتضح من أدلتها الآتية. المطلب الأول: أدلة إثبات القنطرة حديث القنطرة: وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضه من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة, فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة بمنزله كان في الدنيا)) . قلت: وعند البخاري في (المظالم)(5/96): ((إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار)). قال الحافظ: ((واختلف في القنطرة المذكورة فقيل: هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل أنهما صراطان وبهذا الثاني جزم القرطبي)) اهـ . قلت: و في كتاب (المظالم) رجح الحافظ الأول فقال:(الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة). اهـ . قلت: ذكر القرطبي أن الصراط صراطان في كتابه التذكرة فقال:(اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب, أو من يلتقطه عنق النار فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط آخر خاص لهم ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه, وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه). اهـ . (3) قلت: وذكر العيني نحو ذلك فقال عند ذكر القنطرة: (قيل هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والذي على متن جهنم المشهور بالصراط. واجب بأنه لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد فتأويله أن هذه القنطرة من تتمة الأول) اهـ . قلت: الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصراط واحد, ولم يذكر صلى الله عليه وسلم أن الصراط صراطان (مجاز أو خاص) كما ذكر القرطبي رحمه الله. والذي يقتضي الدليل رجحانه أن القنطرة جسر بين الجنة والنار لا علاقة له بالصراط كما هو ظاهر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وظاهره يدل أيضاً على أن المؤمنين خلصوا أي فرغوا وانتهوا من المرور على الصراط كما قال الحافظ: (قوله: ((إذا خلص المؤمنون من النار)): أي نجوا من السقوط فيها بعد ما جازوا على الصراط) اهـ . وكما قال القرطبي رحمه الله: (معنى يخلص المؤمنون من النار أن يخلصوا من الصراط المضروب على النار) . قلت: ويشهد لذلك حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم والذي يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم مرور الناس على الصراط حتى قال فيه: ((حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد، وتعلق يد وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد)) . قلت: فهذا الحديث نص صريح في أن معنى خلصوا هو انتهاء الناس من المرور على الصراط، وبذلك نعلم أن القنطرة ليست تتمة للصراط، والعلم عند الله تعالى. المطلب الثاني: موضع تلك القنطرة أما موضع تلك القنطرة؛ فقد اختلف العلماء كما أشرنا سابقا – في موضعها، وحاصل الخلاف يرجع إلى أمرين: - الأمر الأول: أن تلك القنطرة هي جزء من الصراط وتتمة له. الأمر الثاني: أنها صراط مستقل بين الصراط الأول و الجنة، خاصة بمن كتبت لهم السعادة. وبعض العلماء لم يترجح لديه أحد الأمرين. قال ابن حجر: واختلف في القنطرة المذكورة، فقيل: هي من تتمة الصراط، وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل: إنهما صراطان. وذهب القرطبي إلى القول بأن القنطرة ليست من الصراط الأول العظيم المنصوب على متن جهنم، وإنما هي صراط ثان وقد بوب على هذا بقوله: باب: ذكر الصراط الثاني، وهو القنطرة التي بين الجنة والنار، وذكر أن المؤمنين إذا خلصوا من صراط جهنم حبسوا على صراط آخر خاص لهم. قال: ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد _ إن شاء الله _ لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه.(1) ونقل القرطبي – عن مقاتل أيضا – ما يفيد أنه يرى أن القنطرة صراط آخر, وذلك في قوله: قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم؛ حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا و طيبوا؛ قال لهم رضوان و أصحابه: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الزمر: 73] بمعني التحية {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]. (2) و ينقل السفاريني عن السيوطي ترجيحه لكون القنطرة طرف من الصراط الذي يلي الجنة؛ أي أنه يرى أنها جزء من الصراط وتتمة له؛ حسب نقل السفاريني الآتي: قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه (البدور السافرة في علوم الآخرة): و الأول – يعني أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة – هو المختار الذي دلت عليه أحاديث القناطر والحساب على الصراط.(3) أما الإمام ابن كثير فإنه يجعلها بعد نهاية النار, وكأنه يجعلها صراطا مستقلا منصوبا على هول لانعلمه، فهو بعد ذكر كلام القرطبي ورأيه في هذه القنطرة من إنها صراط ثان؛ قال معلقا عليه: قلت: هذه بعد مجاوزة النار فقد تكون القنطرة منصوبة على هول آخر, مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن, وهو أعلم. (4) فهو لم يترجح لديه – حسبما يظهر من كلامه – هل هي صراط آخر أو هي متصلة بالصراط العظيم الذي هو على متن جهنم ؟ وكذلك ابن حجر، فإنه لم يرجح أيا من القولين حيث قال: والذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، و يحتمل أن يكون من غيره بين الصراط والجنة.(5) الفصل الخامس عشر: الورود المبحث الأول: لفظة الورود في القرآن الكريم قال الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71 - 72]. وقد جاءت لفظة الورود في القرآن الكريم _ مرادا به الدخول في النار _ في ستة مواضع، في قوله تعالى في الآيات الآتية: 1- {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ]. 2- {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [ هود: 98 ] 3- {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}[ هود: 98 ]. 4 - {لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوها} [ الأنبياء: 99] 5- {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا}[ مريم: 86 ] 6- {حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [ الأنبياء: 98 ] وكان ابن عباس يستند إلى هذه الآيات في تفسيره للورود بالدخول في النار فهل الورود المذكور في الآيات يراد به الدخول في النار؟ أو مجرد المرور من غير إحساس بها؟ الواقع أن هذه المسألة هي من المسائل التي فيها خلاف بين العلماء في زمن الصحابة ومن بعدهم. المبحث الثاني: أقوال العلماء في معني الورود اختلف العلماء في المراد بهذا الورود إلى أقوال كثيرة، يمكن إيجازها فيما يلي: 1- الورود المذكور في الآية: يراد به الدخول في النار 2- يراد به المرور عليها؛ أي فوق الصراط 3- يراد به الدخول, ولكن عني به الكفار دون المؤمنين 4- أنه عام لكل مؤمن وكافر, غير أن ورود المؤمن المرور, وورود الكافر الدخول 5- ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض 6- أنه يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم وتلك أشهر الأقوال. وهناك أقوال أخرى ذكرها بعض أهل العلم منها: 7- القول بالتوقف في معنى الورود 8- ومنها القول بأن المراد بالورود هنا هو الإشراف و الاطلاع و القرب منها، حيث يكونون وهم في الموقف يشاهدون النار؛ فينجيهم الله مما شاهدوه. ونبدأ الآن بذكر عزو تلك الأقوال إلى أهلها ثم الترجيح فيما يأتي: أما الذين فسروه بالدخول, من السلف: فمنهم ابن عباس, وابن مسعود وعبد الله بن رواحه, وجابر بن عبد الله, وأبو ميسرة, وابن جريج, وخالد ابن معدان. أما ابن عباس, فقد اشتهر رأيه هذا, في جوابه لنافع بن الأزرق في مساءلات نافع لابن عباس المشهورة، فقد جاء نافع يسأل ابن عباس عن معنى الآية فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [ الأنبياء: 98 ] أورود هو أم لا؟ وقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [ هود: 98 ]، أورود هو أم لا؟ أما أنا و أنت فسندخلها، فانظر هل تخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع. (1) و في رواية أخرى لعطاء بن أبي رباح قال: قال أبو راشد الحروري – يعنى نافع بن الأزرق -: ذكروا هذا؛ فقال الحروري: {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [ الأنبياء: 102]، قال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله تعالى: {يقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [ هود: 98 ]، وقوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [ مريم: 86 ]، وقوله {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ]، والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما و أدخلني الجنة غانما. (2) و الروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة وبطرق متعددة، يرى أن الورود المذكور في الآية يراد به الدخول لكل أحد؛ مسلما كان أم كافرا، وهو المشهور عنه. (3) قال الجمل: و هذا هو تفسير ابن عباس الصحيح عند أهل السنة. (1) وأما جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ فقد جاء عن أبي سمية أنه قال: اختلفنا هاهنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا؛ ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا ها هنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: ((صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الورود: الدخول)) لا يبقى بر و لا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار – أو قال لجهنم – ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين)) (2). و أخرج الطبري بسنده إلى خالد بن معدان قال: (قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة). و أخرج كذلك عن غنيم بن قيس قال: (ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم ثم يناديهم مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فيخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية أبدانهم، قال: و قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به الدفعة فيصرع به في النار سبعمائة ألف). (4) و أخرج عن أبي إسحاق، قال: (كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي فقيل: وما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها). (5) و عن قيس بن أبي حازم قال: (بكى عبد الله بن رواحة في مرضه فبكيت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ابن رواحة: إني قد علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أنا أم لا؟)(6) و قال أبو عمرو داود بن الزبرقان: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني عن أبي مسعود: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ]، قال: داخلها. (1) و أخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه سئل عن قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}[ مريم: 71 ]، قال: وإن منكم إلا داخلها (2) والروايات عن ابن مسعود كثيرة يفسر الورود في النار بالدخول فيها. (3) ومما يدل على أن الورود المراد به الدخول: ما جاء عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطانه بحرس، لم ير النار بعينه، إلا تحلة القسم، فإن الله تعالى يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ])) (4) وكذا ماجاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم)) يعنى الورود. (5) هذا ما يتعلق بالرأي الأول وهو تفسير الورود بالدخول في النار، وهل ذلك يشمل الأنبياء والرسل وخاصة المؤمنين أو لا؟ سيأتي جوابه في مسألة خاصة به بعد عرض آراء العلماء في الورود. 2- أما الرأي الثاني وهو تفسير الورود بالمرور عليها: فهو رأي قتادة وغيره من علماء السلف وفي هذا يقول الطبري: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ] يعنى: جهنم، مر الناس عليها. وفي رواية أخرى عن معمر عن قتادة بما سبق. (6) وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول عند حفصة: ((لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [ مريم: 71 ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الله عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [ مريم: 72 ] )) . قال النووي عن معنى الحديث ((لايدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة. .....)) إلخ. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية