الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35290" data-attributes="member: 329"><p>- الشخص الذي قد يعذبه الله في النار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة؛ لكونه له سيئات عذب من أجلها، وحسنات فدخل بها الجنة، هل يطلق عليه اسم مؤمن؟</p><p>فيه تفصيل:</p><p>1- بالنظر إلى أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، فهو مؤمن، وكذلك دخوله في خطاب المؤمنين.</p><p>2- وبالنظر إلى حكمه في الآخرة، فيقال إن هذا النوع ليس من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه .</p><p>من خلال استعراض موضوع أحكام الدنيا وأحكام الثواب والعقاب في الآخرة، فإنه بات واضحاً أننا ونحن نتحدث عن أحكام عصاة الموحدين، سواء كانت معاصيهم تلك من المعاصي الاعتقادية البدعية أو العملية الفجورية.</p><p>لقد بات واضحاً ضرورة التفريق بين هذين النوعين من الأحكام حتى يكون الحكم عدلاً وصواباً، أي موافقاً للكتاب والسنة. وهذا من مميزات منهج أهل السنة؛ إذا التفصيل هو منهجهم غالباً في هذه المسائل الكبيرة من الدين.</p><p>فالفرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة هو الذي يتطابق مع حقيقة المنهج النبوي، الذي رأينا من خلال العرض السابق نماذج منه في التعامل مع الوقائع.</p><p>ومن ثمرات هذا المبحث التي عرضنا لها سابقاً، نتبين أهمية التفريق بين هذه الأحكام؛ إذ فيه من المحافظة على عصمة دم الموحدين من هذه الأمة وعدم التسرع في الحكم عليهم بالكفر، وذلك بالنظر في الوقائع بالدقة اللازمة التي تتطلبها خطورة الحكم بالكفر على شخص ما؛ لأن لذلك الحكم آثاراً تستتبعه، كسقوط عصمة الدم والمال والبراءة منه...</p><p>أما الذين خالفوا هذا المنهج وجعلوا أحكام الدنيا مستلزمة لأحكام الآخرة مطلقاً، فقد وقعوا في التخبط الشنيع، فاستحلوا دماء معصومة، وحكموا على أخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالكفر، وشهدوا عليهم بالنار في الآخرة.</p><p>ويأتي في مقدمة هؤلاء الغلاة طائفة الخوارج التي جعلت الفعل الظاهر دليلاً على القصد الباطن، وجعلت الإيمان حقيقة مركبة تزول بزوال أحد عناصرها، فكفروا بمطلق المعاصي. ثم تطاولوا على مقام الألوهية، فحكموا على الموحدين بالنيران، ومنعوا وقوع الشفاعة في عصاة أهل القبلة المعذبين، ومن ثم منعوا خروج من دخل النار من النار، وقالوا بالمكث الأبدي في النار حتى للموحدين. وهذه مخالفة صريحة للنصوص النبوية، بل هي تكذيب لها وإعراض عنها.</p><p>ولهذا سرعان ما يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهو جزاء وفاق على غلوهم وإعراضهم عن هدي الكتاب والسنة.</p><p>أما خيار الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فقد تمسكوا بالأمر الأول، وفروا من المحدثات، بل وحاربوها حتى حفظ لنا الدين على منهاج النبوة. فقد تعاملوا مع المنافقين – وهم من هم في الخصومة والعداء – على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اعتبار ظاهرهم، وترك سرائرهم إلى الله عز وجل. ولقد كانوا أغير الناس على دين الله، تدفعهم غيرتهم إلى تجاوز حدود النصوص في التعامل مع الأحداث حتى في أشد الظروف.</p><p>ولما كان يحدث منهم خروج عن هذا المنهج، فسرعان ما يندمون ويرجعون، كما فعل أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – عندما قتل ذلك المشرك بعد أن قال لا إله إلا الله، فعنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه تصوره أن ذاك المقتول إنما قال ذلك تعوذا وخوفاً من القتل، وقال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس)) .</p><p>والحاصل أن الوقائع من هذا النوع قليلة؛ وذلك لما كان للهدي النبوي من أثر في تربيتهم – رضوان الله عليهم أجمعين.</p><p>ولم يؤثر عن هؤلاء الأخيار أنهم طعنوا في نيات الأشخاص أو مقاصدهم؛ لعلمهم أنه لا سبيل لهم إلى ذلك، فتركوا عناء الحكم عليها.</p><p>فالتزام التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة عند الحديث في مسائل التكفير أو التبديع أو التفسيق، وكذا التفريق بين الفعل والفاعل وأحكام المعين وغير المعين هو منهج أهل السنة، وهو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح؛ لأن قوامه العدل الذي أمر الله به في كتابه، قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ}، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. </p><p>الفصل الثاني: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد</p><p>تمهيد:</p><p>من المعلوم أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهذا الذي عليه السلف. والزيادة إنما تحصل بالطاعة، والنقصان يحصل بالمعصية. والحديث هنا عن نقصان الإيمان وبيان أنه لا يعني انتفاءه بالكلية، وصاحبه إما أن يسمى فاسقاً أو عاصياً أو مؤمناً ناقص الإيمان، ولا يسلب عنه مطلق الإيمان وإن كان لا يوصف بالإيمان المطلق.</p><p>فامتناع السلف عن وصفه بالإيمان المطلق؛ لأن هذا الوصف هو مناط دخول الجنة والنجاة من النار. ثم إن الفاسق مستحق للوعيد؛ لما اقترفه من المعاصي، أو لما ترك من الواجبات، كما أنه مستحق للوعد بما معه من إيمان.</p><p>وخلاصة ما ذهب إليه السلف فيما يسمى (الفاسق الملي) أنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، هذا من حيث التسمية في أحكام الدنيا.</p><p>أما حكمه في الآخرة، فهو تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء أدخله النار، ثم أخرجه منها.</p><p>والذي يقطع به بالنسبة لحكمه في الدار الآخرة هو أنه إذا دخل النار، ولبث فيها ما شاء الله أن يلبث، فلابد أن يخرج منها بسبب من الأسباب ثم يدخل الجنة .</p><p>وقد خالف في هذه المسائل جميعاً كثير من الفرق وعلى رأسها الخوارج والمعتزلة في طرف، والمرجئة في طرف ثان.</p><p>وأصل مقالتهم في الإيمان أنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل إذا زاد، فإنه يزيد جميعه، وإذا زال بعضه، زال جميعه. وقالوا: لأن الإيمان حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها</p><p>المبحث الأول: أدلة أهل السنة على هذا الأصل</p><p>استدل أهل السنة على كون الشخص الواحد قد يجتمع فيه الإيمان وبعض شعب الكفر أو النفاق بأدلة من الكتاب والسنة، وبما هو واقع مشاهد لا يخفى على أحد. ومنها قول الله عز وجل: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 167]، فأثبت لهم إيماناً وكفراً، غير أنهم أقرب إلى الكفر.</p><p>قال ابن كثير – رحمه الله -: (استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان) .</p><p>وقال الشيخ السعدي – رحمه الله -: (في هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان. وقد يكون إحداهما أقرب من الأخرى) .</p><p>وقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106].</p><p>قال ابن القيم رحمه الله: (أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله، لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله. وإن كان معه تصديق لرسله، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم من الإيمان بالرسل واليوم الآخر، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر) .</p><p>ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)) .</p><p>فقوله ((ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)) تدل على اجتماع إيمان هذا الشخص مع شعبة من شعب النفاق دون أن يكون منافقاً خالصاً.</p><p>ومنها أحاديث الشفاعة، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان التي تدل على أنهم استحقوا النار بمعاصيهم – وهي من شعب الكفر – ثم استحقوا الجنة بإيمانهم.</p><p>ثم إن الواقع يؤكد على وجود مؤمنين اجتمع فيهم إيمان ونفاق، وطاعة وفجور، وسنة وبدعة، ولا ينكر هذا إلا مكابر.</p><p>قال الإمام ابن حزم – رحمه الله -: (هذا الذي أنكروه – أي أهل البدع لا نكرة فيه، بل هو أمر موجود مشاهد. فمن أحسن من وجه وأساء من وجه آخر، كمن صلى ثم زنى، فهو محسن محمود، ولي لله فيما أحسن فيه من صلاة، ومسيء مذموم عدو لله فيما أساء فيه من الزنا، قال الله عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102]. فبالضرورة ندري أن العمل الذي شهد الله عز وجل له أنه عمل صالح، فإنه عامله فيه محمود محسن مطيع لله. وأن العمل الذي شهد الله عز وجل أنه سيء، فإن عامله فيه مذموم مسيء عاص لله تعالى) . </p><p>المبحث الثاني: ضوابط أهل السنة في مسألة اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد</p><p>لما قعد أهل السنة هذا الأصل، فإنهم اعتمدوا في ذلك التفصيل دون الإطلاق، ووضعوا ضوابط وشروطاً لهذه المسألة حتى تنحصر الأنواع في إطار شرعي متين. ولا تتميع المسألة حتى يخوض فيها من يشاء كيفما شاء ومن هذه الضوابط:</p><p>1- الحديث عن الشعب وليس عن الأصل:</p><p>إذا قال أهل السنة إن الشخص قد يجتمع فيه إيمان وكفر، أو إيمان ونفاق، فليس مقصودهم أصل الكفر أو أصل النفاق، إنما المقصود شعبهما التي لا تضاد أصل الدين.</p><p>لهذا فصل ابن القيم – رحمه الله – معنى الشرك المذكور في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] أنه إن كان هذا الشرك يتضمن تكذيباً لرسل الله – عليهم السلام -، فإن الإيمان الذي معهم لا ينفعهم. أما إن كان متضمناً للتصديق برسل الله – عليهم السلام -، فإن الإيمان الذي معهم ينفعهم في عدم الخلود في النار دون دخولها .</p><p>كما أنه لما لم يفهم أحد مبتدعة العراق هذه المسألة، حاول أن يبرر ما عليه قومه من الشرك بعبادة غير الله من المقبورين والذبح لهم، حاول أن ينفي عنهم الشرك بهذا الأصل الذي أثر عن السلف، وهو أن اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد لا يلزم منه كفر هذا الشخص.</p><p>فرد عليه الشيخ ابن سحمان بقوله: (وأما قوله – أي العراقي – (والمسلم قد يجتمع فيه الكفر والإسلام والشرك والإيمان، ولا يكفر كفراً ينقله عن الملة). فأقول – أي الشيخ ابن سحمان -: نعم، هذا فيما دون الشرك، والكفر الذي يخرج عن الملة) . ثم سرد بعض الشعب الشركية والكفرية، وبين أنها هي التي قد تجتمع مع الإيمان في شخص واحد، ولا يخرج من الملة بذلك.</p><p>ومفهوم كلامه في الرد على العراقي أن ما كان شركاً أكبر، أو كفراً أكبر مما يخرج عن الملة لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان الذي ينجو به العبد من الكفر في الدنيا، وينجو به من الخلود في النار يوم القيامة، فإنهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان.</p><p>2- قيام شعبة من الكفر أو أكثر بالعبد لا يلزم منه كفره بالضرورة:</p><p>وذلك أن من ثبت له عقد الإسلام لا يحكم بكفره بمجرد صدور فعل كفري عنه حتى تثبت في حقه التكفير، كإثبات أن الفعل الكفري الذي صدر عنه يعتبر ناقضاً للإسلام بلا نزاع، كما أن هذا الحكم بالتكفير منوط بعدم وجود موانع في حق ذلك الشخص، سواء كانت جبلية أو مكتسبة.</p><p>أما ما لا يعتبر من الأعمال الكفرية ناقضاً للإسلام، فالأدلة تدل على إمكان اجتماعهما بالإيمان في الشخص الواحد دون أن يكون كافراً بذلك، وذلك ما كان من باب (كفر دون كفر).</p><p>قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (قد يكون في الناس من معه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر أو النفاق، ويسمى مسلماً كما نص عليه أحمد. وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق. وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بمؤمن : إنهم يقال لهم مسلمون لا مؤمنون. واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلماً ومعه كفر لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر) .</p><p>3- قيام شعبة من الإيمان أو أكثر بالعبد لا يلزم منه تسميته مؤمناً:</p><p>وهذا الضابط له صورتان:</p><p>الصورة الأولى: من لم يستوف جميع خصال الإيمان الواجب الذي بموجبه يكون من أهل الجنة ابتداء، فهذا لا يسمى مؤمناً وإن قامت به بعض شعب الإيمان دون بعضها الآخر. وذلك لما قد يعتريه من ضعف، فيعصي الله تعالى بفعل محرم أو بترك واجب، ولهذا قال الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].</p><p>وروى البخاري بسنده إلى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً وسعد جالس، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟، فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: ((أو مسلما)).. الحديث.</p><p>الصورة الثانية: وهي تنطبق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. فمن علم منه النفاق، لا يسمى مؤمناً ولا مسلماً وإن قام بظاهره كثير من الشعب الإيمانية كالشهادتين وأركان الإسلام الأخرى... الخ. </p><p>المبحث الثالث: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد وأثره في مسألة الولاء والبراء</p><p>إن الله عقد الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم. فكان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين أن كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات التي دلت عليها الشريعة بلا نزاع من أحد، فإن محبته وموالاته ونصرته واجبة.</p><p>وكل من كان بخلاف ذلك، وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، بل وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73].</p><p>قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الولاية ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد... فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معادياً له، كما قال تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]. فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، فلهذا قال: ((ومن عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة)) ) .</p><p>أما من لم يصف له اتباع أوامر الله تعالى بالطاعة التامة والانقياد الكامل، بل ترك بعض ما وجب عليه أو فعل بعض ما حرم عليه مع وجود الإيمان بالله والقيام ببعض ما أمر الله به، فإن هذا لا يكون وليا لله من كل وجه بما معه من إيمان وبعض العمل الصالح، كما لا يكون عدوا لله من كل وجه بسبب تقصيره في حق الله تعالى بترك الواجب وفعل المحرم.</p><p>والذي تقرر عند أهل السنة أن كل شخص اجتمع فيه إيمان وكفر، أو إيمان ونفاق، أو طاعة ومعصية، فإنه يكون قد اجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، فيكون محبوباً من وجه ومبغوضاً من وجه، والحكم العام يكون للغالب بحسب قربه من الكفر أو الإيمان أو بعده عنهما.</p><p>قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: (أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوباً ومبغوضاً له من وجهين أيضاً، بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب منه للآخر فيكون من أهله) .</p><p>وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) .</p><p>فالموالاة والمعاداة لا دخل لحظوظ النفس فيها كالقرابة والنسب والجاه، وإنما هذه الأعراض تابعة لأصل الولاء والبراء اللذين يجب أن يتمحضا لله. فالنظر إلى أعمال الناس ومدى قربهم من مرضاة الله أو بعدهم عنه هو المناط الذي ترتكز عليه الموالاة أو المعاداة.</p><p>أما درجات هذه الموالاة أو المعاداة، فتتحدد بما يترجح لدى الشخص من خير أو شر، فمن ترجح جانب الخير عنده، فهذا يوالى بدرجة أكبر من درجة معاداته والعكس.</p><p>ومما يعتبر كذلك في هذه المسألة جانب المصلحة والمفسدة من جهة تقدير الدعاة والمصلحين؛ حتى لا ينفر الناس من الدعوة والقائمين عليها.</p><p>قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف: (وأما من ظاهره الإسلام منهم، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة وفيهم شيء من أمور الجاهلية، ومن أنواع المعاصي – صغائر كانت أو كبائر -، فلا يعاملون معاملة المرتدين، بل يعاملون برفق ولين، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف. وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان، ويبغض ويعادى على ما معه من المعاصي. وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين؛ لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار) . </p><p>الفصل الثالث: أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه</p><p>إن الإيمان الصحيح كما جاءنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه السعادة العاجلة والآجلة.</p><p>وأنه يصلح الظاهر والباطن، والعقائد، والأخلاق، والآداب.</p><p>وأنه يدعو جميع العباد إلى ما فيه من كل خير وصلاح، ويهدي للتي هي أقوم.</p><p>فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ فلم أكثر الناس عن الدين والإيمان معرضون، وله محاربون، ومنه ساخرون؟</p><p>وهل كان الأمر بالعكس؛ لأن الناس لهم عقول وأذهان تختار الصالح على الطالح، والخير على الشر، والنافع على الضار؟</p><p>نعم كان من المفروض أن يكون الأمر كذلك! واعلم أن الله تعالى قد ذكر هذا الإيراد في كتابه العزيز، وأجاب عنه بذكر الأسباب الواقعة، وبالموانع العائقة، وبذكر الأجوبة عن هذا الإيراد فلا يهول العبد ما يراه عن إعراض أكثر البشر عنه، ولا يستغرب ذلك؛ فقد ذكر الله عز وجل من أسباب عدم الإيمان بالدين؛ موانع عديدة، واقعة من جمهور البشر، منها:</p><p>1- الجهل بالإيمان:</p><p>الجهل به، وعدم معرفته حقيقة، وعدم الوقوف على تعاليمه العالية، وإرشاداته السامية. والجهل بالعلوم النافعة؛ أكبر عائق، وأعظم مانع من الوصول إلى الحقائق الصحيحة، والأخلاق الحميدة، قال الله تبارك وتعالى:</p><p>{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس: 39].</p><p>وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111].</p><p>وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37].</p><p>{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]</p><p>والجهل إما أن يكون بسيطاً؛ كحال كثير من دهماء المكذبين للرسول الرادين لدعوته اتباعاً لرؤسائهم وساداتهم.</p><p>وهم الذين يقولون إذا مسهم العذاب:</p><p>{رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67].</p><p>وإما أن يكون الجهل مركبا؛ وهذا على نوعين:</p><p>أحدهما: أن يكون على دين قومه وآبائه، ومن هو ناشئ معهم فيأتيه الحق فلا ينظر فيه، وإن نظر فنظر قاصر جدا لرضاه بدينه الذي نشأ عليه وتعصبه لقومه، وهؤلاء جمهور المكذبين للرسل، الرادين لدعوتهم، الذين قال الله فيهم:</p><p>{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].</p><p>وهذا هو التقليد الأعمى؛ الذي يظن صاحبه أنه على حق، وهو على الباطل.</p><p>ويدخل في هذا النوع: أكثر الملحدين الماديين؛ فإن علومهم عند التحقيق تقليد لزعمائهم؛ إذا قالوا مقالة قبلوها كأنها وحي منزل، وإذا ابتكروا نظرية خاطئة سلكوا خلفهم في حال اتفاقهم وحال تناقضهم، وهؤلاء فتنة لكل مفتون لا بصيرة له.</p><p>النوع الثاني من الجهل المركب: حالة أئمة الكفر وزعماء الملحدين الذين مهروا في علوم الطبيعة والكون.</p><p>واستجهلوا غيرهم، وحصروا المعلومات في معارفهم الضئيلة الضيقة الدائرة، واستكبروا على الرسل وأتباعهم.</p><p>وزعموا أن العلوم محصورة فيما وصلت إليه الحواس الإنسانية، والتجارب البشرية، وما سوى ذلك أنكروه، وكذبوه مهما كان من الحق؛ فأنكروا رب العالمين، وكذبوا رسله، وكذبوا بما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب كلها.</p><p>وهؤلاء أحق الناس بالدخول تحت قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [غافر: 83].</p><p>ففرحهم بعلومهم – علوم الطبيعة – ومهارتهم فيها هو السبب الأقوى الذي أوجب لهم تمسكهم بما معهم من الباطل، وفرحهم بها يقتضي تفضيلهم لها، ومدحهم لها وتقديمها على ما جاءت به الرسل من الهدى والعلم؛ بل لم يكفهم هذه الحال؛ حتى وصلوا إلى الاستهزاء بعلوم الرسل واستهجانها، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون.</p><p>ولقد انخدع لهؤلاء الملحدين كثير من المشتغلين بالعلوم العصرية التي لم يصحبها دين صحيح، والعهدة في ذلك على المدارس التي لم تهتم بالتعاليم الدينية العاصمة من هذا الإلحاد.</p><p>فإن التلميذ إذا تخرج فيها ولم يمهر في العلوم الدينية، ولا تخلق بالأخلاق الشرعية، ورأى نفسه أنه يعرف ما لا يعرفه غيره؛ احتقر الدين وأهله، وسهل عليه الانقياد لهؤلاء الملحدين الماديين.</p><p>وهذا أكبر ضرر ضرب به الدين الإسلامي.</p><p>فالواجب قبل كل شيء على المسلمين نحو المدارس:</p><p>أن يكون اهتمامهم بتعليم العلوم الدينية قبل كل شيء.</p><p>أن يكون النجاح وعدمه متعلقا بها لا بغيرها؛ بل يجعل غيرها تبعاً.</p><p>وهذا من أفرض الفرائض على من يتولاها ويباشر تدبيرها؛ فليتق الله من له ولاية، أو كلام عليها، وليحتسب الأجر عند الله.</p><p>2- الحسد والبغي:</p><p>كحال اليهود الذين يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وحقيقة ما جاء به كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون؛ تقديماً للأغراض الدنيوية والمطالب السفلية على نعمة الإيمان.</p><p>وقد منع هذا الداء كثيراً من رؤساء قريش كما هو معروف من أخبارهم وسيرهم، وهذا الداء في حقيقة الأمر ناشئ عن داء آخر، وهو الكبر.</p><p>3- الكبر:</p><p>الذي هو أعظم الموانع من اتباع الحق، قال تعالى:</p><p>{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].</p><p>فالتكبر – الذي هو رد الحق واحتقار الخلق – منع خلقاً كثيراً من اتباع الحق والانقياد له بعد ما ظهرت آياته وبراهينه، قال تعالى:</p><p>{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].</p><p>4- الإعراض عن الحق والإيمان:</p><p>الإعراض عن الأدلة السمعية، والأدلة العقلية الصحيحة؛ من أهم موانع الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 36-37].</p><p>وقال: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10].</p><p>فلم يكن لأمثال هؤلاء الذين اعترفوا بعدم عقلهم وسمعهم النافع رغبة في علوم الرسل، والكتب المنزلة من الله، ولا عقول صحيحة يهتدون بها إلى الصواب، وإنما لهم آراء ونظريات خاطئة يظنونها عقليات، وهي جهالات ولهم اقتداء خلف زعماء الضلال منعهم من اتباع الحق؛ حتى وردوا نار جهنم، فبئس مثوى المتكبرين.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35290, member: 329"] - الشخص الذي قد يعذبه الله في النار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة؛ لكونه له سيئات عذب من أجلها، وحسنات فدخل بها الجنة، هل يطلق عليه اسم مؤمن؟ فيه تفصيل: 1- بالنظر إلى أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، فهو مؤمن، وكذلك دخوله في خطاب المؤمنين. 2- وبالنظر إلى حكمه في الآخرة، فيقال إن هذا النوع ليس من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه . من خلال استعراض موضوع أحكام الدنيا وأحكام الثواب والعقاب في الآخرة، فإنه بات واضحاً أننا ونحن نتحدث عن أحكام عصاة الموحدين، سواء كانت معاصيهم تلك من المعاصي الاعتقادية البدعية أو العملية الفجورية. لقد بات واضحاً ضرورة التفريق بين هذين النوعين من الأحكام حتى يكون الحكم عدلاً وصواباً، أي موافقاً للكتاب والسنة. وهذا من مميزات منهج أهل السنة؛ إذا التفصيل هو منهجهم غالباً في هذه المسائل الكبيرة من الدين. فالفرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة هو الذي يتطابق مع حقيقة المنهج النبوي، الذي رأينا من خلال العرض السابق نماذج منه في التعامل مع الوقائع. ومن ثمرات هذا المبحث التي عرضنا لها سابقاً، نتبين أهمية التفريق بين هذه الأحكام؛ إذ فيه من المحافظة على عصمة دم الموحدين من هذه الأمة وعدم التسرع في الحكم عليهم بالكفر، وذلك بالنظر في الوقائع بالدقة اللازمة التي تتطلبها خطورة الحكم بالكفر على شخص ما؛ لأن لذلك الحكم آثاراً تستتبعه، كسقوط عصمة الدم والمال والبراءة منه... أما الذين خالفوا هذا المنهج وجعلوا أحكام الدنيا مستلزمة لأحكام الآخرة مطلقاً، فقد وقعوا في التخبط الشنيع، فاستحلوا دماء معصومة، وحكموا على أخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالكفر، وشهدوا عليهم بالنار في الآخرة. ويأتي في مقدمة هؤلاء الغلاة طائفة الخوارج التي جعلت الفعل الظاهر دليلاً على القصد الباطن، وجعلت الإيمان حقيقة مركبة تزول بزوال أحد عناصرها، فكفروا بمطلق المعاصي. ثم تطاولوا على مقام الألوهية، فحكموا على الموحدين بالنيران، ومنعوا وقوع الشفاعة في عصاة أهل القبلة المعذبين، ومن ثم منعوا خروج من دخل النار من النار، وقالوا بالمكث الأبدي في النار حتى للموحدين. وهذه مخالفة صريحة للنصوص النبوية، بل هي تكذيب لها وإعراض عنها. ولهذا سرعان ما يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهو جزاء وفاق على غلوهم وإعراضهم عن هدي الكتاب والسنة. أما خيار الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فقد تمسكوا بالأمر الأول، وفروا من المحدثات، بل وحاربوها حتى حفظ لنا الدين على منهاج النبوة. فقد تعاملوا مع المنافقين – وهم من هم في الخصومة والعداء – على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اعتبار ظاهرهم، وترك سرائرهم إلى الله عز وجل. ولقد كانوا أغير الناس على دين الله، تدفعهم غيرتهم إلى تجاوز حدود النصوص في التعامل مع الأحداث حتى في أشد الظروف. ولما كان يحدث منهم خروج عن هذا المنهج، فسرعان ما يندمون ويرجعون، كما فعل أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – عندما قتل ذلك المشرك بعد أن قال لا إله إلا الله، فعنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه تصوره أن ذاك المقتول إنما قال ذلك تعوذا وخوفاً من القتل، وقال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس)) . والحاصل أن الوقائع من هذا النوع قليلة؛ وذلك لما كان للهدي النبوي من أثر في تربيتهم – رضوان الله عليهم أجمعين. ولم يؤثر عن هؤلاء الأخيار أنهم طعنوا في نيات الأشخاص أو مقاصدهم؛ لعلمهم أنه لا سبيل لهم إلى ذلك، فتركوا عناء الحكم عليها. فالتزام التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة عند الحديث في مسائل التكفير أو التبديع أو التفسيق، وكذا التفريق بين الفعل والفاعل وأحكام المعين وغير المعين هو منهج أهل السنة، وهو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح؛ لأن قوامه العدل الذي أمر الله به في كتابه، قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ}، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. الفصل الثاني: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد تمهيد: من المعلوم أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهذا الذي عليه السلف. والزيادة إنما تحصل بالطاعة، والنقصان يحصل بالمعصية. والحديث هنا عن نقصان الإيمان وبيان أنه لا يعني انتفاءه بالكلية، وصاحبه إما أن يسمى فاسقاً أو عاصياً أو مؤمناً ناقص الإيمان، ولا يسلب عنه مطلق الإيمان وإن كان لا يوصف بالإيمان المطلق. فامتناع السلف عن وصفه بالإيمان المطلق؛ لأن هذا الوصف هو مناط دخول الجنة والنجاة من النار. ثم إن الفاسق مستحق للوعيد؛ لما اقترفه من المعاصي، أو لما ترك من الواجبات، كما أنه مستحق للوعد بما معه من إيمان. وخلاصة ما ذهب إليه السلف فيما يسمى (الفاسق الملي) أنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، هذا من حيث التسمية في أحكام الدنيا. أما حكمه في الآخرة، فهو تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء أدخله النار، ثم أخرجه منها. والذي يقطع به بالنسبة لحكمه في الدار الآخرة هو أنه إذا دخل النار، ولبث فيها ما شاء الله أن يلبث، فلابد أن يخرج منها بسبب من الأسباب ثم يدخل الجنة . وقد خالف في هذه المسائل جميعاً كثير من الفرق وعلى رأسها الخوارج والمعتزلة في طرف، والمرجئة في طرف ثان. وأصل مقالتهم في الإيمان أنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل إذا زاد، فإنه يزيد جميعه، وإذا زال بعضه، زال جميعه. وقالوا: لأن الإيمان حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها المبحث الأول: أدلة أهل السنة على هذا الأصل استدل أهل السنة على كون الشخص الواحد قد يجتمع فيه الإيمان وبعض شعب الكفر أو النفاق بأدلة من الكتاب والسنة، وبما هو واقع مشاهد لا يخفى على أحد. ومنها قول الله عز وجل: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 167]، فأثبت لهم إيماناً وكفراً، غير أنهم أقرب إلى الكفر. قال ابن كثير – رحمه الله -: (استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان) . وقال الشيخ السعدي – رحمه الله -: (في هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان. وقد يكون إحداهما أقرب من الأخرى) . وقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106]. قال ابن القيم رحمه الله: (أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله، لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله. وإن كان معه تصديق لرسله، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم من الإيمان بالرسل واليوم الآخر، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر) . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)) . فقوله ((ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)) تدل على اجتماع إيمان هذا الشخص مع شعبة من شعب النفاق دون أن يكون منافقاً خالصاً. ومنها أحاديث الشفاعة، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان التي تدل على أنهم استحقوا النار بمعاصيهم – وهي من شعب الكفر – ثم استحقوا الجنة بإيمانهم. ثم إن الواقع يؤكد على وجود مؤمنين اجتمع فيهم إيمان ونفاق، وطاعة وفجور، وسنة وبدعة، ولا ينكر هذا إلا مكابر. قال الإمام ابن حزم – رحمه الله -: (هذا الذي أنكروه – أي أهل البدع لا نكرة فيه، بل هو أمر موجود مشاهد. فمن أحسن من وجه وأساء من وجه آخر، كمن صلى ثم زنى، فهو محسن محمود، ولي لله فيما أحسن فيه من صلاة، ومسيء مذموم عدو لله فيما أساء فيه من الزنا، قال الله عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102]. فبالضرورة ندري أن العمل الذي شهد الله عز وجل له أنه عمل صالح، فإنه عامله فيه محمود محسن مطيع لله. وأن العمل الذي شهد الله عز وجل أنه سيء، فإن عامله فيه مذموم مسيء عاص لله تعالى) . المبحث الثاني: ضوابط أهل السنة في مسألة اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد لما قعد أهل السنة هذا الأصل، فإنهم اعتمدوا في ذلك التفصيل دون الإطلاق، ووضعوا ضوابط وشروطاً لهذه المسألة حتى تنحصر الأنواع في إطار شرعي متين. ولا تتميع المسألة حتى يخوض فيها من يشاء كيفما شاء ومن هذه الضوابط: 1- الحديث عن الشعب وليس عن الأصل: إذا قال أهل السنة إن الشخص قد يجتمع فيه إيمان وكفر، أو إيمان ونفاق، فليس مقصودهم أصل الكفر أو أصل النفاق، إنما المقصود شعبهما التي لا تضاد أصل الدين. لهذا فصل ابن القيم – رحمه الله – معنى الشرك المذكور في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] أنه إن كان هذا الشرك يتضمن تكذيباً لرسل الله – عليهم السلام -، فإن الإيمان الذي معهم لا ينفعهم. أما إن كان متضمناً للتصديق برسل الله – عليهم السلام -، فإن الإيمان الذي معهم ينفعهم في عدم الخلود في النار دون دخولها . كما أنه لما لم يفهم أحد مبتدعة العراق هذه المسألة، حاول أن يبرر ما عليه قومه من الشرك بعبادة غير الله من المقبورين والذبح لهم، حاول أن ينفي عنهم الشرك بهذا الأصل الذي أثر عن السلف، وهو أن اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد لا يلزم منه كفر هذا الشخص. فرد عليه الشيخ ابن سحمان بقوله: (وأما قوله – أي العراقي – (والمسلم قد يجتمع فيه الكفر والإسلام والشرك والإيمان، ولا يكفر كفراً ينقله عن الملة). فأقول – أي الشيخ ابن سحمان -: نعم، هذا فيما دون الشرك، والكفر الذي يخرج عن الملة) . ثم سرد بعض الشعب الشركية والكفرية، وبين أنها هي التي قد تجتمع مع الإيمان في شخص واحد، ولا يخرج من الملة بذلك. ومفهوم كلامه في الرد على العراقي أن ما كان شركاً أكبر، أو كفراً أكبر مما يخرج عن الملة لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان الذي ينجو به العبد من الكفر في الدنيا، وينجو به من الخلود في النار يوم القيامة، فإنهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان. 2- قيام شعبة من الكفر أو أكثر بالعبد لا يلزم منه كفره بالضرورة: وذلك أن من ثبت له عقد الإسلام لا يحكم بكفره بمجرد صدور فعل كفري عنه حتى تثبت في حقه التكفير، كإثبات أن الفعل الكفري الذي صدر عنه يعتبر ناقضاً للإسلام بلا نزاع، كما أن هذا الحكم بالتكفير منوط بعدم وجود موانع في حق ذلك الشخص، سواء كانت جبلية أو مكتسبة. أما ما لا يعتبر من الأعمال الكفرية ناقضاً للإسلام، فالأدلة تدل على إمكان اجتماعهما بالإيمان في الشخص الواحد دون أن يكون كافراً بذلك، وذلك ما كان من باب (كفر دون كفر). قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (قد يكون في الناس من معه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر أو النفاق، ويسمى مسلماً كما نص عليه أحمد. وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق. وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بمؤمن : إنهم يقال لهم مسلمون لا مؤمنون. واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلماً ومعه كفر لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر) . 3- قيام شعبة من الإيمان أو أكثر بالعبد لا يلزم منه تسميته مؤمناً: وهذا الضابط له صورتان: الصورة الأولى: من لم يستوف جميع خصال الإيمان الواجب الذي بموجبه يكون من أهل الجنة ابتداء، فهذا لا يسمى مؤمناً وإن قامت به بعض شعب الإيمان دون بعضها الآخر. وذلك لما قد يعتريه من ضعف، فيعصي الله تعالى بفعل محرم أو بترك واجب، ولهذا قال الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]. وروى البخاري بسنده إلى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً وسعد جالس، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟، فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: ((أو مسلما)).. الحديث. الصورة الثانية: وهي تنطبق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. فمن علم منه النفاق، لا يسمى مؤمناً ولا مسلماً وإن قام بظاهره كثير من الشعب الإيمانية كالشهادتين وأركان الإسلام الأخرى... الخ. المبحث الثالث: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد وأثره في مسألة الولاء والبراء إن الله عقد الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم. فكان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين أن كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات التي دلت عليها الشريعة بلا نزاع من أحد، فإن محبته وموالاته ونصرته واجبة. وكل من كان بخلاف ذلك، وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، بل وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الولاية ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد... فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معادياً له، كما قال تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]. فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، فلهذا قال: ((ومن عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة)) ) . أما من لم يصف له اتباع أوامر الله تعالى بالطاعة التامة والانقياد الكامل، بل ترك بعض ما وجب عليه أو فعل بعض ما حرم عليه مع وجود الإيمان بالله والقيام ببعض ما أمر الله به، فإن هذا لا يكون وليا لله من كل وجه بما معه من إيمان وبعض العمل الصالح، كما لا يكون عدوا لله من كل وجه بسبب تقصيره في حق الله تعالى بترك الواجب وفعل المحرم. والذي تقرر عند أهل السنة أن كل شخص اجتمع فيه إيمان وكفر، أو إيمان ونفاق، أو طاعة ومعصية، فإنه يكون قد اجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، فيكون محبوباً من وجه ومبغوضاً من وجه، والحكم العام يكون للغالب بحسب قربه من الكفر أو الإيمان أو بعده عنهما. قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: (أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوباً ومبغوضاً له من وجهين أيضاً، بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب منه للآخر فيكون من أهله) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) . فالموالاة والمعاداة لا دخل لحظوظ النفس فيها كالقرابة والنسب والجاه، وإنما هذه الأعراض تابعة لأصل الولاء والبراء اللذين يجب أن يتمحضا لله. فالنظر إلى أعمال الناس ومدى قربهم من مرضاة الله أو بعدهم عنه هو المناط الذي ترتكز عليه الموالاة أو المعاداة. أما درجات هذه الموالاة أو المعاداة، فتتحدد بما يترجح لدى الشخص من خير أو شر، فمن ترجح جانب الخير عنده، فهذا يوالى بدرجة أكبر من درجة معاداته والعكس. ومما يعتبر كذلك في هذه المسألة جانب المصلحة والمفسدة من جهة تقدير الدعاة والمصلحين؛ حتى لا ينفر الناس من الدعوة والقائمين عليها. قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف: (وأما من ظاهره الإسلام منهم، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة وفيهم شيء من أمور الجاهلية، ومن أنواع المعاصي – صغائر كانت أو كبائر -، فلا يعاملون معاملة المرتدين، بل يعاملون برفق ولين، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف. وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان، ويبغض ويعادى على ما معه من المعاصي. وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين؛ لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار) . الفصل الثالث: أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه إن الإيمان الصحيح كما جاءنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه السعادة العاجلة والآجلة. وأنه يصلح الظاهر والباطن، والعقائد، والأخلاق، والآداب. وأنه يدعو جميع العباد إلى ما فيه من كل خير وصلاح، ويهدي للتي هي أقوم. فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ فلم أكثر الناس عن الدين والإيمان معرضون، وله محاربون، ومنه ساخرون؟ وهل كان الأمر بالعكس؛ لأن الناس لهم عقول وأذهان تختار الصالح على الطالح، والخير على الشر، والنافع على الضار؟ نعم كان من المفروض أن يكون الأمر كذلك! واعلم أن الله تعالى قد ذكر هذا الإيراد في كتابه العزيز، وأجاب عنه بذكر الأسباب الواقعة، وبالموانع العائقة، وبذكر الأجوبة عن هذا الإيراد فلا يهول العبد ما يراه عن إعراض أكثر البشر عنه، ولا يستغرب ذلك؛ فقد ذكر الله عز وجل من أسباب عدم الإيمان بالدين؛ موانع عديدة، واقعة من جمهور البشر، منها: 1- الجهل بالإيمان: الجهل به، وعدم معرفته حقيقة، وعدم الوقوف على تعاليمه العالية، وإرشاداته السامية. والجهل بالعلوم النافعة؛ أكبر عائق، وأعظم مانع من الوصول إلى الحقائق الصحيحة، والأخلاق الحميدة، قال الله تبارك وتعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس: 39]. وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111]. وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37]. {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] والجهل إما أن يكون بسيطاً؛ كحال كثير من دهماء المكذبين للرسول الرادين لدعوته اتباعاً لرؤسائهم وساداتهم. وهم الذين يقولون إذا مسهم العذاب: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67]. وإما أن يكون الجهل مركبا؛ وهذا على نوعين: أحدهما: أن يكون على دين قومه وآبائه، ومن هو ناشئ معهم فيأتيه الحق فلا ينظر فيه، وإن نظر فنظر قاصر جدا لرضاه بدينه الذي نشأ عليه وتعصبه لقومه، وهؤلاء جمهور المكذبين للرسل، الرادين لدعوتهم، الذين قال الله فيهم: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]. وهذا هو التقليد الأعمى؛ الذي يظن صاحبه أنه على حق، وهو على الباطل. ويدخل في هذا النوع: أكثر الملحدين الماديين؛ فإن علومهم عند التحقيق تقليد لزعمائهم؛ إذا قالوا مقالة قبلوها كأنها وحي منزل، وإذا ابتكروا نظرية خاطئة سلكوا خلفهم في حال اتفاقهم وحال تناقضهم، وهؤلاء فتنة لكل مفتون لا بصيرة له. النوع الثاني من الجهل المركب: حالة أئمة الكفر وزعماء الملحدين الذين مهروا في علوم الطبيعة والكون. واستجهلوا غيرهم، وحصروا المعلومات في معارفهم الضئيلة الضيقة الدائرة، واستكبروا على الرسل وأتباعهم. وزعموا أن العلوم محصورة فيما وصلت إليه الحواس الإنسانية، والتجارب البشرية، وما سوى ذلك أنكروه، وكذبوه مهما كان من الحق؛ فأنكروا رب العالمين، وكذبوا رسله، وكذبوا بما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب كلها. وهؤلاء أحق الناس بالدخول تحت قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [غافر: 83]. ففرحهم بعلومهم – علوم الطبيعة – ومهارتهم فيها هو السبب الأقوى الذي أوجب لهم تمسكهم بما معهم من الباطل، وفرحهم بها يقتضي تفضيلهم لها، ومدحهم لها وتقديمها على ما جاءت به الرسل من الهدى والعلم؛ بل لم يكفهم هذه الحال؛ حتى وصلوا إلى الاستهزاء بعلوم الرسل واستهجانها، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون. ولقد انخدع لهؤلاء الملحدين كثير من المشتغلين بالعلوم العصرية التي لم يصحبها دين صحيح، والعهدة في ذلك على المدارس التي لم تهتم بالتعاليم الدينية العاصمة من هذا الإلحاد. فإن التلميذ إذا تخرج فيها ولم يمهر في العلوم الدينية، ولا تخلق بالأخلاق الشرعية، ورأى نفسه أنه يعرف ما لا يعرفه غيره؛ احتقر الدين وأهله، وسهل عليه الانقياد لهؤلاء الملحدين الماديين. وهذا أكبر ضرر ضرب به الدين الإسلامي. فالواجب قبل كل شيء على المسلمين نحو المدارس: أن يكون اهتمامهم بتعليم العلوم الدينية قبل كل شيء. أن يكون النجاح وعدمه متعلقا بها لا بغيرها؛ بل يجعل غيرها تبعاً. وهذا من أفرض الفرائض على من يتولاها ويباشر تدبيرها؛ فليتق الله من له ولاية، أو كلام عليها، وليحتسب الأجر عند الله. 2- الحسد والبغي: كحال اليهود الذين يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وحقيقة ما جاء به كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون؛ تقديماً للأغراض الدنيوية والمطالب السفلية على نعمة الإيمان. وقد منع هذا الداء كثيراً من رؤساء قريش كما هو معروف من أخبارهم وسيرهم، وهذا الداء في حقيقة الأمر ناشئ عن داء آخر، وهو الكبر. 3- الكبر: الذي هو أعظم الموانع من اتباع الحق، قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146]. فالتكبر – الذي هو رد الحق واحتقار الخلق – منع خلقاً كثيراً من اتباع الحق والانقياد له بعد ما ظهرت آياته وبراهينه، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]. 4- الإعراض عن الحق والإيمان: الإعراض عن الأدلة السمعية، والأدلة العقلية الصحيحة؛ من أهم موانع الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 36-37]. وقال: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]. فلم يكن لأمثال هؤلاء الذين اعترفوا بعدم عقلهم وسمعهم النافع رغبة في علوم الرسل، والكتب المنزلة من الله، ولا عقول صحيحة يهتدون بها إلى الصواب، وإنما لهم آراء ونظريات خاطئة يظنونها عقليات، وهي جهالات ولهم اقتداء خلف زعماء الضلال منعهم من اتباع الحق؛ حتى وردوا نار جهنم، فبئس مثوى المتكبرين. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية