الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35248" data-attributes="member: 329"><p>وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة قال بفناء حركات أهل الجنة والنار، بحيث يصيرون إلى سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة. وكل هذا باطل، قال شارح الطحاوية: (فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر به، قال تعالى: {وَأَما الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108]، أي غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله:{إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [ هود:108]) وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف السلف في هذا الاستثناء فقال: (واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: (إلا) بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف.وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعاً ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [ هود:108]، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم – مع خلودهم – في مشيئة الله، لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [ الإسراء:86]، وقوله تعالى: ({فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى:24]، وقوله: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس:16]، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.</p><p>وقيل: إن (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك.</p><p>وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [ هود:108]. وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [ص:54]. وقوله: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} [ الرعد:35].وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى} [الدخان:56].وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود:108]، - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها).</p><p>الفصل الثاني: النار</p><p>المبحث الأول: تعريف النار</p><p>النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسحن فيه المجرمين. وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه، {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [آل عمران: 192]، {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63]، وقال: {إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]. وكيف لا تكون النار كما وصفنا وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره أقلامنا، وعن وصفه ألسنتنا، وهي مع ذلك خالدة وأهلها فيها خالدون، ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار {إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66]، {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} [ص: 55 – 56]. </p><p>المبحث الثاني: الجنة والنار مخلوقتان</p><p>قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة (الطحاوية): والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى: خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد. وقال ابن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية) في شرحه لهذا النص: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان، فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى: عن الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]، وعن النار {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلْطَّاغِينَ مَآبًا} [النبأ: 21 – 22]. وقال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 13– 15]. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى. كما في (الصحيحين)، من حديث أنس رضي الله عنه، في قصة الإسراء، وفي آخره: ((ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)) . وفي (الصحيحين) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)) وحديث البراء بن عازب وفيه: ((ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها)). وفي (صحيح مسلم)، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت)). وفي (الصحيحين) واللفظ للبخاري، عن عبدالله بن عباس، قال: ((انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ فقال: إني رأيت الجنة، فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم، يا رسول الله؟ قال: بكفرهن قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط)) وفي (صحيح مسلم) من حديث عائشة السابق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بعد الصلاة: ((لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً)). وفي (الموطأ) و(السنن)، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة)) وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي (صحيح مسلم) و(السنن) و(المسند)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها)) ونظائر ذلك في السنة كثيرة وقد عقد البخاري في (صحيحه) باباً قال فيه: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة وساق في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على أن الجنة مخلوقة، منها الحديث الذي ينص على أن الله يُري الميت عندما يوضع في قبره مقعده من الجنة والنار ، وحديث اطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على الجنة والنار ، وحديث رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لقصر عمر بن الخطاب في الجنة ، وغير ذلك من الأحاديث، وقد كان ابن حجر مصيباً عندما قال: وأصرح مما ذكره البخاري في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها)) </p><p>المبحث الثالث: في بيان وجود النار الآن</p><p>أعلم أنه لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون, وأهل السنة, والحديث قاطبة. وفقهاء الإسلام, وأهل التصوف والزهد, على اعتقاد ذلك وإثباته، مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم،....، فإنهم دعوا الأمم إليها, وأخبروا بها, إلى أن نبغت نابغة من أهل البدع والأهواء فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة موجودة، وقالت بل الله ينشئها يوم المعاد.</p><p>وأن خلق النار قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مدداً متطاولة ليس فيها سكانها؛ فردوا من النصوص الأصول والفروع، وضللوا كل من خالف بدعتهم هذه بما لا يسمن ولا يغني من جوع. ولهذا صار السلف الصالح ومن نحا نحوهم يذكرون في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان في الحال، ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث كافة لا يختلفون فيها، منهم أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).</p><p>وقد ذكر الله تعالى النار في كتابه في مواضع كثيرة يتعسر حدها ويفوت عدها ووصفها. وأخبر بها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ونعتها فقال عز من قال {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] وقال {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29].</p><p>وقال {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} [الكهف: 102] وقال {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان: 11] وقال تعالى {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح: 25] وقال {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] وقال {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك: 5] وقال {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46] إلى غير ذلك من الأدلة القطعية التي كلها صيغ موضوعة للمعنى حقيقة فلا وجه للعدول عنها إلى المجازات إلا بصريح آية أو صحيح دلالة وأنى لهم ذلك؟</p><p>وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) . وفيهما أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأى في صلاة الكسوف النار فلم ير منظر أفظع من ذلك)) وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) وفيه دلالة على وجودها حال اطلاعه, ورواه الترمذي والنسائي أيضاً.</p><p>وفي الصحيح (باب صفة النار وأنها مخلوقة الآن) وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً, فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء, ونفس في الصيف, فأشد ما تجدون من الحر, وأشد ما تجدون من الزمهرير)) رواه البخاري أي من ذلك التنفس.</p><p>وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحمى من فيح جهنم, فأبردوها بالماء)) رواه البخاري وفي رواية ((من فور جهنم)) رواه عن رافع بن خديج. وكل ذلك يفيد وجود النار الآن، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما: ((ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم)) الحديث وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: قال ((لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال رأيت الجنة والنار)) .</p><p>وفي مسند أحمد ومسلم والسنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها, قال: فرجع إليه وقال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها, فأمر بها فحفت بالمكاره, فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها, فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع إليه: فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها, فأمر بها فحفت بالشهوات, فقال: ارجع إليها, فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها)) . قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.</p><p>وفي الصحيحين من حديثه أيضاً يرفعه: ((حجبت الجنة بالمكاره, وحجبت النار بالشهوات)) وفي الباب أحاديث كثيرة، وقال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في عقائده: (الجنة والنار حق, وهما مخلوقتان اليوم, باقيتان إلى يوم القيامة) انتهى، ونحوه ومثله في الكتب الأخرى المؤلفة في أصول الدين. </p><p>المبحث الرابع: شبهة من قال النار لم تخلق بعد</p><p>وقد ناقش شارح (الطحاوية) شبهة الذين قالوا: لم تخلق النار بعد، ورد عليها فقال: وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، و{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185]، وقد روى الترمذي في (جامعه)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر)) . وفيه أيضاً: من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة)) . قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى: عن امرأة فرعون أنها قالت: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11]. فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يُحدث فيها شيئاً بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث فيها عند دخولهم أموراً أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن – نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد {كُلُّ شَيْء} مما كتب الله عليه الفناء والهلاك {هَالِكٌ}، والجنة والنار خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا مُلْكَه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى: أنزل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى: عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضاً. </p><p> </p><p>المبحث الخامس: خزنة النار</p><p>يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. وعدتهم تسعة عشر ملكاً، كما قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 26 - 30] وقد فتن الكفار بهذا العدد، فقد ظنوا أنه يمكن التغلب على هذا العدد القليل، وغاب عنهم أن الواحد من هؤلاء يملك من القوة ما يواجه به البشر جميعاً، ولذلك عقب الحق على ما سبق بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر: 31]. قال ابن رجب: والمشهور بين السلف والخلف أن الفتنة إنما جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته. وهؤلاء الملائكة هم الذين سماهم الله بخزنة جهنم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} [غافر: 49]. </p><p>المبحث السادس: صفة النار</p><p>المطلب الأول: مكان النار</p><p>أما مكانها فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (جهنم في الأرض السابعة). رواه أبو نعيم .</p><p>وخرج ابن منده عن مجاهد قال: (قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة)......</p><p>وخرج ابن خزيمة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: (إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض) . وابن أبي الدنيا عن قتادة<img src="data:image/gif;base64,R0lGODlhAQABAIAAAAAAAP///yH5BAEAAAAALAAAAAABAAEAAAIBRAA7" class="smilie smilie--sprite smilie--sprite3" alt=":(" title="Frown :(" loading="lazy" data-shortname=":(" />كانوا يقولون: الجنة في السموات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع) . وفي حديث البراء في حق الكافر: ((يقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى, فتطرح روحه طرحاً)) خرجه الإمام أحمد، وغيره وتقدم أول الكتاب بطوله.</p><p>وأخرج الإمام أحمد بسند فيه نظر عن يعلى بن أمية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البحر هو جهنم)) فقالوا ليعلى: ألا تركبها. يعني: البحور. قال: ألا ترون أن الله يقول: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]. لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله عز وجل ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله عز وجل. </p><p>قال الحافظ ابن رجب : (وهذا إن شئت فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحراً واحداً، ثم يسجر ويوقد عليها فتصير ناراً، وتزاد في نار جهنم. وقد فسر قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] بنحو هذا). وقال ابن عباس: تسجر تصير ناراً. وفي رواية عنه: (تكون الشمس والقمر والنجوم في البحر, فيبعث الله عليها ريحاً دبورا فتنفخه حتى يرجع ناراً) رواه ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأخرجا عنه أيضاً في قوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54]. قال: (هو هذا البحر فتنشر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر فيه فيكون هو جهنم). وقال سيدنا علي رضي الله عنه ليهودي: (أين جهنم؟ قال: تحت البحر قال علي: صدق، ثم قرأ: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ})[التكوير: 6] رواه ابن أبي إياس.</p><p>وخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب رضي الله عنه في قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. قال: (قالت الجن للإنس: نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج) .</p><p>وفي سنن أبي داود عن ابن عمرو مرفوعاً: ((لا يركب البحر إلا حاجاً، أو معتمراً، أو غازياً في سبيل الله فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً)) . وروي عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائها فلذلك كان الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة)) . قال الحافظ ابن رجب: (هذا حديث غريب منكر) .</p><p>وقيل: إن النار في السماء. وخرج الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتيت بالبراق فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، وفتح لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار)) .</p><p>وخرج عنه أيضاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء فقرأت هذه الآية: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] فكأني لم أقرأها قط)) .</p><p>ولا حجة في هذا ونحوه على أن النار في السماء لجواز أن يراها في الأرض وهو في السماء, وهذا الميت يرى وهو في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض, وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآهما وهو في صلاة الكسوف وهو في الأرض, وفي بعض طريق حديث الإسراء عن أبي هريرة أنه مر على أرض الجنة والنار في مسيره إلى بيت المقدس . ولم يدل شيء من ذلك على أن الجنة في الأرض، فحديث حذيفة إن ثبت فيه أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي أي: رأيت الجنة والنار حال كوني في السماء، يعني: صدرت الرؤيا مني وأنا في السماء، ولا تعرض في الحديث للمرئي فتأمل.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35248, member: 329"] وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة قال بفناء حركات أهل الجنة والنار، بحيث يصيرون إلى سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة. وكل هذا باطل، قال شارح الطحاوية: (فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر به، قال تعالى: {وَأَما الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108]، أي غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله:{إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [ هود:108]) وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف السلف في هذا الاستثناء فقال: (واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: (إلا) بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف.وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعاً ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [ هود:108]، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم – مع خلودهم – في مشيئة الله، لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [ الإسراء:86]، وقوله تعالى: ({فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى:24]، وقوله: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس:16]، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقيل: إن (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك. وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [ هود:108]. وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [ص:54]. وقوله: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} [ الرعد:35].وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى} [الدخان:56].وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود:108]، - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها). الفصل الثاني: النار المبحث الأول: تعريف النار النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسحن فيه المجرمين. وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه، {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [آل عمران: 192]، {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63]، وقال: {إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]. وكيف لا تكون النار كما وصفنا وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره أقلامنا، وعن وصفه ألسنتنا، وهي مع ذلك خالدة وأهلها فيها خالدون، ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار {إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66]، {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} [ص: 55 – 56]. المبحث الثاني: الجنة والنار مخلوقتان قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة (الطحاوية): والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى: خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد. وقال ابن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية) في شرحه لهذا النص: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان، فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى: عن الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]، وعن النار {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلْطَّاغِينَ مَآبًا} [النبأ: 21 – 22]. وقال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 13– 15]. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى. كما في (الصحيحين)، من حديث أنس رضي الله عنه، في قصة الإسراء، وفي آخره: ((ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)) . وفي (الصحيحين) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)) وحديث البراء بن عازب وفيه: ((ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها)). وفي (صحيح مسلم)، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت)). وفي (الصحيحين) واللفظ للبخاري، عن عبدالله بن عباس، قال: ((انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ فقال: إني رأيت الجنة، فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم، يا رسول الله؟ قال: بكفرهن قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط)) وفي (صحيح مسلم) من حديث عائشة السابق أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بعد الصلاة: ((لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً)). وفي (الموطأ) و(السنن)، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة)) وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي (صحيح مسلم) و(السنن) و(المسند)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها)) ونظائر ذلك في السنة كثيرة وقد عقد البخاري في (صحيحه) باباً قال فيه: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة وساق في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على أن الجنة مخلوقة، منها الحديث الذي ينص على أن الله يُري الميت عندما يوضع في قبره مقعده من الجنة والنار ، وحديث اطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على الجنة والنار ، وحديث رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لقصر عمر بن الخطاب في الجنة ، وغير ذلك من الأحاديث، وقد كان ابن حجر مصيباً عندما قال: وأصرح مما ذكره البخاري في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها)) المبحث الثالث: في بيان وجود النار الآن أعلم أنه لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون, وأهل السنة, والحديث قاطبة. وفقهاء الإسلام, وأهل التصوف والزهد, على اعتقاد ذلك وإثباته، مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم،....، فإنهم دعوا الأمم إليها, وأخبروا بها, إلى أن نبغت نابغة من أهل البدع والأهواء فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة موجودة، وقالت بل الله ينشئها يوم المعاد. وأن خلق النار قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مدداً متطاولة ليس فيها سكانها؛ فردوا من النصوص الأصول والفروع، وضللوا كل من خالف بدعتهم هذه بما لا يسمن ولا يغني من جوع. ولهذا صار السلف الصالح ومن نحا نحوهم يذكرون في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان في الحال، ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث كافة لا يختلفون فيها، منهم أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين). وقد ذكر الله تعالى النار في كتابه في مواضع كثيرة يتعسر حدها ويفوت عدها ووصفها. وأخبر بها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ونعتها فقال عز من قال {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] وقال {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]. وقال {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} [الكهف: 102] وقال {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان: 11] وقال تعالى {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح: 25] وقال {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] وقال {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك: 5] وقال {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46] إلى غير ذلك من الأدلة القطعية التي كلها صيغ موضوعة للمعنى حقيقة فلا وجه للعدول عنها إلى المجازات إلا بصريح آية أو صحيح دلالة وأنى لهم ذلك؟ وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) . وفيهما أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأى في صلاة الكسوف النار فلم ير منظر أفظع من ذلك)) وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) وفيه دلالة على وجودها حال اطلاعه, ورواه الترمذي والنسائي أيضاً. وفي الصحيح (باب صفة النار وأنها مخلوقة الآن) وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً, فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء, ونفس في الصيف, فأشد ما تجدون من الحر, وأشد ما تجدون من الزمهرير)) رواه البخاري أي من ذلك التنفس. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحمى من فيح جهنم, فأبردوها بالماء)) رواه البخاري وفي رواية ((من فور جهنم)) رواه عن رافع بن خديج. وكل ذلك يفيد وجود النار الآن، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما: ((ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم)) الحديث وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: قال ((لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال رأيت الجنة والنار)) . وفي مسند أحمد ومسلم والسنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها, قال: فرجع إليه وقال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها, فأمر بها فحفت بالمكاره, فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها, فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع إليه: فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها, فأمر بها فحفت بالشهوات, فقال: ارجع إليها, فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها)) . قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وفي الصحيحين من حديثه أيضاً يرفعه: ((حجبت الجنة بالمكاره, وحجبت النار بالشهوات)) وفي الباب أحاديث كثيرة، وقال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في عقائده: (الجنة والنار حق, وهما مخلوقتان اليوم, باقيتان إلى يوم القيامة) انتهى، ونحوه ومثله في الكتب الأخرى المؤلفة في أصول الدين. المبحث الرابع: شبهة من قال النار لم تخلق بعد وقد ناقش شارح (الطحاوية) شبهة الذين قالوا: لم تخلق النار بعد، ورد عليها فقال: وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، و{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185]، وقد روى الترمذي في (جامعه)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر)) . وفيه أيضاً: من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة)) . قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى: عن امرأة فرعون أنها قالت: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11]. فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يُحدث فيها شيئاً بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث فيها عند دخولهم أموراً أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن – نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد {كُلُّ شَيْء} مما كتب الله عليه الفناء والهلاك {هَالِكٌ}، والجنة والنار خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا مُلْكَه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى: أنزل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى: عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضاً. المبحث الخامس: خزنة النار يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. وعدتهم تسعة عشر ملكاً، كما قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 26 - 30] وقد فتن الكفار بهذا العدد، فقد ظنوا أنه يمكن التغلب على هذا العدد القليل، وغاب عنهم أن الواحد من هؤلاء يملك من القوة ما يواجه به البشر جميعاً، ولذلك عقب الحق على ما سبق بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر: 31]. قال ابن رجب: والمشهور بين السلف والخلف أن الفتنة إنما جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته. وهؤلاء الملائكة هم الذين سماهم الله بخزنة جهنم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} [غافر: 49]. المبحث السادس: صفة النار المطلب الأول: مكان النار أما مكانها فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (جهنم في الأرض السابعة). رواه أبو نعيم . وخرج ابن منده عن مجاهد قال: (قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة)...... وخرج ابن خزيمة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: (إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض) . وابن أبي الدنيا عن قتادة:(كانوا يقولون: الجنة في السموات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع) . وفي حديث البراء في حق الكافر: ((يقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى, فتطرح روحه طرحاً)) خرجه الإمام أحمد، وغيره وتقدم أول الكتاب بطوله. وأخرج الإمام أحمد بسند فيه نظر عن يعلى بن أمية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البحر هو جهنم)) فقالوا ليعلى: ألا تركبها. يعني: البحور. قال: ألا ترون أن الله يقول: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]. لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله عز وجل ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله عز وجل. قال الحافظ ابن رجب : (وهذا إن شئت فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحراً واحداً، ثم يسجر ويوقد عليها فتصير ناراً، وتزاد في نار جهنم. وقد فسر قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] بنحو هذا). وقال ابن عباس: تسجر تصير ناراً. وفي رواية عنه: (تكون الشمس والقمر والنجوم في البحر, فيبعث الله عليها ريحاً دبورا فتنفخه حتى يرجع ناراً) رواه ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأخرجا عنه أيضاً في قوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54]. قال: (هو هذا البحر فتنشر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر فيه فيكون هو جهنم). وقال سيدنا علي رضي الله عنه ليهودي: (أين جهنم؟ قال: تحت البحر قال علي: صدق، ثم قرأ: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ})[التكوير: 6] رواه ابن أبي إياس. وخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب رضي الله عنه في قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. قال: (قالت الجن للإنس: نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج) . وفي سنن أبي داود عن ابن عمرو مرفوعاً: ((لا يركب البحر إلا حاجاً، أو معتمراً، أو غازياً في سبيل الله فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً)) . وروي عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائها فلذلك كان الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة)) . قال الحافظ ابن رجب: (هذا حديث غريب منكر) . وقيل: إن النار في السماء. وخرج الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتيت بالبراق فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، وفتح لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار)) . وخرج عنه أيضاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء فقرأت هذه الآية: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] فكأني لم أقرأها قط)) . ولا حجة في هذا ونحوه على أن النار في السماء لجواز أن يراها في الأرض وهو في السماء, وهذا الميت يرى وهو في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض, وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآهما وهو في صلاة الكسوف وهو في الأرض, وفي بعض طريق حديث الإسراء عن أبي هريرة أنه مر على أرض الجنة والنار في مسيره إلى بيت المقدس . ولم يدل شيء من ذلك على أن الجنة في الأرض، فحديث حذيفة إن ثبت فيه أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي أي: رأيت الجنة والنار حال كوني في السماء، يعني: صدرت الرؤيا مني وأنا في السماء، ولا تعرض في الحديث للمرئي فتأمل. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية