الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35260" data-attributes="member: 329"><p>المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل</p><p>الذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد، الذي لا يملك شيئاً لذاته في تحركه وسكونه. بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب، وحركة الرئتين، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا - من غير أن نعرفها ونعلم بها - ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده. أما أكل الإنسان وشربه وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم، واختلفت عندهم الموازين. والقرآن مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله تعالى: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} (20) سورة [يس:20] {فَلَما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103] {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15] {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص:79] والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها التي تسند الأفعال إلى من قاموا بها. </p><p>المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه</p><p>وهذا زعم باطل، فالله شاء وجود الكفر والشرك والذنوب والمعاصي من الزنا والسرقة وعقوق الوالدين والكذب وقول الزور، وأكل مال الناس بالباطل، ولكنه كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها. قال ابن القيم: أخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغض الله ورسوله. فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبُغضُ منه؟ فقال له الشيخ: إذا كان الله قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم، فواليتهم أنت وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون موالياً له أو معادياً له؟ قال: فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة </p><p>المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب</p><p>لقد أخطأ هذا الفريق في دعواه أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل، وذهل هؤلاء عن حقيقة القدر، فالله قدرَّ النتائج وأسبابها، ولم يقدر المسببات من غير أسباب، فمن زعم أن الله قدر النتائج والمسببات من غير مقدمتها وأسبابها فقد أعظم على الله الفرية. فالله إذا قدرَّ أن يرزق فلاناً رزقاً جعل لذلك الرزق أسباباً ينال بها، فمن ادعى أن لا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق وأنَّ ما قدر له من رزق سوف يأتيه سعي أو لم يسع لم يفقه قدر الله في عباده.</p><p>وإذا قدر الله أن يرزق فلاناً ولداً، فإنه يكون قدر له أن يتزوج ويعاشر زوجه، فالأسباب هي من الأقدار. والله يقدر أن فلاناً يدخل الجنة، ويقدر مع ذلك أن هذا الإنسان يؤمن ويعمل الصالحات، ويستقيم على أمر الله، ويقدر أن فلاناً يكون من أهل النار، ويقدر أسباب ذلك من تركه الإيمان والأعمال الصالحة. ويقدر أن فلاناً يمرض فيتناول الدواء فيشفى، فالله قدر المرض، وقدر السبب الذي يزيل المرض ويحقق الشفاء. والله يقدر أن فلاناً يدعوه ويستغيث به، فيجيب دعاءَه ويقبل رجاءَه، ويقدر أن فلاناً لا يدعوه ولا يرجوه، فيكله إلى نفسه، ويبقيه في تعسه، فالله قدر المسببات وقدر أسبابها، ومن زعم أن المسبب يقع من غير سبب فإنه لم يفقه دين الله، ولم يعرف قدر الله، وهو كمن يزعم أن الولد يأتي من غير سبب، وأن الزرع يحصل من غير ماء ولا تراب، وأن الشبع يحدث من غير طعام، والري يكون من غير تناول شراب. والنصوص الدالة على هذا الذي شرحناه وبيناه كثيرة وافرة.</p><p>ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة، فقد أمرت بالعمل والسعي في طلب الرزق، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار. قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10] وقال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] وقال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60] وأمر المسافرين للحج بالتزود {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] وأمر بالدعاء والاستعانة{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ} [الأعراف:128]. وأمر باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه وجنته كالصلاة والصيام والزكاة والحج. وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل حياة المرسلين جميعاً والسائرين على نهجهم كلها شاهدة على أخذهم بالأسباب، والجد والاجتهاد في الأعمال. إن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله تبارك وتعالى، وليس مناقضاً للقدر ولا منافياً له. وقد فقَّه الرسول صلى الله عليه سلم بمعنى القدر، وأنه لا يُوجبُ ترك العمل، بل يوجب الجد والاجتهاد فيه لبلوغه ما يطمح الإنسان في نيله وتحقيقه، فقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن فائدة العمل إذا كانت الأعمال مقدرة مقضية جفَّ بها القلم، وفرغ منها رب العالمين، فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وقرأ عليه السلام:{فَأَما مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَما مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-10]. وقال بعض الصحابة الذين فقهوا عن الله ورسوله مراده لما سمع أحاديث القدر: ما كنت بأشدّ اجتهاداً مني الآن. إن الذي يفقه عن الله مراده في القدر يعلم أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال، بل يدفع إلى الجد والاجتهاد والحرص على تحصيل ما ينفعه في الدنيا والآخرة. إلا أنه يجب التنبه إلى أن العبد وإن أخَذَ بالأسباب فإنه لا يجوز أن يعتمد عليها، ويتوكل عليها، بل يجب أن يتوكل على خالقها ومنشئها. وقد قال علماؤنا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلاً، ولا بدَّ له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر، وهذا مما يبين أن الله ربُّ كل شيء ومليكه، وأن السماوات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدبر غيرها، وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك، فإنك تجده ليس مستقلاً بإحداث شيء من الحوادث، بل لا بدَّ له من مشارك ومعاون، وهو مع ذلك له معارضات وممانعات. فكل سبب له شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم يُصرف عنه ضده لم يحصل سببه، فالمطر وحده لا ينبت إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتمُّ حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن تصرف المفسدات. والعقلاء من البشر يعلمون أنهم لا يستقلون بفعل ما يريدون، فكثير منهم تتهيأ له الأسباب، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي وما يريد {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24]. يذكر اللالكائي أن رجلاً طلب من جاريته أن تسقيه، فجاءته بقدح من زجاج، فصبت له ماء، فوضعه على راحته، ثم رفعه إلى فيه، ثم قال: يزعم ناس أني لا أستطيع أن أشرب هذا، ثم قال: هي حرة إن لم أشربه (يعني جاريته التي صبت الماء) فما كان من الجارية إلا ضربت القدح بِردن قميصه، فوقع القدح وانكسر وأهرق الماء .</p><p>وهكذا أثبتت الجارية لهذا المسكين أنه لا يقدر على كل ما يريد ما لم يقدره الله، فلقنته درساً، وحررت نفسها من رق العبودية. وكم من ثري أو قوي أو مُقدّم قوم ظن أن الدنيا خضعت له وأعطته زمامها، وجد نفسه عاجزاً لا يستطيع أن يفعل شيئاً، قد يقعده عن فعل ما يشتهي عدو طاغ، أو مرضٌ مُقْعِدٌ، أو خيانة صديق. أو طمع محب {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54]. </p><p>المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر</p><p>وهؤلاء يحتجون بالقدر على ترك العمل، فتجد الواحد عندما يدعى إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن يقول: لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم والفساد، أو ما يقع من ظلم وفساد، فيقولون في المظالم والمناكر والمفاسد التي تقع: هذه إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام. وترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضاً منهم يصبح أعواناً للظلمة، وتراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم. وترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات ويرتكبون المنكرات من الزنا والفسوق والعصيان ويحتجون لأفعالهم بالقدر. وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهو حجة أضحكوا العقلاء منهم، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصاً، وابن القيم يذكر وقائع من هؤلاء تزري بأصحاب العقول، وتجعل أصحابها في مرتبة أقل من البهائم، يذكر عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته، فلما أراد معاقبتهما، وكان غلامه يعرف مذهبه في القدر، فقال له: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال له ذلك الجاهل: لَعِلْمُكَ بالقضاء والقدر أحب إليَّ من كل شيء، أنت حرّ لوجه الله.</p><p>ورأى آخر رجلاً يفجر بزوجته، فأقبل يضربها وهي تقول: القضاء والقدر، فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوَّه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس. فتنبه، ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها، وقال: لولا أنت لضللت. ورأى آخر رجلاً يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله. فلقب بالخيرة فيما قضى الله. ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً لأمكن لكل واحد أن يقتل ويفسد ويأخذ الأموال ويظلم العباد، فإذا سئل عن أفعاله احتج بالقدر، وكل العقلاء يعلمون بأن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية، وإلا فإن الحياة تفسد. وكثير من الذين يحتجون بالقدر لظلمهم وفسقهم وضلالهم يثورون إذا ما وقع عليهم الظلم، ولا يرضون من غيرهم أن يحتج على ظلمه لهم بالقدر. إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا ونبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر، ولكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ترك العمل، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع، وإنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : العبد له في المقدور حالان: حال قبل القدر وحال بعد القدر. فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك، وإن كان ذنباً استغفر إليه من ذلك. وله في المأمور حالان: حال قبل الفعل، وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير. قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر:55] أمره أن يصبر على المصائب المقدرة، ويستغفر من الذنب. وقال تعالى:{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران:186]. وقال يوسف: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]. فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعايب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) . إن العبد المؤمن الحصيف لا يترك العمل بدعوى أنَّ قدر الله ماض فيه، بل الواجب عليه أن يأخذ الأمر بقوة، يعلم ما يطلبه الله، ويفكر فيما يفيده وينفعه، ثم يبذل قصارى جهده في القيام بأمر الله، وبالأخذ بالأسباب للأمور التي يظن أن فيها نفعه وصلاحه، فإذا لم يوفق فلا يقضي وقته بالتحسر والتأسف، وإنما يقول في هذا الموضع قدر الله وما شاء فعل. إن الإيمان بالقدر والاحتجاج به يأتي لمعالجة المشكل النفسي الذي يذهب الطاقة الإنسانية ويبددها في حال الفشل والإخفاق، ولا يكون مانعاً من العمل والإبداع في مقبل الزمان.</p><p>استدلالهم بحديث احتجاج آدم بالقدر:</p><p>وقد يستدل من قلَّ عمله بحديث احتجاج آدم وموسى على الاحتجاج بالقدر في المعايب، وهو حديث صحيح روته كتب (الصحاح)، و(السنن).</p><p>روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أُهبط الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله فحج آدم موسى)) .</p><p>وليس في هذا الحديث حجة للذين يحتجون بالقدر على القبائح والمعايب، فآدم عليه السلام لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وموسى عليه السلام لم يلم أباه آدم على ذنب تاب منه، وتاب الله عليه منه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم من موسى على المصيبة التي أخرجت آدم وأولاده من الجنة.</p><p>فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب.</p><p>فعلى العبد أن يستسلم للقدر إذا أصابته مصيبة {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156]، أما المذنبون فليس لهم الاحتجاج بالقدر، بل الواجب عليهم أن يتوبوا ويستغفروا {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر:55] فأرشد إلى الصبر في المصائب والاستغفار من الذنوب والمعايب.</p><p>والله ذم إبليس لا لاعترافه بالمقدر في قوله: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} [الحجر:39]، وإنما على احتجاجه بالقدر.</p><p>وأجاب ابن القيم عن الإشكال الذي وقع في حديث احتجاج آدم بالقدر بجواب آخر فقال: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءَة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبهُ عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محظور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي حال المستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه، وإصراره، فيبطل به حقاً، ويرتكب به باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله. </p><p>المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب ؟</p><p>إذا كانت المعاصي بقضاء الله فكيف لنا أن نكره قضاءَه ونبغضه، والجواب: أنه لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم آية ولا حديث يأمر العباد بأن يرضوا بكل مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ولكن الواجب على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به. قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65].</p><p>وينبغي للعبد أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً، مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع، ولكن هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب ليس بواجب</p><p>المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق</p><p>من ذهب هذا المذهب أن فاعلي المعاصي والذنوب لا يستطيعون غير ما فعلوا، وتكليفهم بخلاف ما فعلوا تكليف بما لا يطاق، وتكليف مالا يطاق جاءت الشريعة بنفيه في قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286].{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق:7]، واحتجوا بمثل قوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:101]، وقوله: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود:20]، وقوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس:9]. قالوا: فهذه الآيات مصرحة بأنهم لم يكونوا يستطيعون الفعل، وهؤلاء ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وزعموا أنه متناقض، وحاشاه أن يكون كذلك. والجواب عما شغبوا به أن الاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي، فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحمد والذم، والثواب والعقاب. ومعلوم أن العباد في هذه الحال مأمورون منهيون موعودون متوعدون، فعلم أن المنفية ليست هي المشروطة في الأمر والنهي. فالاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست بسبب استحالة الفعل أو عجزهم عنه، وإنما هي بسبب تركهم له والاشتغال بضده، كالكافر كلفه الله الإيمان في حال كفره، لأنه غير عاجز عنه ولا مستحيل فعله، فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة. أما الاستطاعة التي هي مناط التكليف، فهي المذكورة في مثل قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97]، وقوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:4]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) . ومعلوم أن الله لا يكلف مالا يطاق لوجود ضده من العجز، فلا يكلف المقعد بأن يصلي قائماً، ولا يكلف المريض بالصيام، ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال، لخروج ذلك عن المقدور. وقد اتفق أهل العلم أن العبد إذا عجز عن بعض الواجبات سقط عنه ما عجز عنه، فمن قطعت منه رجله سقط عنه غسلها، ومن لم يستطع اغتسال الجنابة أو القيام أو الركوع ونحو ذلك سقط عنه ما عجز عنه. وبذلك يظهر لك أن عدم الاستطاعة المذكورة في الآيات التي احتج بها هذا الفريق غير مشروطة في شيء من الأمر والنهي والتكليف باتفاق المسلمين، والاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي في الآيات التي سقناها هي التي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها. </p><p>المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن</p><p>لقد أدى هذا المذهب بأصحابه والقائلين به إلى التسوية بين الأخيار والفجار، والأبرار والأشرار، وأهل الجنة وأهل النار، وقد فرق بينهم العليم الخبير {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجارِ} [ص:27-28]، وقال: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21]، وقال: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم:35-36]. </p><p>الفصل الخامس: مذهب أهل السنة والجماعة في القدر</p><p>بيان المذهب الحق في القدر ونقصد بذلك مذهب السلف، وأهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين، وتابعيهم إلى يوم القيامة، وهم الذين كانوا على الحق سائرين وهم الذين ثبتوا على طريق الهدى والرشاد حين بدأت بذور الفتن والفرقة تدب بين المسلمين, فنشأت هذه النحل والمقالات الفاسدة وصار لها دعاتها ومؤيدوها ومناصروها، وأصبحت كل فرقة تدعي أنها على الحق، وتستدل لأقوالها بأدلة من الكتاب والسنة، تزعم أنها تؤيد ما ذهبت إليه, بل قد تنسب أقوالها ومذاهبها إلى بعض الصحابة وكبار التابعين, وكان من آثار ذلك أن اختلطت المفاهيم، وضل فئام من الناس عن منهج الله المستقيم بكامله, أو في جانب من جوانب العقيدة.</p><p>أما أهل الحق فقد ثبتوا عليه، رغم المحن والشدائد وهب العلماء من السلف يبينون للناس العقيدة الصحيحة، ودلائلها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ويردون على أهل الأهواء مذاهبهم وعقائدهم الفاسدة، ويدحضونها بالعلة وبالرهان، ويبينون ما هي عليه من زيف وباطل, وجاهد علماء السلف في ذلك، حتى نصرهم الله وأيدهم, فبقي مذهبهم هو مذهب عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقيت عقيدة السلف متميزة واضحة تمام الوضوح، يتلقاها الخلف عن السلف، أما النحل والأهواء الفاسدة، فإنها وإن بقيت، وبقي لها مؤيدوها إلا أن ما فيها من باطل قد وضح للناس والحمد لله رب العالمين.</p><p>وعقيدة أهل الحق من السلف في القدر واضحة صحيحة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, قد جلاها ووضحها علماء السلف رضوان الله عليهم... وأنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله تعالى.</p><p>1- وهو يشمل أربع مراتب في درجتين:</p><p>الدرجة الأولى:</p><p>أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً, وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق, فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه, جفت الأقلام وطويت الصحف.</p><p>وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً, فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء, وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً, فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أو سعيد.</p><p>فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة.</p><p>الدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة, وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى, لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات, فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه فلا خالق غيره, ولا رب سواه, ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته, وطاعة رسله, ونهاهم عن معصيته, وهو سبحانه يحب المتقين, والمحسنين, والمقسطين, ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء, ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.</p><p>فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى الإرادة والمشيئة والثانية: الخلق والتكوين.</p><p>2- أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم. </p><p>الفصل السادس: من أقوال السلف في القدر</p><p>- يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في عقيدته التي نقلها ابن الجوزي:</p><p>(ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله) ويقول أيضاً: (أجمع سبعون رجلاً من التابعين, وأئمة المسلمين، وأئمة السلف, وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولها الرضا بقضاء الله, والتسليم لأمر الله, والصبر تحت حكمه, والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين) .</p><p>وفي مسائل الإمام أحمد: (أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو داود قال: سمعت أحمد قال له رجل: تلجئني القدرية إلى أن أقول: الزنا بقدر، والسرقة بقدر، قال: الخير والشر من الله) .</p><p>- وقد نقل الإمام البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) عدة روايات تدل على أن الله خالق أفعال العباد، ثم قال: (قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل: سمعت عبدالله بن سعيد يقول: مازلت أسمع من أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة, قال أبو عبدالله: حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة) وقال: (فالله في ذاته هو الخالق, وحظك واكتسابك من فعلك خلق، لأن كل شيء دون الله يصنعه وهو خلق) .</p><p>- ويقول شيخ المالكية في المغرب ابن أبي زيد القيرواني: (والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا, ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14], يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من عمله، وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقاً لكل شيء, ألا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم) .</p><p>- ويذكر الإمام البيهقي في كتابه: (الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة) روايات عديدة تبين مذهب السلف، وأن الله خالق أفعال العباد، وقال معقباً على بعضها: (فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها، ولأنه قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [ الأنفال:17], وقال: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [ الواقعة:64], فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه, ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه, وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا - عز وجل - على ما أراد فهي من الله - سبحانه وتعالى - خلق, على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة, وهي من عبادة كسب, على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم) .</p><p>ثم قال: (أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: نا الزبير بن عبدالواحد الحافظ, قال حدثني حمزة بن علي العطار، قال: نا الربيع بن سليمان, قال سئل الشافعي رضي الله عنه عن القدر فأنشأ يقول:</p><p></p><p>(فـ) ما شئت كان وإن لم أشأ </p><p>وما شئت إن لم تشأ لم يكن </p><p></p><p>خلقت العباد على ما علمت </p><p>ففي العلم يجري الفتى والمسن </p><p></p><p>على ذا مننت وهذا خذلت </p><p>وهذا أعنت وذا لم تعن </p><p></p><p>فمنهم شقي ومنهم سعيد </p><p>ومنهم قبيح ومنهم حسن </p><p></p><p>وعلى نحو قول الشافعي رضي الله عنه في إثبات القدر لله, ووقوع أعمال العباد بمشيئته, درج أعلام الصحابة والتابعين وإلى مثل ذلك ذهب فقهاء الأمصار: الأوزاعي, ومالك بن أنس, وسفيان الثوري, وسفيان بن عيينة, والليث بن سعد, وأحمد بن حنبل, وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم رضي الله عنهم, وحكينا عن أبي حنيفة رحمه الله مثل ذلك, وهو فيما أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر المزكي يقول: نا أبو العباس أحمد بن سعيد بن مسعود المري قال: نا سعد بن معاذ قال: ثنا إبراهيم بن رستم قال: سمعت أبا عصمة يقول: سألت أبا حنيفة من أهل الجماعة قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وآمن بالقدر خيره وشره من الله...) .</p><p>- ويقول الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني في رسالته (عقيدة السلف أصحاب الحديث): (ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, لا حجة لمن أضله الله عليه, ولا عذر له لديه.. ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره لا مرد لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه.. ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه.. ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد، خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته, ولم يكفر أحد إلا بمشيئته, ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس, فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، بقضائه سبحانه وتعالى وقدره, وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه, ويرضى الإيمان والطاعة, ويسخط الكفر والمعصية) .</p><p>- ويقول الإمام ابن قتيبة رحمه الله: (وعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور, كيف خلق, وكيف قدر، وكيف أعطى، وكيف منع, وأنه لا يخرج من قدرته شيء, ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد, وأنه لا دين لأحد عليه، ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وإن العباد يستطيعون ويعملون، ويجزون بما يكسبون، وإن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد, ويتفضل بها على من أحب، يوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله عز وجل, وما سوى ذلك مخزون عنه)</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35260, member: 329"] المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل الذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد، الذي لا يملك شيئاً لذاته في تحركه وسكونه. بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب، وحركة الرئتين، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا - من غير أن نعرفها ونعلم بها - ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده. أما أكل الإنسان وشربه وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم، واختلفت عندهم الموازين. والقرآن مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله تعالى: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} (20) سورة [يس:20] {فَلَما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103] {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15] {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص:79] والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها التي تسند الأفعال إلى من قاموا بها. المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه وهذا زعم باطل، فالله شاء وجود الكفر والشرك والذنوب والمعاصي من الزنا والسرقة وعقوق الوالدين والكذب وقول الزور، وأكل مال الناس بالباطل، ولكنه كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها. قال ابن القيم: أخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغض الله ورسوله. فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبُغضُ منه؟ فقال له الشيخ: إذا كان الله قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم، فواليتهم أنت وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون موالياً له أو معادياً له؟ قال: فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب لقد أخطأ هذا الفريق في دعواه أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل، وذهل هؤلاء عن حقيقة القدر، فالله قدرَّ النتائج وأسبابها، ولم يقدر المسببات من غير أسباب، فمن زعم أن الله قدر النتائج والمسببات من غير مقدمتها وأسبابها فقد أعظم على الله الفرية. فالله إذا قدرَّ أن يرزق فلاناً رزقاً جعل لذلك الرزق أسباباً ينال بها، فمن ادعى أن لا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق وأنَّ ما قدر له من رزق سوف يأتيه سعي أو لم يسع لم يفقه قدر الله في عباده. وإذا قدر الله أن يرزق فلاناً ولداً، فإنه يكون قدر له أن يتزوج ويعاشر زوجه، فالأسباب هي من الأقدار. والله يقدر أن فلاناً يدخل الجنة، ويقدر مع ذلك أن هذا الإنسان يؤمن ويعمل الصالحات، ويستقيم على أمر الله، ويقدر أن فلاناً يكون من أهل النار، ويقدر أسباب ذلك من تركه الإيمان والأعمال الصالحة. ويقدر أن فلاناً يمرض فيتناول الدواء فيشفى، فالله قدر المرض، وقدر السبب الذي يزيل المرض ويحقق الشفاء. والله يقدر أن فلاناً يدعوه ويستغيث به، فيجيب دعاءَه ويقبل رجاءَه، ويقدر أن فلاناً لا يدعوه ولا يرجوه، فيكله إلى نفسه، ويبقيه في تعسه، فالله قدر المسببات وقدر أسبابها، ومن زعم أن المسبب يقع من غير سبب فإنه لم يفقه دين الله، ولم يعرف قدر الله، وهو كمن يزعم أن الولد يأتي من غير سبب، وأن الزرع يحصل من غير ماء ولا تراب، وأن الشبع يحدث من غير طعام، والري يكون من غير تناول شراب. والنصوص الدالة على هذا الذي شرحناه وبيناه كثيرة وافرة. ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة، فقد أمرت بالعمل والسعي في طلب الرزق، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار. قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10] وقال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] وقال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60] وأمر المسافرين للحج بالتزود {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] وأمر بالدعاء والاستعانة{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ} [الأعراف:128]. وأمر باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه وجنته كالصلاة والصيام والزكاة والحج. وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل حياة المرسلين جميعاً والسائرين على نهجهم كلها شاهدة على أخذهم بالأسباب، والجد والاجتهاد في الأعمال. إن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله تبارك وتعالى، وليس مناقضاً للقدر ولا منافياً له. وقد فقَّه الرسول صلى الله عليه سلم بمعنى القدر، وأنه لا يُوجبُ ترك العمل، بل يوجب الجد والاجتهاد فيه لبلوغه ما يطمح الإنسان في نيله وتحقيقه، فقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن فائدة العمل إذا كانت الأعمال مقدرة مقضية جفَّ بها القلم، وفرغ منها رب العالمين، فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وقرأ عليه السلام:{فَأَما مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَما مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-10]. وقال بعض الصحابة الذين فقهوا عن الله ورسوله مراده لما سمع أحاديث القدر: ما كنت بأشدّ اجتهاداً مني الآن. إن الذي يفقه عن الله مراده في القدر يعلم أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال، بل يدفع إلى الجد والاجتهاد والحرص على تحصيل ما ينفعه في الدنيا والآخرة. إلا أنه يجب التنبه إلى أن العبد وإن أخَذَ بالأسباب فإنه لا يجوز أن يعتمد عليها، ويتوكل عليها، بل يجب أن يتوكل على خالقها ومنشئها. وقد قال علماؤنا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلاً، ولا بدَّ له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر، وهذا مما يبين أن الله ربُّ كل شيء ومليكه، وأن السماوات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدبر غيرها، وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك، فإنك تجده ليس مستقلاً بإحداث شيء من الحوادث، بل لا بدَّ له من مشارك ومعاون، وهو مع ذلك له معارضات وممانعات. فكل سبب له شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم يُصرف عنه ضده لم يحصل سببه، فالمطر وحده لا ينبت إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتمُّ حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن تصرف المفسدات. والعقلاء من البشر يعلمون أنهم لا يستقلون بفعل ما يريدون، فكثير منهم تتهيأ له الأسباب، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي وما يريد {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24]. يذكر اللالكائي أن رجلاً طلب من جاريته أن تسقيه، فجاءته بقدح من زجاج، فصبت له ماء، فوضعه على راحته، ثم رفعه إلى فيه، ثم قال: يزعم ناس أني لا أستطيع أن أشرب هذا، ثم قال: هي حرة إن لم أشربه (يعني جاريته التي صبت الماء) فما كان من الجارية إلا ضربت القدح بِردن قميصه، فوقع القدح وانكسر وأهرق الماء . وهكذا أثبتت الجارية لهذا المسكين أنه لا يقدر على كل ما يريد ما لم يقدره الله، فلقنته درساً، وحررت نفسها من رق العبودية. وكم من ثري أو قوي أو مُقدّم قوم ظن أن الدنيا خضعت له وأعطته زمامها، وجد نفسه عاجزاً لا يستطيع أن يفعل شيئاً، قد يقعده عن فعل ما يشتهي عدو طاغ، أو مرضٌ مُقْعِدٌ، أو خيانة صديق. أو طمع محب {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54]. المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر وهؤلاء يحتجون بالقدر على ترك العمل، فتجد الواحد عندما يدعى إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن يقول: لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم والفساد، أو ما يقع من ظلم وفساد، فيقولون في المظالم والمناكر والمفاسد التي تقع: هذه إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام. وترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضاً منهم يصبح أعواناً للظلمة، وتراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم. وترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات ويرتكبون المنكرات من الزنا والفسوق والعصيان ويحتجون لأفعالهم بالقدر. وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهو حجة أضحكوا العقلاء منهم، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصاً، وابن القيم يذكر وقائع من هؤلاء تزري بأصحاب العقول، وتجعل أصحابها في مرتبة أقل من البهائم، يذكر عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته، فلما أراد معاقبتهما، وكان غلامه يعرف مذهبه في القدر، فقال له: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال له ذلك الجاهل: لَعِلْمُكَ بالقضاء والقدر أحب إليَّ من كل شيء، أنت حرّ لوجه الله. ورأى آخر رجلاً يفجر بزوجته، فأقبل يضربها وهي تقول: القضاء والقدر، فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوَّه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس. فتنبه، ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها، وقال: لولا أنت لضللت. ورأى آخر رجلاً يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله. فلقب بالخيرة فيما قضى الله. ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً لأمكن لكل واحد أن يقتل ويفسد ويأخذ الأموال ويظلم العباد، فإذا سئل عن أفعاله احتج بالقدر، وكل العقلاء يعلمون بأن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية، وإلا فإن الحياة تفسد. وكثير من الذين يحتجون بالقدر لظلمهم وفسقهم وضلالهم يثورون إذا ما وقع عليهم الظلم، ولا يرضون من غيرهم أن يحتج على ظلمه لهم بالقدر. إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا ونبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر، ولكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ترك العمل، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع، وإنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : العبد له في المقدور حالان: حال قبل القدر وحال بعد القدر. فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك، وإن كان ذنباً استغفر إليه من ذلك. وله في المأمور حالان: حال قبل الفعل، وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير. قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر:55] أمره أن يصبر على المصائب المقدرة، ويستغفر من الذنب. وقال تعالى:{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران:186]. وقال يوسف: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]. فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعايب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) . إن العبد المؤمن الحصيف لا يترك العمل بدعوى أنَّ قدر الله ماض فيه، بل الواجب عليه أن يأخذ الأمر بقوة، يعلم ما يطلبه الله، ويفكر فيما يفيده وينفعه، ثم يبذل قصارى جهده في القيام بأمر الله، وبالأخذ بالأسباب للأمور التي يظن أن فيها نفعه وصلاحه، فإذا لم يوفق فلا يقضي وقته بالتحسر والتأسف، وإنما يقول في هذا الموضع قدر الله وما شاء فعل. إن الإيمان بالقدر والاحتجاج به يأتي لمعالجة المشكل النفسي الذي يذهب الطاقة الإنسانية ويبددها في حال الفشل والإخفاق، ولا يكون مانعاً من العمل والإبداع في مقبل الزمان. استدلالهم بحديث احتجاج آدم بالقدر: وقد يستدل من قلَّ عمله بحديث احتجاج آدم وموسى على الاحتجاج بالقدر في المعايب، وهو حديث صحيح روته كتب (الصحاح)، و(السنن). روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أُهبط الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله فحج آدم موسى)) . وليس في هذا الحديث حجة للذين يحتجون بالقدر على القبائح والمعايب، فآدم عليه السلام لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وموسى عليه السلام لم يلم أباه آدم على ذنب تاب منه، وتاب الله عليه منه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم من موسى على المصيبة التي أخرجت آدم وأولاده من الجنة. فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب. فعلى العبد أن يستسلم للقدر إذا أصابته مصيبة {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156]، أما المذنبون فليس لهم الاحتجاج بالقدر، بل الواجب عليهم أن يتوبوا ويستغفروا {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر:55] فأرشد إلى الصبر في المصائب والاستغفار من الذنوب والمعايب. والله ذم إبليس لا لاعترافه بالمقدر في قوله: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} [الحجر:39]، وإنما على احتجاجه بالقدر. وأجاب ابن القيم عن الإشكال الذي وقع في حديث احتجاج آدم بالقدر بجواب آخر فقال: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءَة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبهُ عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محظور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي حال المستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه، وإصراره، فيبطل به حقاً، ويرتكب به باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله. المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب ؟ إذا كانت المعاصي بقضاء الله فكيف لنا أن نكره قضاءَه ونبغضه، والجواب: أنه لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم آية ولا حديث يأمر العباد بأن يرضوا بكل مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ولكن الواجب على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به. قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65]. وينبغي للعبد أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً، مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع، ولكن هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب ليس بواجب المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق من ذهب هذا المذهب أن فاعلي المعاصي والذنوب لا يستطيعون غير ما فعلوا، وتكليفهم بخلاف ما فعلوا تكليف بما لا يطاق، وتكليف مالا يطاق جاءت الشريعة بنفيه في قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286].{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق:7]، واحتجوا بمثل قوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:101]، وقوله: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود:20]، وقوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس:9]. قالوا: فهذه الآيات مصرحة بأنهم لم يكونوا يستطيعون الفعل، وهؤلاء ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وزعموا أنه متناقض، وحاشاه أن يكون كذلك. والجواب عما شغبوا به أن الاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي، فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحمد والذم، والثواب والعقاب. ومعلوم أن العباد في هذه الحال مأمورون منهيون موعودون متوعدون، فعلم أن المنفية ليست هي المشروطة في الأمر والنهي. فالاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست بسبب استحالة الفعل أو عجزهم عنه، وإنما هي بسبب تركهم له والاشتغال بضده، كالكافر كلفه الله الإيمان في حال كفره، لأنه غير عاجز عنه ولا مستحيل فعله، فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة. أما الاستطاعة التي هي مناط التكليف، فهي المذكورة في مثل قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97]، وقوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:4]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) . ومعلوم أن الله لا يكلف مالا يطاق لوجود ضده من العجز، فلا يكلف المقعد بأن يصلي قائماً، ولا يكلف المريض بالصيام، ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال، لخروج ذلك عن المقدور. وقد اتفق أهل العلم أن العبد إذا عجز عن بعض الواجبات سقط عنه ما عجز عنه، فمن قطعت منه رجله سقط عنه غسلها، ومن لم يستطع اغتسال الجنابة أو القيام أو الركوع ونحو ذلك سقط عنه ما عجز عنه. وبذلك يظهر لك أن عدم الاستطاعة المذكورة في الآيات التي احتج بها هذا الفريق غير مشروطة في شيء من الأمر والنهي والتكليف باتفاق المسلمين، والاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي في الآيات التي سقناها هي التي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها. المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن لقد أدى هذا المذهب بأصحابه والقائلين به إلى التسوية بين الأخيار والفجار، والأبرار والأشرار، وأهل الجنة وأهل النار، وقد فرق بينهم العليم الخبير {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجارِ} [ص:27-28]، وقال: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21]، وقال: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم:35-36]. الفصل الخامس: مذهب أهل السنة والجماعة في القدر بيان المذهب الحق في القدر ونقصد بذلك مذهب السلف، وأهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين، وتابعيهم إلى يوم القيامة، وهم الذين كانوا على الحق سائرين وهم الذين ثبتوا على طريق الهدى والرشاد حين بدأت بذور الفتن والفرقة تدب بين المسلمين, فنشأت هذه النحل والمقالات الفاسدة وصار لها دعاتها ومؤيدوها ومناصروها، وأصبحت كل فرقة تدعي أنها على الحق، وتستدل لأقوالها بأدلة من الكتاب والسنة، تزعم أنها تؤيد ما ذهبت إليه, بل قد تنسب أقوالها ومذاهبها إلى بعض الصحابة وكبار التابعين, وكان من آثار ذلك أن اختلطت المفاهيم، وضل فئام من الناس عن منهج الله المستقيم بكامله, أو في جانب من جوانب العقيدة. أما أهل الحق فقد ثبتوا عليه، رغم المحن والشدائد وهب العلماء من السلف يبينون للناس العقيدة الصحيحة، ودلائلها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ويردون على أهل الأهواء مذاهبهم وعقائدهم الفاسدة، ويدحضونها بالعلة وبالرهان، ويبينون ما هي عليه من زيف وباطل, وجاهد علماء السلف في ذلك، حتى نصرهم الله وأيدهم, فبقي مذهبهم هو مذهب عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقيت عقيدة السلف متميزة واضحة تمام الوضوح، يتلقاها الخلف عن السلف، أما النحل والأهواء الفاسدة، فإنها وإن بقيت، وبقي لها مؤيدوها إلا أن ما فيها من باطل قد وضح للناس والحمد لله رب العالمين. وعقيدة أهل الحق من السلف في القدر واضحة صحيحة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, قد جلاها ووضحها علماء السلف رضوان الله عليهم... وأنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله تعالى. 1- وهو يشمل أربع مراتب في درجتين: الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً, وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق, فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه, جفت الأقلام وطويت الصحف. وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً, فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء, وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً, فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أو سعيد. فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة. الدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة, وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى, لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات, فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه فلا خالق غيره, ولا رب سواه, ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته, وطاعة رسله, ونهاهم عن معصيته, وهو سبحانه يحب المتقين, والمحسنين, والمقسطين, ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء, ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى الإرادة والمشيئة والثانية: الخلق والتكوين. 2- أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم. الفصل السادس: من أقوال السلف في القدر - يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في عقيدته التي نقلها ابن الجوزي: (ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله) ويقول أيضاً: (أجمع سبعون رجلاً من التابعين, وأئمة المسلمين، وأئمة السلف, وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولها الرضا بقضاء الله, والتسليم لأمر الله, والصبر تحت حكمه, والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين) . وفي مسائل الإمام أحمد: (أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو داود قال: سمعت أحمد قال له رجل: تلجئني القدرية إلى أن أقول: الزنا بقدر، والسرقة بقدر، قال: الخير والشر من الله) . - وقد نقل الإمام البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) عدة روايات تدل على أن الله خالق أفعال العباد، ثم قال: (قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل: سمعت عبدالله بن سعيد يقول: مازلت أسمع من أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة, قال أبو عبدالله: حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة) وقال: (فالله في ذاته هو الخالق, وحظك واكتسابك من فعلك خلق، لأن كل شيء دون الله يصنعه وهو خلق) . - ويقول شيخ المالكية في المغرب ابن أبي زيد القيرواني: (والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا, ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14], يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من عمله، وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقاً لكل شيء, ألا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم) . - ويذكر الإمام البيهقي في كتابه: (الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة) روايات عديدة تبين مذهب السلف، وأن الله خالق أفعال العباد، وقال معقباً على بعضها: (فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها، ولأنه قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [ الأنفال:17], وقال: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [ الواقعة:64], فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه, ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه, وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا - عز وجل - على ما أراد فهي من الله - سبحانه وتعالى - خلق, على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة, وهي من عبادة كسب, على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم) . ثم قال: (أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: نا الزبير بن عبدالواحد الحافظ, قال حدثني حمزة بن علي العطار، قال: نا الربيع بن سليمان, قال سئل الشافعي رضي الله عنه عن القدر فأنشأ يقول: (فـ) ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن وعلى نحو قول الشافعي رضي الله عنه في إثبات القدر لله, ووقوع أعمال العباد بمشيئته, درج أعلام الصحابة والتابعين وإلى مثل ذلك ذهب فقهاء الأمصار: الأوزاعي, ومالك بن أنس, وسفيان الثوري, وسفيان بن عيينة, والليث بن سعد, وأحمد بن حنبل, وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم رضي الله عنهم, وحكينا عن أبي حنيفة رحمه الله مثل ذلك, وهو فيما أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر المزكي يقول: نا أبو العباس أحمد بن سعيد بن مسعود المري قال: نا سعد بن معاذ قال: ثنا إبراهيم بن رستم قال: سمعت أبا عصمة يقول: سألت أبا حنيفة من أهل الجماعة قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وآمن بالقدر خيره وشره من الله...) . - ويقول الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني في رسالته (عقيدة السلف أصحاب الحديث): (ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, لا حجة لمن أضله الله عليه, ولا عذر له لديه.. ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره لا مرد لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه.. ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه.. ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد، خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته, ولم يكفر أحد إلا بمشيئته, ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس, فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، بقضائه سبحانه وتعالى وقدره, وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه, ويرضى الإيمان والطاعة, ويسخط الكفر والمعصية) . - ويقول الإمام ابن قتيبة رحمه الله: (وعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور, كيف خلق, وكيف قدر، وكيف أعطى، وكيف منع, وأنه لا يخرج من قدرته شيء, ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد, وأنه لا دين لأحد عليه، ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وإن العباد يستطيعون ويعملون، ويجزون بما يكسبون، وإن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد, ويتفضل بها على من أحب، يوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله عز وجل, وما سوى ذلك مخزون عنه) [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية