الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35256" data-attributes="member: 329"><p>هذه هي أهم الأقوال في أول من قال بالقدر، ولا شك أن القول الأول هو أشهرها وأرجحها، ولا مانع أن تكون هناك أقوال مفردة قبل ذلك، ويكون كل قول هو الأول باعتبار البلد الذي ابتدئ القول بالقدر فيه، لكن الذي نشأ به القول الأول بالقدر وكان له رجال كانوا سبباً في نشره فيما بعد، هو ما بدأه معبد الجهني، وغيلان الدمشقي. </p><p>ثم أخذ هذا المذهب عن معبد رؤوس الاعتزال وأئمته كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيلان الدمشقي. فأما واصل بن عطاء رأس الاعتزال، فقد زعم أن الشر لا يجوز إضافته إلى الله، لأن الله حكيم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئاً، ثم يجازيهم عليه. وقرر في مقالته: أن العبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والربُّ تعالى أقدره على ذلك كله. وذهب النظام من المعتزلة إلى أن الله لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة لله.</p><p>وهذه الفرقة هي التي أطلق عليها علماؤنا: اسم القدرية. وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وإنكم أولى بهذا الاسم منا (11). وقد ذكر النووي في شرحه على (صحيح مسلم): (أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية، لاعتقادكم إثبات القدر). قال ابن قتيبة والإمام (يريد الإمام الجويني): (هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح، فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويضيفون القدر والأفعال إلى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعي الشيء لنفسه، ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره، وينفيه عن نفسه) . وقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى القدرية مجوس هذه الأمة، والحديث أخرجه أبو داود في (سننه) والحاكم في (مستدركه على الصحيحين)، وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر . والسبب في تسمية هذه الفرقة بمجوس هذه الأمة (مضاهاة مذهبهم المجوس في قولهم بالأصلين: النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثَنَوِيَّة، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى، والشر إلى غيره، والله – سبحانه وتعالى – خالق الخير والشر جميعاً، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه – سبحانه وتعالى – خلقاً وإيجاداً، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً). ونشأ في آخر عهد بني أمية أقوام يزعمون أن العبد مجبور على فعله، ليس له خيار فيما يأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وأول من ظهر عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان، وتفرع عن هذه البدعة أقوال شنيعة، وضلال كبير. وقد انتشر هذا القول في الأمة الإسلامية وتقلده كثير من العباد والزهاد والمتصوفة، وإذا كان الفريق الأول أشبه المجوس فإن هذا الفريق أشبه المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ}.[الأنعام:148]. وهذا الفريق شرٌّ من الفريق الأول، لأن الأولين عظموا الأمر والنهي، وأخرجوا أفعال العباد عن تكون خلقاً لله، وهذا الفريق أثبت القدر، واحتج به على إبطال الأمر والنهي. </p><p>الفصل الثاني: حكم الإيمان بالقضاء والقدر، ومراتبه</p><p>المطلب الأول: حكم الإيمان بالقضاء والقدر</p><p>الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي جبريل عليه السلام): صدقت)) . والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [ القمر:49 ]. وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [ الأحزاب: 38 ]، وقوله: {وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [ الأنفال:42 ]. وقال:{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [ الفرقان:2 ]. وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [ الأعلى: 1-3]. وروى مسلم في (صحيحه) عن طاووس قال: ((أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر حتى العجزُ والكَيْس، أو الكَيْس والعَجْز)) . وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: ((جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [ القمر: 48: 49 ])) . والنصوص في ذلك كثيرة جداً فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره تبارك وتعالى، فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته وخلقه، ... وذكر النصوص الواردة في ذلك. والقدر يدل بوضعه – كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني – على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم.</p><p>فلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه – تبارك وتعالى – القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته. فالقادر اسم فاعل من قدر يقدر. والقدير فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى (القدير) الفاعل لما يشاء، على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائداً عليه، ولا ناقصاً عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله عز وجل. قال تعالى:{إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ الأحقاف:33]. و(المقتدر) مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من (قدير) ومنه قوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55]. وقد سئل الإمام أحمد – رحمة الله تعالى – عن القدر: فقال: (القدر قدرة الله). قال ابن القيم: (وقال الإمام أحمد: القدرُ قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها) وقد صاغ ابن القيم لهذا المعنى شعراً فقال: </p><p></p><p>واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد </p><p>لمـا حكاه عن الرضا الربان </p><p></p><p>فحقيقة القدر الذي حار الورى </p><p>في شأنه هو قدرة الرحمـــــن </p><p></p><p>ولذا فإن الذين يكذبون بالقدر لا يثبتون قدرة الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (مَنْ لم يقل بقول السلف فإنه لا يُثبِت لله قدرة، ولا يثبته قادراً كالجهمية ومن اتبعهم، والمعتزلة المجبرة والنافية: حقيقة قولهم أنه ليس قادراً، وليس له الملك، فإن المُلك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلا بدَّ من القدرة، فمن لم يثبت له قدرة حقيقية لم يثبت له ملكاً) . والذين كذبوا بالقدر لم يوحدوا الله عز وجل، فإن نفاة القدر يقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضاً، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرته ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة. وقد تقاطر أهل العلم على تقرير القدر والنصِّ على وجوب الإيمان به، وما من عالم من علماء أهل السنة الذين هم أعلام الهدى وأنوار الدجا إلا وقد نصَّ على وجوب الإيمان به، وبدَّع وسفَّه من أنكره وردَّه. يقول النووي رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث القدر من (صحيح مسلم): (وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها) . وقال في موضع آخر: (تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى) . ويقول ابن حجر رحمه الله تعالى: (مذهب السلف قاطبة أن الأمور كلَّها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [ الحجر: 21 ]) . </p><p>المطلب الثاني: الأدلة على وجوب الإيمان بالقدر</p><p>الفرع الأول: الأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقدر</p><p>الأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقدر: وردت في كتاب الله تعالى آيات تدل على أن الأمور تجري بقدر الله تعالى وعلى أن الله تعالى علم الأشياء وقدرها في الأزل، وأنها ستقع على وفق ما قدرها الله سبحانه وتعالى ومن هذه الآيات:</p><p>قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [ القمر: 49] ...</p><p>2- وقوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [ الأحزاب:38] (أي قضاء مقضياً، وحكماً مبتوتاً، وهو كظل ظليل, وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد) .</p><p>3- وقوله تعالى عن موسى عليه السلام: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [ طه: 40] أي أنه جاء موافقاً لقدر الله تعالى وإرادته على غير ميعاد .</p><p>4- وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [ المرسلات: 21-23]. أي: جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه وهو الرحم مؤجلاً إلى قدر معلوم قد علمه الله سبحانه وحكم به, فقدرنا على ذلك فنعم القادرون نحن, أو: فقدرنا ذلك تقديراً فنعم المقدرون له نحن – على قراءتين- والقراءة الثانية (قدّرنا) بالتشديد توافق قوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [ عبس:19].</p><p>فهذه الآيات تفيد الإخبار عن قدر الله الشامل لكل شيء، وأخبار القرآن مقطوع بها. </p><p>الفرع الثاني: الأدلة العامة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر</p><p>دلت نصوص السنة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداً، ولكن نعرض لبعضها، ... فمنها:</p><p>1- حديث جبريل المشهور – برواياته المختلفة .</p><p>2- حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)) , فنفى الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدر وأن ما يجري عليه إنما هو بقدر من الله لا يتغير أبداً, ونفي الإيمان عمن لم يؤمن بالقدر يدل على وجوبه.</p><p>3- حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت, وبالبعث بعد الموت, ويؤمن بالقدر)) </p><p>فالمراد بالحديث نفي أصل الإيمان عن من لم يؤمن بهذه الأربع: شهادة أن لا إله إلا الله, وشهادة أن محمداً رسول الله، ويؤمن بالموت: أي فناء الدنيا، أو المراد: اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج كما يقول الطبائعيون، ويؤمن بالبعث بعد الموت, ويؤمن بالقدر, وأن كل ما يجري بقدر الله تعالى وقضائه, ونفي أصل الإيمان عمن لم يؤمن بهذه الأمور يدل على وجوب الإيمان بها.</p><p>4- حديث طاوس قال: أدركت أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس, أو الكيس والعجز)) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:48-49])) وهذان الحديثان يدلان على التصريح بإثبات القدر وأنه عام في كل شيء، حتى أن العاجز قد قدر عجزه, والكيس قد قدر كيسه، فكل ذلك مقدر في الأزل, معلوم لله مراد له, وهذا يدل على وجوب الإيمان بالقدر.</p><p>5- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر, ولا عدل عادل, والإيمان بالأقدار)) فإذا كان الإيمان بالأقدار من أصل الإيمان فيجب الإيمان به.</p><p>6- وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من التكذيب بالقدر، وذلك في الحديث الذي رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة عاق, ولا مدمن خمر, ولا مكذب بقدر)) ولا شك أن هذه الأمور المنفي دخول الجنة بسببها متفاوتة وأعظمها التكذيب بالقدر، فالتصديق بالقدر واجب وسبب لدخول الجنة. </p><p>المبحث الثاني: مراتب الإيمان بالقدر</p><p>تمهيد</p><p>الإيمان بالقدر يقوم على أربعة مراتب، من أقرَّ بها جميعاً فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملاً، ومن انتقص واحداً منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، وهذه المراتب هي:</p><p>الأول: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط.</p><p>الثاني: الإيمان بكتابة الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.</p><p>الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. </p><p>الرابع: خلقه تبارك وتعالى لكل موجود، لا شريك له في خلقه. </p><p>وسنتناول هذه المراتب الأربعة بشيء من التفصيل</p><p>المطلب الأول: المرتبة الأولى، الإيمان بعلم الله الشامل</p><p>وقد كثر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيط بكل شيء، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل. </p><p>وهو عالم بالعباد وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ويخلق السماوات والأرض.</p><p>وكل ذلك مقتضى اتصافه – تبارك وتعالى – بالعلم، ومقتضى كونه – تبارك وتعالى – هو العليم الخبير السميع البصير. قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر:22] وقال: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12]. وقال:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا الساعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3 ]. وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [ النحل:125]. وقال: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [ النجم: 32]. وقال الحق مقرراً علمه بما لم يكن لو كان كيف سيكون {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [ الأنعام:28]، فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى تكذيبهم وضلالهم. وقال في الكفار الذين لا يطيقون سماع الهدى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [ الأنفال:23]. ومن علمه تبارك وتعالى بما هو كائن علمه بما كان الأطفال الذين توفوا صغاراً عاملين لو أنهم كبروا قبل مماتهم. روى البخاري في (صحيحه) عن ابن عباس قال: ((سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)) . وروى مسلم عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أولا تدرين أن الله خلق الجنة والنار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً)) . وفي رواية عند مسلم أيضاً عن عائشة قالت: ((دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)) . وهذه الأحاديث تتحدث عن علم الله في من مات صغيراً، لا أنّ هؤلاء يدخلهم الله النار بعلمه فيهم من غير أن يعملوا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم في أبناء المشركين: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (أي يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر لو بلغوا، ثم إنه جاء في حديث إسناده مقارب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم، ويبعث إليهم رسولاً في عرصة القيامة، فمن أجابه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار)) فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه، ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم، لا على مجرد العلم). </p><p>الأدلة العقلية على أن الله علم مقادير الخلائق قبل خلقهم: والحق أن وجود هذا الكون، ووجود كل مخلوق فيه يدل دلالة واضحة على أن الله علم به قبل خلقه، (فإنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، لأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم). وأيضاً فإن (المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم). واستدل العلماء على علمه تبارك وتعالى بقياس الأولى: (فالمخلوقات فيها ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالماً).</p><p>والاستدلال بهذا الدليل له صيغتان:</p><p>أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين:</p><p>أحدهما عالم والآخر غير عالم، كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.</p><p>الثاني: كل علم في المخلوقات فهو من الله تبارك وتعالى، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه، بل هو أحق به، ذلك أن كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أحق به، وكلَ نقص تنزه عنه مخلوق ما، فتنزه الخالق عنه أولى. وكل هذه الأدلة يمكنك أن تلمحها في قوله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [ الملك:14]. ويستدل على علمه – تبارك وتعالى – بإخباره بالأشياء والأحداث قبل وقوعها وحدوثها، فقد أخبر الحق في كتبه السابقة عن بعثة رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وصفاته وأخلاقه وعلاماته، كما أخبر عن الكثير من صفات أمته، وأخبر في محكم كتابه أن الروم سينتصرون في بضع سنين على الفُرس المجوس، ووقع الأمر كما أخبر، والإخبار عن المغيبات المستقبلة كثير في الكتاب والسنة. </p><p>المطلب الثاني: المرتبة الثانية، الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء</p><p>الفرع الأول: مرتبة الكتابة</p><p>دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء)) . ورواه الترمذي بلفظ: ((قدرَّ الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)) . وفي (سنن الترمذي) أيضاً عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان، وما هو كائن إلى الأبد)) . واللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين وبأم الكتاب، والكتاب المسطور. قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21-22 ]. وقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} [الحج:70] وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]. وقال: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} [ الطور: 1-3 ]. وقال: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف:4] </p><p>الفرع الثاني: أدلة مرتبة الكتابة</p><p>وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة، الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله، وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:</p><p>أ- الأدلة من القرآن الكريم:</p><p>1- قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [ الأنعام: 38] على أحد الوجهين, وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث , فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ.</p><p>2- وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [ الأنبياء: 105]</p><p>(فأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة) والآية دالة على مرتبة الكتابة عند من فسر الزبور بالكتب بعد الذكر, والذكر أم الكتاب عند الله وهو اللوح المحفوظ .</p><p>3- وقال تعالى في قصة أسرى بدر: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ الأنفال: 68] أي: لولا كتاب سبق به القضاء والقدر عند الله أنه قد أحل لكم الغنائم, وأن الله رفع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم العذاب, لمسكم العذاب فالآية دليل على الكتاب السابق.}</p><p>4- وقال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] وهذه الآية من أوضح الأدلة الدالة على علمه المحيط بكل شيء, وأنه علم الكائنات كلها قبل وجودها, وكتب الله ذلك في كتابه اللوح المحفوظ فالآية جمعت بن المرتبتين.</p><p>5- وقال تعالى: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل:75]. أي: خفية, أو سر من أسرار العالم العلوي والسفلي إلا في كتاب مبين قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة, فما من حادث جلي أو خفي إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ , فالآية دليل على الكتابة السابقة لكل ما سيقع.</p><p>6- وقال تعالى في آية جمعت بين مرتبتي العلم والكتابة: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] فما يعزب عن ربك، أي: ما يغيب عن علمه, وبصره, وسمعه ومشاهدته أي شيء حتى مثاقيل الذر، بل ما هو أصغر منها، وهذه مرتبة العلم, وقوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} مرتبة الكتابة، وكثيراً ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين هاتين المرتبتين .</p><p>هذه بعض أدلة مرتبة الكتابة من القرآن، وننتقل إلى بيان بعض أدلتها من السنة.</p><p>ب- الأدلة من السنة:</p><p>1- من أوضح أدلة هذه المرتبة ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء)) فالدليل من الحديث قوله: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض)).</p><p>2- وفي الحديث الطويل الذي رواه علي رضي الله عنه بيان أن كل نفس قد كتب مكانها من الجنة والنار, وقد كتبت شقية أو سعيدة ونصه: قال: ((كنا في جنازة في بقيع الغرقد، ومعه مخصرة فنكس, فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد, ما من نفس منفوسة إلا وكتب الله مكانها من الجنة والنار, وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل: يا رسول الله, أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة, ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير عمل أهل الشقاوة, فقال: اعملوا فكل ميسر, أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة, وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10])) وهذا دليل واضح على الكتابة السابقة ومنها كتابة أهل الجنة وأهل النار.</p><p>3- وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين أن ما مضت به المقادير، وسبق علم الله به، قد تمت كتابته في اللوح المحفوظ، وجف القلم الذي كتب به، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان، فعن جابر رضي الله عنه قال: ((جاء سراقة بن مالك بن جعشم -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله, بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام, وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام, وجرت به المقادير, قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه, فسألت ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر)) .</p><p>4- ومن الأحاديث المشهورة حديث: أول ما خلق الله القلم، وفيه أن الله أمره بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فعن أبي حفصة قال: ((قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني)) , وفي رواية أخرى عن عبدالواحد بن سليم قال: ((قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح، فقلت له: يا أبا محمد: إن أهل البصرة يقولون في القدر, قال: يا بني أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم, قال: فاقرأ الزخرف. قال: فقرأت: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} فقال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السموات, وقبل أن يخلق الأرض, فيه أن فرعون من أهل النار, وفيه تبت يد أبي لهب وتب، قال عطاء: فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول صلى الله عليه وسلم فسألته: ما كانت وصية أبيك عند الموت؟ قال: دعاني أبي فقال لي: يا بني, اتق الله, واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله, وتؤمن بالقدر خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار. وإني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)) فقوله للقلم بعد خلقه: ((اكتب مقادير كل شيء)), جمع مقدار وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء, وكميته, كالمكيال والميزان, وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه وهو الكمية والكيفية, وفي الرواية الأخرى: ((اكتب القدر)), والمقصود بأم الكتاب في الآية التي استشهد بها عطاء: اللوح المحفوظ, فالروايتان فيهما دليل على مرتبة الكتابة, حيث أمر الله القلم بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة.</p><p>5- وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا, فقال: للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة, وأسماء آبائهم, وقبائلهم, ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم, ولا ينقص منهم أبداً, ثم قال للذي في شماله: وهذا كتاب من رب العالمين, فيه أسماء أهل النار, وأسماء آبائهم, وقبائلهم, ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً... الحديث)) ، فقوله: ((وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟)). الظاهر من الإشارة أنهما حسيان, وقيل: تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين... ولا يستبعد إجراؤه على الحقيقة، فإن الله قادر على كل شيء, والدليل من الحديث قوله: هذا كتاب من رب العالمين لكل من أهل الجنة وأهل النار, مكتوبة فيه أسماؤهم وقبائلهم، ففي ذلك إثبات الكتابة لما قضاه الله وقدره وعلمه.</p><p>وبعد الكلام على أدلة هاتين المرتبتين: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، يحسن أن نذكر هنا أنه يتعلق بهاتين المرتبتين عدة تقادير وهي بإيجاز:</p><p>أ- التقدير الأول: كتابة ذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم. ودليل هذا التقدير الحديث الأول من أدلة مرتبة الكتابة والذي تقدم قبل قليل، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: ((جف القلم بما أنت لاق)) .</p><p>ب- التقدير حين أخذ الميثاق على بني آدم وهم على ظهر أبيهم آدم، ودليله حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: ((إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، قال: خلقت هؤلاء للجنة, وبعمل أهل الجنة يعملون, فقال رجل: يا رسول الله, ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار)) وهناك روايات أخرى ذكرها ابن كثير, والسيوطي وليس هذا موضع مناقشة مسألة الميثاق والخلاف فيه، وإنما المقصود هنا أن من رجح أن المقصود بالآية الفطرة قالوا: إن الروايات الواردة في ذلك ترجع إلى القدر السابق.</p><p>ج- التقدير العمري عند أول تخليق النطفة، وهذا دليله حديث عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: بكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها, وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها))</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35256, member: 329"] هذه هي أهم الأقوال في أول من قال بالقدر، ولا شك أن القول الأول هو أشهرها وأرجحها، ولا مانع أن تكون هناك أقوال مفردة قبل ذلك، ويكون كل قول هو الأول باعتبار البلد الذي ابتدئ القول بالقدر فيه، لكن الذي نشأ به القول الأول بالقدر وكان له رجال كانوا سبباً في نشره فيما بعد، هو ما بدأه معبد الجهني، وغيلان الدمشقي. ثم أخذ هذا المذهب عن معبد رؤوس الاعتزال وأئمته كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيلان الدمشقي. فأما واصل بن عطاء رأس الاعتزال، فقد زعم أن الشر لا يجوز إضافته إلى الله، لأن الله حكيم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئاً، ثم يجازيهم عليه. وقرر في مقالته: أن العبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والربُّ تعالى أقدره على ذلك كله. وذهب النظام من المعتزلة إلى أن الله لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة لله. وهذه الفرقة هي التي أطلق عليها علماؤنا: اسم القدرية. وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وإنكم أولى بهذا الاسم منا (11). وقد ذكر النووي في شرحه على (صحيح مسلم): (أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية، لاعتقادكم إثبات القدر). قال ابن قتيبة والإمام (يريد الإمام الجويني): (هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح، فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويضيفون القدر والأفعال إلى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعي الشيء لنفسه، ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره، وينفيه عن نفسه) . وقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى القدرية مجوس هذه الأمة، والحديث أخرجه أبو داود في (سننه) والحاكم في (مستدركه على الصحيحين)، وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر . والسبب في تسمية هذه الفرقة بمجوس هذه الأمة (مضاهاة مذهبهم المجوس في قولهم بالأصلين: النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثَنَوِيَّة، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى، والشر إلى غيره، والله – سبحانه وتعالى – خالق الخير والشر جميعاً، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه – سبحانه وتعالى – خلقاً وإيجاداً، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً). ونشأ في آخر عهد بني أمية أقوام يزعمون أن العبد مجبور على فعله، ليس له خيار فيما يأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وأول من ظهر عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان، وتفرع عن هذه البدعة أقوال شنيعة، وضلال كبير. وقد انتشر هذا القول في الأمة الإسلامية وتقلده كثير من العباد والزهاد والمتصوفة، وإذا كان الفريق الأول أشبه المجوس فإن هذا الفريق أشبه المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ}.[الأنعام:148]. وهذا الفريق شرٌّ من الفريق الأول، لأن الأولين عظموا الأمر والنهي، وأخرجوا أفعال العباد عن تكون خلقاً لله، وهذا الفريق أثبت القدر، واحتج به على إبطال الأمر والنهي. الفصل الثاني: حكم الإيمان بالقضاء والقدر، ومراتبه المطلب الأول: حكم الإيمان بالقضاء والقدر الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي جبريل عليه السلام): صدقت)) . والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [ القمر:49 ]. وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [ الأحزاب: 38 ]، وقوله: {وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [ الأنفال:42 ]. وقال:{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [ الفرقان:2 ]. وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [ الأعلى: 1-3]. وروى مسلم في (صحيحه) عن طاووس قال: ((أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر حتى العجزُ والكَيْس، أو الكَيْس والعَجْز)) . وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: ((جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [ القمر: 48: 49 ])) . والنصوص في ذلك كثيرة جداً فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره تبارك وتعالى، فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته وخلقه، ... وذكر النصوص الواردة في ذلك. والقدر يدل بوضعه – كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني – على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم. فلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه – تبارك وتعالى – القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته. فالقادر اسم فاعل من قدر يقدر. والقدير فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى (القدير) الفاعل لما يشاء، على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائداً عليه، ولا ناقصاً عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله عز وجل. قال تعالى:{إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ الأحقاف:33]. و(المقتدر) مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من (قدير) ومنه قوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55]. وقد سئل الإمام أحمد – رحمة الله تعالى – عن القدر: فقال: (القدر قدرة الله). قال ابن القيم: (وقال الإمام أحمد: القدرُ قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها) وقد صاغ ابن القيم لهذا المعنى شعراً فقال: واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد لمـا حكاه عن الرضا الربان فحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمـــــن ولذا فإن الذين يكذبون بالقدر لا يثبتون قدرة الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (مَنْ لم يقل بقول السلف فإنه لا يُثبِت لله قدرة، ولا يثبته قادراً كالجهمية ومن اتبعهم، والمعتزلة المجبرة والنافية: حقيقة قولهم أنه ليس قادراً، وليس له الملك، فإن المُلك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلا بدَّ من القدرة، فمن لم يثبت له قدرة حقيقية لم يثبت له ملكاً) . والذين كذبوا بالقدر لم يوحدوا الله عز وجل، فإن نفاة القدر يقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضاً، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرته ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة. وقد تقاطر أهل العلم على تقرير القدر والنصِّ على وجوب الإيمان به، وما من عالم من علماء أهل السنة الذين هم أعلام الهدى وأنوار الدجا إلا وقد نصَّ على وجوب الإيمان به، وبدَّع وسفَّه من أنكره وردَّه. يقول النووي رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث القدر من (صحيح مسلم): (وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها) . وقال في موضع آخر: (تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى) . ويقول ابن حجر رحمه الله تعالى: (مذهب السلف قاطبة أن الأمور كلَّها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [ الحجر: 21 ]) . المطلب الثاني: الأدلة على وجوب الإيمان بالقدر الفرع الأول: الأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقدر الأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقدر: وردت في كتاب الله تعالى آيات تدل على أن الأمور تجري بقدر الله تعالى وعلى أن الله تعالى علم الأشياء وقدرها في الأزل، وأنها ستقع على وفق ما قدرها الله سبحانه وتعالى ومن هذه الآيات: قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [ القمر: 49] ... 2- وقوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [ الأحزاب:38] (أي قضاء مقضياً، وحكماً مبتوتاً، وهو كظل ظليل, وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد) . 3- وقوله تعالى عن موسى عليه السلام: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [ طه: 40] أي أنه جاء موافقاً لقدر الله تعالى وإرادته على غير ميعاد . 4- وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [ المرسلات: 21-23]. أي: جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه وهو الرحم مؤجلاً إلى قدر معلوم قد علمه الله سبحانه وحكم به, فقدرنا على ذلك فنعم القادرون نحن, أو: فقدرنا ذلك تقديراً فنعم المقدرون له نحن – على قراءتين- والقراءة الثانية (قدّرنا) بالتشديد توافق قوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [ عبس:19]. فهذه الآيات تفيد الإخبار عن قدر الله الشامل لكل شيء، وأخبار القرآن مقطوع بها. الفرع الثاني: الأدلة العامة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر دلت نصوص السنة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداً، ولكن نعرض لبعضها، ... فمنها: 1- حديث جبريل المشهور – برواياته المختلفة . 2- حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)) , فنفى الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدر وأن ما يجري عليه إنما هو بقدر من الله لا يتغير أبداً, ونفي الإيمان عمن لم يؤمن بالقدر يدل على وجوبه. 3- حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت, وبالبعث بعد الموت, ويؤمن بالقدر)) فالمراد بالحديث نفي أصل الإيمان عن من لم يؤمن بهذه الأربع: شهادة أن لا إله إلا الله, وشهادة أن محمداً رسول الله، ويؤمن بالموت: أي فناء الدنيا، أو المراد: اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج كما يقول الطبائعيون، ويؤمن بالبعث بعد الموت, ويؤمن بالقدر, وأن كل ما يجري بقدر الله تعالى وقضائه, ونفي أصل الإيمان عمن لم يؤمن بهذه الأمور يدل على وجوب الإيمان بها. 4- حديث طاوس قال: أدركت أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس, أو الكيس والعجز)) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:48-49])) وهذان الحديثان يدلان على التصريح بإثبات القدر وأنه عام في كل شيء، حتى أن العاجز قد قدر عجزه, والكيس قد قدر كيسه، فكل ذلك مقدر في الأزل, معلوم لله مراد له, وهذا يدل على وجوب الإيمان بالقدر. 5- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر, ولا عدل عادل, والإيمان بالأقدار)) فإذا كان الإيمان بالأقدار من أصل الإيمان فيجب الإيمان به. 6- وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من التكذيب بالقدر، وذلك في الحديث الذي رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة عاق, ولا مدمن خمر, ولا مكذب بقدر)) ولا شك أن هذه الأمور المنفي دخول الجنة بسببها متفاوتة وأعظمها التكذيب بالقدر، فالتصديق بالقدر واجب وسبب لدخول الجنة. المبحث الثاني: مراتب الإيمان بالقدر تمهيد الإيمان بالقدر يقوم على أربعة مراتب، من أقرَّ بها جميعاً فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملاً، ومن انتقص واحداً منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، وهذه المراتب هي: الأول: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط. الثاني: الإيمان بكتابة الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة. الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. الرابع: خلقه تبارك وتعالى لكل موجود، لا شريك له في خلقه. وسنتناول هذه المراتب الأربعة بشيء من التفصيل المطلب الأول: المرتبة الأولى، الإيمان بعلم الله الشامل وقد كثر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيط بكل شيء، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل. وهو عالم بالعباد وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ويخلق السماوات والأرض. وكل ذلك مقتضى اتصافه – تبارك وتعالى – بالعلم، ومقتضى كونه – تبارك وتعالى – هو العليم الخبير السميع البصير. قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر:22] وقال: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12]. وقال:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا الساعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3 ]. وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [ النحل:125]. وقال: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [ النجم: 32]. وقال الحق مقرراً علمه بما لم يكن لو كان كيف سيكون {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [ الأنعام:28]، فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى تكذيبهم وضلالهم. وقال في الكفار الذين لا يطيقون سماع الهدى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [ الأنفال:23]. ومن علمه تبارك وتعالى بما هو كائن علمه بما كان الأطفال الذين توفوا صغاراً عاملين لو أنهم كبروا قبل مماتهم. روى البخاري في (صحيحه) عن ابن عباس قال: ((سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)) . وروى مسلم عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أولا تدرين أن الله خلق الجنة والنار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً)) . وفي رواية عند مسلم أيضاً عن عائشة قالت: ((دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)) . وهذه الأحاديث تتحدث عن علم الله في من مات صغيراً، لا أنّ هؤلاء يدخلهم الله النار بعلمه فيهم من غير أن يعملوا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم في أبناء المشركين: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (أي يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر لو بلغوا، ثم إنه جاء في حديث إسناده مقارب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم، ويبعث إليهم رسولاً في عرصة القيامة، فمن أجابه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار)) فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه، ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم، لا على مجرد العلم). الأدلة العقلية على أن الله علم مقادير الخلائق قبل خلقهم: والحق أن وجود هذا الكون، ووجود كل مخلوق فيه يدل دلالة واضحة على أن الله علم به قبل خلقه، (فإنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، لأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم). وأيضاً فإن (المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم). واستدل العلماء على علمه تبارك وتعالى بقياس الأولى: (فالمخلوقات فيها ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالماً). والاستدلال بهذا الدليل له صيغتان: أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين: أحدهما عالم والآخر غير عالم، كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع. الثاني: كل علم في المخلوقات فهو من الله تبارك وتعالى، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه، بل هو أحق به، ذلك أن كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أحق به، وكلَ نقص تنزه عنه مخلوق ما، فتنزه الخالق عنه أولى. وكل هذه الأدلة يمكنك أن تلمحها في قوله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [ الملك:14]. ويستدل على علمه – تبارك وتعالى – بإخباره بالأشياء والأحداث قبل وقوعها وحدوثها، فقد أخبر الحق في كتبه السابقة عن بعثة رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وصفاته وأخلاقه وعلاماته، كما أخبر عن الكثير من صفات أمته، وأخبر في محكم كتابه أن الروم سينتصرون في بضع سنين على الفُرس المجوس، ووقع الأمر كما أخبر، والإخبار عن المغيبات المستقبلة كثير في الكتاب والسنة. المطلب الثاني: المرتبة الثانية، الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء الفرع الأول: مرتبة الكتابة دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء)) . ورواه الترمذي بلفظ: ((قدرَّ الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)) . وفي (سنن الترمذي) أيضاً عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان، وما هو كائن إلى الأبد)) . واللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين وبأم الكتاب، والكتاب المسطور. قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21-22 ]. وقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} [الحج:70] وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]. وقال: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} [ الطور: 1-3 ]. وقال: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف:4] الفرع الثاني: أدلة مرتبة الكتابة وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة، الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله، وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها: أ- الأدلة من القرآن الكريم: 1- قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [ الأنعام: 38] على أحد الوجهين, وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث , فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. 2- وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [ الأنبياء: 105] (فأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة) والآية دالة على مرتبة الكتابة عند من فسر الزبور بالكتب بعد الذكر, والذكر أم الكتاب عند الله وهو اللوح المحفوظ . 3- وقال تعالى في قصة أسرى بدر: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ الأنفال: 68] أي: لولا كتاب سبق به القضاء والقدر عند الله أنه قد أحل لكم الغنائم, وأن الله رفع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم العذاب, لمسكم العذاب فالآية دليل على الكتاب السابق.} 4- وقال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] وهذه الآية من أوضح الأدلة الدالة على علمه المحيط بكل شيء, وأنه علم الكائنات كلها قبل وجودها, وكتب الله ذلك في كتابه اللوح المحفوظ فالآية جمعت بن المرتبتين. 5- وقال تعالى: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل:75]. أي: خفية, أو سر من أسرار العالم العلوي والسفلي إلا في كتاب مبين قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة, فما من حادث جلي أو خفي إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ , فالآية دليل على الكتابة السابقة لكل ما سيقع. 6- وقال تعالى في آية جمعت بين مرتبتي العلم والكتابة: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] فما يعزب عن ربك، أي: ما يغيب عن علمه, وبصره, وسمعه ومشاهدته أي شيء حتى مثاقيل الذر، بل ما هو أصغر منها، وهذه مرتبة العلم, وقوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} مرتبة الكتابة، وكثيراً ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين هاتين المرتبتين . هذه بعض أدلة مرتبة الكتابة من القرآن، وننتقل إلى بيان بعض أدلتها من السنة. ب- الأدلة من السنة: 1- من أوضح أدلة هذه المرتبة ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء)) فالدليل من الحديث قوله: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض)). 2- وفي الحديث الطويل الذي رواه علي رضي الله عنه بيان أن كل نفس قد كتب مكانها من الجنة والنار, وقد كتبت شقية أو سعيدة ونصه: قال: ((كنا في جنازة في بقيع الغرقد، ومعه مخصرة فنكس, فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد, ما من نفس منفوسة إلا وكتب الله مكانها من الجنة والنار, وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل: يا رسول الله, أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة, ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير عمل أهل الشقاوة, فقال: اعملوا فكل ميسر, أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة, وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10])) وهذا دليل واضح على الكتابة السابقة ومنها كتابة أهل الجنة وأهل النار. 3- وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين أن ما مضت به المقادير، وسبق علم الله به، قد تمت كتابته في اللوح المحفوظ، وجف القلم الذي كتب به، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان، فعن جابر رضي الله عنه قال: ((جاء سراقة بن مالك بن جعشم -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله, بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام, وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام, وجرت به المقادير, قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه, فسألت ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر)) . 4- ومن الأحاديث المشهورة حديث: أول ما خلق الله القلم، وفيه أن الله أمره بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فعن أبي حفصة قال: ((قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني)) , وفي رواية أخرى عن عبدالواحد بن سليم قال: ((قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح، فقلت له: يا أبا محمد: إن أهل البصرة يقولون في القدر, قال: يا بني أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم, قال: فاقرأ الزخرف. قال: فقرأت: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} فقال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السموات, وقبل أن يخلق الأرض, فيه أن فرعون من أهل النار, وفيه تبت يد أبي لهب وتب، قال عطاء: فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول صلى الله عليه وسلم فسألته: ما كانت وصية أبيك عند الموت؟ قال: دعاني أبي فقال لي: يا بني, اتق الله, واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله, وتؤمن بالقدر خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار. وإني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)) فقوله للقلم بعد خلقه: ((اكتب مقادير كل شيء)), جمع مقدار وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء, وكميته, كالمكيال والميزان, وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه وهو الكمية والكيفية, وفي الرواية الأخرى: ((اكتب القدر)), والمقصود بأم الكتاب في الآية التي استشهد بها عطاء: اللوح المحفوظ, فالروايتان فيهما دليل على مرتبة الكتابة, حيث أمر الله القلم بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة. 5- وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا, فقال: للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة, وأسماء آبائهم, وقبائلهم, ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم, ولا ينقص منهم أبداً, ثم قال للذي في شماله: وهذا كتاب من رب العالمين, فيه أسماء أهل النار, وأسماء آبائهم, وقبائلهم, ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً... الحديث)) ، فقوله: ((وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟)). الظاهر من الإشارة أنهما حسيان, وقيل: تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين... ولا يستبعد إجراؤه على الحقيقة، فإن الله قادر على كل شيء, والدليل من الحديث قوله: هذا كتاب من رب العالمين لكل من أهل الجنة وأهل النار, مكتوبة فيه أسماؤهم وقبائلهم، ففي ذلك إثبات الكتابة لما قضاه الله وقدره وعلمه. وبعد الكلام على أدلة هاتين المرتبتين: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، يحسن أن نذكر هنا أنه يتعلق بهاتين المرتبتين عدة تقادير وهي بإيجاز: أ- التقدير الأول: كتابة ذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم. ودليل هذا التقدير الحديث الأول من أدلة مرتبة الكتابة والذي تقدم قبل قليل، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: ((جف القلم بما أنت لاق)) . ب- التقدير حين أخذ الميثاق على بني آدم وهم على ظهر أبيهم آدم، ودليله حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: ((إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، قال: خلقت هؤلاء للجنة, وبعمل أهل الجنة يعملون, فقال رجل: يا رسول الله, ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار)) وهناك روايات أخرى ذكرها ابن كثير, والسيوطي وليس هذا موضع مناقشة مسألة الميثاق والخلاف فيه، وإنما المقصود هنا أن من رجح أن المقصود بالآية الفطرة قالوا: إن الروايات الواردة في ذلك ترجع إلى القدر السابق. ج- التقدير العمري عند أول تخليق النطفة، وهذا دليله حديث عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: بكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها, وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية