الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35261" data-attributes="member: 329"><p>يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أنَّ الله خالق كلّ شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءَه، بل هو القادر على كل شيء ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة. فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون </p><p>وقال: وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة. ومتفقون على أنه لا حجّة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرّم فعله، بل لله الحجة البالغة على عباده. </p><p> وقال: ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. </p><p>- عقيدة الإمام أبي بكر محمد الحسين الآجُرِّي في القدر</p><p>قال رحمه الله: مذهبنا في القدر أن نقول: إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهل، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين. ثم خلق آدم عليه السلام،واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وخلق إبليس، وأمره بالسجود لآدم عليه السلام، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله عز وجل، لا معارض لله الكريم في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلاً من ربنا قضاؤه وقدره. وخلق آدم وحواء عليهما السلام، للأرض خلقهما، وأسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكلا منها رغداً ما شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة. فهو تبارك وتعالى في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه: قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها: {لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. لم يكن لهما بُدُّ من أكلهما، سبباً للمعصية، وسبباً لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقاً، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه، إلا وقد جرى مقدوره به، وأحاط به علماً قبل كونه أنه سيكون.</p><p>خلق الخلق، كما شاء لما شاء، فجعلهم شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه.</p><p>ثم بعث رسله، وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله عز وجل أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر، قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن:2] أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا أبداً، يضل من يشاء ويهدي من يشاء {لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا عز وجل فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرَّى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده، وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبته منه لها، ولا للأمر بها، تعالى الله عز وجل أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها، وجل ربنا وعز أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاء وقدراً. قد جرى القلم بأمره عز وجل في اللوح المحفوظ بما يكون، من برّ أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، لولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21] وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها، وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: هذا مذهبنا في القدر . </p><p>ويقول الطحاوي رحمه الله في القدر: خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته. </p><p>وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء الله لهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً. وكلهم متقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًّا من عنده. </p><p> وقال: وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، لا يزاد في ذلك العدد، ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له ... والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله... وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك العلم المفقود. ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد قدر، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن، ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]. وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب:38]، فويل لمن صار في القدر لله خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً. </p><p>الفصل السابع: أسباب الضلال في القدر وحكم الاحتجاج به</p><p>المبحث الأول: أسباب الضلال في القدر</p><p>والسبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءاً من الحقيقة وعمي عن جزء منها، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانبي الشيء، ولا يرى الجانب الآخر، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي ولا يحبها ولا يرضاها، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي. والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبّه ورضيه. وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين، ونفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها. فهم يقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها، ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها. وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجباً أو مستحباً. ولو قال: إن أحب الله، حنث إن كان واجباً أو مستحباً. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية خلقية، وإرادة دينية شرعية </p><p>المبحث الثاني: حكم الاحتجاج بالقدر</p><p>عقيدة الإيمان بالقدر لقيت كما لقي غيرها من أركان الإيمان كثيراً من الاعتراضات, وأثيرت حولها كثير من الشبهات، وليس هذا بمستغرب ما دام الصراع بين الحق والباطل موجوداً منذ أن استكبر إبليس على ربه، وأبى السجود لآدم عليه السلام، وإلى أن تقوم الساعة.</p><p>ولم يكن هناك داع لطرق هذا الموضوع ... لولا أن القدر قد اشتهر عنه بصفة خاصة: في بطون الكتب, وعلى ألسنة الناس في كل زمان ومكان هذا الموضوع الذي هو موضوع الاحتجاج به, فكل من عرض له موضوع القدر, أو تحدث عنه, أو كتب فيه تجده يناقش هذه المسألة.</p><p>ومن المعلوم أن كثراً من الكافرين والمشركين والضالين، والمقصرين في عبادة الله والمنحرفين عن منهج الله قد وجدوا في القدر مجالاً للاحتجاج به على كفرهم, وفسادهم, وتقصيرهم. ولذلك ورد في الكتاب والسنة, وأقوال العلماء ما يرد على هؤلاء جميعاً ويدحض حججهم كلها.</p><p>لهذا كله كان من تمام الكلام في القدر أن نناقش أهم هذه الأسئلة التي تثار حوله، والمقصود: الأسئلة التي تثار حول القدر على وفق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإلا فالأسئلة التي أثيرت وتثار على مذاهب المنحرفين في القدر كثيرة وكثيرة جداً، ومن ثم فسنقصر الحديث على الأسئلة التي أثيرت حول عقيدة السلف في القدر فقط. وستكون طريقتنا أن نذكر كل حجة على شكل سؤال, ثم نعقبه مباشرة بالمناقشة والبيان، وهكذا في الحجة الثانية وإلى آخر الحجج.</p><p>السؤال الأول:</p><p>وهو سؤال عام يجمع حججاً عديدة، ولذلك كان من أشهر الحجج وأكثرها شيوعاً عند كل من انحرف عن الطريق المستقيم في باب القدر، وملخصه:</p><p>أن كل من أذنب ذنباً، أو ارتكب معصية فإنه يحتج بأنه مقدر عليه، وأنه أمر مقدور، حاصل لا محالة، ومن ثم فما ذنب العاصي في معصيته، ما دامت مكتوبة عليه، وهؤلاء يستدلون بأن آدم عليه السلام قد احتج بالقدر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: حج آدم موسى، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى, اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، ثلاثاً)) .</p><p>جواب هذا السؤال ومناقشته من وجوه:</p><p> 1- أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة وداحضة باتفاق كل ذي عقل, ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه, ويضرب عنقه, ويهلك الحرث والنسل, وهؤلاء جميعاً كذابون متناقضون, فإن أحدهم لا يزال يذم هذا, ويبغض هذا, ويخالف هذا, حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات, وترك الواجبات, لزمهم ألا يذموا أحداً, ولا يبغضوا أحداً, ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحداً فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع. </p><p>وهذا يدل على ما يختلج في النفوس من شهوات وشبهات, ولذلك تراهم يحتجون بالقدر على أفعالهم ومعاصيهم, وفي نفس الوقت ينتقمون ممن اعتدى عليهم أو ظلمهم، ولو احتج عليهم بالقدر لما قبلوا، بل لو كان الاعتداء بما يحسن الاحتجاج بالقدر عليه كالمصائب التي يقدرها الله سبحانه وتعالى لاعترضوا ولم يقبلوا أن يحتج بالقدر من كانت على يديه هذه المصائب دون عمد منه أو تفريط, وعند الاستقراء تجد أن هؤلاء يحتجون بالقدر في ترك حق ربهم، ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقاً لهم، ولا مخالفة أمرهم، ويقول ابن تيمية عن هؤلاء: (ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك, والصوفية، والفقراء, والعامة, والجند, والفقهاء وغيرهم يفرون إليه عند اتباع الظن وما تهوى الأنفس، فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلاً، بل يعتمدون عليه لعدم الهدى والعلم، وهذا أصل شريف من اعتنى به علم منشأ الضلال والغي لكثير من الناس) , ومعلوم أن الصوفية هم شر من ابتلي في هذا الباب حيث اعتقدوا أن ما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فالمقدور هو محبوب لله تعالى مهما كان.</p><p>2- أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس, وفرعون, وقوم نوح, وعاد وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذوراً, ويلزم أيضاً ألا يفرق بين المؤمنين والكفار, ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان, وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة.</p><p>والقدرية ثلاثة أصناف:</p><p>الأولى: القدرية المشركية، وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي فقالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [ الأنعام:148]، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع وإن كانوا معترفين بربوبية الله العامة لكل مخلوق.</p><p>الثانية: القدرية الإبليسية: وهم الذين يصدقون بالشرع والقدر، ولكن عندهم أن هذا تناقض, وهؤلاء كثير في سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة.</p><p>الثالثة: القدرية المجوسية، وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقولون إن الذنوب ليست واقعة بمشيئة الله ولا قدرته، وهؤلاء هم المعتزلة الذين يعظمون الأمر والنهي، ولكنهم يشركون معه في باب القدر، ولهذا سموا بالقدرية المجوسية، فهؤلاء لا ينظرون إلى القدر في المصائب ولا في المعائب، في حيث أن الأولين يحتجون بالقدر في المصائب والمعائب، وكل منهم ضال في هذا الباب, وهو مقصر إما في جانب الشرع، أو في جانب القدر.</p><p>ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم تقطع يد سارق، ولا أقيم حد على زان، ولا جوهد في سبيل الله.</p><p>3- أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه, وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف، ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، ومادام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريداً للإيمان، لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه، ومادام الإنسان مريداً قادراً فاحتجاجه بالقدر باطل.</p><p>وينبغي أن يعلم أن الاحتجاج بالقدر إنما يرد على من لا يقر للإنسان بإرادة ولا قدرة كالجهمية والأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة الحقيقي فلا يرد، لأنهم يقولون إن الإنسان مريد وفاعل حقيقة، وله قدرة يقع بها الفعل.</p><p>4- وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلوماً أن الله قد علم وكتب أن فلاناً يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له، وأن فلاناً يبذر البذر فينبت الزرع... إلخ ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أن لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعاً فستنبت، لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين، إذا وضح هذا المثال فنقول: إن الله تعالى علم وكتب أن فلاناً يؤمن ويعمل صالحاً فيدخل الجنة، وفلاناً يعصي ويفسق فيدخل النار، وحينئذ فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولاً باطلاً متناقضاً، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضاً لما علمه الله وقدره، وهذا شبيه بمن قال: أنا لا أطأ امرأة, وإن كان قد قدر أن يأتيني منها ولد فسيأتيني .</p><p>ومعلوم أن جميع الأسباب قد تقدم علم الله بها، وكتابته لها، وتقديره إياها، وقضاؤه بها، كما تقدم ربط ذلك بالمسببات، ومنها الأسباب التي بها يخلق الله النبات من المطر وغيره، فمن ظن أن الشيء إذا علم وكتب أنه يكفي ذلك في وجوده, ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب فهو ضال جاهل من وجهين:</p><p>أحدهما: (من جهة كونه جعل العلم جهلاً: فإن العلم يطابق المعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب, لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئاً بدون الأسباب, فقد قال على الله الباطل, وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين، وأن هذا النبات نبت بلا ماء، فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء) ، فالله أخبر أن الأعمال هي سبب في الثواب والعقاب, فلو قال قائل: إن الله قد أخرج آدم بلا ذنب, وأنه قد قدر عليه، أو قال: إن الله قد غفر لآدم بلا توبة، وأنه قد علم ذلك، كان هذا كذباً وبهتاناً, بخلاف ما إذا أقر بأن آدم قد أذنب، وأنه قد تاب فتاب الله عليه، وكل ذلك مقدر، فإنه يكون صادقاً، ويقاس على ذلك ما ذكره الله سبحانه وتعالى من أن السعادة والشقاوة تكون بالأعمال المأمور بها والمنهي عنها .</p><p>والثاني: (أن العلم بأن الشيء سيكون, والخبر عنه بذلك, وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها، كالفاعل، وقدرته، ومشيئته، فإن اعتقاد هذا غاية في الجهل, إذ هذا العلم ليس موجباً بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء بل هو مطابق له على ما هو عليه، لا يكسبه صفة، ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا، كالموجودات التي كانت قبل وجودنا، مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته، فإن هذا العلم ليس مؤثراً في وجود المعلوم باتفاق العلماء, وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم, كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرفنا صفته وقدره، فإن الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممن له شعور وعلم, إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم، وهذا التفصيل الموجود في علمنا بحيث ينقسم إلى علم فعلي له تأثير في المعلوم، وعلم انفعالي لا تأثير له في وجود المعلوم هو فصل الخطاب في العلم) , وهكذا علم الله تبارك وتعالى فعلمه بنفسه - سبحانه - لا تأثير له في وجود المعلوم، أما علمه بمخلوقاته التي خلقها بمشيئته وإراداته فهو مما له تأثير في وجود معلوماته, ولهذا كان الخلق مستلزماً للعمل ودليلاً عليه، (وأما إذا أخبر بما سيكون قبل أن يكون، فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر في وجوده، لعلمه وخبره، به بعد وجوده، لثلاثة أوجه:</p><p>أحدهما: أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر عن الماضي.</p><p>الثاني: أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة للخلق، ليس هو ما يستلزم الخبر...</p><p>الثالث: أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير في وجود المعلوم المخبر به، فلا ريب أنه لا بد مع ذلك من القدرة والمشيئة فلا يكون مجرد العلم موجباً له بدون القدرة والإرادة، فتبين أن العلم والخبر والكتاب لا يوجب الاكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد، ومما يدل على ذلك، أن الله سبحانه وتعالى يعلم ويخبر بما يكون من مفعولات الرب، كما يعلم أنه سيقيم القيامة ويخبر بذلك، ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع المعلوم المخبر به بدون الأسباب التي جعلها الله أسباباً له) .</p><p>ومن ثم فالاحتجاج بعلم الله السابق باطل، وبهذا تبطل كثير من الشبه التي تثار حول القدر.</p><p>5- أما حديث احتجاج آدم وموسى، فقد تكلم فيه العلماء وأطالوا الإجابة عنه، وغالب أجوبتهم بعيدة عن الصواب، ومن الأجوبة:</p><p>أ- أن آدم حج موسى لأنه أبوه، فحجه كما يحج الرجل ابنه، وهذا فاسد؛ لأن الحجة يجب المصير إليها سواء كانت مع الأب أو الابن, أو العبد أو السيد.</p><p>ب – وقيل: إن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة، وهذا كالذي قبله، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تلوم الأمم التي قبلها المخالفة لرسلها.</p><p>ج- وقيل: حجه لأنه لامه في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت حجة لموسى عليه، وهذا فاسد، كما ذكر ابن القيم، لوجهين:</p><p>أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق، فلم يتعرض للدار، وإنما احتج بالقدر السابق.</p><p>والثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة.</p><p>د- وقيل: إنه حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة، وتفرد الرب - سبحانه وتعالى- بربوبيته، وقالوا: إن مشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه شهد نفسه عدماً محضاً، قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم، وهذا قول بعض الصوفية، ويقول عنه ابن القيم: (وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في علم الحديث... ولو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك, وكافر, وظالم، ولم يبق للحدود معنى, ولا يلام جانٍ على جنايته، ولا ظالم على ظلمه، ولا ينكر منكر أبداً) </p><p>هـ - وقيل: إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه، وهذا لا يصح أيضاً لوجوه منها:</p><p>- أن آدم لم يذكر ذلك في جوابه, ولا جعله حجة على موسى، ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام، أعرف بالله من أن يلومه على ذنب قد تاب منه .</p><p>وإذا تبين فساد هذه الأقوال فما هو الجواب الصحيح في معنى هذا الحديث؟</p><p>الجواب الصحيح: (أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى عليه السلام، كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه, واجتباه، وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة, فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب) .</p><p>وقد ذكر هذا الجواب ابن القيم – رحمه الله – وحكاه عن ابن تيمية، ثم قال: (وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد, ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً, ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه: أن آدم قال لموسى، أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، ثم أنبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليَّ قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكره حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقاً, ويرتكب باطلاً كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله) .</p><p>وهذا الذي ذكره ابن القيم جواب جيد، وإن كان ظاهره أنه يرجع إلى الجواب الأول، لأن من أذنب ذنباً ثم تاب منه، وجاء الخبر من الله أنه تاب عليه من هذا الذنب، فإذا كان قد ترتب على هذا الذنب عقوبة معجلة فهي من قبيل المصائب، والله أعلم.</p><p>هذا هو ملخص الرد على سؤال الاحتجاج بالقدر، وربما يدخل فيها بعض الأسئلة التي سترد فيما بعد، فلعل في هذه الإجابة ما يغني عن كثير من الأمور التي تحتاج إلى جواب.</p><p>السؤال الثاني: وملخصه: لماذا منّ الله سبحانه وتعالى بالهداية على المؤمنين، دون الكافرين، وإذا كان – تعالى- قد بين طرق الهدى للناس، فلماذا أعان المؤمن حتى أصبح مؤمناً طائعاً، ولم يعن الكافر فأصبح عاصياً كافراً؟</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35261, member: 329"] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أنَّ الله خالق كلّ شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءَه، بل هو القادر على كل شيء ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة. فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون وقال: وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة. ومتفقون على أنه لا حجّة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرّم فعله، بل لله الحجة البالغة على عباده. وقال: ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. - عقيدة الإمام أبي بكر محمد الحسين الآجُرِّي في القدر قال رحمه الله: مذهبنا في القدر أن نقول: إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهل، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين. ثم خلق آدم عليه السلام،واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وخلق إبليس، وأمره بالسجود لآدم عليه السلام، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله عز وجل، لا معارض لله الكريم في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلاً من ربنا قضاؤه وقدره. وخلق آدم وحواء عليهما السلام، للأرض خلقهما، وأسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكلا منها رغداً ما شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة. فهو تبارك وتعالى في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه: قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها: {لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. لم يكن لهما بُدُّ من أكلهما، سبباً للمعصية، وسبباً لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقاً، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه، إلا وقد جرى مقدوره به، وأحاط به علماً قبل كونه أنه سيكون. خلق الخلق، كما شاء لما شاء، فجعلهم شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه. ثم بعث رسله، وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله عز وجل أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر، قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن:2] أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا أبداً، يضل من يشاء ويهدي من يشاء {لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا عز وجل فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرَّى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده، وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبته منه لها، ولا للأمر بها، تعالى الله عز وجل أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها، وجل ربنا وعز أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاء وقدراً. قد جرى القلم بأمره عز وجل في اللوح المحفوظ بما يكون، من برّ أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، لولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21] وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها، وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: هذا مذهبنا في القدر . ويقول الطحاوي رحمه الله في القدر: خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته. وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء الله لهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً. وكلهم متقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًّا من عنده. وقال: وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، لا يزاد في ذلك العدد، ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له ... والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله... وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك العلم المفقود. ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد قدر، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن، ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]. وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب:38]، فويل لمن صار في القدر لله خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً. الفصل السابع: أسباب الضلال في القدر وحكم الاحتجاج به المبحث الأول: أسباب الضلال في القدر والسبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءاً من الحقيقة وعمي عن جزء منها، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانبي الشيء، ولا يرى الجانب الآخر، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي ولا يحبها ولا يرضاها، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي. والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبّه ورضيه. وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين، ونفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها. فهم يقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها، ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها. وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجباً أو مستحباً. ولو قال: إن أحب الله، حنث إن كان واجباً أو مستحباً. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية خلقية، وإرادة دينية شرعية المبحث الثاني: حكم الاحتجاج بالقدر عقيدة الإيمان بالقدر لقيت كما لقي غيرها من أركان الإيمان كثيراً من الاعتراضات, وأثيرت حولها كثير من الشبهات، وليس هذا بمستغرب ما دام الصراع بين الحق والباطل موجوداً منذ أن استكبر إبليس على ربه، وأبى السجود لآدم عليه السلام، وإلى أن تقوم الساعة. ولم يكن هناك داع لطرق هذا الموضوع ... لولا أن القدر قد اشتهر عنه بصفة خاصة: في بطون الكتب, وعلى ألسنة الناس في كل زمان ومكان هذا الموضوع الذي هو موضوع الاحتجاج به, فكل من عرض له موضوع القدر, أو تحدث عنه, أو كتب فيه تجده يناقش هذه المسألة. ومن المعلوم أن كثراً من الكافرين والمشركين والضالين، والمقصرين في عبادة الله والمنحرفين عن منهج الله قد وجدوا في القدر مجالاً للاحتجاج به على كفرهم, وفسادهم, وتقصيرهم. ولذلك ورد في الكتاب والسنة, وأقوال العلماء ما يرد على هؤلاء جميعاً ويدحض حججهم كلها. لهذا كله كان من تمام الكلام في القدر أن نناقش أهم هذه الأسئلة التي تثار حوله، والمقصود: الأسئلة التي تثار حول القدر على وفق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإلا فالأسئلة التي أثيرت وتثار على مذاهب المنحرفين في القدر كثيرة وكثيرة جداً، ومن ثم فسنقصر الحديث على الأسئلة التي أثيرت حول عقيدة السلف في القدر فقط. وستكون طريقتنا أن نذكر كل حجة على شكل سؤال, ثم نعقبه مباشرة بالمناقشة والبيان، وهكذا في الحجة الثانية وإلى آخر الحجج. السؤال الأول: وهو سؤال عام يجمع حججاً عديدة، ولذلك كان من أشهر الحجج وأكثرها شيوعاً عند كل من انحرف عن الطريق المستقيم في باب القدر، وملخصه: أن كل من أذنب ذنباً، أو ارتكب معصية فإنه يحتج بأنه مقدر عليه، وأنه أمر مقدور، حاصل لا محالة، ومن ثم فما ذنب العاصي في معصيته، ما دامت مكتوبة عليه، وهؤلاء يستدلون بأن آدم عليه السلام قد احتج بالقدر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: حج آدم موسى، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى, اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، ثلاثاً)) . جواب هذا السؤال ومناقشته من وجوه: 1- أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة وداحضة باتفاق كل ذي عقل, ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه, ويضرب عنقه, ويهلك الحرث والنسل, وهؤلاء جميعاً كذابون متناقضون, فإن أحدهم لا يزال يذم هذا, ويبغض هذا, ويخالف هذا, حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات, وترك الواجبات, لزمهم ألا يذموا أحداً, ولا يبغضوا أحداً, ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحداً فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع. وهذا يدل على ما يختلج في النفوس من شهوات وشبهات, ولذلك تراهم يحتجون بالقدر على أفعالهم ومعاصيهم, وفي نفس الوقت ينتقمون ممن اعتدى عليهم أو ظلمهم، ولو احتج عليهم بالقدر لما قبلوا، بل لو كان الاعتداء بما يحسن الاحتجاج بالقدر عليه كالمصائب التي يقدرها الله سبحانه وتعالى لاعترضوا ولم يقبلوا أن يحتج بالقدر من كانت على يديه هذه المصائب دون عمد منه أو تفريط, وعند الاستقراء تجد أن هؤلاء يحتجون بالقدر في ترك حق ربهم، ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقاً لهم، ولا مخالفة أمرهم، ويقول ابن تيمية عن هؤلاء: (ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك, والصوفية، والفقراء, والعامة, والجند, والفقهاء وغيرهم يفرون إليه عند اتباع الظن وما تهوى الأنفس، فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلاً، بل يعتمدون عليه لعدم الهدى والعلم، وهذا أصل شريف من اعتنى به علم منشأ الضلال والغي لكثير من الناس) , ومعلوم أن الصوفية هم شر من ابتلي في هذا الباب حيث اعتقدوا أن ما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فالمقدور هو محبوب لله تعالى مهما كان. 2- أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس, وفرعون, وقوم نوح, وعاد وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذوراً, ويلزم أيضاً ألا يفرق بين المؤمنين والكفار, ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان, وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة. والقدرية ثلاثة أصناف: الأولى: القدرية المشركية، وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي فقالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [ الأنعام:148]، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع وإن كانوا معترفين بربوبية الله العامة لكل مخلوق. الثانية: القدرية الإبليسية: وهم الذين يصدقون بالشرع والقدر، ولكن عندهم أن هذا تناقض, وهؤلاء كثير في سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة. الثالثة: القدرية المجوسية، وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقولون إن الذنوب ليست واقعة بمشيئة الله ولا قدرته، وهؤلاء هم المعتزلة الذين يعظمون الأمر والنهي، ولكنهم يشركون معه في باب القدر، ولهذا سموا بالقدرية المجوسية، فهؤلاء لا ينظرون إلى القدر في المصائب ولا في المعائب، في حيث أن الأولين يحتجون بالقدر في المصائب والمعائب، وكل منهم ضال في هذا الباب, وهو مقصر إما في جانب الشرع، أو في جانب القدر. ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم تقطع يد سارق، ولا أقيم حد على زان، ولا جوهد في سبيل الله. 3- أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه, وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف، ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، ومادام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريداً للإيمان، لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه، ومادام الإنسان مريداً قادراً فاحتجاجه بالقدر باطل. وينبغي أن يعلم أن الاحتجاج بالقدر إنما يرد على من لا يقر للإنسان بإرادة ولا قدرة كالجهمية والأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة الحقيقي فلا يرد، لأنهم يقولون إن الإنسان مريد وفاعل حقيقة، وله قدرة يقع بها الفعل. 4- وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلوماً أن الله قد علم وكتب أن فلاناً يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له، وأن فلاناً يبذر البذر فينبت الزرع... إلخ ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أن لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعاً فستنبت، لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين، إذا وضح هذا المثال فنقول: إن الله تعالى علم وكتب أن فلاناً يؤمن ويعمل صالحاً فيدخل الجنة، وفلاناً يعصي ويفسق فيدخل النار، وحينئذ فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولاً باطلاً متناقضاً، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضاً لما علمه الله وقدره، وهذا شبيه بمن قال: أنا لا أطأ امرأة, وإن كان قد قدر أن يأتيني منها ولد فسيأتيني . ومعلوم أن جميع الأسباب قد تقدم علم الله بها، وكتابته لها، وتقديره إياها، وقضاؤه بها، كما تقدم ربط ذلك بالمسببات، ومنها الأسباب التي بها يخلق الله النبات من المطر وغيره، فمن ظن أن الشيء إذا علم وكتب أنه يكفي ذلك في وجوده, ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب فهو ضال جاهل من وجهين: أحدهما: (من جهة كونه جعل العلم جهلاً: فإن العلم يطابق المعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب, لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئاً بدون الأسباب, فقد قال على الله الباطل, وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين، وأن هذا النبات نبت بلا ماء، فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء) ، فالله أخبر أن الأعمال هي سبب في الثواب والعقاب, فلو قال قائل: إن الله قد أخرج آدم بلا ذنب, وأنه قد قدر عليه، أو قال: إن الله قد غفر لآدم بلا توبة، وأنه قد علم ذلك، كان هذا كذباً وبهتاناً, بخلاف ما إذا أقر بأن آدم قد أذنب، وأنه قد تاب فتاب الله عليه، وكل ذلك مقدر، فإنه يكون صادقاً، ويقاس على ذلك ما ذكره الله سبحانه وتعالى من أن السعادة والشقاوة تكون بالأعمال المأمور بها والمنهي عنها . والثاني: (أن العلم بأن الشيء سيكون, والخبر عنه بذلك, وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها، كالفاعل، وقدرته، ومشيئته، فإن اعتقاد هذا غاية في الجهل, إذ هذا العلم ليس موجباً بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء بل هو مطابق له على ما هو عليه، لا يكسبه صفة، ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا، كالموجودات التي كانت قبل وجودنا، مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته، فإن هذا العلم ليس مؤثراً في وجود المعلوم باتفاق العلماء, وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم, كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرفنا صفته وقدره، فإن الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممن له شعور وعلم, إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم، وهذا التفصيل الموجود في علمنا بحيث ينقسم إلى علم فعلي له تأثير في المعلوم، وعلم انفعالي لا تأثير له في وجود المعلوم هو فصل الخطاب في العلم) , وهكذا علم الله تبارك وتعالى فعلمه بنفسه - سبحانه - لا تأثير له في وجود المعلوم، أما علمه بمخلوقاته التي خلقها بمشيئته وإراداته فهو مما له تأثير في وجود معلوماته, ولهذا كان الخلق مستلزماً للعمل ودليلاً عليه، (وأما إذا أخبر بما سيكون قبل أن يكون، فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر في وجوده، لعلمه وخبره، به بعد وجوده، لثلاثة أوجه: أحدهما: أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر عن الماضي. الثاني: أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة للخلق، ليس هو ما يستلزم الخبر... الثالث: أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير في وجود المعلوم المخبر به، فلا ريب أنه لا بد مع ذلك من القدرة والمشيئة فلا يكون مجرد العلم موجباً له بدون القدرة والإرادة، فتبين أن العلم والخبر والكتاب لا يوجب الاكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد، ومما يدل على ذلك، أن الله سبحانه وتعالى يعلم ويخبر بما يكون من مفعولات الرب، كما يعلم أنه سيقيم القيامة ويخبر بذلك، ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع المعلوم المخبر به بدون الأسباب التي جعلها الله أسباباً له) . ومن ثم فالاحتجاج بعلم الله السابق باطل، وبهذا تبطل كثير من الشبه التي تثار حول القدر. 5- أما حديث احتجاج آدم وموسى، فقد تكلم فيه العلماء وأطالوا الإجابة عنه، وغالب أجوبتهم بعيدة عن الصواب، ومن الأجوبة: أ- أن آدم حج موسى لأنه أبوه، فحجه كما يحج الرجل ابنه، وهذا فاسد؛ لأن الحجة يجب المصير إليها سواء كانت مع الأب أو الابن, أو العبد أو السيد. ب – وقيل: إن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة، وهذا كالذي قبله، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تلوم الأمم التي قبلها المخالفة لرسلها. ج- وقيل: حجه لأنه لامه في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت حجة لموسى عليه، وهذا فاسد، كما ذكر ابن القيم، لوجهين: أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق، فلم يتعرض للدار، وإنما احتج بالقدر السابق. والثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة. د- وقيل: إنه حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة، وتفرد الرب - سبحانه وتعالى- بربوبيته، وقالوا: إن مشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه شهد نفسه عدماً محضاً، قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم، وهذا قول بعض الصوفية، ويقول عنه ابن القيم: (وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في علم الحديث... ولو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك, وكافر, وظالم، ولم يبق للحدود معنى, ولا يلام جانٍ على جنايته، ولا ظالم على ظلمه، ولا ينكر منكر أبداً) هـ - وقيل: إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه، وهذا لا يصح أيضاً لوجوه منها: - أن آدم لم يذكر ذلك في جوابه, ولا جعله حجة على موسى، ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام، أعرف بالله من أن يلومه على ذنب قد تاب منه . وإذا تبين فساد هذه الأقوال فما هو الجواب الصحيح في معنى هذا الحديث؟ الجواب الصحيح: (أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى عليه السلام، كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه, واجتباه، وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة, فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب) . وقد ذكر هذا الجواب ابن القيم – رحمه الله – وحكاه عن ابن تيمية، ثم قال: (وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد, ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً, ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه: أن آدم قال لموسى، أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، ثم أنبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليَّ قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكره حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقاً, ويرتكب باطلاً كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله) . وهذا الذي ذكره ابن القيم جواب جيد، وإن كان ظاهره أنه يرجع إلى الجواب الأول، لأن من أذنب ذنباً ثم تاب منه، وجاء الخبر من الله أنه تاب عليه من هذا الذنب، فإذا كان قد ترتب على هذا الذنب عقوبة معجلة فهي من قبيل المصائب، والله أعلم. هذا هو ملخص الرد على سؤال الاحتجاج بالقدر، وربما يدخل فيها بعض الأسئلة التي سترد فيما بعد، فلعل في هذه الإجابة ما يغني عن كثير من الأمور التي تحتاج إلى جواب. السؤال الثاني: وملخصه: لماذا منّ الله سبحانه وتعالى بالهداية على المؤمنين، دون الكافرين، وإذا كان – تعالى- قد بين طرق الهدى للناس، فلماذا أعان المؤمن حتى أصبح مؤمناً طائعاً، ولم يعن الكافر فأصبح عاصياً كافراً؟ [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية