الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35280" data-attributes="member: 329"><p>فإذا عرف العبد ربه المعرفة الحقيقة المطلوبة السالمة من طرق أهل الزيغ في معرفة الله والتي تبنى على تحريف الأسماء والصفات أو تعطيلها أو تكييفها أو تشبيهها، فمن سلم من هذه المناهج الكلامية الباطلة، التي هي في الحقيقة أعظم ما يحول بين العبد وبين معرفة ربه وأعظم ما ينقص الإيمان ويضعفه، وعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تعرف بها إلى خلقه والتي وردت في الكتاب والسنة وفهمها على منهج السلف الصالح، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان. </p><p>وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الخبر أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها كانت سبباً في دخوله الجنة. </p><p>ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة)) .</p><p>(وليس المراد بالإحصاء عدّها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها) .</p><p>فلا بد من فهم الأسماء والصفات ومعرفة ما تدل عليه من معاني حتى يتسنى الاستفادة التامة بها. </p><p>قال أبو عمر الطلمنكي: (من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني) .</p><p>وقد ذكر ابن القيم رحمه الله لإحصائها ثلاث مراتب: </p><p>المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. </p><p>المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها. </p><p>المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة .</p><p>وقال ابن سعدي مبيناً معنى (أحصاها) الواردة في حديث أبي هريرة المتقدم: (أي: من حفظها وفهم معانيها واعتقدها وتعبّد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته، ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها) . فمن عرف الله هذه المعرفة كان من أقوى الناس إيماناً وأشدهم طاعةً وتعبد لله، وأعظمهم خوفاً ومراقبة له سبحانه.</p><p>قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [ فاطر: 28]. </p><p>قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: (يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه) .</p><p>وقال ابن كثير: (أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر) .</p><p>وقد جمع هذا المعنى أحد السلف في عبارة مختصرة، فقال: (من كان بالله أعرف كان له أخوف) .</p><p>وقال ابن القيم رحمه الله: (وليست حاجة الأرواح قط إلى شيءٍ أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه..) .</p><p>فمعرفة الله عز وجل تقوي جانب الخوف والمراقبة، وتعظم الرجاء في القلب، وتزيد في إيمان العبد، وتثمر أنواعاً كثيرة من العبادة، ولا سبيل إلى هذه المعرفة ولا طريق إليها إلا تدبر كتاب الله وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أنه إلههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويستدلوا بها على أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم وأنه العزيز الحكيم، وأنه الفعال لما يريد وأنه الذي وسع كل شيءٍ رحمة وعلماً وأن أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك، وهذه الثمرة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله .</p><p>أما من خالف هذه الجادة، وتنكب هذا الصراط، وسلك طرق أهل الزيغ في معرفة الله، فما أبعده عن معرفة ربه وخالقه، بل إنه يكون أضعف الناس معرفة بالله، وأقلهم خوفاً وخشية منه. </p><p>قال ابن القيم رحمه الله بعد أن بيّن أن تفاوت الناس في معرفة الله يرجع إلى تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها، قال: (وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف، لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم). </p><p>ثم بيّن أن العوام أحسن حالاً من هؤلاء وأقوى معرفةً بربهم منهم فقال: </p><p>(وإذا تأملت حال العامة – الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم – رأيتهم أتم بصيرة منهم، وأقوى إيماناً، وأعظم تسليماً للوحي، وانقياداً للحق) .</p><p>وقد كان رحمه الله نبه قبل هذا على أهمية البصيرة في توحيد الأسماء والصفات وفقهها، وفهمها على نهج السلف الصالح، وعلى أهمية الحذر من شبه أهل الكلام الباطل المفسد لهذا التوحيد. </p><p> ثم ذكر كلاماً نافعاً جامعاً مؤدياً إلى هذه البصيرة، فقال: (وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه، بصيراً بحركات العالم علوية وسفلية، وأشخاصه، وذواته، سميعاً لأصواتهم، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال، منزها عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصف به خلقه، حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهاً ومثلاً، وتعالت ذاته أن تشبه شيئاً من الذوات أصلاً، ووسعت الخليقة أفعاله عدلاً، وحكمة ورحمة وإحساناً وفضلاً، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدى عاطلاً، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرّف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرف لهم الآيات، ونوّع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومدّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه) .</p><p>فمن كانت معرفته لله كذلك، وتفقه في هذه البصيرة، كان من أقوى الناس إيماناً، وأحسنهم إجلالاً وتعظيماً ومراقبة لله عز وجل، وأكثرهم طاعة وتقرباً إليه، والناس في ذلك متفاوتون فمقل ومستكثر. </p><p> </p><p>المسألة الثالث: تأمل سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم</p><p>فإن من أسباب زيادة الإيمان النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودراستها وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله الحميدة، فهو أمين الله على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره، وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون الجنة الطرق فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره بل ولا سبيل لأحد جاء بعده في نيل السعادة في الدنيا والآخرة إلا باتباعه وطاعته والسير على نهجه. </p><p>قال ابن القيم رحمه الله: (ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله ألبتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. </p><p>وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام.</p><p>وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقبل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) .</p><p>ولهذا فإن من درس السنة وتأمل في نعوت وصفات النبي صلى الله عليه وسلم التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة وكتب السير، فقد استكثر لنفسه من الخير، وازداد حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، وأورثته هذه المحبة المتابعة له في القول والعمل، (وأصل الأصول العلم، وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول وأصحابه) .</p><p>فمن تأمل مثلا قول الله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: </p><p>{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [ التوبة: 128]. </p><p>{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم: 4]. </p><p>{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران: 159] الآية وغيرها من الآيات. </p><p> وتأمل في السنة ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم في نعت النبي صلى الله عليه وسلم مثل: </p><p>حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله بها)) .</p><p>وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((خدمته صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فوالله ما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلت كذا)) .</p><p>وقال رضي الله عنه: ((كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس)) .</p><p>وقال رضي الله عنه: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا)) .</p><p>وحديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا)) .</p><p>وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه)) . وغيرها مما يطول ذكره.</p><p>فإن من تأمل ذلك انتفع به غاية الانتفاع، ثم إن هذا من أعظم ما يقوي المحبة في قلب المسلم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وزيادة المحبة له صلى الله عليه وسلم زيادة في الإيمان، تورث المتابعة والعمل الصالح، وهذا من أعظم أبواب وسبل الهداية. </p><p>وقد ذكر ابن القيم رحمه الله، أن للهداية أسباباً متعددة، وطرقاً متنوعة، وهذا من لطف الله بعباده، لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم، وذكر من هذه الأسباب تأمل حال وأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا سبب لهداية بعض الناس. </p><p>قال رحمه الله: (ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله صلى الله عليه وسلم وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة، كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها له صلى الله عليه وسلم: ((أبشر فوالله لن يخزين الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)) . ) .</p><p>وقال ابن سعدي رحمه الله: (ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة، والدين الحق، كما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [ المؤمنون: 69]. أي: فمعرفته صلى الله عليه وسلم توجب للعبد المبادرة للإيمان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به. وقال تعالى حاثاً لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [ سبأ: 46]. </p><p>وأقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم: 1-4]. </p><p>فهو صلى الله عليه وسلم أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة، وأفعاله الرشيدة، فهو الإمام الأعظم والقدوة الأكمل {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [ الأحزاب: 21] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ الحشر: 7]. </p><p>وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} [ آل عمران: 193] وهو هذا الرسول الكريم {يُنَادِي لِلإِيمَانِ} بقوله وخلقه، وعمله ودينه، وجميع أحواله {فَآمَنَّا} أي: إيمانا لا يدخله ريب...) </p><p>إلى أن قال: (ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق، بمجرد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم بمجرد ما يرى وجهه الكريم يعرف أنه ليس بوجه كذاب...) . </p><p>المسألة الرابعة: تأمل محاسن الدين الإسلامي</p><p>فإن الدين الإسلامي كله محاسن، عقائده أصح العقائد وأصدقها وأنفعها، وأخلاقه أحمد الأخلاق وأجملها، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها. </p><p>وبهذا النظر الجليل، والتأمل الجميل في محاسن هذا الدين، يزين الله الإيمان في قلب العبد، ويحببه إليه كما امتن به على خيار خلقه بقوله {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [ الحجرات: 7] فيكون الإيمان في القلب أعظم المحبوبات، وأجمل الأشياء، وبهذا يذوق العبد حلاوة الإيمان، ويجدها في قلبه، فيتجمل الباطن بأصول الإيمان وحقائقه، وتتجمل الجوارح بأعمال الإيمان .</p><p>قال ابن القيم رحمه الله: (وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم فوقها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهاناً وآيةً وشاهداً على أنها من عند الله) .</p><p>ولهذا فإن تأمل محاسن هذا الدين، والنظر فيما جاء فيه من أوامر ونواه، وشرائع وأحكام، وأخلاق وآداب، لمن أعظم الدواعي والدوافع للدخول فيه لمن لم يؤمن، وللازدياد منه لمن آمن، بل إن من قوي تأمله لمحاسن هذا الدين، ورسخت قدمه في معرفته ومعرفة حسنه وكماله، وقبح ما خالفه، كان من أقوى الناس إيماناً وأحسنهم ثباتاً عليه، وتمسكاً به. </p><p>ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله: (والمقصود أن خواص الأمة، ولبابها، لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله، وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة القلوب، فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار ديناً غيره، لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار ديناً غيره، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله) .</p><p>قلت: ويشهد لما قاله ابن القيم هنا، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)) .</p><p>فهذا الذي ذاق حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته سويداء قلبه، وأضاء نوراً به، واطمأن بذلك أشد الاطمئنان، لا يكاد بعد ذلك يرجع إلى الكفر والضلال، واتباع الأهواء والظنون الكاذبة بل إنه يكون من أرسخ الناس إيماناً وأشدهم تمسكاً وثباتاً، وأقواهم تعلقاً بربه وخالقه، لأنه دخل الإسلام عن علم وقناعة ومعرفة، فعرف حسن الإسلام وبهاءه، وجودته ونقاءه، وتميزه عن غيره من الأديان، فرضيه ديناً لنفسه، وأنس به أشد الأنس، فكيف يبغي بعد ذلك غيره بدلاً، أو يطلب عنه مصرفاً، أو يروم عنه انتقالاً أو تحويلاً. </p><p>ولهذا فإن من الفوائد الجليلة المستنبطة من هذا الحديث أنه يعد دليلاً من أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه. كما قال الوالد حفظه الله: (ومن فقه الحديث وما يستنبط منه... فذكر أموراً منها: أن في الحديث دليلاً على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره) . </p><p> </p><p>المسألةالخامسة: قراءة سيرة سلف هذه الأمة</p><p>فإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان، أهل الصدر الأول من الإسلام، هم خير القرون، وحماة الإسلام، وهداة الأنام، وليوث الصدام، وأهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيماناً وأرسخهم علماً وأبرهم قلوباً وأزكاهم نفوساً، وخص منهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين خصهم الله برؤية نبيه صلى الله عليه وسلم ومتعهم بالنظر إلى طلعته، وأكرمهم بسماع صوته والأنس بحديثه، فأخذوا الدين منه غضاً طرياً، فاستحكمت به قلوبهم، واطمأنت به نفوسهم، وثبتوا عليه ثبوت الجبال. </p><p>ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [ آل عمران: 110]. والمعنى: أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس. </p><p>وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خير أمتي القرن الذين بعثت فيه ثم الذين يلونهم...)) .</p><p>فمن تأمل حال هؤلاء الأخيار، وقرأ سيرهم، وعرف محاسنهم، وتأمل ما كانوا عليه من خلق عظيم، وتأس بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتعهد للإيمان، وخوف من الذنوب والمعاصي، وحذر من الرياء والنفاق، وإقبال على الطاعة، وتنافس في فعل الخير، وتبصر في حالهم وقوة إيمانهم، وشدة تعبدهم لله، وحرصهم على طاعته، وإعراضهم عن الدنيا الفانية، وإقبالهم على الآخرة الباقية، فإنه سيقف من خلال هذا التأمل والنظر على جمل من المكاسب وكثير من النعوت والخلال ما يدعوه إلى صدق التأسي بهم، ومحبة التحلي بنعوتهم، فذكرهم يذكر بالله، وتأمل أحوالهم يقوي الإيمان ويجلو الفؤاد، وما أحسن ما قيل: </p><p></p><p>كرر علي حديثهم يا حادي </p><p>فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي </p><p></p><p> وموضع التأمل والبحث في سير وأخبار هؤلاء الأخيار: كتب التاريخ، والسير والزهد، والرقائق، والورع، وغيرها، والاستفادة مما صح منها، فهذا التأمل والنظر يورث صاحبه حسن التشبه بهؤلاء، وكما يقول شيخ الإسلام: (ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل) ، ومن تشبه بقوم فهو منهم.</p><p>فهذه الأمور المتقدمة جميعها تزيد في الإيمان وتقويه، وهي مندرجة تحت العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف هذه الأمة. </p><p>ثم إن العلوم الأخرى غير العلم الشرعي كعلم الطب والهندسة وعلم الفلك والحساب وعلم النبات، وغيرها من العلوم التي توسع الناس فيها حديثا وأعطيت من العناية والاهتمام أكثر من حقها، حتى شغلت الكثير ممن اعتنى بها عن تعلم بدائيات الدين، والأمور المعلومة منه بالضرورة فهذه العلوم أيضاً لها أثر بالغ في زيادة إيمان من اشتغل بها واعتنى بتحصيلها، إن أخلص القصد، وأراد الحق، وتجرد من الهوى. </p><p>وكم من رجل آمن وازداد إيمانه بسبب اشتغاله بالطب، ووقوفه على إعجاز الله ودقة صنعه في خلق الإنسان، وما ركبه فيه من عجائب الخلق ودقة الصنع ما يبهر العقول ويحير الألباب. </p><p>قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [ التين: 4]. </p><p>وقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [ غافر: 64]. </p><p>وقال: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [ الذاريات: 21]. </p><p>وكذلك الاشتغال بباقي العلوم الأخرى يزيد في إيمان الإنسان بحسب تفكره وتأمله وتحريه لنيل الحق، والأمر أولاً وأخيراً بيد الله سبحانه فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. </p><p>ثم إن هذه العلوم لا تؤدي إلى زيادة الإيمان، إلا إذا صحبها تفكر وتأمل في آيات الله الباهرة وحججه الظاهرة، فإن عدمت ذلك عدمت هذه الفائدة الجليلة والثمرة العظيمة ولم تنفع صاحبها هذا النفع العائد على إيمانه بالزيادة والقوة والثبات. </p><p>وهذا يبين أهمية التفكر والتأمل في آيات الله ومخلوقاته، وهو السبب الثاني من أسباب زيادة الإيمان، وهو موضوع البحث التالي. </p><p>المطلب الثاني: التأمل في آيات الله الكونية</p><p>فإن التأمل فيها، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته. </p><p>فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوا كالنار ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله، ثم تأمل استواءها واعتدالها، فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق، ولا أمت ولا عوج. </p><p>ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان، وأشدها موافقة للبصر وتقوية له. </p><p>وتأمل خلق الأرض وكيف أبدعت، تراها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشاً ومهاداً، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم، وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم، وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتاداً تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها، فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتاً للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتاً للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرا وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. </p><p>ثم انظر إليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر، بهيج للناظرين كريم للمتناولين. </p><p>ثم تأمل كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها. وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار والرياح، بل أتقن صنعها وأحكم وضعها، وأودعها من المنافع والمعادن والعيون ما أودعها. </p><p>ثم تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض والطير محلّقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه، وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار. </p><p>ثم تأمل كيف يُنشئ سبحانه بهذا الريح السحاب المسخر بين السماء والأرض فتثيره كسفا ثم يؤلف بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سمّاها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح. </p><p>ثم تأمل البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها. </p><p>وتأمل الليل والنهار وهما من أعجب آيات الله كيف جعل الليل سكناً ولباساً يغشي العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم النفوس وتستريح من كدّ السعي والتعب حتى إذا أخذت منها النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر. </p><p>وتأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، وكيف كان الناس يسعون في معاشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور فـ {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا }وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا{ [ الفرقان: 61- 62]. }</p><p>وتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه. </p><p>وتأمل وخذ العبرة عموماً من وضع هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على أحسن نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه، وكمال حكمته وكمال لطفه، فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه، فالسماء سقفه المرفوع عليه، والأرض مهاده بساط وفراش ومستقر للساكن، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمتنقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادن مخزونة فيه، كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والأمتعة والآلات، ومنها الحرس، وجعل الإنسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه، المتصرف بفعله وأمره ففي هذا أعظم دلالة وأقوى برهان على الخالق العليم الحكيم الخبير، الذي قدر خلقه أحسن تقدير، ونظمه أحسن تنظيم. </p><p>بل وتأمل وخذ العبرة على وجه الخصوص من خلق الله لك أيها الإنسان وتأمل في مبدأ خلقك ووسطه وآخره، فانظر بعين البصيرة، إلى أول خلقك من نطفة من ماء مهين مستقذر كيف استخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وتكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بُعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قراراً مكيناً لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه، ثم قلّب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعلها عظاماً مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيئتها وقدرها وملمسها ولونها، وهكذا تندرج أطوار خلق الإنسان إلى أن يخرج بهذه الصور التي صوره الله عليها فشقّ له السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤوسهما بالأصابع، ثم قسّم الأصابع بالأنامل، وركّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى القائل: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [ الذاريات: 21].</p><p>(فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته – تعالى – وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35280, member: 329"] فإذا عرف العبد ربه المعرفة الحقيقة المطلوبة السالمة من طرق أهل الزيغ في معرفة الله والتي تبنى على تحريف الأسماء والصفات أو تعطيلها أو تكييفها أو تشبيهها، فمن سلم من هذه المناهج الكلامية الباطلة، التي هي في الحقيقة أعظم ما يحول بين العبد وبين معرفة ربه وأعظم ما ينقص الإيمان ويضعفه، وعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تعرف بها إلى خلقه والتي وردت في الكتاب والسنة وفهمها على منهج السلف الصالح، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الخبر أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها كانت سبباً في دخوله الجنة. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة)) . (وليس المراد بالإحصاء عدّها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها) . فلا بد من فهم الأسماء والصفات ومعرفة ما تدل عليه من معاني حتى يتسنى الاستفادة التامة بها. قال أبو عمر الطلمنكي: (من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني) . وقد ذكر ابن القيم رحمه الله لإحصائها ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها. المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة . وقال ابن سعدي مبيناً معنى (أحصاها) الواردة في حديث أبي هريرة المتقدم: (أي: من حفظها وفهم معانيها واعتقدها وتعبّد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته، ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها) . فمن عرف الله هذه المعرفة كان من أقوى الناس إيماناً وأشدهم طاعةً وتعبد لله، وأعظمهم خوفاً ومراقبة له سبحانه. قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [ فاطر: 28]. قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: (يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه) . وقال ابن كثير: (أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر) . وقد جمع هذا المعنى أحد السلف في عبارة مختصرة، فقال: (من كان بالله أعرف كان له أخوف) . وقال ابن القيم رحمه الله: (وليست حاجة الأرواح قط إلى شيءٍ أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه..) . فمعرفة الله عز وجل تقوي جانب الخوف والمراقبة، وتعظم الرجاء في القلب، وتزيد في إيمان العبد، وتثمر أنواعاً كثيرة من العبادة، ولا سبيل إلى هذه المعرفة ولا طريق إليها إلا تدبر كتاب الله وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أنه إلههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويستدلوا بها على أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم وأنه العزيز الحكيم، وأنه الفعال لما يريد وأنه الذي وسع كل شيءٍ رحمة وعلماً وأن أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك، وهذه الثمرة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله . أما من خالف هذه الجادة، وتنكب هذا الصراط، وسلك طرق أهل الزيغ في معرفة الله، فما أبعده عن معرفة ربه وخالقه، بل إنه يكون أضعف الناس معرفة بالله، وأقلهم خوفاً وخشية منه. قال ابن القيم رحمه الله بعد أن بيّن أن تفاوت الناس في معرفة الله يرجع إلى تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها، قال: (وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف، لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم). ثم بيّن أن العوام أحسن حالاً من هؤلاء وأقوى معرفةً بربهم منهم فقال: (وإذا تأملت حال العامة – الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم – رأيتهم أتم بصيرة منهم، وأقوى إيماناً، وأعظم تسليماً للوحي، وانقياداً للحق) . وقد كان رحمه الله نبه قبل هذا على أهمية البصيرة في توحيد الأسماء والصفات وفقهها، وفهمها على نهج السلف الصالح، وعلى أهمية الحذر من شبه أهل الكلام الباطل المفسد لهذا التوحيد. ثم ذكر كلاماً نافعاً جامعاً مؤدياً إلى هذه البصيرة، فقال: (وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه، بصيراً بحركات العالم علوية وسفلية، وأشخاصه، وذواته، سميعاً لأصواتهم، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال، منزها عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصف به خلقه، حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهاً ومثلاً، وتعالت ذاته أن تشبه شيئاً من الذوات أصلاً، ووسعت الخليقة أفعاله عدلاً، وحكمة ورحمة وإحساناً وفضلاً، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدى عاطلاً، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرّف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرف لهم الآيات، ونوّع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومدّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه) . فمن كانت معرفته لله كذلك، وتفقه في هذه البصيرة، كان من أقوى الناس إيماناً، وأحسنهم إجلالاً وتعظيماً ومراقبة لله عز وجل، وأكثرهم طاعة وتقرباً إليه، والناس في ذلك متفاوتون فمقل ومستكثر. المسألة الثالث: تأمل سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فإن من أسباب زيادة الإيمان النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودراستها وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله الحميدة، فهو أمين الله على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره، وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون الجنة الطرق فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره بل ولا سبيل لأحد جاء بعده في نيل السعادة في الدنيا والآخرة إلا باتباعه وطاعته والسير على نهجه. قال ابن القيم رحمه الله: (ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله ألبتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام. وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقبل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) . ولهذا فإن من درس السنة وتأمل في نعوت وصفات النبي صلى الله عليه وسلم التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة وكتب السير، فقد استكثر لنفسه من الخير، وازداد حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، وأورثته هذه المحبة المتابعة له في القول والعمل، (وأصل الأصول العلم، وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول وأصحابه) . فمن تأمل مثلا قول الله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [ التوبة: 128]. {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم: 4]. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران: 159] الآية وغيرها من الآيات. وتأمل في السنة ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم في نعت النبي صلى الله عليه وسلم مثل: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله بها)) . وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((خدمته صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فوالله ما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلت كذا)) . وقال رضي الله عنه: ((كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس)) . وقال رضي الله عنه: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا)) . وحديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا)) . وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه)) . وغيرها مما يطول ذكره. فإن من تأمل ذلك انتفع به غاية الانتفاع، ثم إن هذا من أعظم ما يقوي المحبة في قلب المسلم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وزيادة المحبة له صلى الله عليه وسلم زيادة في الإيمان، تورث المتابعة والعمل الصالح، وهذا من أعظم أبواب وسبل الهداية. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله، أن للهداية أسباباً متعددة، وطرقاً متنوعة، وهذا من لطف الله بعباده، لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم، وذكر من هذه الأسباب تأمل حال وأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا سبب لهداية بعض الناس. قال رحمه الله: (ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله صلى الله عليه وسلم وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة، كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها له صلى الله عليه وسلم: ((أبشر فوالله لن يخزين الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)) . ) . وقال ابن سعدي رحمه الله: (ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة، والدين الحق، كما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [ المؤمنون: 69]. أي: فمعرفته صلى الله عليه وسلم توجب للعبد المبادرة للإيمان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به. وقال تعالى حاثاً لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [ سبأ: 46]. وأقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم: 1-4]. فهو صلى الله عليه وسلم أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة، وأفعاله الرشيدة، فهو الإمام الأعظم والقدوة الأكمل {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [ الأحزاب: 21] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ الحشر: 7]. وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} [ آل عمران: 193] وهو هذا الرسول الكريم {يُنَادِي لِلإِيمَانِ} بقوله وخلقه، وعمله ودينه، وجميع أحواله {فَآمَنَّا} أي: إيمانا لا يدخله ريب...) إلى أن قال: (ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق، بمجرد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم بمجرد ما يرى وجهه الكريم يعرف أنه ليس بوجه كذاب...) . المسألة الرابعة: تأمل محاسن الدين الإسلامي فإن الدين الإسلامي كله محاسن، عقائده أصح العقائد وأصدقها وأنفعها، وأخلاقه أحمد الأخلاق وأجملها، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها. وبهذا النظر الجليل، والتأمل الجميل في محاسن هذا الدين، يزين الله الإيمان في قلب العبد، ويحببه إليه كما امتن به على خيار خلقه بقوله {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [ الحجرات: 7] فيكون الإيمان في القلب أعظم المحبوبات، وأجمل الأشياء، وبهذا يذوق العبد حلاوة الإيمان، ويجدها في قلبه، فيتجمل الباطن بأصول الإيمان وحقائقه، وتتجمل الجوارح بأعمال الإيمان . قال ابن القيم رحمه الله: (وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم فوقها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهاناً وآيةً وشاهداً على أنها من عند الله) . ولهذا فإن تأمل محاسن هذا الدين، والنظر فيما جاء فيه من أوامر ونواه، وشرائع وأحكام، وأخلاق وآداب، لمن أعظم الدواعي والدوافع للدخول فيه لمن لم يؤمن، وللازدياد منه لمن آمن، بل إن من قوي تأمله لمحاسن هذا الدين، ورسخت قدمه في معرفته ومعرفة حسنه وكماله، وقبح ما خالفه، كان من أقوى الناس إيماناً وأحسنهم ثباتاً عليه، وتمسكاً به. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله: (والمقصود أن خواص الأمة، ولبابها، لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله، وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة القلوب، فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار ديناً غيره، لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار ديناً غيره، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله) . قلت: ويشهد لما قاله ابن القيم هنا، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)) . فهذا الذي ذاق حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته سويداء قلبه، وأضاء نوراً به، واطمأن بذلك أشد الاطمئنان، لا يكاد بعد ذلك يرجع إلى الكفر والضلال، واتباع الأهواء والظنون الكاذبة بل إنه يكون من أرسخ الناس إيماناً وأشدهم تمسكاً وثباتاً، وأقواهم تعلقاً بربه وخالقه، لأنه دخل الإسلام عن علم وقناعة ومعرفة، فعرف حسن الإسلام وبهاءه، وجودته ونقاءه، وتميزه عن غيره من الأديان، فرضيه ديناً لنفسه، وأنس به أشد الأنس، فكيف يبغي بعد ذلك غيره بدلاً، أو يطلب عنه مصرفاً، أو يروم عنه انتقالاً أو تحويلاً. ولهذا فإن من الفوائد الجليلة المستنبطة من هذا الحديث أنه يعد دليلاً من أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه. كما قال الوالد حفظه الله: (ومن فقه الحديث وما يستنبط منه... فذكر أموراً منها: أن في الحديث دليلاً على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره) . المسألةالخامسة: قراءة سيرة سلف هذه الأمة فإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان، أهل الصدر الأول من الإسلام، هم خير القرون، وحماة الإسلام، وهداة الأنام، وليوث الصدام، وأهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيماناً وأرسخهم علماً وأبرهم قلوباً وأزكاهم نفوساً، وخص منهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين خصهم الله برؤية نبيه صلى الله عليه وسلم ومتعهم بالنظر إلى طلعته، وأكرمهم بسماع صوته والأنس بحديثه، فأخذوا الدين منه غضاً طرياً، فاستحكمت به قلوبهم، واطمأنت به نفوسهم، وثبتوا عليه ثبوت الجبال. ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [ آل عمران: 110]. والمعنى: أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خير أمتي القرن الذين بعثت فيه ثم الذين يلونهم...)) . فمن تأمل حال هؤلاء الأخيار، وقرأ سيرهم، وعرف محاسنهم، وتأمل ما كانوا عليه من خلق عظيم، وتأس بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتعهد للإيمان، وخوف من الذنوب والمعاصي، وحذر من الرياء والنفاق، وإقبال على الطاعة، وتنافس في فعل الخير، وتبصر في حالهم وقوة إيمانهم، وشدة تعبدهم لله، وحرصهم على طاعته، وإعراضهم عن الدنيا الفانية، وإقبالهم على الآخرة الباقية، فإنه سيقف من خلال هذا التأمل والنظر على جمل من المكاسب وكثير من النعوت والخلال ما يدعوه إلى صدق التأسي بهم، ومحبة التحلي بنعوتهم، فذكرهم يذكر بالله، وتأمل أحوالهم يقوي الإيمان ويجلو الفؤاد، وما أحسن ما قيل: كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي وموضع التأمل والبحث في سير وأخبار هؤلاء الأخيار: كتب التاريخ، والسير والزهد، والرقائق، والورع، وغيرها، والاستفادة مما صح منها، فهذا التأمل والنظر يورث صاحبه حسن التشبه بهؤلاء، وكما يقول شيخ الإسلام: (ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل) ، ومن تشبه بقوم فهو منهم. فهذه الأمور المتقدمة جميعها تزيد في الإيمان وتقويه، وهي مندرجة تحت العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف هذه الأمة. ثم إن العلوم الأخرى غير العلم الشرعي كعلم الطب والهندسة وعلم الفلك والحساب وعلم النبات، وغيرها من العلوم التي توسع الناس فيها حديثا وأعطيت من العناية والاهتمام أكثر من حقها، حتى شغلت الكثير ممن اعتنى بها عن تعلم بدائيات الدين، والأمور المعلومة منه بالضرورة فهذه العلوم أيضاً لها أثر بالغ في زيادة إيمان من اشتغل بها واعتنى بتحصيلها، إن أخلص القصد، وأراد الحق، وتجرد من الهوى. وكم من رجل آمن وازداد إيمانه بسبب اشتغاله بالطب، ووقوفه على إعجاز الله ودقة صنعه في خلق الإنسان، وما ركبه فيه من عجائب الخلق ودقة الصنع ما يبهر العقول ويحير الألباب. قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [ التين: 4]. وقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [ غافر: 64]. وقال: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [ الذاريات: 21]. وكذلك الاشتغال بباقي العلوم الأخرى يزيد في إيمان الإنسان بحسب تفكره وتأمله وتحريه لنيل الحق، والأمر أولاً وأخيراً بيد الله سبحانه فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ثم إن هذه العلوم لا تؤدي إلى زيادة الإيمان، إلا إذا صحبها تفكر وتأمل في آيات الله الباهرة وحججه الظاهرة، فإن عدمت ذلك عدمت هذه الفائدة الجليلة والثمرة العظيمة ولم تنفع صاحبها هذا النفع العائد على إيمانه بالزيادة والقوة والثبات. وهذا يبين أهمية التفكر والتأمل في آيات الله ومخلوقاته، وهو السبب الثاني من أسباب زيادة الإيمان، وهو موضوع البحث التالي. المطلب الثاني: التأمل في آيات الله الكونية فإن التأمل فيها، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته. فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوا كالنار ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله، ثم تأمل استواءها واعتدالها، فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق، ولا أمت ولا عوج. ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان، وأشدها موافقة للبصر وتقوية له. وتأمل خلق الأرض وكيف أبدعت، تراها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشاً ومهاداً، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم، وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم، وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتاداً تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها، فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتاً للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتاً للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرا وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. ثم انظر إليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر، بهيج للناظرين كريم للمتناولين. ثم تأمل كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها. وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار والرياح، بل أتقن صنعها وأحكم وضعها، وأودعها من المنافع والمعادن والعيون ما أودعها. ثم تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض والطير محلّقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه، وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار. ثم تأمل كيف يُنشئ سبحانه بهذا الريح السحاب المسخر بين السماء والأرض فتثيره كسفا ثم يؤلف بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سمّاها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح. ثم تأمل البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها. وتأمل الليل والنهار وهما من أعجب آيات الله كيف جعل الليل سكناً ولباساً يغشي العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم النفوس وتستريح من كدّ السعي والتعب حتى إذا أخذت منها النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر. وتأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، وكيف كان الناس يسعون في معاشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور فـ {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا }وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا{ [ الفرقان: 61- 62]. } وتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه. وتأمل وخذ العبرة عموماً من وضع هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على أحسن نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه، وكمال حكمته وكمال لطفه، فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه، فالسماء سقفه المرفوع عليه، والأرض مهاده بساط وفراش ومستقر للساكن، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمتنقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادن مخزونة فيه، كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والأمتعة والآلات، ومنها الحرس، وجعل الإنسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه، المتصرف بفعله وأمره ففي هذا أعظم دلالة وأقوى برهان على الخالق العليم الحكيم الخبير، الذي قدر خلقه أحسن تقدير، ونظمه أحسن تنظيم. بل وتأمل وخذ العبرة على وجه الخصوص من خلق الله لك أيها الإنسان وتأمل في مبدأ خلقك ووسطه وآخره، فانظر بعين البصيرة، إلى أول خلقك من نطفة من ماء مهين مستقذر كيف استخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وتكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بُعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قراراً مكيناً لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه، ثم قلّب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعلها عظاماً مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيئتها وقدرها وملمسها ولونها، وهكذا تندرج أطوار خلق الإنسان إلى أن يخرج بهذه الصور التي صوره الله عليها فشقّ له السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤوسهما بالأصابع، ثم قسّم الأصابع بالأنامل، وركّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى القائل: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [ الذاريات: 21]. (فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته – تعالى – وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية