الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35271" data-attributes="member: 329"><p>وقال شيخ الإسلام: (والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم. فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم. لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا؛ فإنها لازمة لها. ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم) .</p><p>وقال: (وأنكر حماد بن أبى سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء. وأما إبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبى سليمان وأمثاله، ومن قَبله من أصحاب ابن مسعود، كعلقمة والأسود، فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبى سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء، وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك. وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة. ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطا عظيما).</p><p> إلى أن قال: (وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبى سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان واعتقاد القلب من الإيمان، وهو قول أبى محمد بن كلاب وأمثاله، لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب) .</p><p>وقال: (والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال. وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان؛ لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه. ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان، وهذا المنقول عن حماد بن أبى سليمان ومن وافقه كأبي حنيفة وغيره) .</p><p>وحاصل ما عليه مرجئة الفقهاء هو ما يلي:</p><p>1- أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان.</p><p>2- إخراج العمل الظاهر من مسمى الإيمان.</p><p>3- أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص.</p><p>4- أن أهله متساوون في أصله، وأن التفاضل إنما يقع في غير الإيمان.</p><p>5- أنه لا يستثنى فيه.</p><p>6- أما أعمال القلوب، فظاهر كلامهم أنها ليست من الإيمان. وهو ظاهر ما نقله أصحاب المقالات عنهم أيضا. وقد سبق قول شيخ الإسلام عنهم: (لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا؛ فإنها لازمة لها).</p><p>وقال: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه.</p><p>والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.</p><p>والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم. وهؤلاء غلطوا من وجوه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص) .</p><p>إلى أن قال -بعد استطراد-: (الوجه الثاني من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب كما تقدم عن جهمية المرجئة.</p><p>الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر) .</p><p>فصرح بأن الجهمية يخرجون أعمال القلوب من الإيمان، وهذا يذكره في مواضع، أما مرجئة الفقهاء فتراه لا يجزم هنا بقولهم في هذه المسألة، لكنه قال في موضع آخر: (وعند الجهمية الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه. وعند فقهاء المرجئة: هو قول اللسان مع تصديق القلب، وعلى القولين أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم كأعمال الجوارح، فيمكن أن يكون الرجل مصدقا بلسانه وقلبه مع كراهة ما نَّزل الله) .</p><p>وقال أيضا: (ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول: إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول ذلك، وهذا قول الجهمية ومن تبعهم كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة، ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ورسوله ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل) .</p><p>ومما يرجح أنهم لا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان، ما قاله الطحاوي– وسبق نقله- أن الإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى. ولا شك أن الخشية والتقى من أعمال القلوب، وقد دخلها التفاضل لأنها ليست من الإيمان.</p><p>وسبق أيضا قول شيخ الإسلام عنهم: (وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال. وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان).</p><p>فحيث أثبتوا التفاضل في أعمال القلوب، دل ذلك على أنها خارجة عن مسمى الإيمان عندهم. </p><p>المطلب الثاني: هل الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء حقيقي أم لفظي؟</p><p>ومنشأ النزاع في ذلك أن هؤلاء المرجئة، مع قولهم بإخراج العمل من الإيمان، ونفي الزيادة والنقصان عنه، ومنع الاستثناء فيه، إلا أنهم كانوا (مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك. وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم والعقاب) .</p><p>ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلاف بينهم وبين أهل السنة خلاف في الاسم واللفظ دون الحكم، وذهب آخرون إلى أنه خلاف حقيقي في الاسم واللفظ والحكم.</p><p>تحقيق قول شيخ الإسلام في هذه المسألة:</p><p>عزا بعض الباحثين إلى شيخ الإسلام أنه ممن يرى النزاع بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء نزاعا لفظيا، على ما هو المتبادر من بعض كلامه.</p><p>والتحقيق في ذلك أن شيخ الإسلام له عبارات متنوعة في تناول هذه المسألة:</p><p>1- فتارة يقول عن الخلاف في الأعمال هل هي من الإيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك: إن عامته نزاع لفظي.</p><p>2- وتارة يقول: هذه البدعة أخف البدع فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم .</p><p>3- وتارة يشير إلى أن ذلك من بدع الأقوال والأفعال لا العقائد. قال: (ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من (مرجئة الفقهاء) بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد؛ فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب. فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لاسيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم يعنى المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة) وذكر آثارا في ذم المرجئة .</p><p>وهذه المواضع الثلاثة لا تعارض بينها، فإنَّ فيها إقرارا بأن هذا النزاع منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو لفظي وهو الغالب والأكثر .</p><p>4- وتارة يبين شيخ الإسلام أن الخلاف إنما يكون لفظياً مع من أقرَّ بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، بحيث إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. </p><p>وهذا يذكره في مواضع، ومع هذا فقد غفل كثير من الباحثين عن الإشارة إليه.</p><p>ومن هذه المواضع قوله: (وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا. وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه، من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يناقض قولك أن الظاهر لازم له وموجب له، بل قيل: حقيقة قولك أن الظاهر يقارن الباطن تارة، ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك) .</p><p>وقال: (وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن. فإذا قال: إنها من لوازمه وأن الإيمان الباطن يستلزم عملا صالحا ظاهرا، كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان أو جزءا منه نزاعا لفظيا كما تقدم) .</p><p>وقال: (وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب (الموجز)، وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2]، ولم يقل إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا؛ لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه. والجواب عن هذا من وجوه: </p><p>أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان، وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي. </p><p>الثاني: أن نصوصا صرحت بأنها جزء كقوله: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)) . ) .</p><p>وقال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين. ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان؟</p><p>والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازما للمسمى، بحسب إفراد الاسم واقترانه..) .</p><p>وقال: (ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر، كان الظاهر دليلا على إيمان القلب ثبوتا وانتفاء، كقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:22]، وقوله عز وجل: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:81] وأمثال ذلك. وبعد هذا فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هل هو اسم لمجرد التصديق دون مقتضاه، أو اسم للأمرين يؤول إلى نزاع لفظي. وقد يقال: إن الدلالة تختلف بالإفراد والاقتران. والناس منهم من يقول: إن أصل الإيمان في اللغة التصديق، ثم يقول: والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح، والقول يسمى تصديقا، والعمل يسمى تصديقا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا السَّمْعُ وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)) ، وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في القلب وصدقه العمل .</p><p>ومنهم من يقول: بل الإيمان هو الإقرار وليس هو مرادفا للتصديق... وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة) .</p><p>وقال: (وهذا التصديق له لوازم داخلة في مسماه عند الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟ </p><p> ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء، كحماد بن أبى سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل ، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة. والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار، فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء) .</p><p>ومن خلال هذه النقولات يتضح أن شيخ الإسلام يرى الخلاف لفظيا مع من أقر بالتلازم بين الظاهر والباطن، وأن العمل الظاهر لازم للإيمان الباطن لا ينفك عنه، بحيث إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. وأما من يرى العمل ثمرة تقارن الباطن تارة وتفارقه أخرى، فهذا قائل بقول جهم، والنزاع معه حقيقي بلا ريب.</p><p>وقول شيخ الإسلام: (خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي)، وقوله: (أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي) ونحو هذا من كلامه، يدل على أن الخلاف مع مرجئة الفقهاء- وإن قالوا بالتلازم- حقيقي في بعض المسائل، ولعله يشير إلى قولهم في الاستثناء، أو تجويزهم أن يقول أفسق الناس: إن إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام !</p><p>وقد ترتب على قولهم في الاستثناء مذهب شنيع، وهو تكفير المستثني، بحجة أنه شاك في إيمانه، ولهذا منع بعض الحنفية من تزويج القائل بالاستثناء؛ لكن المحققين منهم على خلافه.</p><p>قال ابن نجيم: (وقال الرستغفني: لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال. وقال الفضل: لا يجوز بين من قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ لأنه كافر. ومقتضاه منع مناكحة الشافعية، واختلف فيها هكذا، قيل: يجوز، وقيل: يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته، وعلله في البزازية بقوله: تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب. وقد قدمنا في باب الوتر والنوافل إيضاح هذه المسألة، وأن القول بتكفير من قال: أنا مؤمن إن شاء الله غلط، ويجب حمل كلامهم على من يقول ذلك شاكا في إيمانه، والشافعية لا يقولون به، فتجوز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة. وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حل مناكحتهم؛ لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة، كما قدمنا نقله عن الأئمة في باب الإمامة) .</p><p>والحاصل أن إرجاء الفقهاء يحتمل أمرين:</p><p>الأول: عدم إثبات التلازم بين الظاهر والباطن، والقائل بهذا خلافه مع أهل السنة خلاف حقيقي جوهري.</p><p>والثاني: إثبات التلازم بين الظاهر والباطن، والتسليم بأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، والقائل بهذا خلافه مع أهل السنة أكثره لفظي، وبدعته في إخراج العمل من مسمى الإيمان، من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد.</p><p>هذا تحرير مذهب شيخ الإسلام، في هذه المسألة، حسبما ظهر لي من تتبع كلامه في مواطن كثيرة من كتبه.</p><p>وممن ذهب إلى أن الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء خلاف صوري:</p><p>ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، حيث قال: (والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة خلاف صوري؛ فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءا من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه: نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد) .</p><p>وهذا موافق لما قرره شيخ الإسلام، من جعل الخلاف مع هؤلاء المرجئة لفظياً، إذا أقروا بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب.</p><p>ومنهم: الحافظ الذهبي، فقد قال: (قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا. قال: إني أن أكون تابعا في الحق، خير من أن أكون رأسا في الباطل. </p><p>قلت: يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدّون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض. نسأل الله العافية) .</p><p>وصرح بعض أهل العلم بأن الخلاف حقيقي جوهري، بإطلاق:</p><p>قال الشيخ ابن باز معلقا على قول الطحاوي في عقيدته المشهورة: (والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان): (هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت. وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظياً، بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان) .</p><p>وقال الشيخ الألباني معلقا على كلام الطحاوي أيضا: (هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافاً للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركـان. </p><p>وليس الخلاف بين المذهبين اختلافاً صورياً كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى، بحجة أنهم جميعاً اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحاً، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (ص342-344) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفاً ظاهراً، بل باطلاً، ذكر الشارح (ص342) نموذجاً منها، بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة حديث: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة..)) مع احتجاج كل أئمة الحديث به، ومنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو مخرج في (الصحيحة) (1769) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم!</p><p>ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صورياً، وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليه الصلاة والسلام! كيف وهم بناء على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاجراً فاسقاً - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقاً! والله عز وجل يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:2-4]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا} [النساء:122] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم– زعموا – فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنـزيلاً لها منـزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصاً من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية، فأبى قائلاً: لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإيمان) فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع) . </p><p>المبحث الثامن: سمات الإرجاء المعاصر</p><p>المطلب الأول: حول ما ينسب إلى المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب</p><p>اشتهر على ألسنة كثير من الناس أن المرجئة هي الفرقة التي تقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا القول وإن نسب إلى بعض المرجئة، كاليونسية ، إلا أنه لا يُعلم قائل من أهل العلم قد ذهب إليه، ونسبته إلى مقاتل بن سليمان كذب عليه.</p><p>قال شيخ الإسلام: (وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد، فلا نعرف قائلا مشهورا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول) .</p><p>وقال: (وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معيناً أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعيِّنون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له، فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا) .</p><p>والخطر الذي يكمن من شيوع هذه المقالة، هو ظن كثير من الناس أن من برئ من هذا فقد برئ من الإرجاء، وظنهم أن الإرجاء قول متهافت ظاهر البطلان، لا يمكن أن يقول به أحد قرأ القرآن، ونظر في السنة، وعرف شيئا من نصوص الوعيد؛ فإنَّ كون المسلم الموحد قد يدخل النار بذنبه، تواتر تواترا يفيد العلم الضروري.</p><p>ولو كان الإرجاء منحصرا في هذه المقالة المتهافتة، لما ذهب إليه جمع من العباد والزهاد، والفقهاء والنظار، من أمثال طلق بن حبيب، وذر بن عبد الله، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، وأبي الحسن الأشعري في أحد قوليه، وأبي منصور الماتريدي، ومن تبعهما من الأشاعرة والماتريدية، وفيهم خلق كثير من الحنفية والمالكية والشافعية، وبعض الحنابلة.</p><p>وهذا الجهل بحقيقة الإرجاء، ومقالات المرجئة، أدى إلى شيوعه وانتشاره، وتبني كثير من المتأخرين له، حتى دخل على بعض المنتسبين للحديث والسنة في هذه الأزمنة، كما دخل على من قبلهم ممن يصرح بالبراءة من قول المرجئة، مع نصره لشيء من مقالاتهم.</p><p>وأنا أسوق إليك شواهد، تدل على ما ذكرت:</p><p>1- قال الملا علي القاري في الدفاع عن أبي حنيفة: (ثم المرجئة المذممة من المبتدعة ليسوا من القدرية، بل هم طائفة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فزعموا أن أحدا من المسلمين لا يعاقب على شيء من الكبائر، فأين هذا الإرجاء؟! ثم قول أبي حنيفة مطابق لنص القرآن، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48] ، بخلاف المرجئة حيث لا يجعلون الذنوب مما عدا الكفر تحت المشيئة... ثم اعلم أن مذهب المرجئة أن أهل النار إذا دخلوا النار فإنهم يكونون في النار بلا عذاب، كالحوت في الماء، إلا أن الفرق بين الكافر والمؤمن أن للمؤمن استمتاعا في الجنة، يأكل ويشرب، وأهل النار في النار ليس لهم استمتاع أكل وشرب، وهذا القول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة من أهل السنة والجماعة وسائر المبتدعة) .</p><p>2- وقال أبو البقاء الكفوي: (المرجئة: هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلا، وإنما العذاب للكفار. والمعتزلة جعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى الله تعالى، يغفر إن شاء- على ما ذهب إليه أهل الحق- إرجاء، بمعنى أنه تأخير للأمر، وعدم الجزم بالثواب والعقاب، وبهذا الاعتبار، جعل أبو حنيفة من المرجئة) .</p><p>قلت: فهذا الظنُّ - مع الاعتقاد المخالف للسنَّة-، حمل هؤلاء على تبرئة أبي حنيفة من الإرجاء، ولو كان مصرحا بأن الإيمان هو الإقرار والتصديق فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص!</p><p>3- وقال شيخ الإسلام معلقا على قول ابن الصلاح: (ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له): </p><p>(وقول القائل: (الطاعات ثمرات التصديق الباطن) يراد به شيئان: </p><p>يراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت. وهذا مذهب السلف وأهل السنة. </p><p>ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا، وقد يكون الإيمان الباطن تاما كاملا وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه...).</p><p>إلى أن قال: (وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) .</p><p>فهذا يبين أهمية الوقوف على مقالات المرجئة، وتمييزها عن مقالات أهل السنة، حتى لا يقع الخلط بينها</p><p>المطلب الثاني: حول قول بعض السلف: من قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء</p><p>هذه المقولة السلفية النافعة، نُقلت عن غير واحد من الأئمة، منهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فقد روى الخلال بإسناده إلى إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عمَّن قال: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: هذا بريء من الإرجاء .</p><p>وقال البربهاري: (من قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره) .</p><p>وهذه المقولة اغتر بها بعض المتعالمين، ممن خلط بين قول السلف، وقول المرجئة في باب الإيمان والكفر، فزعم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ثم قال: لا يكفر بقولٍ أو عمل! ولا يكفر بترك العمل! وهذا من أعظم المخالفة لكلام السلف.</p><p>فهذه المقولة (حق ولا شك، لكن على فهم قائليها، وهو أن العمل والقول والاعتقاد أركان في الإيمان، لا يجزئ أحدها عن الآخر، وإلا فمن قال ذلك وهو لا يرى أعمال الجوارح ركنا في الإيمان، أو قال ذلك وهو يحصر الكفر في التكذيب والاستحلال، فإنه قد نطق بما قاله السلف في تعريف الإيمان، لكن لا على الوجه الذي أرادوه... ولهذا حذر أهل العلم من بعض الكتب وأنها تدعو إلى مذهب الإرجاء، مع تبنيها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) .</p><p>و... من المرجئة من قال بالزيادة والنقصان، وبأن العمل شرط كمال للإيمان، كما هو مذهب متأخري الأشاعرة، مع حصرهم للكفر في الجحود والتكذيب، فهل يحتج أحد بقول أحمد - السابق - على أن هؤلاء قد برئوا من الإرجاء! </p><p>وأبلغ من ذلك أن يقال: قد وجد من المرجئة من يقول: الإيمان قول وعمل! </p><p>قال الإمام حرب الكرماني: (وسمعت إسحاق يقول: أول من تكلم بالإرجاء زعموا أن الحسن بن محمد بن الحنفية، ثم غلت المرجئة حتى صار من قولهم: أن قوما يقولون: من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض، من غير جحود بها أنا لا نكفِّره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء المرجئة الذين لاشك فيهم. ثم هم أصناف:</p><p>منهم من يقول: نحن مؤمنون البتة، ولا يقول: عند الله، ويرون الإيمان قولا وعملا، وهؤلاء أمثلهم.</p><p>وقوم يقولون: الإيمان قول، ويصدقه العمل، وليس العمل من الإيمان، ولكن العمل فريضة، والإيمان هو القول، ويقولون: حسناتنا متقبلة، ونحن مؤمنون عند الله، وإيماننا وإيمان جبريل واحد، فهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث أنهم المرجئة التي لعنت على لسان الأنبياء) .</p><p>فهذه طائفة من المرجئة، كانت تقول: الإيمان قول وعمل، ولم تخرج بذلك من الإرجاء.</p><p>إن القول بأن الإيمان قول وعمل، يعني إثبات أمرين لا نزاع فيهما بين أهل السنة:</p><p>الأول: أنه لا يجزئ القول ولا يصح من دون العمل، وهذا مُصرح به من أئمة السلف، وعليه إجماعهم،.......</p><p>الثاني: أن الكفر يكون بالقول، والعمل، كما يكون بالاعتقاد والترك، على ما سبق بيانه بأدلته.</p><p>فالمخالف في هذا، أو في بعضه، مخالف لأهل السنة، موافق للمرجئة، ولو ادعى غير ذلك.</p><p>ومثل هذا يقال فيمن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ثم هو يكفِّر أهل الإسلام، ويستحل الدماء والأموال، فهو موافق للخوارج، مخالف لأهل السنة، ولو ادعى غير ذلك، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، وإن كان اللفظ السني واجب الاتّباع في هذا الباب.</p><p>وما ذكره إسحاق من غلو المرجئة، وزعمها إسلام تارك عامة الفرائض، هو ما يدندن حوله اليوم بعض المعاصرين، ويزعمون أنه قول السلف!</p><p>والمقصود أنه يقع الخلط بين كلام أهل السنة، وكلام غيرهم، عند بعض الناس، فيأخذون من هذا ومن هذا، وقد يجمعون بين المتناقضات، ويخلطون بين المقالات، على غير بصيرة، فيكون من أقوالهم:</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35271, member: 329"] وقال شيخ الإسلام: (والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم. فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم. لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا؛ فإنها لازمة لها. ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم) . وقال: (وأنكر حماد بن أبى سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء. وأما إبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبى سليمان وأمثاله، ومن قَبله من أصحاب ابن مسعود، كعلقمة والأسود، فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبى سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء، وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك. وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة. ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطا عظيما). إلى أن قال: (وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبى سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان واعتقاد القلب من الإيمان، وهو قول أبى محمد بن كلاب وأمثاله، لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب) . وقال: (والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال. وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان؛ لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه. ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان، وهذا المنقول عن حماد بن أبى سليمان ومن وافقه كأبي حنيفة وغيره) . وحاصل ما عليه مرجئة الفقهاء هو ما يلي: 1- أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان. 2- إخراج العمل الظاهر من مسمى الإيمان. 3- أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص. 4- أن أهله متساوون في أصله، وأن التفاضل إنما يقع في غير الإيمان. 5- أنه لا يستثنى فيه. 6- أما أعمال القلوب، فظاهر كلامهم أنها ليست من الإيمان. وهو ظاهر ما نقله أصحاب المقالات عنهم أيضا. وقد سبق قول شيخ الإسلام عنهم: (لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا؛ فإنها لازمة لها). وقال: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم. وهؤلاء غلطوا من وجوه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص) . إلى أن قال -بعد استطراد-: (الوجه الثاني من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب كما تقدم عن جهمية المرجئة. الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر) . فصرح بأن الجهمية يخرجون أعمال القلوب من الإيمان، وهذا يذكره في مواضع، أما مرجئة الفقهاء فتراه لا يجزم هنا بقولهم في هذه المسألة، لكنه قال في موضع آخر: (وعند الجهمية الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه. وعند فقهاء المرجئة: هو قول اللسان مع تصديق القلب، وعلى القولين أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم كأعمال الجوارح، فيمكن أن يكون الرجل مصدقا بلسانه وقلبه مع كراهة ما نَّزل الله) . وقال أيضا: (ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول: إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول ذلك، وهذا قول الجهمية ومن تبعهم كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة، ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ورسوله ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل) . ومما يرجح أنهم لا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان، ما قاله الطحاوي– وسبق نقله- أن الإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى. ولا شك أن الخشية والتقى من أعمال القلوب، وقد دخلها التفاضل لأنها ليست من الإيمان. وسبق أيضا قول شيخ الإسلام عنهم: (وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال. وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان). فحيث أثبتوا التفاضل في أعمال القلوب، دل ذلك على أنها خارجة عن مسمى الإيمان عندهم. المطلب الثاني: هل الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء حقيقي أم لفظي؟ ومنشأ النزاع في ذلك أن هؤلاء المرجئة، مع قولهم بإخراج العمل من الإيمان، ونفي الزيادة والنقصان عنه، ومنع الاستثناء فيه، إلا أنهم كانوا (مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك. وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم والعقاب) . ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلاف بينهم وبين أهل السنة خلاف في الاسم واللفظ دون الحكم، وذهب آخرون إلى أنه خلاف حقيقي في الاسم واللفظ والحكم. تحقيق قول شيخ الإسلام في هذه المسألة: عزا بعض الباحثين إلى شيخ الإسلام أنه ممن يرى النزاع بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء نزاعا لفظيا، على ما هو المتبادر من بعض كلامه. والتحقيق في ذلك أن شيخ الإسلام له عبارات متنوعة في تناول هذه المسألة: 1- فتارة يقول عن الخلاف في الأعمال هل هي من الإيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك: إن عامته نزاع لفظي. 2- وتارة يقول: هذه البدعة أخف البدع فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم . 3- وتارة يشير إلى أن ذلك من بدع الأقوال والأفعال لا العقائد. قال: (ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من (مرجئة الفقهاء) بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد؛ فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب. فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لاسيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم يعنى المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة) وذكر آثارا في ذم المرجئة . وهذه المواضع الثلاثة لا تعارض بينها، فإنَّ فيها إقرارا بأن هذا النزاع منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو لفظي وهو الغالب والأكثر . 4- وتارة يبين شيخ الإسلام أن الخلاف إنما يكون لفظياً مع من أقرَّ بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، بحيث إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. وهذا يذكره في مواضع، ومع هذا فقد غفل كثير من الباحثين عن الإشارة إليه. ومن هذه المواضع قوله: (وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا. وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه، من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يناقض قولك أن الظاهر لازم له وموجب له، بل قيل: حقيقة قولك أن الظاهر يقارن الباطن تارة، ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك) . وقال: (وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن. فإذا قال: إنها من لوازمه وأن الإيمان الباطن يستلزم عملا صالحا ظاهرا، كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان أو جزءا منه نزاعا لفظيا كما تقدم) . وقال: (وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب (الموجز)، وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2]، ولم يقل إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا؛ لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان، وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي. الثاني: أن نصوصا صرحت بأنها جزء كقوله: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)) . ) . وقال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين. ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان؟ والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازما للمسمى، بحسب إفراد الاسم واقترانه..) . وقال: (ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر، كان الظاهر دليلا على إيمان القلب ثبوتا وانتفاء، كقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:22]، وقوله عز وجل: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:81] وأمثال ذلك. وبعد هذا فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هل هو اسم لمجرد التصديق دون مقتضاه، أو اسم للأمرين يؤول إلى نزاع لفظي. وقد يقال: إن الدلالة تختلف بالإفراد والاقتران. والناس منهم من يقول: إن أصل الإيمان في اللغة التصديق، ثم يقول: والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح، والقول يسمى تصديقا، والعمل يسمى تصديقا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا السَّمْعُ وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)) ، وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في القلب وصدقه العمل . ومنهم من يقول: بل الإيمان هو الإقرار وليس هو مرادفا للتصديق... وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة) . وقال: (وهذا التصديق له لوازم داخلة في مسماه عند الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟ ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء، كحماد بن أبى سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل ، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة. والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار، فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء) . ومن خلال هذه النقولات يتضح أن شيخ الإسلام يرى الخلاف لفظيا مع من أقر بالتلازم بين الظاهر والباطن، وأن العمل الظاهر لازم للإيمان الباطن لا ينفك عنه، بحيث إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. وأما من يرى العمل ثمرة تقارن الباطن تارة وتفارقه أخرى، فهذا قائل بقول جهم، والنزاع معه حقيقي بلا ريب. وقول شيخ الإسلام: (خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي)، وقوله: (أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي) ونحو هذا من كلامه، يدل على أن الخلاف مع مرجئة الفقهاء- وإن قالوا بالتلازم- حقيقي في بعض المسائل، ولعله يشير إلى قولهم في الاستثناء، أو تجويزهم أن يقول أفسق الناس: إن إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام ! وقد ترتب على قولهم في الاستثناء مذهب شنيع، وهو تكفير المستثني، بحجة أنه شاك في إيمانه، ولهذا منع بعض الحنفية من تزويج القائل بالاستثناء؛ لكن المحققين منهم على خلافه. قال ابن نجيم: (وقال الرستغفني: لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال. وقال الفضل: لا يجوز بين من قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ لأنه كافر. ومقتضاه منع مناكحة الشافعية، واختلف فيها هكذا، قيل: يجوز، وقيل: يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته، وعلله في البزازية بقوله: تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب. وقد قدمنا في باب الوتر والنوافل إيضاح هذه المسألة، وأن القول بتكفير من قال: أنا مؤمن إن شاء الله غلط، ويجب حمل كلامهم على من يقول ذلك شاكا في إيمانه، والشافعية لا يقولون به، فتجوز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة. وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حل مناكحتهم؛ لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة، كما قدمنا نقله عن الأئمة في باب الإمامة) . والحاصل أن إرجاء الفقهاء يحتمل أمرين: الأول: عدم إثبات التلازم بين الظاهر والباطن، والقائل بهذا خلافه مع أهل السنة خلاف حقيقي جوهري. والثاني: إثبات التلازم بين الظاهر والباطن، والتسليم بأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، والقائل بهذا خلافه مع أهل السنة أكثره لفظي، وبدعته في إخراج العمل من مسمى الإيمان، من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد. هذا تحرير مذهب شيخ الإسلام، في هذه المسألة، حسبما ظهر لي من تتبع كلامه في مواطن كثيرة من كتبه. وممن ذهب إلى أن الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء خلاف صوري: ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، حيث قال: (والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة خلاف صوري؛ فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءا من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه: نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد) . وهذا موافق لما قرره شيخ الإسلام، من جعل الخلاف مع هؤلاء المرجئة لفظياً، إذا أقروا بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب. ومنهم: الحافظ الذهبي، فقد قال: (قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا. قال: إني أن أكون تابعا في الحق، خير من أن أكون رأسا في الباطل. قلت: يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدّون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض. نسأل الله العافية) . وصرح بعض أهل العلم بأن الخلاف حقيقي جوهري، بإطلاق: قال الشيخ ابن باز معلقا على قول الطحاوي في عقيدته المشهورة: (والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان): (هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت. وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظياً، بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان) . وقال الشيخ الألباني معلقا على كلام الطحاوي أيضا: (هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافاً للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركـان. وليس الخلاف بين المذهبين اختلافاً صورياً كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى، بحجة أنهم جميعاً اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحاً، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (ص342-344) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفاً ظاهراً، بل باطلاً، ذكر الشارح (ص342) نموذجاً منها، بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة حديث: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة..)) مع احتجاج كل أئمة الحديث به، ومنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو مخرج في (الصحيحة) (1769) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم! ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صورياً، وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليه الصلاة والسلام! كيف وهم بناء على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاجراً فاسقاً - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقاً! والله عز وجل يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:2-4]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا} [النساء:122] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم– زعموا – فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنـزيلاً لها منـزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصاً من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية، فأبى قائلاً: لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإيمان) فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع) . المبحث الثامن: سمات الإرجاء المعاصر المطلب الأول: حول ما ينسب إلى المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب اشتهر على ألسنة كثير من الناس أن المرجئة هي الفرقة التي تقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا القول وإن نسب إلى بعض المرجئة، كاليونسية ، إلا أنه لا يُعلم قائل من أهل العلم قد ذهب إليه، ونسبته إلى مقاتل بن سليمان كذب عليه. قال شيخ الإسلام: (وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد، فلا نعرف قائلا مشهورا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول) . وقال: (وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معيناً أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعيِّنون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له، فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا) . والخطر الذي يكمن من شيوع هذه المقالة، هو ظن كثير من الناس أن من برئ من هذا فقد برئ من الإرجاء، وظنهم أن الإرجاء قول متهافت ظاهر البطلان، لا يمكن أن يقول به أحد قرأ القرآن، ونظر في السنة، وعرف شيئا من نصوص الوعيد؛ فإنَّ كون المسلم الموحد قد يدخل النار بذنبه، تواتر تواترا يفيد العلم الضروري. ولو كان الإرجاء منحصرا في هذه المقالة المتهافتة، لما ذهب إليه جمع من العباد والزهاد، والفقهاء والنظار، من أمثال طلق بن حبيب، وذر بن عبد الله، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، وأبي الحسن الأشعري في أحد قوليه، وأبي منصور الماتريدي، ومن تبعهما من الأشاعرة والماتريدية، وفيهم خلق كثير من الحنفية والمالكية والشافعية، وبعض الحنابلة. وهذا الجهل بحقيقة الإرجاء، ومقالات المرجئة، أدى إلى شيوعه وانتشاره، وتبني كثير من المتأخرين له، حتى دخل على بعض المنتسبين للحديث والسنة في هذه الأزمنة، كما دخل على من قبلهم ممن يصرح بالبراءة من قول المرجئة، مع نصره لشيء من مقالاتهم. وأنا أسوق إليك شواهد، تدل على ما ذكرت: 1- قال الملا علي القاري في الدفاع عن أبي حنيفة: (ثم المرجئة المذممة من المبتدعة ليسوا من القدرية، بل هم طائفة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فزعموا أن أحدا من المسلمين لا يعاقب على شيء من الكبائر، فأين هذا الإرجاء؟! ثم قول أبي حنيفة مطابق لنص القرآن، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48] ، بخلاف المرجئة حيث لا يجعلون الذنوب مما عدا الكفر تحت المشيئة... ثم اعلم أن مذهب المرجئة أن أهل النار إذا دخلوا النار فإنهم يكونون في النار بلا عذاب، كالحوت في الماء، إلا أن الفرق بين الكافر والمؤمن أن للمؤمن استمتاعا في الجنة، يأكل ويشرب، وأهل النار في النار ليس لهم استمتاع أكل وشرب، وهذا القول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة من أهل السنة والجماعة وسائر المبتدعة) . 2- وقال أبو البقاء الكفوي: (المرجئة: هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلا، وإنما العذاب للكفار. والمعتزلة جعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى الله تعالى، يغفر إن شاء- على ما ذهب إليه أهل الحق- إرجاء، بمعنى أنه تأخير للأمر، وعدم الجزم بالثواب والعقاب، وبهذا الاعتبار، جعل أبو حنيفة من المرجئة) . قلت: فهذا الظنُّ - مع الاعتقاد المخالف للسنَّة-، حمل هؤلاء على تبرئة أبي حنيفة من الإرجاء، ولو كان مصرحا بأن الإيمان هو الإقرار والتصديق فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص! 3- وقال شيخ الإسلام معلقا على قول ابن الصلاح: (ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له): (وقول القائل: (الطاعات ثمرات التصديق الباطن) يراد به شيئان: يراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت. وهذا مذهب السلف وأهل السنة. ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا، وقد يكون الإيمان الباطن تاما كاملا وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه...). إلى أن قال: (وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) . فهذا يبين أهمية الوقوف على مقالات المرجئة، وتمييزها عن مقالات أهل السنة، حتى لا يقع الخلط بينها المطلب الثاني: حول قول بعض السلف: من قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء هذه المقولة السلفية النافعة، نُقلت عن غير واحد من الأئمة، منهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فقد روى الخلال بإسناده إلى إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عمَّن قال: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: هذا بريء من الإرجاء . وقال البربهاري: (من قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره) . وهذه المقولة اغتر بها بعض المتعالمين، ممن خلط بين قول السلف، وقول المرجئة في باب الإيمان والكفر، فزعم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ثم قال: لا يكفر بقولٍ أو عمل! ولا يكفر بترك العمل! وهذا من أعظم المخالفة لكلام السلف. فهذه المقولة (حق ولا شك، لكن على فهم قائليها، وهو أن العمل والقول والاعتقاد أركان في الإيمان، لا يجزئ أحدها عن الآخر، وإلا فمن قال ذلك وهو لا يرى أعمال الجوارح ركنا في الإيمان، أو قال ذلك وهو يحصر الكفر في التكذيب والاستحلال، فإنه قد نطق بما قاله السلف في تعريف الإيمان، لكن لا على الوجه الذي أرادوه... ولهذا حذر أهل العلم من بعض الكتب وأنها تدعو إلى مذهب الإرجاء، مع تبنيها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) . و... من المرجئة من قال بالزيادة والنقصان، وبأن العمل شرط كمال للإيمان، كما هو مذهب متأخري الأشاعرة، مع حصرهم للكفر في الجحود والتكذيب، فهل يحتج أحد بقول أحمد - السابق - على أن هؤلاء قد برئوا من الإرجاء! وأبلغ من ذلك أن يقال: قد وجد من المرجئة من يقول: الإيمان قول وعمل! قال الإمام حرب الكرماني: (وسمعت إسحاق يقول: أول من تكلم بالإرجاء زعموا أن الحسن بن محمد بن الحنفية، ثم غلت المرجئة حتى صار من قولهم: أن قوما يقولون: من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض، من غير جحود بها أنا لا نكفِّره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء المرجئة الذين لاشك فيهم. ثم هم أصناف: منهم من يقول: نحن مؤمنون البتة، ولا يقول: عند الله، ويرون الإيمان قولا وعملا، وهؤلاء أمثلهم. وقوم يقولون: الإيمان قول، ويصدقه العمل، وليس العمل من الإيمان، ولكن العمل فريضة، والإيمان هو القول، ويقولون: حسناتنا متقبلة، ونحن مؤمنون عند الله، وإيماننا وإيمان جبريل واحد، فهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث أنهم المرجئة التي لعنت على لسان الأنبياء) . فهذه طائفة من المرجئة، كانت تقول: الإيمان قول وعمل، ولم تخرج بذلك من الإرجاء. إن القول بأن الإيمان قول وعمل، يعني إثبات أمرين لا نزاع فيهما بين أهل السنة: الأول: أنه لا يجزئ القول ولا يصح من دون العمل، وهذا مُصرح به من أئمة السلف، وعليه إجماعهم،....... الثاني: أن الكفر يكون بالقول، والعمل، كما يكون بالاعتقاد والترك، على ما سبق بيانه بأدلته. فالمخالف في هذا، أو في بعضه، مخالف لأهل السنة، موافق للمرجئة، ولو ادعى غير ذلك. ومثل هذا يقال فيمن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ثم هو يكفِّر أهل الإسلام، ويستحل الدماء والأموال، فهو موافق للخوارج، مخالف لأهل السنة، ولو ادعى غير ذلك، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، وإن كان اللفظ السني واجب الاتّباع في هذا الباب. وما ذكره إسحاق من غلو المرجئة، وزعمها إسلام تارك عامة الفرائض، هو ما يدندن حوله اليوم بعض المعاصرين، ويزعمون أنه قول السلف! والمقصود أنه يقع الخلط بين كلام أهل السنة، وكلام غيرهم، عند بعض الناس، فيأخذون من هذا ومن هذا، وقد يجمعون بين المتناقضات، ويخلطون بين المقالات، على غير بصيرة، فيكون من أقوالهم: [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية