الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35255" data-attributes="member: 329"><p>لم أقف على مخالف لهذا الإجماع.. والإجماع فيها قائم وسالم لا معارض له.. ويدل لذلك أمور:</p><p>أولاً: النصوص الكثيرة التي نقلها سلف الأمة وأئمة هذا الدين من الإجماع على عدم فناء النار وخلود الكفار فيها خلوداً مؤبداً، وقد أشرنا إلى بعضها آنفاً، مع اختلاف أزمانهم وبلدانهم ولن يتتابع هؤلاء الأئمة في نقل الإجماع على مسألة وفيها من يخالف هذا الإجماع من العلماء فضلاً عن أن يكون المخالف من الصحابة!!.</p><p>ثانياً: الذين ذكروا بعض المخالفين لفناء النار.. فقد نقلوا الإجماع على خلود الكفار فيها خلوداً مؤبداً.</p><p>فيقول ابن القيم – رحمه الله -: (الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها) .</p><p>ويقول – رحمه الله -: (الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدون في النار أبداً، وأنهم غير خارجين منها وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين) .</p><p>ثالثاً: الآثار التي استدل بها من يقول بفناء النار.. فقد بين العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني – رحمه الله – في كتابه الموسوم (رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) ومحقق الكتاب العلامة الألباني – رحمه الله – بينا أنها آثار لا تصح والصحيح منها غير صريح، فهي إما غير صحيحة أو غير صريحة! فكيف يخالف بها الإجماع المنقول عن سلف الأمة وأئمتها!! </p><p>المطلب الثاني: القائلون بفناء النار</p><p>المخالفون لمذهب أهل الحق في هذه المسألة...: </p><p>1- الجهمية: القائلون بفناء النار وفناء الجنة أيضاً، وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتاب (الرد على الزنادقة) مذهب الجهمية بأن النار والجنة تفنيان، ورد عليهم ذاكراً النصوص الدالة على عدم فنائهما. </p><p>2- الخوارج والمعتزلة: يقولون بخلود كل من يدخل النار، ولو كانوا من أهل التوحيد، وسر هذا القول أن الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب، فكل من ارتكب ذنباً، فإنه كافر خالد مخلد في نار جهنم، والمعتزلة يرون أن من ارتكب ذنباً في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، ويجرون عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ولكنه في الآخرة مخلد في نار جهنم، وقد سقنا كثيراً من النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يخرجون من النار. </p><p>3- اليهود: الذين يزعمون أنهم يعذبون في النار وقتاً محدوداً، ثم يخلفهم غيرهم فيها، وقد أكذبهم الله في زعمهم، ورد عليهم مقالتهم {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 80 - 81 ]. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23 - 24 ].</p><p>ونقل ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية البقرة: (قال أعداء الله اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب).</p><p>وذكر ابن جرير عن السدي قوله: (قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل، فلذلك أمرنا أن نختن، قالوا: فلا يدعون منا في النار أحداً إلا أخرجوه). </p><p>وذكر أيضاً ابن عباس قال: (ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوباً: إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهي إلى شجرة الزقوم ثابتة في أصل الجحيم، وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياماً معدودة).</p><p>قال ابن جرير: (وإنما يعني بذلك يعني بذلك المسير الذي ينتهي في أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل، فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة:80 ]. يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: (لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياماً معدودة، فقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون). </p><p>4- قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي، فإنه زعم أن أهلها يعذبون فيها مدة، ثم تنقلب طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها لطبائعهم، قال ابن حجر في الفتح: (وهذا قول بعض من ينسب إلى التصوف من الزنادقة). </p><p>5- قول من زعم أن أهلها يخرجون منها، وتبقى على حالها خالدة لا تبيد. 6- قول أبي هذيل العلاف من أئمة المعتزلة الذاهب إلى أن حياة أهل النار تفنى، ويصيرون جماداً لا يتحركون، ولا يحسون بألم، قال بذلك لأنه يقول بامتناع حوادث لا نهاية لها، فخالف الأدلة الصريحة القطيعة الثبوت بمقاييس عقلية باطلة. ... وقد تتابع العلماء في التأليف لبيان خطأ هذا المذهب، يقول ابن حجر العسقلاني بعد حكايته لهذا القول: (وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول، ونصره بعدة أوجه من جهة النظر، وهو مذهب رديء مردود على قائله، وقد أطنب السبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد) ، وهذا الكتاب الذي أشار إليه هو (الاعتبار ببقاء الجنة والنار) لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة 756. وقال صديق حسن خان: (وقد ألف العلامة الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي رسالة سماها: (توفيق الفريقين على خلود أهل الدارين)، وفي الباب رسالة للسيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير، ورسالة للقاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني، حاصلهما بقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما). ... ومن الذين تعرضوا لهذه المسألة القرطبي في (التذكرة)، فقد ساق النصوص الدالة على خلود الجنة والنار، والمخبرة بأن الموت يذبح بين الجنة والنار ثم يقال: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) ثم قال: (هذه الأحاديث مع صحتها في خلود أهل الدارين فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة). </p><p>ورد القرطبي على الذين قالوا بفناء النار، وبين أن الذي يفنى إنما هو النار التي يدخلها عصاة الموحدين، قال: (فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول. وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العلية التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها الجرجير). </p><p>ونقل القرطبي عن فضل بن صالح المعافري قال: (كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا، لأنه جاءني رجل يستأذن علي زعم أنه قدم من الشام في مسألة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في أكل الجرجير، فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به . فقال: أستودعك الله، وأقرأ عليك السلام، ذكره الخطيب أبو بكر أحمد رحمه الله، وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد، يعني من الموحدين)) هكذا رواه موقوفاً عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع). </p><p>قال القرطبي: أجمع علماء أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها, كإبليس وفرعون, وهامان, وقارون, وكل من كفر وتكبر, وطغى وتجبر, فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، وقد وعدهم الله عذاباً أليماً فقال عز وجل: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} وأجمع أهل السنة أيضاً على أنه لا يبقى فيها مؤمن, ولا يخلد فيها إلا كافر جاحد. فاعلمه.</p><p>وقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء: فقال إنه يخرج من النار كل كافر, ومبطل, وشيطان, وجاحد ويدخل الجنة, وإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب، فيعكس عليه فيقال: وكذلك جائز في العقل: أن تنقطع صفة الرحمة, فيلزم عليه أن تدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق قال تعالى في حق أهل الجنان {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] أي غير مقطوع وقال: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] وقال: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الانشقاق: 25] وقال: {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [التوبة: 21-22] وقال في حق الكافرين: {لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} [الأعراف: 40] وقال {فَاليَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الجاثية: 35] وهذا واضح.</p><p>وبالجملة فلا مدخل للعقول فيمن اقتطع أصله بالإجماع والنقول. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، انتهى. </p><p>الكتاب السابع: الإيمان بالقضاء والقدر</p><p>الباب الأول: تعريف القضاء والقدر وحكمه ومراتبه</p><p>الفصل الأول: تعريف القضاء والقدر</p><p>المطلب الأول: القضاء لغة</p><p>هو بالمد، ويقصر، أصله، قضاي، فلما جاءت الياء بعد ألف زائدة متطرفة همزت وجمعه أقضية .</p><p>قال ابن فارس: (القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته) . وقال في (النهاية): (القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه) .</p><p>ويتبين مما تقدم أن معنى القضاء في اللغة هو إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء، وإليه ترجع جميع معاني القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر .</p><p>وقد ورد لفظ القضاء ومشتقاته كثيراً في القرآن الكريم، وكل معانيه، التي قد تأتي متداخلة أحياناً، ترجع إلى الأصل السابق، فمن المعاني التي ورد بها:</p><p>1- معنى الأمر، ومنه قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، أي: أمر سبحانه وتعالى بعبادته وحده لا شريك له .</p><p>2- معنى الأداء والإنهاء، {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ} [الحجر: 66]، أي: تقدمنا إليه وأنهينا .</p><p>3- معنى الحكم، ومنه قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} [طه: 72] اصنع, واحكم, وافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك .</p><p>4- ومعنى الفراغ، ومنه قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [ فصلت: 12] أي: فرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين, ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ} [القصص: 29] أي: فرغ من الأجل الأوفى والأتم .</p><p>5- ومعنى الأداء، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] أديتموها وفرغتم منها وهذا داخل في المعنى السابق.</p><p>6- ومعنى الإعلام، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [ الإسراء: 4] أي: تقدمنا وأخبرنا بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزل إليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين .</p><p>7- وبمعنى الموت، يقال: ضربه فقضى عليه، أي: قتله قال تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [ القصص: 15], أي قتله.</p><p>هذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرتها كتب اللغة ومن خلال عرض هذه المعاني يتبين ما بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي من رابط قوي، فتقدير الله للأمور، وكتابته لذلك، وكونها تجري بحكمة ودقة على حسب ما أرادها سبحانه وقضاها، كل هذه المعاني يوحي بها المعنى اللغوي. </p><p>المطلب الثاني: القدر لغة</p><p>قدر: (القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)</p><p>وهو بتسكين الدال وفتحها مع فتح القاف, وقد نقل الصغاني عن الفراء أنه قد يأتي بضم القاف (قدر) ولما كان لفظ القدر يأتي بسكون الدال وفتحها قال اللحياني: إن القدر – بالفتح - الاسم، والقدر- بالسكون - المصدر ويطلق القدر على الحكم والقضاء, ومن ذلك حديث الاستخارة وفيه: ((فاقدره لي ويسره لي)).</p><p>والقدر، بتحريك الدال وإسكانها، الطاقة ومن ذلك قوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} [البقرة:236] بفتح الدال، وقرئ بإسكانها.</p><p>ويأتي القدر بمعنى التضييق، ومنه قوله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر:16] وعليه فسر قوله –تعالى- عن يونس-عليه السلام-: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء : 87[ أي: لن نضيق عليه.]</p><p> وقدرت الشيء أقدره من التقدير، ومنه الحديث: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) أي: قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومياً، وقيل: قدروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون .</p><p>وقدر كل شيء ومقداره: مقياسه، يقال قدره به قدراً إذا قاسه، والقدر من الرحال والسروج: والوسط، وقدرت الشيء قدارة، أي: هيأت ووقت، ومنه قول الأعشى:</p><p></p><p> فأقدر بذرعِك بيننا </p><p>إن كنت بوَّأْتَ القدارة </p><p></p><p>والقدرة، اليسار، والغنى، والقوة .</p><p>هذه هي أهم المعاني لـ(القدر) في اللغة. وهناك معان أخرى جانبية تعرضت لها كتب اللغة .</p><p>ويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي - كما سيأتي - من رابط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومن معاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، ومن معانيه الأمر، والحكم، والإعلام، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها، ويتبين من خلال ذلك ما بين معنى القضاء والقدر في اللغة والشرع من ترابط. </p><p>المبحث الثاني: معنى القضاء والقدر شرعاً، والفرق بينهما</p><p>المطلب الأول: معنى القضاء والقدر شرعاً</p><p>هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها </p><p>المطلب الثاني: الفرق بين القضاء والقدر</p><p>انقسم العلماء في ذلك إلى فريقين:</p><p>الفريق الأول: قالوا بأنه لا فرق بين القضاء والقدر، فكل واحد منهما في معنى الآخر، فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر، ولذلك إذا أطلق القضاء وحده فسر بالقدر، وكذلك القدر، فلا فرق بينهما في اللغة، كما أنه لا دليل على التفريق بينهما في الشرع.</p><p>الفريق الثاني: قالوا بالفرق بينهما، ولكن هؤلاء اختلفوا في التمييز بينهما على أقوال:</p><p>القول الأول: رأي أبي حامد الغزالي, أن هناك - بالنسبة لتدبير الله وخلقه - ثلاثة أمور:</p><p>1- الحكم: وهو التدبير الأول الكلي، والأمر الأزلي.</p><p>2- القدر: وهو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة، بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص .</p><p>القول الثاني: من فرق بينهما بأن القضاء: هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزيئات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل .</p><p>القول الثالث: أن القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل والتقطيع فالقضاء أخص من القدر الذي هو كالأساس .</p><p>القول الرابع: ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنه لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: (أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله) تنبيهاً على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله, فإذا قضي فلا مدفع له </p><p>والاستشهاد بالحادثة ضعيف لأنها لم ترد بهذا اللفظ</p><p>القول الخامس: قول الماتريدية وقد فرقوا بينهما: بأن القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، أي: الإيمان على وفق القدر السابق، والقدر هو ما يتعلق بعلم الله الأزلي، وذلك بجعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده .</p><p>القول السادس: قول الأشاعرة وجمهور أهل السنة:</p><p>أ- أن القضاء هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحادث.</p><p>ب- والقدر إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحددة في كل ما يتعلق بها </p><p>هذه هي أهم الأقوال في الفرق بين القضاء والقدر، ونلخص منها إلى ما يلي: </p><p>1- الذين فرقوا بينهما ليس لهم دليل واضح من الكتاب والسنة يفصل في القضية.</p><p>2- عند إطلاق أحدهما يشمل الآخر , وهذا يوحي بأنه لا فرق بينهما في الاصطلاح ولذا فالراجح أنه لا فرق بينهما.</p><p>3- ولا فائدة من هذا الخلاف، وعلى هذا فيكون التعريف السابق للقضاء والقدر شرعاً هو الراجح. </p><p></p><p>المبحث الثالث: نشأة القول بالقدر (القدرية الأولى)</p><p>الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، وقد بيَّن هذا الكتاب والسنة مفهوم القدر، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن العمل والأخذ بالأسباب هو من القدر ولا ينافيه ولا يناقضه، وحذر أمته من الذين يكذبون بالقدر، أو يعارضون به الشرع. وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً عندما خرج على أصحابه يوماً وهم يتنازعون في القدر، حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: ((أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)) . واستجاب الصحابة رضوان الله عليهم لعزيمة نبيهم وتوجيهه، فلم يُعرف عن أحد منهم أنه نازع في القدر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته.</p><p>ولم يَردْ إلينا أن واحداً من المسلمين نازع في القدر في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان، وكل ما ورد إلينا أن أبا عبيدة عامر بن الجراح اعترض على رجوع عمر بالناس عن دخول الشام عندما انتشر بها الطاعون، وقال لعمر بن الخطاب: (يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله ؟) فقال عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدرة الله) . وروى اللالكائي أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية (من أرض الشام فقال في خطبته: من يضلل الله فلا هادي له, وكان الجثاليق بين يديه، فقال: إن الله لا يضل أحداً، وعندما كررها عمر بن الخطاب نفض الجثاليق ثوبه ينكر قول عمر. فقال له عمر بعد أن تُرجم له كلامه: كذبت يا عدو الله خلقك الله، والله يضلك، ثم يميتك، فيدخلك النار إن شاء الله... إن الله خلق الخلق، وقال: حين خلق آدم نثر ذريته في يده، وكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان) . </p><p>وقد اختلفت الآراء حول نشأة القول بالقدر في الإسلام، وعلى يد من نشأ القول به, وأهم الأقوال التي قيلت في ذلك هي:</p><p>القول الأول: تكاد تجمع المصادر على أن أول من قال بالقدر (معبد الجهني), وأن ذلك كان بالبصرة في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وكل من ترجم لمعبد الجهني هذا قال عنه: إنه أول من تكلم بالقدر ، أو ابتدع القول بالقدر، ومعلوم أن المقصود إنما هو نفي القدر، ودليل هذا القول: رواية مسلم في صحيحه في الحديث المشهور فقد روى عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني, فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين, فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر, فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد, فاكتنفته أنا وصاحبي, أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله, فظننت أن صاحبي سيكل الأمر إلي، فقلت: أبا عبدالرحمن, إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف...) الحديث ، وهذا يفيد أن معبداً هو أول من قال بالقدر.</p><p>وهناك من يقول: إن أول من ابتدع القول بالقدر رجل من أهل البصرة من المجوس اسمه (سيسويه) وقال محمد بن شعيب الأوزاعي: (أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له: (سوسن), وكان نصرانياً فأسلم ثم تنصر) وهؤلاء يقولون: إن معبداً الجهني أخذ عن (سوسن) القول بالقدر .</p><p>وقد يكون من المحتمل أن الفكرة من أساسها كانت عند هذا الرجل النصراني الذي تظاهر بالإسلام, أو عند هذا المجوسي سيسويه، ولكنه لم يستطع بشخصه أن يجاهر بها ويذيعها بين الناس لعدم ثقة الناس به، فتأثر به معبد الجهني الذي نطق بها علانية ونشرها, فاشتهرت عنه.</p><p>ويلاحظ أن اسم (سيسويه) و(سوسن) متقاربان، فلعلهما شخص واحد.</p><p>وهناك من المعاصرين من ينكر أي أثر للنصارى أو لرجل نصراني على معبد الجهني حول فكرة القول بالقدر، مدعياً (أن محاولة ربط عقائد أصحاب مذهب الإرادة الحرة بنصراني أسلم ثم تنصر محاولة غير صحيحة، سار عليها أصحاب الفرق المختلفة) .</p><p>وهذه دعوة لا يعتمد عليها في القضية، إذ المعتمد في النفي أو الإثبات إنما هو الروايات التاريخية في صحتها أو عدم صحتها، والكتاب نفسه ذكر في كتابه الذي قال فيه هذا الكلام فصلاً طويلاً عن أثر (المسيحية) في نشأة علم الكلام والفرق .</p><p>هذا هو القول الأول، وقد أخذ عن معبد الجهني قوله بنفي القدر شخص آخر اسمه غيلان الدمشقي ويعد ثاني من تكلم بالقدر.</p><p>وهؤلاء هم القدرية الأوائل الذين أنكروا القدر, وأنكروا علم الله السابق بالأمور، وهذا معنى ما في حديث مسلم أنهم: يزعمون ألا قدر, وأن الأمر أنف، أي: مستأنف لم يسبق لله - تعالى - فيه علم, وهؤلاء هم الذين تبرأ منهم من سمع بهم من الصحابة كعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن العباس، وأنس بن مالك، وعبدالله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم , وهؤلاء أيضاً هم الذين قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله، القدرية يكفرون .</p><p>القول الثاني: أن أول ما حدث القول بالقدر في الحجاز، قبل معبد الجهني، وأن ذلك وقع لما احترقت الكعبة وعبدالله بن الزبير رضي الله عنه محصورا بمكة فقال أناس: احترقت بقدر الله تعالى, وقال: أناس لم تحترق بقدر الله .</p><p>القول الثالث: أن أول من نادى بالقدر في الشام هو (عمرو المقصوص), وكان عمرو هذا معلماً لمعاوية الثاني, وأثر عليه كثيراً, فاعتنق أقواله في القدر، حتى إنه لما أن تولى الخلافة كان عمرو هذا هو الذي أثر عليه فاعتزلها حتى مات، ووثب بنو أمية على عمرو المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته، ثم دفنوه حياً حتى مات, وهذا القول ضعيف، لأن معاوية بن يزيد كان رجلاً صالحاً، وعمرو المقصوص لم أجد من ذكر قصته من المؤرخين غير ابن العبري.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35255, member: 329"] لم أقف على مخالف لهذا الإجماع.. والإجماع فيها قائم وسالم لا معارض له.. ويدل لذلك أمور: أولاً: النصوص الكثيرة التي نقلها سلف الأمة وأئمة هذا الدين من الإجماع على عدم فناء النار وخلود الكفار فيها خلوداً مؤبداً، وقد أشرنا إلى بعضها آنفاً، مع اختلاف أزمانهم وبلدانهم ولن يتتابع هؤلاء الأئمة في نقل الإجماع على مسألة وفيها من يخالف هذا الإجماع من العلماء فضلاً عن أن يكون المخالف من الصحابة!!. ثانياً: الذين ذكروا بعض المخالفين لفناء النار.. فقد نقلوا الإجماع على خلود الكفار فيها خلوداً مؤبداً. فيقول ابن القيم – رحمه الله -: (الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها) . ويقول – رحمه الله -: (الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدون في النار أبداً، وأنهم غير خارجين منها وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين) . ثالثاً: الآثار التي استدل بها من يقول بفناء النار.. فقد بين العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني – رحمه الله – في كتابه الموسوم (رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) ومحقق الكتاب العلامة الألباني – رحمه الله – بينا أنها آثار لا تصح والصحيح منها غير صريح، فهي إما غير صحيحة أو غير صريحة! فكيف يخالف بها الإجماع المنقول عن سلف الأمة وأئمتها!! المطلب الثاني: القائلون بفناء النار المخالفون لمذهب أهل الحق في هذه المسألة...: 1- الجهمية: القائلون بفناء النار وفناء الجنة أيضاً، وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتاب (الرد على الزنادقة) مذهب الجهمية بأن النار والجنة تفنيان، ورد عليهم ذاكراً النصوص الدالة على عدم فنائهما. 2- الخوارج والمعتزلة: يقولون بخلود كل من يدخل النار، ولو كانوا من أهل التوحيد، وسر هذا القول أن الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب، فكل من ارتكب ذنباً، فإنه كافر خالد مخلد في نار جهنم، والمعتزلة يرون أن من ارتكب ذنباً في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، ويجرون عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ولكنه في الآخرة مخلد في نار جهنم، وقد سقنا كثيراً من النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يخرجون من النار. 3- اليهود: الذين يزعمون أنهم يعذبون في النار وقتاً محدوداً، ثم يخلفهم غيرهم فيها، وقد أكذبهم الله في زعمهم، ورد عليهم مقالتهم {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 80 - 81 ]. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23 - 24 ]. ونقل ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية البقرة: (قال أعداء الله اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب). وذكر ابن جرير عن السدي قوله: (قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل، فلذلك أمرنا أن نختن، قالوا: فلا يدعون منا في النار أحداً إلا أخرجوه). وذكر أيضاً ابن عباس قال: (ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوباً: إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهي إلى شجرة الزقوم ثابتة في أصل الجحيم، وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياماً معدودة). قال ابن جرير: (وإنما يعني بذلك يعني بذلك المسير الذي ينتهي في أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل، فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة:80 ]. يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: (لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياماً معدودة، فقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون). 4- قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي، فإنه زعم أن أهلها يعذبون فيها مدة، ثم تنقلب طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها لطبائعهم، قال ابن حجر في الفتح: (وهذا قول بعض من ينسب إلى التصوف من الزنادقة). 5- قول من زعم أن أهلها يخرجون منها، وتبقى على حالها خالدة لا تبيد. 6- قول أبي هذيل العلاف من أئمة المعتزلة الذاهب إلى أن حياة أهل النار تفنى، ويصيرون جماداً لا يتحركون، ولا يحسون بألم، قال بذلك لأنه يقول بامتناع حوادث لا نهاية لها، فخالف الأدلة الصريحة القطيعة الثبوت بمقاييس عقلية باطلة. ... وقد تتابع العلماء في التأليف لبيان خطأ هذا المذهب، يقول ابن حجر العسقلاني بعد حكايته لهذا القول: (وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول، ونصره بعدة أوجه من جهة النظر، وهو مذهب رديء مردود على قائله، وقد أطنب السبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد) ، وهذا الكتاب الذي أشار إليه هو (الاعتبار ببقاء الجنة والنار) لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة 756. وقال صديق حسن خان: (وقد ألف العلامة الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي رسالة سماها: (توفيق الفريقين على خلود أهل الدارين)، وفي الباب رسالة للسيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير، ورسالة للقاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني، حاصلهما بقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما). ... ومن الذين تعرضوا لهذه المسألة القرطبي في (التذكرة)، فقد ساق النصوص الدالة على خلود الجنة والنار، والمخبرة بأن الموت يذبح بين الجنة والنار ثم يقال: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) ثم قال: (هذه الأحاديث مع صحتها في خلود أهل الدارين فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة). ورد القرطبي على الذين قالوا بفناء النار، وبين أن الذي يفنى إنما هو النار التي يدخلها عصاة الموحدين، قال: (فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول. وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العلية التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها الجرجير). ونقل القرطبي عن فضل بن صالح المعافري قال: (كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا، لأنه جاءني رجل يستأذن علي زعم أنه قدم من الشام في مسألة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في أكل الجرجير، فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به . فقال: أستودعك الله، وأقرأ عليك السلام، ذكره الخطيب أبو بكر أحمد رحمه الله، وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد، يعني من الموحدين)) هكذا رواه موقوفاً عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع). قال القرطبي: أجمع علماء أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها, كإبليس وفرعون, وهامان, وقارون, وكل من كفر وتكبر, وطغى وتجبر, فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، وقد وعدهم الله عذاباً أليماً فقال عز وجل: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} وأجمع أهل السنة أيضاً على أنه لا يبقى فيها مؤمن, ولا يخلد فيها إلا كافر جاحد. فاعلمه. وقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء: فقال إنه يخرج من النار كل كافر, ومبطل, وشيطان, وجاحد ويدخل الجنة, وإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب، فيعكس عليه فيقال: وكذلك جائز في العقل: أن تنقطع صفة الرحمة, فيلزم عليه أن تدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق قال تعالى في حق أهل الجنان {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] أي غير مقطوع وقال: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] وقال: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الانشقاق: 25] وقال: {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [التوبة: 21-22] وقال في حق الكافرين: {لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} [الأعراف: 40] وقال {فَاليَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الجاثية: 35] وهذا واضح. وبالجملة فلا مدخل للعقول فيمن اقتطع أصله بالإجماع والنقول. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، انتهى. الكتاب السابع: الإيمان بالقضاء والقدر الباب الأول: تعريف القضاء والقدر وحكمه ومراتبه الفصل الأول: تعريف القضاء والقدر المطلب الأول: القضاء لغة هو بالمد، ويقصر، أصله، قضاي، فلما جاءت الياء بعد ألف زائدة متطرفة همزت وجمعه أقضية . قال ابن فارس: (القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته) . وقال في (النهاية): (القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه) . ويتبين مما تقدم أن معنى القضاء في اللغة هو إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء، وإليه ترجع جميع معاني القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر . وقد ورد لفظ القضاء ومشتقاته كثيراً في القرآن الكريم، وكل معانيه، التي قد تأتي متداخلة أحياناً، ترجع إلى الأصل السابق، فمن المعاني التي ورد بها: 1- معنى الأمر، ومنه قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، أي: أمر سبحانه وتعالى بعبادته وحده لا شريك له . 2- معنى الأداء والإنهاء، {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ} [الحجر: 66]، أي: تقدمنا إليه وأنهينا . 3- معنى الحكم، ومنه قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} [طه: 72] اصنع, واحكم, وافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك . 4- ومعنى الفراغ، ومنه قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [ فصلت: 12] أي: فرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين, ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ} [القصص: 29] أي: فرغ من الأجل الأوفى والأتم . 5- ومعنى الأداء، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] أديتموها وفرغتم منها وهذا داخل في المعنى السابق. 6- ومعنى الإعلام، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [ الإسراء: 4] أي: تقدمنا وأخبرنا بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزل إليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين . 7- وبمعنى الموت، يقال: ضربه فقضى عليه، أي: قتله قال تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [ القصص: 15], أي قتله. هذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرتها كتب اللغة ومن خلال عرض هذه المعاني يتبين ما بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي من رابط قوي، فتقدير الله للأمور، وكتابته لذلك، وكونها تجري بحكمة ودقة على حسب ما أرادها سبحانه وقضاها، كل هذه المعاني يوحي بها المعنى اللغوي. المطلب الثاني: القدر لغة قدر: (القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته) وهو بتسكين الدال وفتحها مع فتح القاف, وقد نقل الصغاني عن الفراء أنه قد يأتي بضم القاف (قدر) ولما كان لفظ القدر يأتي بسكون الدال وفتحها قال اللحياني: إن القدر – بالفتح - الاسم، والقدر- بالسكون - المصدر ويطلق القدر على الحكم والقضاء, ومن ذلك حديث الاستخارة وفيه: ((فاقدره لي ويسره لي)). والقدر، بتحريك الدال وإسكانها، الطاقة ومن ذلك قوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} [البقرة:236] بفتح الدال، وقرئ بإسكانها. ويأتي القدر بمعنى التضييق، ومنه قوله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر:16] وعليه فسر قوله –تعالى- عن يونس-عليه السلام-: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء : 87[ أي: لن نضيق عليه.] وقدرت الشيء أقدره من التقدير، ومنه الحديث: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) أي: قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومياً، وقيل: قدروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون . وقدر كل شيء ومقداره: مقياسه، يقال قدره به قدراً إذا قاسه، والقدر من الرحال والسروج: والوسط، وقدرت الشيء قدارة، أي: هيأت ووقت، ومنه قول الأعشى: فأقدر بذرعِك بيننا إن كنت بوَّأْتَ القدارة والقدرة، اليسار، والغنى، والقوة . هذه هي أهم المعاني لـ(القدر) في اللغة. وهناك معان أخرى جانبية تعرضت لها كتب اللغة . ويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي - كما سيأتي - من رابط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومن معاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، ومن معانيه الأمر، والحكم، والإعلام، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها، ويتبين من خلال ذلك ما بين معنى القضاء والقدر في اللغة والشرع من ترابط. المبحث الثاني: معنى القضاء والقدر شرعاً، والفرق بينهما المطلب الأول: معنى القضاء والقدر شرعاً هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها المطلب الثاني: الفرق بين القضاء والقدر انقسم العلماء في ذلك إلى فريقين: الفريق الأول: قالوا بأنه لا فرق بين القضاء والقدر، فكل واحد منهما في معنى الآخر، فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر، ولذلك إذا أطلق القضاء وحده فسر بالقدر، وكذلك القدر، فلا فرق بينهما في اللغة، كما أنه لا دليل على التفريق بينهما في الشرع. الفريق الثاني: قالوا بالفرق بينهما، ولكن هؤلاء اختلفوا في التمييز بينهما على أقوال: القول الأول: رأي أبي حامد الغزالي, أن هناك - بالنسبة لتدبير الله وخلقه - ثلاثة أمور: 1- الحكم: وهو التدبير الأول الكلي، والأمر الأزلي. 2- القدر: وهو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة، بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص . القول الثاني: من فرق بينهما بأن القضاء: هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزيئات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل . القول الثالث: أن القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل والتقطيع فالقضاء أخص من القدر الذي هو كالأساس . القول الرابع: ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنه لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: (أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله) تنبيهاً على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله, فإذا قضي فلا مدفع له والاستشهاد بالحادثة ضعيف لأنها لم ترد بهذا اللفظ القول الخامس: قول الماتريدية وقد فرقوا بينهما: بأن القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، أي: الإيمان على وفق القدر السابق، والقدر هو ما يتعلق بعلم الله الأزلي، وذلك بجعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده . القول السادس: قول الأشاعرة وجمهور أهل السنة: أ- أن القضاء هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحادث. ب- والقدر إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحددة في كل ما يتعلق بها هذه هي أهم الأقوال في الفرق بين القضاء والقدر، ونلخص منها إلى ما يلي: 1- الذين فرقوا بينهما ليس لهم دليل واضح من الكتاب والسنة يفصل في القضية. 2- عند إطلاق أحدهما يشمل الآخر , وهذا يوحي بأنه لا فرق بينهما في الاصطلاح ولذا فالراجح أنه لا فرق بينهما. 3- ولا فائدة من هذا الخلاف، وعلى هذا فيكون التعريف السابق للقضاء والقدر شرعاً هو الراجح. المبحث الثالث: نشأة القول بالقدر (القدرية الأولى) الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، وقد بيَّن هذا الكتاب والسنة مفهوم القدر، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن العمل والأخذ بالأسباب هو من القدر ولا ينافيه ولا يناقضه، وحذر أمته من الذين يكذبون بالقدر، أو يعارضون به الشرع. وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً عندما خرج على أصحابه يوماً وهم يتنازعون في القدر، حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: ((أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)) . واستجاب الصحابة رضوان الله عليهم لعزيمة نبيهم وتوجيهه، فلم يُعرف عن أحد منهم أنه نازع في القدر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته. ولم يَردْ إلينا أن واحداً من المسلمين نازع في القدر في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان، وكل ما ورد إلينا أن أبا عبيدة عامر بن الجراح اعترض على رجوع عمر بالناس عن دخول الشام عندما انتشر بها الطاعون، وقال لعمر بن الخطاب: (يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله ؟) فقال عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدرة الله) . وروى اللالكائي أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية (من أرض الشام فقال في خطبته: من يضلل الله فلا هادي له, وكان الجثاليق بين يديه، فقال: إن الله لا يضل أحداً، وعندما كررها عمر بن الخطاب نفض الجثاليق ثوبه ينكر قول عمر. فقال له عمر بعد أن تُرجم له كلامه: كذبت يا عدو الله خلقك الله، والله يضلك، ثم يميتك، فيدخلك النار إن شاء الله... إن الله خلق الخلق، وقال: حين خلق آدم نثر ذريته في يده، وكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان) . وقد اختلفت الآراء حول نشأة القول بالقدر في الإسلام، وعلى يد من نشأ القول به, وأهم الأقوال التي قيلت في ذلك هي: القول الأول: تكاد تجمع المصادر على أن أول من قال بالقدر (معبد الجهني), وأن ذلك كان بالبصرة في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وكل من ترجم لمعبد الجهني هذا قال عنه: إنه أول من تكلم بالقدر ، أو ابتدع القول بالقدر، ومعلوم أن المقصود إنما هو نفي القدر، ودليل هذا القول: رواية مسلم في صحيحه في الحديث المشهور فقد روى عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني, فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين, فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر, فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد, فاكتنفته أنا وصاحبي, أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله, فظننت أن صاحبي سيكل الأمر إلي، فقلت: أبا عبدالرحمن, إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف...) الحديث ، وهذا يفيد أن معبداً هو أول من قال بالقدر. وهناك من يقول: إن أول من ابتدع القول بالقدر رجل من أهل البصرة من المجوس اسمه (سيسويه) وقال محمد بن شعيب الأوزاعي: (أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له: (سوسن), وكان نصرانياً فأسلم ثم تنصر) وهؤلاء يقولون: إن معبداً الجهني أخذ عن (سوسن) القول بالقدر . وقد يكون من المحتمل أن الفكرة من أساسها كانت عند هذا الرجل النصراني الذي تظاهر بالإسلام, أو عند هذا المجوسي سيسويه، ولكنه لم يستطع بشخصه أن يجاهر بها ويذيعها بين الناس لعدم ثقة الناس به، فتأثر به معبد الجهني الذي نطق بها علانية ونشرها, فاشتهرت عنه. ويلاحظ أن اسم (سيسويه) و(سوسن) متقاربان، فلعلهما شخص واحد. وهناك من المعاصرين من ينكر أي أثر للنصارى أو لرجل نصراني على معبد الجهني حول فكرة القول بالقدر، مدعياً (أن محاولة ربط عقائد أصحاب مذهب الإرادة الحرة بنصراني أسلم ثم تنصر محاولة غير صحيحة، سار عليها أصحاب الفرق المختلفة) . وهذه دعوة لا يعتمد عليها في القضية، إذ المعتمد في النفي أو الإثبات إنما هو الروايات التاريخية في صحتها أو عدم صحتها، والكتاب نفسه ذكر في كتابه الذي قال فيه هذا الكلام فصلاً طويلاً عن أثر (المسيحية) في نشأة علم الكلام والفرق . هذا هو القول الأول، وقد أخذ عن معبد الجهني قوله بنفي القدر شخص آخر اسمه غيلان الدمشقي ويعد ثاني من تكلم بالقدر. وهؤلاء هم القدرية الأوائل الذين أنكروا القدر, وأنكروا علم الله السابق بالأمور، وهذا معنى ما في حديث مسلم أنهم: يزعمون ألا قدر, وأن الأمر أنف، أي: مستأنف لم يسبق لله - تعالى - فيه علم, وهؤلاء هم الذين تبرأ منهم من سمع بهم من الصحابة كعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن العباس، وأنس بن مالك، وعبدالله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم , وهؤلاء أيضاً هم الذين قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله، القدرية يكفرون . القول الثاني: أن أول ما حدث القول بالقدر في الحجاز، قبل معبد الجهني، وأن ذلك وقع لما احترقت الكعبة وعبدالله بن الزبير رضي الله عنه محصورا بمكة فقال أناس: احترقت بقدر الله تعالى, وقال: أناس لم تحترق بقدر الله . القول الثالث: أن أول من نادى بالقدر في الشام هو (عمرو المقصوص), وكان عمرو هذا معلماً لمعاوية الثاني, وأثر عليه كثيراً, فاعتنق أقواله في القدر، حتى إنه لما أن تولى الخلافة كان عمرو هذا هو الذي أثر عليه فاعتزلها حتى مات، ووثب بنو أمية على عمرو المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته، ثم دفنوه حياً حتى مات, وهذا القول ضعيف، لأن معاوية بن يزيد كان رجلاً صالحاً، وعمرو المقصوص لم أجد من ذكر قصته من المؤرخين غير ابن العبري. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية