الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35270" data-attributes="member: 329"><p>وبهذا يظهر الفرق بين من استثنى من السلف لأجل خوف العاقبة وتغيَّر الحال ، وبين القول بالموافاة، الذي ذهب إليه الأشاعرة، وتضمَّن القولَ بأن الإيمان هو ما مات عليه العبد، وأن الإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، وتضمن أيضا: أن حب الله و بغضه، ورضاه وسخطه وولايته وعداوته إنما يتعلق بالموافاة فقط.</p><p>وسر المسألة كما بين شيخ الإسلام أن الأشاعرة ينفون الأفعال الاختيارية، ويثبتون رضا ومحبة قديمة بمعنى الإرادة، وعندهم أن الله لا يرضى عن أحد بعد أن كان ساخطا عليه، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، وأما أهل السنة فقد أخذوا بما دلت عليه النصوص من أن الله تعالى، يحب من شاء إذا شاء، ويرضى عمن شاء متى شاء، ويسخط عمن شاء، وقت ما يشاء، سبحانه، فمحبته ورضاه وسخطه صفات تتعلق بمشيئته.</p><p>والحاصل: أن القول بأن الإيمان هو ما وافى به العبد ربه، وتعليل الاستثناء بذلك، قول محدث، لا دليل عليه. وقد مضى ذكر الاعتبارات التي بنى عليها السلف قولهم في الاستثناء. </p><p>المطلب الخامس: الفرق بين تصديق الأشاعرة ومعرفة جهم</p><p>سبق أن شيخ الإسلام ينسب إلى جهم أن الإيمان هو المعرفة، أو التصديق، ويقرر أن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد التصديق الخالي من الانقياد، أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه.</p><p>كما أنه نسب إلى الأشعري في أحد قوليه، وإلى أكثر أصحابه أنهم نصروا قول جهم في الإيمان، وسمى من هؤلاء: الباقلاني، والجويني، والرازي.</p><p>لكن هل ينطبق هذا على متأخري الأشاعرة؟ وهل يثبتون تصديقا مجردا من أعمال القلوب؟</p><p>والحق أن الناظر في كتب هؤلاء المتأخرين يتبين له أنهم لا يثبتون تصديقا مجردا عن أعمال القلوب، بل يدخلون في التصديق: الإذعان والانقياد والقبول والرضى، ويفرقون بينه وبين المعرفة التي أثبتها جهم، كما أنهم يقررون كفر كثير من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعرفون الحق ولا ينقادون له.</p><p>ومن أقوالهم في تعريف التصديق:</p><p>قال في (إتحاف المريد): (وهو تصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة... والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم: قبول ما جاء به مع الرضا بترك التكبر والعناد، وبناء الأعمال عليه، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته عليه الصلاة والسلام وما جاء به، لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه ولا بنوا الأعمال الصالحة عليه، بحيث صار يطلق عليه اسم التسليم كما هو مدلوله الوضعي) .</p><p>وقال البيجوري: (والمراد بتصديق النبي في ذلك: الإذعان لما جاء به والقبول له، وليس المراد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، مصداق ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146] قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد) .</p><p>وقال الدردير في شرحه على (الخريدة): (والمراد من تصديقه عليه الصلاة والسلام: الإذعان والقبول لما جاء به بحيث يقع عليه اسم التسليم من غير تكبر وعناد، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته عليه الصلاة والسلام وما جاء به؛ لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه بحيث يطلق عليه اسم التسليم. وعلى هذا فالإيمان الشرعي هو حديث النفس التابع للمعرفة، أي الإدراك الجازم، بناء على الصحيح من أن إيمان المقلد صحيح. فالإذعان والقبول والتصديق والتسليم عبارات عن شيء واحد، وهو حديث النفس المذكور، فيكون الإيمان فعلا من أفعال النفس، وليس من قبيل العلوم والمعارف، ويظهر من كلام بعضهم أنه الراجح) ثم ذكر ما ذهب إليه التفتازاني وكثير من المحققين من أن التصديق هو نفس الإدراك، فيكون من قبيل العلوم والمعارف .</p><p>وفي (حاشية السيالكوتي على شرح المواقف)، بعد أن ذكر أن التصديق كسبي اختياري، قال: (والإيمان الشرعي يجب أن يكون من الأول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ادعى النبوة وأظهر المعجزة فوقع صدقه في قلب أحد ضرورة من غير أن ينسب إليه اختيار، لا يقال في اللغة: إنه صدقه، فلا يكون إيمانا شرعيا، كذا في شرح المقاصد. وفيه بحث، فإن من حصل له تصديق بلا اختيار إذا التزم العمل بموجبه يكون إيمانا اتفاقا، ولو صدق النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر في معجزاته اختيارا، ولم يلتزم عمل بموجبه، بل عانده فهو كافر اتفاقا. فعلم أن المعتبر في الإيمان الشرعي هو اختيار في التزام موجب التصديق لا في نفسه، وهذا هو التسليم الذي اعتبره بعض الفضلاء أمرا زائدا على التصديق فليتأمل) .</p><p>والحاصل أن الأشاعرة يشترطون في الإيمان: الإذعان والانقياد والقبول وترك العناد والتكبر، لكنهم يجعلون ذلك نفس (التصديق)، ثم يتكلفون في إيجاد الفرق بين (المعرفة) و(التصديق) ولو قالوا: إن التصديق يجب أن يصحبه إذعان وانقياد وقبول، لسهل الأمر، لكنهم يعلمون أن ذلك مبطل لأصلهم الذي بنوا عليه إخراج العمل من الإيمان، وهو الزعم بأن الإيمان لُغوي، وأن الشرع لم يغير معناه الذي هو التصديق، ولم يتصرف فيه، وأن الإيمان شيء واحد.</p><p>ولهذا لما نقل شيخ الإسلام عن بعضهم القول بأنهم: (اختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول، وترك إيذائه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من التروك. ومن الأفعال: نصرة الرسول، والذب عنه، وقالوا: إن جميعه يضاف إلى التصديق شرعا. وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان).</p><p>علق شيخ الإسلام بقوله: (قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئا واحدا، وقال: إن الشرع تصرف فيه. وهذا يهدم أصلهم، ولهذا كان حذاق هؤلاء كجهم والصالحي وأبي الحسن والقاضي أبي بكر على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه) .</p><p>ثم نقل عن أبي المعالي الجويني وأبي القاسم الأنصاري شارح الإرشاد ما يفيد أن الإيمان هو التصديق بالقلب، إلا أن الشرع أوجب ترك العناد، وعليه فكفر اليهود العالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو من هذا الباب، أي كفروا عنادا وبغيا وحسدا.</p><p>قال شيخ الإسلام: والحذاق في هذا المذهب كأبي الحسن والقاضي ومن قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل، فقالوا: لا يكون أحد كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق، والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء وقالوا: هذا مكابرة وسفسطة .</p><p>بطلان مذهب من جعل عملَ القلب نفسَ التصديق:</p><p>قد تبين مما سبق أن متأخري الأشاعرة أثبتوا عمل القلب، من القبول والانقياد والإذعان، لكنهم جعلوا ذلك نفس التصديق، كما في قول الدردير: (فالإذعان والقبول والتصديق والتسليم عبارات عن شيء واحد)، وسبقت الإشارة إلى أن هذا مذهب أبي الحسين الصالحي، وأن شيخ الإسلام جزم بفساد هذا القول، واعتبره ضلالا بينا، قال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بيِّن) . وإدخال عمل القلب في التصديق، باطل لأمور كثيرة أظهرها ما يترتب على ذلك من القول بأنَّ من كان كفره من جهة انتفاء عمل القلب، كإبليس وفرعون واليهود العالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في قلبه شيء من التصديق، لأنه إذا كان عملُ القلب هو نفس التصديق، كان انتفاؤه يعني انتفاء التصديق، ويلزم على ذلك أنَّ هؤلاء المذكورين ليسوا مصدقين، وأنه لا يزول اسم الإيمان عن أحد إلا بزوال العلم والتصديق من قلبه. وهذا الذي اعتمده الحذاق في هذا المذهب كأبي الحسن والقاضي أبي بكر، كما سبق.</p><p>وأما المتأخرون فقد وقعوا في التناقض الذي أشار إليه شيخ الإسلام، فأثبتوا العلم والتصديق لكثير من المشركين وأهل الكتاب، ونفوا عنهم الإذعان والانقياد، مع قولهم: إن التصديق هو نفس الإذعان والانقياد!</p><p>وهؤلاء يلزمهم أن يقولوا: إنَّ الإيمان الواجب في القلب أمران: التصديق، والعمل، وأنه قد يوجد التصديق من غير العمل، لكنَّ هذا يفسد الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم، وهو أن الإيمان مجرد التصديق، وأنه شيء واحد، وأن الشرع لم يتصرف فيه!</p><p>وهذا الاضطراب جزاء من أعرض عن نصوص الكتاب والسنة، والتمس الهدى في غيرهما من الآراء الكلامية، والقواعد المنطقية.</p><p>وهذا ما سيظهر أيضا من خلال عرض مفهوم الكفر عندهم. </p><p>المطلب السادس: مفهوم الكفر عند الأشاعرة</p><p>يرى الأشاعرة أن الكفر هو التكذيب، أو الجهل بالله تعالى، وأن ما كان من أمور الكفر المجمع عليها كالسجود للصنم وعبادة الأفلاك ليس كفرا في نفسه، لكنه علامة على الكفر، ويجوز أن يكون فاعل ذلك في الباطن مؤمنا. ومنهم من يقول: هذه الأمور جعلها الشارع علامة على التكذيب، فيحكم على فاعلها بوجود التكذيب في قلبه وانتفاء التصديق منه.</p><p>قال الباقلاني: (باب القول في معنى الكفر: إن قال قائل: وما الكفر عندكم؟</p><p>قيل له: ضد الإيمان، وهو الجهل بالله عز وجل، والتكذيب به، الساتر لقلب الإنسان عن العلم به، فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق... وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار، ومنه قولهم: كفرني حقي أي جحدني. </p><p>وليس في المعاصي كفر غير ما ذكرناه، وإن جاز أن يسمى أحيانا ما جُعل علَما على الكفر كفرا، نحو عبادة الأفلاك والنيران، واستحلال المحرمات، وقتل الأنبياء، وما جرى مجرى ذلك مما ورد التوقيف به وصح الإجماع على أنه لا يقع إلا من كافر بالله ومكذب له وجاحد به) .</p><p>وقال البغدادي: (فقال أبو الحسن الأشعري: إن الإيمان هو التصديق لله ولرسله صلى الله عليهم وسلم في أخبارهم، ولا يكون هذا التصديق إلا بمعرفته. والكفر عنده هو التكذيب، وإلى هذا القول ذهب ابن الراوندي والحسين بن الفضل البجلي) .</p><p>وقال: (المسألة العاشرة من هذا الأصل في بيان الأفعال الدالة على الكفر: قال أصحابنا: إن أكل الخنزير من غير ضرورة ولا خوف، وإظهار زي الكفرة في بلاد المسلمين من غير إكراه عليه، والسجود للشمس أو الصنم، وما جرى مجرى ذلك من علامات الكفر وإن لم يكن في نفسه كفرا، إذا لم يضامَّه عقد القلب على الكفر. ومن فعل شيئا من ذلك أجرينا عليه حكم الكفر وإن لم نعلم كفره باطنا) .</p><p>وقال الإيجي: (المقصد الثالث: في الكفر: وهو خلاف الإيمان، فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم مجيئه به ضرورة. فإن قيل: فشادُّ الزنار ولابس الغيار بالاختيار لا يكون كافرا؟ قلنا: جعلنا الشيء علامة للتكذيب، فحكمنا عليه بذلك) .</p><p>والحاصل أن الأشاعرة لا يرون الكفر إلا تكذيب القلب أو جهله، ولا يرون عملا أو قولا هو كفر بذاته، وأنَّ من حُكم بكفره، فلذهاب التصديق من قلبه، أو يقال: هو كافر ظاهرا، وقد يكون مؤمنا باطنا.وهم يلتقون مع جهم في هذا التأصيل.</p><p>قال شيخ الإسلام: (ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل، والإيمان شيء واحد، وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو. </p><p> وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة) .</p><p>وقال: (فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله موحدا مؤمنا به) .</p><p>ولابن حزم كلام قوي في الرد على الأشاعرة في هذه المسألة، ومن ذلك قوله: </p><p>(ونقول للجهمية والأشعرية في قولهم: إن جحد الله تعالى وشتمه وجحد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان كل ذلك باللسان فإنه ليس كفرا لكنه دليل على أن في القلب كفرا: أخبرونا عن هذا الدليل الذي ذكرتم، أتقطعون به فتثبتونه يقينا ولا تشكون في أن في قلبه جحدا للربوبية وللنبوة، أم هو دليل يجوز ويدخله الشك ويمكن أن لا يكون في قلبه كفر؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: إنه دليل لا نقطع به قطعا ولا نثبته يقينا، قلنا لهم: فما بالكم تحتجون بالظن الذي قال تعالى فيه: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28]) .</p><p>وقال أيضا: (وأما قولهم: إن شتم الله تعالى ليس كفرا، وكذلك شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو دعوى؛ لأن الله تعالى قال: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة:74] فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر. وقال تعالى: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} [النساء:140] فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع. وقال تعالى: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} [التوبة:65-66]، فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علمت أن في قلوبكم كفرا، بل جعلهم كفارا بنفس الاستهزاء، ومن ادعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقل، وكذب على الله تعالى) .</p><p>وقال: (وأما الأشعرية فقالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم، وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والإقرار بأنه يدين بذلك، ليس شيء من ذلك كفرا، ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفرا. فقلنا لهم: وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل؟ فقالوا: لا) .</p><p>وقال: (وأما سب الله تعالى، فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد إلا أن الجهمية والأشعرية، وهما طائفتان لا يعتد بهما، يصرحون بأن سب الله تعالى، وإعلان الكفر ليس كفرا، قال بعضهم: ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى. وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام، وهو أنهم يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وإن أعلن بالكفر وعبادة الأوثان بغير تقية ولا حكاية لكن مختارا في ذلك الإسلام. قال أبو محمد: وهذا كفر مجرد؛ لأنه خلاف لإجماع الأمة، ولحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة ومن بعدهم؛ لأنه لا يختلف أحد- لا كافر ولا مؤمن - في أن هذا القرآن هو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وذكر أنه وحي من الله تعالى- وإن كان قوم من الروافض ادعوا أنه نقص منه، وحُرِّف- فلم يختلفوا أن جملته كما ذكرنا. ولم يختلفوا في أن فيه التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:72]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة:74]، فصح أن الكفر يكون كلاما. </p><p>وقد حكم الله تعالى بالكفر على إبليس، وهو عالم بأن الله خلقه من نار وخلق آدم من طين، وأمره بالسجود لآدم وكرمه عليه، وسأل الله تعالى النظرة إلى يوم يبعثون. </p><p>ثم يقال لهم: إذ ليس شتم الله تعالى كفرا عندكم، فمن أين قلتم: إنه دليل على الكفر؟ فإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر؟ قيل لهم: نعم، محكوم عليه بنفس قوله، لا بمغيب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره وقد أخبر الله تعالى عن قوم: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167]، فكانوا بذلك كفارا، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفار بالله تعالى قطعا بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر) . </p><p>المبحث السادس: مذهب الماتريدية</p><p>المطلب الأول: قولهم في الإيمان</p><p>أما أبو منصور الماتريدي - شيخ الطائفة - فقد ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه.</p><p>قال الماتريدي: (ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان، والذي جرى به من اللسان أن الإيمان هو التصديق) .</p><p>وقال: (الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق، وترك الاستثناء فيه؛ لأن كل معنى مما باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده، مما إذا استثني فيه لم يصح ذلك المعنى) .</p><p>وقال شيخ الإسلام: (وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كأبي منصور الماتريدي وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، و قالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا) .</p><p>وقال ملا علي القاري: (وذهب جمهور المحققين إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا... وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي) .</p><p>وقد سار الماتريدية على ما أصَّله شيخهم إلا أن منهم من جعل قول اللسان ركنا في الإيمان، ومنهم من أثبت الزيادة والنقصان، بل نُسب ذلك إلى جمهورهم- وليس كذلك- كما اشترطوا اشتمال التصديق على الإذعان والقبول، ومنهم من جوز الاستثناء.</p><p>قال التفتازاني: وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم .</p><p>وقال النسفي: والإيمان هو التصديق بما جاء به من عند الله تعالى والإقرار به) قال شارحه: (وهذا الذي ذكره من أن الإيمان هو التصديق والإقرار مذهب بعض العلماء، وهو اختيار الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام رحمهما الله) .</p><p>فالنسفي– وهو ماتريدي- اختار هنا قول مرجئة الفقهاء، وجعل الإقرار جزءا من الإيمان.</p><p>وأما عمل الجوارح، فقد أخرجوه من الإيمان، ومنهم من صرح بأنه من كمال الإيمان.</p><p>قال الملا علي القاري: (وأما العمل بالأركان فهو من كمال الإيمان، وجمال الإحسان) .</p><p>قولهم في الزيادة والنقصان:</p><p>نسب الصاوي في (شرح الجوهرة) إلى جمهور الماتريدية، القولَ بزيادة الإيمان ونقصانه .</p><p>والذي يظهر أن جمهورهم على خلاف ذلك، قال في العقائد النسفية: (والإيمان لا يزيد ولا ينقص) .</p><p>وقال أبو المعين النسفي: (وإذا ثبت أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يتزايد في نفسه، دل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلا زيادة له بانضمام الطاعات إليه، ولا نقصان له بارتكاب المعاصي؛ إذ التصديق في الحالين على ما كان قبلهما) .</p><p>قولهم في الاستثناء:</p><p>ذهب بعض الماتريدية إلى جواز الاستثناء، لكن جعلوه خلاف الأولى، وخالفوا الأشعرية فيما ذهبوا إليه من القول بالموافاة.</p><p>قال التفتازاني شارحا قول أبي حفص النسفي: (ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله): (لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل، لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى، أو للتبرؤ عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركه؛ لما أنه يوهم الشك، ولهذا قال: ولا ينبغي، دون أن يقول: لا يجوز؛ لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين) إلى أن قال: (ولمَّا نقل عن بعض الأشاعرة أنه يصح أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله بناء على أن العبرة في الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة بالخاتمة، حتى أن المؤمن السعيد من مات على الإيمان وإن كان طول عمره على الكفر والعصيان، وأن الكافر الشقي من مات على الكفر- نعوذ بالله- وإن كان طول عمره على التصديق و الطاعة... أشار إلى إبطال ذلك بقوله: (والسعيد قد يشقى) بأن يرتد بعد الإيمان نعوذ بالله (والشقي قد يسعد) بأن يؤمن بعد الكفر) . </p><p>المطلب الثاني: مفهوم الكفر عند الماتريدية</p><p>لا يختلف الماتريدية عن الأشاعرة في تعريفهم للكفر وأنه التكذيب، وأن من الأعمال والأقوال ما جعله الشارع علامة على التكذيب، فيُحكم بكفر مرتكبها. </p><p>قال النسفي: (الكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب) .</p><p>وقال التفتازاني: (فإن قيل: من استخف بالشرع أو الشارع أو ألقى المصحف في القاذورات أو شد الزنار بالاختيار كافر إجماعا، وإن كان مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به... قلنا: لو سلم اجتماع التصديق المعتبر في الإيمان مع تلك الأمور التي هي كفر وفاقا، فيجوز أن يجعل الشارع بعض محظورات الشرع علامة على التكذيب، فيحكم بكفر من ارتكبه، وبوجود التكذيب فيه، وانتفاء التصديق عنه) . </p><p>المبحث السابع: مذهب مرجئة الفقهاء</p><p>المطلب الأول: قولهم في الإيمان</p><p>والمقصود بمرجئة الفقهاء: من نسب إليه الإرجاء من الفقهاء، كحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة رحمهما الله ومن تبعهما.</p><p>وقد ذهبوا إلى أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وأخرجوا العمل من مسماه، وزعموا أنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى منه، مع قولهم إن مرتكب الكبيرة معرض للوعيد، وهو تحت المشيئة، كما هو القول عند أهل السنة والجماعة.</p><p>قال أبو حنيفة في كتاب الوصية المنسوب إليه: (الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا؛ لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلهم مؤمنين، وكذلك المعرفة وحدها أي مجرد التصديق لا يكون إيمانا؛ لأنها لو كانت إيمانا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين. قال الله تعالى في حق المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1]، أي في دعواهم الإيمان حيث لا تصديق لهم. وقال الله تعالى في حق أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146] ) .</p><p>وقال في الفقه الأكبر المنسوب إليه أيضا: (ولا نكفر مسلما بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان. ونسميه مؤمنا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنا فاسقا غير كافر).</p><p>ثم قال: (ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول: إنه لا يدخل النار، ولا نقول: إنه يخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا، ولا نقول: إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة، ولكن نقول: من عمل حسنة بجميع شرائطها خالية عن العيوب المفسدة والمعاني المبطلة، ولم يبطلها بالكفر والردة حتى خرج من الدنيا مؤمنا، فإن الله تعالى لا يضيعها بل يقبلها منه ويثيبه عليها. وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب عنها صاحبها حتى مات مؤمنا، فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بالنار، وإن شاء عفا عنه ولم يعذبه بالنار أصلا). </p><p>إلى أن قال: (وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق. والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال) .</p><p>وقال في الوصية: (ثم الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور زيادة الإيمان إلا بنقصان الكفر، ولا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، فكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنا وكافرا، والمؤمن لا مؤمن حقا. وليس في إيمان المؤمن شك، كما أنه ليس في كفر الكافر شك...) .</p><p>وقال أيضا: (ثم العمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل، بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن، ولا يجوز أن يقال: يرتفع عنه الإيمان، فإن الحائض ترتفع عنها الصلاة ولا يجوز أن يقال: يرتفع عنها الإيمان، أو أمر لها بترك الإيمان...) .</p><p>وقال الطحاوي في عقيدته المشهورة التي ذكر أنها عقيدة أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان كله حق. والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) .</p><p>وقد عد أصحاب المقالات أبا حنيفة وأصحابه من المرجئة لإخراجهم العمل من مسمى الإيمان ونفيهم الزيادة والنقصان، واشتد إنكار السلف عليهم لذلك.</p><p>قال الأشعري في المقالات في عد فرق المرجئة: (والفرقة التاسعة من المرجئة: أبو حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35270, member: 329"] وبهذا يظهر الفرق بين من استثنى من السلف لأجل خوف العاقبة وتغيَّر الحال ، وبين القول بالموافاة، الذي ذهب إليه الأشاعرة، وتضمَّن القولَ بأن الإيمان هو ما مات عليه العبد، وأن الإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، وتضمن أيضا: أن حب الله و بغضه، ورضاه وسخطه وولايته وعداوته إنما يتعلق بالموافاة فقط. وسر المسألة كما بين شيخ الإسلام أن الأشاعرة ينفون الأفعال الاختيارية، ويثبتون رضا ومحبة قديمة بمعنى الإرادة، وعندهم أن الله لا يرضى عن أحد بعد أن كان ساخطا عليه، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، وأما أهل السنة فقد أخذوا بما دلت عليه النصوص من أن الله تعالى، يحب من شاء إذا شاء، ويرضى عمن شاء متى شاء، ويسخط عمن شاء، وقت ما يشاء، سبحانه، فمحبته ورضاه وسخطه صفات تتعلق بمشيئته. والحاصل: أن القول بأن الإيمان هو ما وافى به العبد ربه، وتعليل الاستثناء بذلك، قول محدث، لا دليل عليه. وقد مضى ذكر الاعتبارات التي بنى عليها السلف قولهم في الاستثناء. المطلب الخامس: الفرق بين تصديق الأشاعرة ومعرفة جهم سبق أن شيخ الإسلام ينسب إلى جهم أن الإيمان هو المعرفة، أو التصديق، ويقرر أن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد التصديق الخالي من الانقياد، أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه. كما أنه نسب إلى الأشعري في أحد قوليه، وإلى أكثر أصحابه أنهم نصروا قول جهم في الإيمان، وسمى من هؤلاء: الباقلاني، والجويني، والرازي. لكن هل ينطبق هذا على متأخري الأشاعرة؟ وهل يثبتون تصديقا مجردا من أعمال القلوب؟ والحق أن الناظر في كتب هؤلاء المتأخرين يتبين له أنهم لا يثبتون تصديقا مجردا عن أعمال القلوب، بل يدخلون في التصديق: الإذعان والانقياد والقبول والرضى، ويفرقون بينه وبين المعرفة التي أثبتها جهم، كما أنهم يقررون كفر كثير من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعرفون الحق ولا ينقادون له. ومن أقوالهم في تعريف التصديق: قال في (إتحاف المريد): (وهو تصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة... والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم: قبول ما جاء به مع الرضا بترك التكبر والعناد، وبناء الأعمال عليه، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته عليه الصلاة والسلام وما جاء به، لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه ولا بنوا الأعمال الصالحة عليه، بحيث صار يطلق عليه اسم التسليم كما هو مدلوله الوضعي) . وقال البيجوري: (والمراد بتصديق النبي في ذلك: الإذعان لما جاء به والقبول له، وليس المراد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، مصداق ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146] قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد) . وقال الدردير في شرحه على (الخريدة): (والمراد من تصديقه عليه الصلاة والسلام: الإذعان والقبول لما جاء به بحيث يقع عليه اسم التسليم من غير تكبر وعناد، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته عليه الصلاة والسلام وما جاء به؛ لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه بحيث يطلق عليه اسم التسليم. وعلى هذا فالإيمان الشرعي هو حديث النفس التابع للمعرفة، أي الإدراك الجازم، بناء على الصحيح من أن إيمان المقلد صحيح. فالإذعان والقبول والتصديق والتسليم عبارات عن شيء واحد، وهو حديث النفس المذكور، فيكون الإيمان فعلا من أفعال النفس، وليس من قبيل العلوم والمعارف، ويظهر من كلام بعضهم أنه الراجح) ثم ذكر ما ذهب إليه التفتازاني وكثير من المحققين من أن التصديق هو نفس الإدراك، فيكون من قبيل العلوم والمعارف . وفي (حاشية السيالكوتي على شرح المواقف)، بعد أن ذكر أن التصديق كسبي اختياري، قال: (والإيمان الشرعي يجب أن يكون من الأول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ادعى النبوة وأظهر المعجزة فوقع صدقه في قلب أحد ضرورة من غير أن ينسب إليه اختيار، لا يقال في اللغة: إنه صدقه، فلا يكون إيمانا شرعيا، كذا في شرح المقاصد. وفيه بحث، فإن من حصل له تصديق بلا اختيار إذا التزم العمل بموجبه يكون إيمانا اتفاقا، ولو صدق النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر في معجزاته اختيارا، ولم يلتزم عمل بموجبه، بل عانده فهو كافر اتفاقا. فعلم أن المعتبر في الإيمان الشرعي هو اختيار في التزام موجب التصديق لا في نفسه، وهذا هو التسليم الذي اعتبره بعض الفضلاء أمرا زائدا على التصديق فليتأمل) . والحاصل أن الأشاعرة يشترطون في الإيمان: الإذعان والانقياد والقبول وترك العناد والتكبر، لكنهم يجعلون ذلك نفس (التصديق)، ثم يتكلفون في إيجاد الفرق بين (المعرفة) و(التصديق) ولو قالوا: إن التصديق يجب أن يصحبه إذعان وانقياد وقبول، لسهل الأمر، لكنهم يعلمون أن ذلك مبطل لأصلهم الذي بنوا عليه إخراج العمل من الإيمان، وهو الزعم بأن الإيمان لُغوي، وأن الشرع لم يغير معناه الذي هو التصديق، ولم يتصرف فيه، وأن الإيمان شيء واحد. ولهذا لما نقل شيخ الإسلام عن بعضهم القول بأنهم: (اختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول، وترك إيذائه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من التروك. ومن الأفعال: نصرة الرسول، والذب عنه، وقالوا: إن جميعه يضاف إلى التصديق شرعا. وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان). علق شيخ الإسلام بقوله: (قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئا واحدا، وقال: إن الشرع تصرف فيه. وهذا يهدم أصلهم، ولهذا كان حذاق هؤلاء كجهم والصالحي وأبي الحسن والقاضي أبي بكر على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه) . ثم نقل عن أبي المعالي الجويني وأبي القاسم الأنصاري شارح الإرشاد ما يفيد أن الإيمان هو التصديق بالقلب، إلا أن الشرع أوجب ترك العناد، وعليه فكفر اليهود العالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو من هذا الباب، أي كفروا عنادا وبغيا وحسدا. قال شيخ الإسلام: والحذاق في هذا المذهب كأبي الحسن والقاضي ومن قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل، فقالوا: لا يكون أحد كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق، والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء وقالوا: هذا مكابرة وسفسطة . بطلان مذهب من جعل عملَ القلب نفسَ التصديق: قد تبين مما سبق أن متأخري الأشاعرة أثبتوا عمل القلب، من القبول والانقياد والإذعان، لكنهم جعلوا ذلك نفس التصديق، كما في قول الدردير: (فالإذعان والقبول والتصديق والتسليم عبارات عن شيء واحد)، وسبقت الإشارة إلى أن هذا مذهب أبي الحسين الصالحي، وأن شيخ الإسلام جزم بفساد هذا القول، واعتبره ضلالا بينا، قال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بيِّن) . وإدخال عمل القلب في التصديق، باطل لأمور كثيرة أظهرها ما يترتب على ذلك من القول بأنَّ من كان كفره من جهة انتفاء عمل القلب، كإبليس وفرعون واليهود العالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في قلبه شيء من التصديق، لأنه إذا كان عملُ القلب هو نفس التصديق، كان انتفاؤه يعني انتفاء التصديق، ويلزم على ذلك أنَّ هؤلاء المذكورين ليسوا مصدقين، وأنه لا يزول اسم الإيمان عن أحد إلا بزوال العلم والتصديق من قلبه. وهذا الذي اعتمده الحذاق في هذا المذهب كأبي الحسن والقاضي أبي بكر، كما سبق. وأما المتأخرون فقد وقعوا في التناقض الذي أشار إليه شيخ الإسلام، فأثبتوا العلم والتصديق لكثير من المشركين وأهل الكتاب، ونفوا عنهم الإذعان والانقياد، مع قولهم: إن التصديق هو نفس الإذعان والانقياد! وهؤلاء يلزمهم أن يقولوا: إنَّ الإيمان الواجب في القلب أمران: التصديق، والعمل، وأنه قد يوجد التصديق من غير العمل، لكنَّ هذا يفسد الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم، وهو أن الإيمان مجرد التصديق، وأنه شيء واحد، وأن الشرع لم يتصرف فيه! وهذا الاضطراب جزاء من أعرض عن نصوص الكتاب والسنة، والتمس الهدى في غيرهما من الآراء الكلامية، والقواعد المنطقية. وهذا ما سيظهر أيضا من خلال عرض مفهوم الكفر عندهم. المطلب السادس: مفهوم الكفر عند الأشاعرة يرى الأشاعرة أن الكفر هو التكذيب، أو الجهل بالله تعالى، وأن ما كان من أمور الكفر المجمع عليها كالسجود للصنم وعبادة الأفلاك ليس كفرا في نفسه، لكنه علامة على الكفر، ويجوز أن يكون فاعل ذلك في الباطن مؤمنا. ومنهم من يقول: هذه الأمور جعلها الشارع علامة على التكذيب، فيحكم على فاعلها بوجود التكذيب في قلبه وانتفاء التصديق منه. قال الباقلاني: (باب القول في معنى الكفر: إن قال قائل: وما الكفر عندكم؟ قيل له: ضد الإيمان، وهو الجهل بالله عز وجل، والتكذيب به، الساتر لقلب الإنسان عن العلم به، فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق... وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار، ومنه قولهم: كفرني حقي أي جحدني. وليس في المعاصي كفر غير ما ذكرناه، وإن جاز أن يسمى أحيانا ما جُعل علَما على الكفر كفرا، نحو عبادة الأفلاك والنيران، واستحلال المحرمات، وقتل الأنبياء، وما جرى مجرى ذلك مما ورد التوقيف به وصح الإجماع على أنه لا يقع إلا من كافر بالله ومكذب له وجاحد به) . وقال البغدادي: (فقال أبو الحسن الأشعري: إن الإيمان هو التصديق لله ولرسله صلى الله عليهم وسلم في أخبارهم، ولا يكون هذا التصديق إلا بمعرفته. والكفر عنده هو التكذيب، وإلى هذا القول ذهب ابن الراوندي والحسين بن الفضل البجلي) . وقال: (المسألة العاشرة من هذا الأصل في بيان الأفعال الدالة على الكفر: قال أصحابنا: إن أكل الخنزير من غير ضرورة ولا خوف، وإظهار زي الكفرة في بلاد المسلمين من غير إكراه عليه، والسجود للشمس أو الصنم، وما جرى مجرى ذلك من علامات الكفر وإن لم يكن في نفسه كفرا، إذا لم يضامَّه عقد القلب على الكفر. ومن فعل شيئا من ذلك أجرينا عليه حكم الكفر وإن لم نعلم كفره باطنا) . وقال الإيجي: (المقصد الثالث: في الكفر: وهو خلاف الإيمان، فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم مجيئه به ضرورة. فإن قيل: فشادُّ الزنار ولابس الغيار بالاختيار لا يكون كافرا؟ قلنا: جعلنا الشيء علامة للتكذيب، فحكمنا عليه بذلك) . والحاصل أن الأشاعرة لا يرون الكفر إلا تكذيب القلب أو جهله، ولا يرون عملا أو قولا هو كفر بذاته، وأنَّ من حُكم بكفره، فلذهاب التصديق من قلبه، أو يقال: هو كافر ظاهرا، وقد يكون مؤمنا باطنا.وهم يلتقون مع جهم في هذا التأصيل. قال شيخ الإسلام: (ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل، والإيمان شيء واحد، وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو. وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة) . وقال: (فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله موحدا مؤمنا به) . ولابن حزم كلام قوي في الرد على الأشاعرة في هذه المسألة، ومن ذلك قوله: (ونقول للجهمية والأشعرية في قولهم: إن جحد الله تعالى وشتمه وجحد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان كل ذلك باللسان فإنه ليس كفرا لكنه دليل على أن في القلب كفرا: أخبرونا عن هذا الدليل الذي ذكرتم، أتقطعون به فتثبتونه يقينا ولا تشكون في أن في قلبه جحدا للربوبية وللنبوة، أم هو دليل يجوز ويدخله الشك ويمكن أن لا يكون في قلبه كفر؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: إنه دليل لا نقطع به قطعا ولا نثبته يقينا، قلنا لهم: فما بالكم تحتجون بالظن الذي قال تعالى فيه: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28]) . وقال أيضا: (وأما قولهم: إن شتم الله تعالى ليس كفرا، وكذلك شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو دعوى؛ لأن الله تعالى قال: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة:74] فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر. وقال تعالى: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} [النساء:140] فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع. وقال تعالى: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} [التوبة:65-66]، فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علمت أن في قلوبكم كفرا، بل جعلهم كفارا بنفس الاستهزاء، ومن ادعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقل، وكذب على الله تعالى) . وقال: (وأما الأشعرية فقالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم، وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والإقرار بأنه يدين بذلك، ليس شيء من ذلك كفرا، ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفرا. فقلنا لهم: وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل؟ فقالوا: لا) . وقال: (وأما سب الله تعالى، فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد إلا أن الجهمية والأشعرية، وهما طائفتان لا يعتد بهما، يصرحون بأن سب الله تعالى، وإعلان الكفر ليس كفرا، قال بعضهم: ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى. وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام، وهو أنهم يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وإن أعلن بالكفر وعبادة الأوثان بغير تقية ولا حكاية لكن مختارا في ذلك الإسلام. قال أبو محمد: وهذا كفر مجرد؛ لأنه خلاف لإجماع الأمة، ولحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة ومن بعدهم؛ لأنه لا يختلف أحد- لا كافر ولا مؤمن - في أن هذا القرآن هو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وذكر أنه وحي من الله تعالى- وإن كان قوم من الروافض ادعوا أنه نقص منه، وحُرِّف- فلم يختلفوا أن جملته كما ذكرنا. ولم يختلفوا في أن فيه التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:72]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة:74]، فصح أن الكفر يكون كلاما. وقد حكم الله تعالى بالكفر على إبليس، وهو عالم بأن الله خلقه من نار وخلق آدم من طين، وأمره بالسجود لآدم وكرمه عليه، وسأل الله تعالى النظرة إلى يوم يبعثون. ثم يقال لهم: إذ ليس شتم الله تعالى كفرا عندكم، فمن أين قلتم: إنه دليل على الكفر؟ فإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر؟ قيل لهم: نعم، محكوم عليه بنفس قوله، لا بمغيب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره وقد أخبر الله تعالى عن قوم: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167]، فكانوا بذلك كفارا، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفار بالله تعالى قطعا بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر) . المبحث السادس: مذهب الماتريدية المطلب الأول: قولهم في الإيمان أما أبو منصور الماتريدي - شيخ الطائفة - فقد ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه. قال الماتريدي: (ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان، والذي جرى به من اللسان أن الإيمان هو التصديق) . وقال: (الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق، وترك الاستثناء فيه؛ لأن كل معنى مما باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده، مما إذا استثني فيه لم يصح ذلك المعنى) . وقال شيخ الإسلام: (وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كأبي منصور الماتريدي وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، و قالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا) . وقال ملا علي القاري: (وذهب جمهور المحققين إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا... وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي) . وقد سار الماتريدية على ما أصَّله شيخهم إلا أن منهم من جعل قول اللسان ركنا في الإيمان، ومنهم من أثبت الزيادة والنقصان، بل نُسب ذلك إلى جمهورهم- وليس كذلك- كما اشترطوا اشتمال التصديق على الإذعان والقبول، ومنهم من جوز الاستثناء. قال التفتازاني: وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم . وقال النسفي: والإيمان هو التصديق بما جاء به من عند الله تعالى والإقرار به) قال شارحه: (وهذا الذي ذكره من أن الإيمان هو التصديق والإقرار مذهب بعض العلماء، وهو اختيار الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام رحمهما الله) . فالنسفي– وهو ماتريدي- اختار هنا قول مرجئة الفقهاء، وجعل الإقرار جزءا من الإيمان. وأما عمل الجوارح، فقد أخرجوه من الإيمان، ومنهم من صرح بأنه من كمال الإيمان. قال الملا علي القاري: (وأما العمل بالأركان فهو من كمال الإيمان، وجمال الإحسان) . قولهم في الزيادة والنقصان: نسب الصاوي في (شرح الجوهرة) إلى جمهور الماتريدية، القولَ بزيادة الإيمان ونقصانه . والذي يظهر أن جمهورهم على خلاف ذلك، قال في العقائد النسفية: (والإيمان لا يزيد ولا ينقص) . وقال أبو المعين النسفي: (وإذا ثبت أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يتزايد في نفسه، دل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلا زيادة له بانضمام الطاعات إليه، ولا نقصان له بارتكاب المعاصي؛ إذ التصديق في الحالين على ما كان قبلهما) . قولهم في الاستثناء: ذهب بعض الماتريدية إلى جواز الاستثناء، لكن جعلوه خلاف الأولى، وخالفوا الأشعرية فيما ذهبوا إليه من القول بالموافاة. قال التفتازاني شارحا قول أبي حفص النسفي: (ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله): (لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل، لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى، أو للتبرؤ عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركه؛ لما أنه يوهم الشك، ولهذا قال: ولا ينبغي، دون أن يقول: لا يجوز؛ لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين) إلى أن قال: (ولمَّا نقل عن بعض الأشاعرة أنه يصح أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله بناء على أن العبرة في الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة بالخاتمة، حتى أن المؤمن السعيد من مات على الإيمان وإن كان طول عمره على الكفر والعصيان، وأن الكافر الشقي من مات على الكفر- نعوذ بالله- وإن كان طول عمره على التصديق و الطاعة... أشار إلى إبطال ذلك بقوله: (والسعيد قد يشقى) بأن يرتد بعد الإيمان نعوذ بالله (والشقي قد يسعد) بأن يؤمن بعد الكفر) . المطلب الثاني: مفهوم الكفر عند الماتريدية لا يختلف الماتريدية عن الأشاعرة في تعريفهم للكفر وأنه التكذيب، وأن من الأعمال والأقوال ما جعله الشارع علامة على التكذيب، فيُحكم بكفر مرتكبها. قال النسفي: (الكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب) . وقال التفتازاني: (فإن قيل: من استخف بالشرع أو الشارع أو ألقى المصحف في القاذورات أو شد الزنار بالاختيار كافر إجماعا، وإن كان مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به... قلنا: لو سلم اجتماع التصديق المعتبر في الإيمان مع تلك الأمور التي هي كفر وفاقا، فيجوز أن يجعل الشارع بعض محظورات الشرع علامة على التكذيب، فيحكم بكفر من ارتكبه، وبوجود التكذيب فيه، وانتفاء التصديق عنه) . المبحث السابع: مذهب مرجئة الفقهاء المطلب الأول: قولهم في الإيمان والمقصود بمرجئة الفقهاء: من نسب إليه الإرجاء من الفقهاء، كحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة رحمهما الله ومن تبعهما. وقد ذهبوا إلى أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وأخرجوا العمل من مسماه، وزعموا أنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى منه، مع قولهم إن مرتكب الكبيرة معرض للوعيد، وهو تحت المشيئة، كما هو القول عند أهل السنة والجماعة. قال أبو حنيفة في كتاب الوصية المنسوب إليه: (الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا؛ لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلهم مؤمنين، وكذلك المعرفة وحدها أي مجرد التصديق لا يكون إيمانا؛ لأنها لو كانت إيمانا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين. قال الله تعالى في حق المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1]، أي في دعواهم الإيمان حيث لا تصديق لهم. وقال الله تعالى في حق أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146] ) . وقال في الفقه الأكبر المنسوب إليه أيضا: (ولا نكفر مسلما بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان. ونسميه مؤمنا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنا فاسقا غير كافر). ثم قال: (ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول: إنه لا يدخل النار، ولا نقول: إنه يخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا، ولا نقول: إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة، ولكن نقول: من عمل حسنة بجميع شرائطها خالية عن العيوب المفسدة والمعاني المبطلة، ولم يبطلها بالكفر والردة حتى خرج من الدنيا مؤمنا، فإن الله تعالى لا يضيعها بل يقبلها منه ويثيبه عليها. وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب عنها صاحبها حتى مات مؤمنا، فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بالنار، وإن شاء عفا عنه ولم يعذبه بالنار أصلا). إلى أن قال: (وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق. والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال) . وقال في الوصية: (ثم الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور زيادة الإيمان إلا بنقصان الكفر، ولا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، فكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنا وكافرا، والمؤمن لا مؤمن حقا. وليس في إيمان المؤمن شك، كما أنه ليس في كفر الكافر شك...) . وقال أيضا: (ثم العمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل، بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن، ولا يجوز أن يقال: يرتفع عنه الإيمان، فإن الحائض ترتفع عنها الصلاة ولا يجوز أن يقال: يرتفع عنها الإيمان، أو أمر لها بترك الإيمان...) . وقال الطحاوي في عقيدته المشهورة التي ذكر أنها عقيدة أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان كله حق. والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) . وقد عد أصحاب المقالات أبا حنيفة وأصحابه من المرجئة لإخراجهم العمل من مسمى الإيمان ونفيهم الزيادة والنقصان، واشتد إنكار السلف عليهم لذلك. قال الأشعري في المقالات في عد فرق المرجئة: (والفرقة التاسعة من المرجئة: أبو حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية