الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35244" data-attributes="member: 329"><p>وأخرج عبد الله ولد الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لما نزلت {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة)) قال الطبراني: تفرد به ابن المبارك عن الثوري.</p><p>واعلم أنه لا تنافي بين هذه الروايات، وبين حديث الشطر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله رجاءه، وزاده عليه شيئاً آخر قاله في (حادي الأرواح). </p><p>المطلب السابع: أعلى أهل الجنة منزلة</p><p>وأما أعلى أهل الجنة منزلة فهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 253] قال مجاهد وغيره: (منهم من كلم الله موسى، ورفع بعضهم درجات هو محمد صلى الله عليه وسلم)، وفي حديث الإسراء المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم لما جاوز موسى قال: ((رب لم أظن أن يرفع علي أحد)) ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى.</p><p>وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) .</p><p>وفي صحيح مسلم أيضاً عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً: ((إن موسى عليه السلام سأل ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال: (يعني الله سبحانه وتعالى) رجل (أي: هو رجل) يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم, وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر)) .</p><p>وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى خيامه، وأزواجه، ونعمه، وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23])) . ولهذا الحديث طرق، وروي موقوفاً على ابن عمر، ومرفوعاً كما هنا والله سبحانه وتعالى أعلم. </p><p>المبحث السادس: سادة أهل الجنة من هذه الأمة</p><p>المطلب الأول: سيدا كهول أهل الجنة</p><p>روى جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبو جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين)) ... </p><p>المطلب الثاني: سيدا شباب أهل الجنة</p><p>الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثبت ذلك من طرق كثيرة تبلغ درجة التواتر ... فقد رواه الترمذي والحاكم والطبراني وأحمد وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) . ورواه الترمذي وابن حبان وأحمد والطبراني وغيرهم عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصليت معه المغرب، ثم قام يصلي حتى العشاء، ثم خرج، فاتبعته، فقال: " عرض لي ملك استأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني في أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) </p><p>المطلب الثالث: سيدات نساء أهل الجنة</p><p>السيد الحق هو الذي يثني عليه ربه ويشهد له، والسيدة الفاضلة هي التي يرضى عنها ربها، ويتقبلها بقبول حسن، وأفضل النساء هن اللواتي يحزن جنات النعيم، ونساء أهل الجنة يتفاضلن، وسيدات نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم وآسية، ففي (مسند أحمد)، و(مشكل الآثار) للطحاوي، و(مستدرك الحاكم)، بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ((خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض أربعة أخطط، ثم قال: تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)). ومريم وخديجة أفضل الأربع، ففي (صحيح البخاري) عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة)) ومريم هي سيدة النساء الأولى وأفضل النساء على الإطلاق، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ((سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم ابنة عمران، فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون)) . وكونها أفضل النساء على الإطلاق صرح به القرآن: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، وكيف لا تكون كذلك وقد صرح الحق بأنه تقبلها {بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [ آل عمران: 37].</p><p>وهؤلاء الأربع نماذج رائعة للنساء الكاملات الصالحات، فمريم ابنة عمران أثنى عليها ربها في قوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12]. وخديجة الصديقة التي آمنت بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من غير تردد، وثبتته، وواسته بنفسها ومالها، وقد بشرها ربها في حياتها بقصر في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، فقد روى البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)). </p><p>وآسية امرأة فرعون هان عليها ملك الدنيا ونعيمها، فكفرت بفرعون وألوهيته، فعذبها زوجها فصبرت حتى خرجت روحها إلى بارئها {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظالِمِينَ} [التحريم: 11]. وفاطمة الزهراء ابنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصابرة المحتسبة التقية الورعة فرع الشجرة الطاهرة، وتربية معلم البشرية. </p><p>المطلب الرابع: العشرة المبشرون بالجنة</p><p>نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصاً صريحاً على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و(سنن الترمذي) عن عبدالرحمن بن عوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)).وإسناده صحيح </p><p>وروى الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والضياء في المختارة عن سعيد بن زيد بلفظ فيه شيء من الاختلاف عن سابقه، ولفظه: ((عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة)) وإسناده صحيح. وتذكر لنا كتب السنة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يوماً جالساً على بئر أريس وأبو موسى الأشعري بواب له، فجاء أبو بكر الصديق فاستأذن، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ائذن له وبشره بالجنة ثم جاء عمر فقال: ائذن له، وبشره بالجنة ثم جاء عثمان، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) وروى ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((القائم بعدي في الجنة، والذي يقوم بعده في الجنة، والثالث والرابع في الجنة)) . ومراده بالقائم بعده: الذي يلي الحكم بعد موته، وهؤلاء الأربعة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعاً. وروى الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها ((أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر: " أنت عتيق من النار)) </p><p>المطلب الخامس: بعض من نص على أنهم في الجنة غير من ذكر</p><p>1- 2 - جعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب:</p><p>2- من الذين أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم في الجنة جعفر وحمزة، ففي (سنن الترمذي)، و(مسند أبي يعلى)، و(مستدرك الحاكم) وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة بجناحين)) </p><p>3- وروى الطبراني، وابن عدي، والحاكم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة البارحة، فنظرت فيها، فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير)). وإسناده صحيح. </p><p>4- وقد صح أن الرسول قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب)) </p><p>5- 3- عبدالله بن سلام:</p><p>6- روى أحمد والطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن معاذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عبدالله بن سلام عاشر عشرة في الجنة)) .</p><p>7- 4- زيد بن حارثة:</p><p>8- روى الروياني والضياء عن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة)) </p><p>9- 5- زيد بن عمرو بن نفيل:</p><p>10- روى ابن عساكر بإسناد حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((دخلت الجنة، فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين)) </p><p>11- وزيد هذا كان يدعو إلى التوحيد في الجاهلية، وكان على الحنيفية ملة إبراهيم. </p><p>12- 6- حارثة بن النعمان:</p><p>13- وروى الترمذي والحاكم عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة، فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر)) </p><p>14- 7- بلال بن رباح:</p><p>15- روى الطبراني وابن عدي بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة، فسمعت خَشفة بين يدي، قلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: هذا بلال يمشي أمامك)). </p><p>16- وفي (المسند) بإسناد صحيح عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة ليلة أسري بي، فسمعت من جانبها وجساً، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: بلال المؤذن)). </p><p>17- 8 – أبو الدحداح:</p><p>18- روى مسلم في (صحيحه) وأبو داود والترمذي وأحمد عن جابر بن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كم من عذق معلق لأبي الدحداح في الجنة)) </p><p>19- وأبو الدحداح هذا هو الذي تصدق ببستانه: بيرحاء، أفضل بساتين المدينة عندما سمع الله يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245].</p><p>20- 9- ورقة بن نوفل:</p><p>21- روى الحاكم بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني قد رأيت له جنة أو جنتين)) </p><p>22- وورقة آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءته خديجة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول مرة، وتمنى على الله أن يدرك ظهور أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينصره. </p><p>المطلب السادس: الجنة ليست ثمناً للعمل</p><p>الجنة شيء عظيم، لا يمكن أن يناله المرء بأعماله التي عملها، وإنما تنال برحمة الله وفضله، روى مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يدخل أحد منكم عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة)). وقد يشكل على هذا النصوص التي تشعر بأن الجنة ثمن للعمل، كقوله تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وقوله: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]. ولا تعارض بين الآيات وما دل عليه الحديث، فإن الآيات تدل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمناً لها. والحديث نفى أن تكون الأعمال ثمناً للجنة. وقد ضل في هذا فرقتان: الجبرية التي استدلت بالحديث على أن الجزاء غير مرتب على الأعمال، لأنه لا صنع للعبد في عمله، والقدرية استدلوا بالآيات، وقالوا: إنها تدل على أن الجنة ثمن للعمل، وأن العبد مستحق دخول الجنة على ربه بعمله.</p><p>يقول شارح الطحاوية في هذه المسالة: (وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضل فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات. فالمنفي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يدخل أحد منكم عمله الجنة)) – باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمه الله وفضله. والباء التي في قوله: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] وغيرها باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خلق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته). </p><p>المبحث السابع: صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها</p><p>المطلب الأول: نعيم أهل الجنة</p><p>فضل نعيم الجنة على متاع الدنيا</p><p>متاع الدنيا واقع مشهود، ونعيم الجنة غيب موعود، والناس يتأثرون بما يرون ويشاهدون، ويثقل على قلوبهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، فكيف إذا كان الموعود ينال بعد الموت؟ من أجل ذلك قارن الحق تبارك وتعالى بين متاع الدنيا ونعيم الجنة، وبين أن نعيم الجنة خير من الدنيا وأفضل، وأطال في ذم الدنيا وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد العباد في طلب الآخرة ونيل نعيمها. وتجد ذم الدنيا ومدح نعيم الآخرة، وتفضيل ما عند الله على متاع الدنيا القريب العاجل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198]، وقوله: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [ طه: 131]. وقال في موضع ثالث: {زُيِّنَ لِلناسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَناتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [ آل عمران: 14-15]. ولو ذهبنا نبحث في سر أفضلية نعيم الآخرة على متاع الدنيا لوجدناه من وجوه متعددة:</p><p>أولاً: متاع الدنيا قليل، قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى} [ النساء: 77].</p><p>وقد صور لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: ((والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه – وأشار بالسبابة – في اليم، فلينظر بم ترجع)) . ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة. ولما كان متاع الدنيا قليلاً، فقد عاتب الله المؤثرين لمتاع الدنيا على نعيم الآخرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [ التوبة: 38].</p><p>الثاني: هو أفضل من حيث النوع، فثياب أهل الجنة وطعامهم وشرابهم وحليهم وقصورهم – أفضل مما في الدنيا، بل لا وجه للمقارنة، فإن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ففي (صحيح البخاري) و(مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) . وفي الحديث الآخر الذي يرويه البخاري ومسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس)) . وقارن نساء أهل الجنة بنساء الدنيا لتعلم فضل ما في الجنة على ما في الدنيا، ففي (صحيح البخاري) عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)) .</p><p>الثالث: الجنة خالية من شوائب الدنيا وكدرها، فطعام أهل الدنيا وشرابهم يلزم منه الغائط والبول، والروائح الكريهة، وإذا شرب المرء خمر الدنيا فقد عقله، ونساء الدنيا يحضن ويلدن، والمحيض أذى، والجنة خالية من ذلك كله، فأهلها لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتفلون، وخمر الجنة كما وصفها خالقها {بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [ الصافات: 46-47] وماء الجنة لا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه {أَنْهَارٌ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [ محمد: 15]، ونساء أهل الجنة مطهرات من الحيض والنفاس وكل قاذورات نساء الدنيا، كما قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [ البقرة: 25]. وقلوب أهل الجنة صافية، وأقوالهم طيبة، وأعمالهم صالحة، فلا تسمع في الجنة كلمة نابية تكدر الخاطر، وتعكر المزاج، وتستثير الأعصاب، فالجنة خالية من باطل الأقوال والأعمال، ({لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ} [ الطور: 23]، ولا يطرق المسامع إلا الكلمة الصادقة الطيبة السالمة من عيوب كلام أهل الدنيا {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذابًا} [ النبأ: 35]، {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا} [مريم: 62]، {لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً} [الغاشية: 11]، إنها دار الطهر والنقاء والصفاء الخالية من الأشواب والأكدار، إنها دار السلام والتسليم {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلاً سَلامًا سَلامًا} [ الواقعة: 25-26]. ولذلك فإن أهل الجنة إذا خلصوا من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون بأن يقتص لبعضهم من بعض، فيدخلون الجنة وقد صفت منهم القلوب، وزال ما في نفوسهم من تباغض وحسد ونحو ذلك مما كان في الدنيا، وفي (الصحيحين) في صفة أهل الجنة عند دخول الجنة ((لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً)) . وصدق الله إذ يقول: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [ الحجر: 47 ]. والغل: الحقد، وقد نقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب أن أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يشربون من عين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل، ويشربون من عين أخرى فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم. ولعلهم استفادوا هذا من قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [ الإنسان: 21]. الرابع: نعيم الدنيا زائل، ونعيم الآخرة باق دائم، ولذلك سمى الحق تبارك وتعالى ما زين للناس من زهرة الدنيا متاعاً، لأنه يتمتع به ثم يزول، أما نعيم الآخرة فهو باق، ليس له نفاد، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} [النحل: 96]، {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [ ص: 54]، {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} [ الرعد: 35]، وقد ضرب الله الأمثال لسرعة زوال الدنيا وانقضائها {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 45 – 46]. فقد ضرب الله مثلاً لسرعة زوال الدنيا وانقضائها بالماء النازل من السماء الذي يخالط نبات الأرض فيخضر ويزهر ويثمر، وما هي إلا فترة وجيزة حتى تزول بهجته، فيذوي ويصفر، ثم تعصف به الرياح في كل مكان، وكذلك زينة الدنيا من الشباب والمال والأبناء الحرث والزرع... كلها تتلاشى وتنقضي، فالشباب يذوي ويذهب، والصحة والعافية تبدل هرماً ومرضاً، والأموال والأولاد قد يذهبون، وقد ينتزع الإنسان من أهله وماله، أما الآخرة فلا رحيل، ولا فناء، ولا زوال {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [ النحل: 30-31].</p><p>الخامس: العمل لمتاع الدنيا ونسيان الآخرة يعقبه الحسرة والندامة ودخول النيران، {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. </p><p>المطلب الثاني: طعام أهل الجنة وشرابهم</p><p>وأما طعام أهل الجنة، وشرابهم ومصرفه فقد قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات: 41-42]. وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]. وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف: 72-73]. وقال: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} [الرعد: 35] وقال تعالى: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 25-26].</p><p>وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأكل أهل الجنة، ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس)) وفيه أيضاً عنه أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: فما بال الطعام؟ قال: ((جشاء ورشح كرشح المسك, يلهمون التسبيح والحمد)) </p><p>قوله: فما بال الطعام؟ قال: ((جشاء)) كذا في جميع نسخ مسلم. قال الوقشي ولعله (فمال)؛ لأنه جاء في رواية الزبيدي (أن يهودياً) يعني حديث ابن أرقم الذي أخرجه الإمام أحمد: قال في (مشارق الأنوار) والبال: يأتي بمعنى الحال كقوله ما بال هذه؟ أي: ما حالها وشأنها؟ فمعناه: ما بال عقبا الطعام؟ وما شأن عقباه؟ وأخرج الإمام أحمد، والنسائي بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم قال: ((جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال: نعم. والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال: فإن الذي يأكل، ويشرب يكون له حاجة، وليس في الجنة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه)) . ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه.</p><p>وفي (حادي الأرواح) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً)) .</p><p>وأخرج الحاكم عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن في الجنة طيراً مثل البخاتي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنها لناعمة يا رسول الله قال: أنعم منها من يأكلها يا أبا بكر)). </p><p>وفي (حادي الأرواح) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} [الواقعة: 18] يقول: الخمر {لَا فِيهَا غَوْلٌ} ولا صداع، وفي قوله: {وَلَا يُنزِفُونَ} [الواقعة: 19] لا تذهب عقولهم، وفي قوله: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} [النبأ: 34] ممتلئة، وفي قوله: {رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25] يقول: الخمر ختم بالمسك. وقال علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: (ختامه مسك: قال: خلطه وليس بخاتم يختم). قال المحقق: (قلت يريد – والله أعلم – أن آخره مسك، فيخالطه، فهو من الخاتمة ليس من الخاتم). وعن مسروق: (الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها طعم المسك). وقال عبد الله في قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} [المطففين: 27] قال: (يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفاً) وكذلك قال ابن عباس: (يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لمن دونهم). وقال عطاء: (التسنيم: اسم العين التي يمزج منها الخمر).</p><p>وقال في (حادي الأرواح) في قوله تعالى: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} [الإنسان: 18](قال بعضهم إنها جملة مركبة من فعل وفاعل، وسلسبيلاً: منصوب على المفعول أي: سلسبيلاً إليها قال: وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها).</p><p>وقال قتادة في اشتقاقها: (سلسلة لهم يصرفونها حيث شاؤا)، وهو من الاشتقاق الأكبر. وقال مجاهد: (سلسلة السبيل حديدة الجرية).</p><p>وقال أبو العالية: (تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم، وهذا من سلاستها، وحدة جريتها). وقال آخرون: معناها طيب الطعم والمذاق. وقال أبو إسحاق: سلسبيل: صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك, وصوب ابن الأنباري أن سلسبيل صفة للماء وليس باسم العين، واحتج بأن سلسبيل مصروف، ولو كان اسماً للعين لمنع من الصرف، وأيضاً فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (معناه أنها تسيل في حلوقهم انسلال) </p><p>المطلب الثالث: خمر أهل الجنة</p><p>من الشراب الذي يتفضل الله على أهل الجنة الخمر، وخمر الجنة خالي من العيوب والآفات التي تتصف بها خمر الدنيا، فخمر الدنيا تذهب العقول، وتصدع الرؤوس، وتوجع البطون، وتمرض الأبدان، وتجلب الأسقام، وقد تكون معيبة في صنعها أو لونها أو غير ذلك، أما خمر الجنة فإنها خالية من ذلك كله، جميلة صافية رائقة، {يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [ الصافات: 45-47]. لقد وصف الله جمال لونها {بَيْضَاء} ثم بين أنها تلذ شاربها من غير اغتيال لعقله، كما قال: {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشارِبِينَ} [محمد:18]، ثم إن شاربها لا يمل من شربها {لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [ الصافات: 47]، وقال في موضع آخر يصف خمر الجنة:{يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ} [ الواقعة: 17-19]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: (لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله خمر الجنة، ونزهها عن هذه الخصال). وقال الحق في موضع ثالث: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 25-26]، والرحيق الخمر، ووصف هذا الخمر بوصفين: الأول أنه مختوم، أي موضوع عليه خاتم. الأمر الثاني: أنهم إذا شربوه وجدوا في ختام شربهم له رائحة المسك. </p><p>المطلب الرابع: أول طعام أهل الجنة</p><p>أول طعام يُتحِف الله به أهل الجنة زيادة كبد الحوت، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة " فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال إدامهم بالام ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً)). قال النووي في شرح الحديث ما ملخصه: النزل: ما يعد للضيف عند نزوله، (ويتكفأها بيده)، أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي، لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، ومعنى الحديث: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم، ويكون طعاماً ونزلاً لأهل الجنة، والنون: الثور، والـ (بالام): لفظة عبرانية، معناها: ثور، وزائدة كبد الحوت: هي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد، وهي أطيبها. وفي (صحيح البخاري) أن عبدالله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم أول قدومه المدينة أسئلة منها: ((ما أول شيء يأكله أهل الجنة؟ فقال: زيادة كبد الحوت)). وفي (صحيح مسلم) عن ثوبان أن يهودياً سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين تسمى سلسبيلا)) قال: صدقت</p><p>المطلب الخامس: طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه</p><p>قد يتبادر إلى الذهن أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى، وأهلها مطهرون من أوشاب أهل الدنيا، ففي الحديث الذي يرويه صاحبا (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال نافياً هذا الظن: ((أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها)) وليس هذا خاص بأول زمرة تدخل الجنة، وإنما هو عام في كل من يدخل الجنة، ففي رواية عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل، لا يتغوطون، ولا يتبولون، ولا يبزقون)). فالذي يتفاوت فيه أهل الجنة مما نص عليه في الحديث قوة نور كل منهم، أما خلوصهم من الأذى فإنهم يشتركون فيه جميعاً، فهم لا يتغوطون ولا يتبولون، ولا يتفلون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون. وقد يقال: فأين تذهب فضلات الطعام والشراب، وقد وجه هذا السؤال إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل أصحابه، فأفاد أن بقايا الطعام والشراب تتحول إلى رشح كرشح المسك يفيض من أجسادهم، كما يتحول بعض منه أيضاً إلى جشاء، ولكنه جشاء تنبعث منه روائح طيبة عبقة عطرة، ففي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقول: ((إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يتبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون"، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء كجشاء المسك)) </p><p>المطلب السادس: لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون ؟</p><p>إذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خالية من الآلام والأوجاع والأمراض، لا جوع فيها ولا عطش، ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولماذا يتطيبون ويمتشطون ؟</p><p>أجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلاً: (نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذّات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم:{إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [ طه: 118-119]. وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز وجل). </p><p>المطلب السابع: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم</p><p>وأما آنيتهم فقال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف: 71] والصحاف جمع صحفة، وهي القصاع قاله الكلبي، وقال الليث: (الصحفة: قصعة مسلنطحة عريضة، والجمع: صحاف) ، والأكواب: جمع كوب هو المستدير الرأس الذي لا أذن له, ومرت الإشارة إليها.</p><p>وقال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} [الإنسان: 17-18] فالأباريق هي: الأكواب غير أن لها خراطيم, فإن لم يكن لها خراطيم، ولا عرى فهي أكواب، وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها، والعرب تسمي السيف إبريقاً لبريق لونه.</p><p>قال تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [الإنسان: 15-16] فالقوارير: هو الزجاج، وشفافته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقطع توهم كون تلك القوارير من زجاج بقوله: {مِن فِضَّةٍ} [الإنسان: 15].</p><p>وأخرج البخاري، ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) .</p><p>وأخرج أبو يعلى الموصلي عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا فربما رأى الرجل الرؤيا فيسأل عنه إذا لم يكن يعرفه, فإذا أثني عليه معروفاً كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة ارتجت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان، وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلاً. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث سرية قبل ذلك, فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيدي، فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم)). فجاء البشير من تلك السرية فقال: أصيب فلان، وفلان حتى عدَّ اثني عشر رجلاً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة فقال: ((قصي رؤياك)) قصتها وجعلت تقول: جيء بفلان وفلان كما قال)) . ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه. قال في (حادي الأرواح) <img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />وإسناده على شرط مسلم).</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35244, member: 329"] وأخرج عبد الله ولد الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لما نزلت {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة)) قال الطبراني: تفرد به ابن المبارك عن الثوري. واعلم أنه لا تنافي بين هذه الروايات، وبين حديث الشطر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله رجاءه، وزاده عليه شيئاً آخر قاله في (حادي الأرواح). المطلب السابع: أعلى أهل الجنة منزلة وأما أعلى أهل الجنة منزلة فهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 253] قال مجاهد وغيره: (منهم من كلم الله موسى، ورفع بعضهم درجات هو محمد صلى الله عليه وسلم)، وفي حديث الإسراء المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم لما جاوز موسى قال: ((رب لم أظن أن يرفع علي أحد)) ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) . وفي صحيح مسلم أيضاً عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً: ((إن موسى عليه السلام سأل ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال: (يعني الله سبحانه وتعالى) رجل (أي: هو رجل) يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم, وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر)) . وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى خيامه، وأزواجه، ونعمه، وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23])) . ولهذا الحديث طرق، وروي موقوفاً على ابن عمر، ومرفوعاً كما هنا والله سبحانه وتعالى أعلم. المبحث السادس: سادة أهل الجنة من هذه الأمة المطلب الأول: سيدا كهول أهل الجنة روى جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبو جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين)) ... المطلب الثاني: سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثبت ذلك من طرق كثيرة تبلغ درجة التواتر ... فقد رواه الترمذي والحاكم والطبراني وأحمد وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) . ورواه الترمذي وابن حبان وأحمد والطبراني وغيرهم عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصليت معه المغرب، ثم قام يصلي حتى العشاء، ثم خرج، فاتبعته، فقال: " عرض لي ملك استأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني في أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) المطلب الثالث: سيدات نساء أهل الجنة السيد الحق هو الذي يثني عليه ربه ويشهد له، والسيدة الفاضلة هي التي يرضى عنها ربها، ويتقبلها بقبول حسن، وأفضل النساء هن اللواتي يحزن جنات النعيم، ونساء أهل الجنة يتفاضلن، وسيدات نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم وآسية، ففي (مسند أحمد)، و(مشكل الآثار) للطحاوي، و(مستدرك الحاكم)، بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ((خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض أربعة أخطط، ثم قال: تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)). ومريم وخديجة أفضل الأربع، ففي (صحيح البخاري) عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة)) ومريم هي سيدة النساء الأولى وأفضل النساء على الإطلاق، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ((سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم ابنة عمران، فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون)) . وكونها أفضل النساء على الإطلاق صرح به القرآن: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، وكيف لا تكون كذلك وقد صرح الحق بأنه تقبلها {بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [ آل عمران: 37]. وهؤلاء الأربع نماذج رائعة للنساء الكاملات الصالحات، فمريم ابنة عمران أثنى عليها ربها في قوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12]. وخديجة الصديقة التي آمنت بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من غير تردد، وثبتته، وواسته بنفسها ومالها، وقد بشرها ربها في حياتها بقصر في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، فقد روى البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)). وآسية امرأة فرعون هان عليها ملك الدنيا ونعيمها، فكفرت بفرعون وألوهيته، فعذبها زوجها فصبرت حتى خرجت روحها إلى بارئها {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظالِمِينَ} [التحريم: 11]. وفاطمة الزهراء ابنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصابرة المحتسبة التقية الورعة فرع الشجرة الطاهرة، وتربية معلم البشرية. المطلب الرابع: العشرة المبشرون بالجنة نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصاً صريحاً على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و(سنن الترمذي) عن عبدالرحمن بن عوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)).وإسناده صحيح وروى الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والضياء في المختارة عن سعيد بن زيد بلفظ فيه شيء من الاختلاف عن سابقه، ولفظه: ((عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة)) وإسناده صحيح. وتذكر لنا كتب السنة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يوماً جالساً على بئر أريس وأبو موسى الأشعري بواب له، فجاء أبو بكر الصديق فاستأذن، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ائذن له وبشره بالجنة ثم جاء عمر فقال: ائذن له، وبشره بالجنة ثم جاء عثمان، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) وروى ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((القائم بعدي في الجنة، والذي يقوم بعده في الجنة، والثالث والرابع في الجنة)) . ومراده بالقائم بعده: الذي يلي الحكم بعد موته، وهؤلاء الأربعة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعاً. وروى الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها ((أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر: " أنت عتيق من النار)) المطلب الخامس: بعض من نص على أنهم في الجنة غير من ذكر 1- 2 - جعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب: 2- من الذين أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم في الجنة جعفر وحمزة، ففي (سنن الترمذي)، و(مسند أبي يعلى)، و(مستدرك الحاكم) وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة بجناحين)) 3- وروى الطبراني، وابن عدي، والحاكم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة البارحة، فنظرت فيها، فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير)). وإسناده صحيح. 4- وقد صح أن الرسول قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب)) 5- 3- عبدالله بن سلام: 6- روى أحمد والطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن معاذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عبدالله بن سلام عاشر عشرة في الجنة)) . 7- 4- زيد بن حارثة: 8- روى الروياني والضياء عن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة)) 9- 5- زيد بن عمرو بن نفيل: 10- روى ابن عساكر بإسناد حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((دخلت الجنة، فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين)) 11- وزيد هذا كان يدعو إلى التوحيد في الجاهلية، وكان على الحنيفية ملة إبراهيم. 12- 6- حارثة بن النعمان: 13- وروى الترمذي والحاكم عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة، فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر)) 14- 7- بلال بن رباح: 15- روى الطبراني وابن عدي بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة، فسمعت خَشفة بين يدي، قلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: هذا بلال يمشي أمامك)). 16- وفي (المسند) بإسناد صحيح عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دخلت الجنة ليلة أسري بي، فسمعت من جانبها وجساً، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: بلال المؤذن)). 17- 8 – أبو الدحداح: 18- روى مسلم في (صحيحه) وأبو داود والترمذي وأحمد عن جابر بن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كم من عذق معلق لأبي الدحداح في الجنة)) 19- وأبو الدحداح هذا هو الذي تصدق ببستانه: بيرحاء، أفضل بساتين المدينة عندما سمع الله يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]. 20- 9- ورقة بن نوفل: 21- روى الحاكم بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني قد رأيت له جنة أو جنتين)) 22- وورقة آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءته خديجة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول مرة، وتمنى على الله أن يدرك ظهور أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينصره. المطلب السادس: الجنة ليست ثمناً للعمل الجنة شيء عظيم، لا يمكن أن يناله المرء بأعماله التي عملها، وإنما تنال برحمة الله وفضله، روى مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يدخل أحد منكم عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة)). وقد يشكل على هذا النصوص التي تشعر بأن الجنة ثمن للعمل، كقوله تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وقوله: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]. ولا تعارض بين الآيات وما دل عليه الحديث، فإن الآيات تدل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمناً لها. والحديث نفى أن تكون الأعمال ثمناً للجنة. وقد ضل في هذا فرقتان: الجبرية التي استدلت بالحديث على أن الجزاء غير مرتب على الأعمال، لأنه لا صنع للعبد في عمله، والقدرية استدلوا بالآيات، وقالوا: إنها تدل على أن الجنة ثمن للعمل، وأن العبد مستحق دخول الجنة على ربه بعمله. يقول شارح الطحاوية في هذه المسالة: (وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضل فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات. فالمنفي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يدخل أحد منكم عمله الجنة)) – باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمه الله وفضله. والباء التي في قوله: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] وغيرها باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خلق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته). المبحث السابع: صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها المطلب الأول: نعيم أهل الجنة فضل نعيم الجنة على متاع الدنيا متاع الدنيا واقع مشهود، ونعيم الجنة غيب موعود، والناس يتأثرون بما يرون ويشاهدون، ويثقل على قلوبهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، فكيف إذا كان الموعود ينال بعد الموت؟ من أجل ذلك قارن الحق تبارك وتعالى بين متاع الدنيا ونعيم الجنة، وبين أن نعيم الجنة خير من الدنيا وأفضل، وأطال في ذم الدنيا وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد العباد في طلب الآخرة ونيل نعيمها. وتجد ذم الدنيا ومدح نعيم الآخرة، وتفضيل ما عند الله على متاع الدنيا القريب العاجل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198]، وقوله: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [ طه: 131]. وقال في موضع ثالث: {زُيِّنَ لِلناسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَناتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [ آل عمران: 14-15]. ولو ذهبنا نبحث في سر أفضلية نعيم الآخرة على متاع الدنيا لوجدناه من وجوه متعددة: أولاً: متاع الدنيا قليل، قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى} [ النساء: 77]. وقد صور لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: ((والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه – وأشار بالسبابة – في اليم، فلينظر بم ترجع)) . ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة. ولما كان متاع الدنيا قليلاً، فقد عاتب الله المؤثرين لمتاع الدنيا على نعيم الآخرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [ التوبة: 38]. الثاني: هو أفضل من حيث النوع، فثياب أهل الجنة وطعامهم وشرابهم وحليهم وقصورهم – أفضل مما في الدنيا، بل لا وجه للمقارنة، فإن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ففي (صحيح البخاري) و(مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) . وفي الحديث الآخر الذي يرويه البخاري ومسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس)) . وقارن نساء أهل الجنة بنساء الدنيا لتعلم فضل ما في الجنة على ما في الدنيا، ففي (صحيح البخاري) عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)) . الثالث: الجنة خالية من شوائب الدنيا وكدرها، فطعام أهل الدنيا وشرابهم يلزم منه الغائط والبول، والروائح الكريهة، وإذا شرب المرء خمر الدنيا فقد عقله، ونساء الدنيا يحضن ويلدن، والمحيض أذى، والجنة خالية من ذلك كله، فأهلها لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتفلون، وخمر الجنة كما وصفها خالقها {بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [ الصافات: 46-47] وماء الجنة لا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه {أَنْهَارٌ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [ محمد: 15]، ونساء أهل الجنة مطهرات من الحيض والنفاس وكل قاذورات نساء الدنيا، كما قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [ البقرة: 25]. وقلوب أهل الجنة صافية، وأقوالهم طيبة، وأعمالهم صالحة، فلا تسمع في الجنة كلمة نابية تكدر الخاطر، وتعكر المزاج، وتستثير الأعصاب، فالجنة خالية من باطل الأقوال والأعمال، ({لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ} [ الطور: 23]، ولا يطرق المسامع إلا الكلمة الصادقة الطيبة السالمة من عيوب كلام أهل الدنيا {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذابًا} [ النبأ: 35]، {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا} [مريم: 62]، {لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً} [الغاشية: 11]، إنها دار الطهر والنقاء والصفاء الخالية من الأشواب والأكدار، إنها دار السلام والتسليم {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلاً سَلامًا سَلامًا} [ الواقعة: 25-26]. ولذلك فإن أهل الجنة إذا خلصوا من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون بأن يقتص لبعضهم من بعض، فيدخلون الجنة وقد صفت منهم القلوب، وزال ما في نفوسهم من تباغض وحسد ونحو ذلك مما كان في الدنيا، وفي (الصحيحين) في صفة أهل الجنة عند دخول الجنة ((لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً)) . وصدق الله إذ يقول: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [ الحجر: 47 ]. والغل: الحقد، وقد نقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب أن أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يشربون من عين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل، ويشربون من عين أخرى فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم. ولعلهم استفادوا هذا من قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [ الإنسان: 21]. الرابع: نعيم الدنيا زائل، ونعيم الآخرة باق دائم، ولذلك سمى الحق تبارك وتعالى ما زين للناس من زهرة الدنيا متاعاً، لأنه يتمتع به ثم يزول، أما نعيم الآخرة فهو باق، ليس له نفاد، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} [النحل: 96]، {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [ ص: 54]، {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} [ الرعد: 35]، وقد ضرب الله الأمثال لسرعة زوال الدنيا وانقضائها {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 45 – 46]. فقد ضرب الله مثلاً لسرعة زوال الدنيا وانقضائها بالماء النازل من السماء الذي يخالط نبات الأرض فيخضر ويزهر ويثمر، وما هي إلا فترة وجيزة حتى تزول بهجته، فيذوي ويصفر، ثم تعصف به الرياح في كل مكان، وكذلك زينة الدنيا من الشباب والمال والأبناء الحرث والزرع... كلها تتلاشى وتنقضي، فالشباب يذوي ويذهب، والصحة والعافية تبدل هرماً ومرضاً، والأموال والأولاد قد يذهبون، وقد ينتزع الإنسان من أهله وماله، أما الآخرة فلا رحيل، ولا فناء، ولا زوال {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [ النحل: 30-31]. الخامس: العمل لمتاع الدنيا ونسيان الآخرة يعقبه الحسرة والندامة ودخول النيران، {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. المطلب الثاني: طعام أهل الجنة وشرابهم وأما طعام أهل الجنة، وشرابهم ومصرفه فقد قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات: 41-42]. وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]. وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف: 72-73]. وقال: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} [الرعد: 35] وقال تعالى: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 25-26]. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأكل أهل الجنة، ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس)) وفيه أيضاً عنه أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: فما بال الطعام؟ قال: ((جشاء ورشح كرشح المسك, يلهمون التسبيح والحمد)) قوله: فما بال الطعام؟ قال: ((جشاء)) كذا في جميع نسخ مسلم. قال الوقشي ولعله (فمال)؛ لأنه جاء في رواية الزبيدي (أن يهودياً) يعني حديث ابن أرقم الذي أخرجه الإمام أحمد: قال في (مشارق الأنوار) والبال: يأتي بمعنى الحال كقوله ما بال هذه؟ أي: ما حالها وشأنها؟ فمعناه: ما بال عقبا الطعام؟ وما شأن عقباه؟ وأخرج الإمام أحمد، والنسائي بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم قال: ((جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال: نعم. والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال: فإن الذي يأكل، ويشرب يكون له حاجة، وليس في الجنة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه)) . ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه. وفي (حادي الأرواح) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً)) . وأخرج الحاكم عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن في الجنة طيراً مثل البخاتي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنها لناعمة يا رسول الله قال: أنعم منها من يأكلها يا أبا بكر)). وفي (حادي الأرواح) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} [الواقعة: 18] يقول: الخمر {لَا فِيهَا غَوْلٌ} ولا صداع، وفي قوله: {وَلَا يُنزِفُونَ} [الواقعة: 19] لا تذهب عقولهم، وفي قوله: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} [النبأ: 34] ممتلئة، وفي قوله: {رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25] يقول: الخمر ختم بالمسك. وقال علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: (ختامه مسك: قال: خلطه وليس بخاتم يختم). قال المحقق: (قلت يريد – والله أعلم – أن آخره مسك، فيخالطه، فهو من الخاتمة ليس من الخاتم). وعن مسروق: (الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها طعم المسك). وقال عبد الله في قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} [المطففين: 27] قال: (يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفاً) وكذلك قال ابن عباس: (يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لمن دونهم). وقال عطاء: (التسنيم: اسم العين التي يمزج منها الخمر). وقال في (حادي الأرواح) في قوله تعالى: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} [الإنسان: 18](قال بعضهم إنها جملة مركبة من فعل وفاعل، وسلسبيلاً: منصوب على المفعول أي: سلسبيلاً إليها قال: وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها). وقال قتادة في اشتقاقها: (سلسلة لهم يصرفونها حيث شاؤا)، وهو من الاشتقاق الأكبر. وقال مجاهد: (سلسلة السبيل حديدة الجرية). وقال أبو العالية: (تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم، وهذا من سلاستها، وحدة جريتها). وقال آخرون: معناها طيب الطعم والمذاق. وقال أبو إسحاق: سلسبيل: صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك, وصوب ابن الأنباري أن سلسبيل صفة للماء وليس باسم العين، واحتج بأن سلسبيل مصروف، ولو كان اسماً للعين لمنع من الصرف، وأيضاً فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (معناه أنها تسيل في حلوقهم انسلال) المطلب الثالث: خمر أهل الجنة من الشراب الذي يتفضل الله على أهل الجنة الخمر، وخمر الجنة خالي من العيوب والآفات التي تتصف بها خمر الدنيا، فخمر الدنيا تذهب العقول، وتصدع الرؤوس، وتوجع البطون، وتمرض الأبدان، وتجلب الأسقام، وقد تكون معيبة في صنعها أو لونها أو غير ذلك، أما خمر الجنة فإنها خالية من ذلك كله، جميلة صافية رائقة، {يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [ الصافات: 45-47]. لقد وصف الله جمال لونها {بَيْضَاء} ثم بين أنها تلذ شاربها من غير اغتيال لعقله، كما قال: {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشارِبِينَ} [محمد:18]، ثم إن شاربها لا يمل من شربها {لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [ الصافات: 47]، وقال في موضع آخر يصف خمر الجنة:{يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ} [ الواقعة: 17-19]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: (لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله خمر الجنة، ونزهها عن هذه الخصال). وقال الحق في موضع ثالث: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 25-26]، والرحيق الخمر، ووصف هذا الخمر بوصفين: الأول أنه مختوم، أي موضوع عليه خاتم. الأمر الثاني: أنهم إذا شربوه وجدوا في ختام شربهم له رائحة المسك. المطلب الرابع: أول طعام أهل الجنة أول طعام يُتحِف الله به أهل الجنة زيادة كبد الحوت، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة " فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال إدامهم بالام ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً)). قال النووي في شرح الحديث ما ملخصه: النزل: ما يعد للضيف عند نزوله، (ويتكفأها بيده)، أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي، لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، ومعنى الحديث: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم، ويكون طعاماً ونزلاً لأهل الجنة، والنون: الثور، والـ (بالام): لفظة عبرانية، معناها: ثور، وزائدة كبد الحوت: هي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد، وهي أطيبها. وفي (صحيح البخاري) أن عبدالله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم أول قدومه المدينة أسئلة منها: ((ما أول شيء يأكله أهل الجنة؟ فقال: زيادة كبد الحوت)). وفي (صحيح مسلم) عن ثوبان أن يهودياً سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين تسمى سلسبيلا)) قال: صدقت المطلب الخامس: طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه قد يتبادر إلى الذهن أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى، وأهلها مطهرون من أوشاب أهل الدنيا، ففي الحديث الذي يرويه صاحبا (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال نافياً هذا الظن: ((أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها)) وليس هذا خاص بأول زمرة تدخل الجنة، وإنما هو عام في كل من يدخل الجنة، ففي رواية عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل، لا يتغوطون، ولا يتبولون، ولا يبزقون)). فالذي يتفاوت فيه أهل الجنة مما نص عليه في الحديث قوة نور كل منهم، أما خلوصهم من الأذى فإنهم يشتركون فيه جميعاً، فهم لا يتغوطون ولا يتبولون، ولا يتفلون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون. وقد يقال: فأين تذهب فضلات الطعام والشراب، وقد وجه هذا السؤال إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل أصحابه، فأفاد أن بقايا الطعام والشراب تتحول إلى رشح كرشح المسك يفيض من أجسادهم، كما يتحول بعض منه أيضاً إلى جشاء، ولكنه جشاء تنبعث منه روائح طيبة عبقة عطرة، ففي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقول: ((إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يتبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون"، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء كجشاء المسك)) المطلب السادس: لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون ؟ إذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خالية من الآلام والأوجاع والأمراض، لا جوع فيها ولا عطش، ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولماذا يتطيبون ويمتشطون ؟ أجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلاً: (نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذّات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم:{إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [ طه: 118-119]. وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز وجل). المطلب السابع: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم وأما آنيتهم فقال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف: 71] والصحاف جمع صحفة، وهي القصاع قاله الكلبي، وقال الليث: (الصحفة: قصعة مسلنطحة عريضة، والجمع: صحاف) ، والأكواب: جمع كوب هو المستدير الرأس الذي لا أذن له, ومرت الإشارة إليها. وقال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} [الإنسان: 17-18] فالأباريق هي: الأكواب غير أن لها خراطيم, فإن لم يكن لها خراطيم، ولا عرى فهي أكواب، وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها، والعرب تسمي السيف إبريقاً لبريق لونه. قال تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [الإنسان: 15-16] فالقوارير: هو الزجاج، وشفافته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقطع توهم كون تلك القوارير من زجاج بقوله: {مِن فِضَّةٍ} [الإنسان: 15]. وأخرج البخاري، ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) . وأخرج أبو يعلى الموصلي عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا فربما رأى الرجل الرؤيا فيسأل عنه إذا لم يكن يعرفه, فإذا أثني عليه معروفاً كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة ارتجت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان، وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلاً. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث سرية قبل ذلك, فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيدي، فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم)). فجاء البشير من تلك السرية فقال: أصيب فلان، وفلان حتى عدَّ اثني عشر رجلاً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة فقال: ((قصي رؤياك)) قصتها وجعلت تقول: جيء بفلان وفلان كما قال)) . ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه. قال في (حادي الأرواح) :(وإسناده على شرط مسلم). [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية