الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35299" data-attributes="member: 329"><p>فهذا الحديث كثيراً ما يستدل به شيخ الإسلام في مسائل العذر بالجهل والخطأ، والتأويل.</p><p>فهذا الرجل وقع في الخطأ – فتكلم بالكفر من غير قصد – بسبب جهله – فعذره الله سبحانه لعدم قيام الحجة عليه، أما الاستدلال به على مسألة العذر بالتأويل فمن باب أولى، لأن المتأول في حقيقته مجتهد مخطئ، فإذا لم يكفر المخطئ من غير اجتهاد- كما في هذه القصة – فعدم كفر من اجتهد في طلب الحق فأخطأ من باب أولى، وفي هذا المعنى يقول ابن الوزير – رحمه الله -: (.. قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم) ثم ذكر بعض أدلة الإعذار بالخطأ ومنها قصة الرجل من بني إسرائيل، ثم علق عليها قائلاً (وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب.. وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) ، فذكر أنه أخطأ بسبب الجهل فعذر، ثم استدل به على الخطأ بسبب التأويل والله أعلم..</p><p>5- ونختم هذه الأدلة بحديث خاص بإعذار المجتهد المخطئ في الأحكام، وهو قوله – صلى الله عليه وسلم-: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) قال الحافظ الخطيب البغدادي – رحمه الله -: (فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يجعل للمخطئ أجراً على خطئه، و إنما جعل له أجراً على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، و أما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته) ، واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على تخطئة بعض المجتهدين ممن لم يصب الحق و أن الحق مع أحدهم أو بعضهم، وفيه رد على من قال: كل مجتهد مصيب، يقول الإمام ابن قدامة – رحمه الله-: (والحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين أو أصوله) ، ثم ذكر الأدلة على ذلك ومنها هذا الحديث، وقال الإمام الزركشي: (واختلف العلماء في حكم أقوال المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ ذهب الشافعي و أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء رحمهم الله إلى أن الحق في أحدهما، و إن لم يتعين لنا فهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالاً حراماً، و لأن الصحابة تناظروا في المسائل و احتج كل واحد على قوله: وخطأ بعضهم بعضاً، وهذا يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق، ثم اختلفوا، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد و إن لم يتعين، و إن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد وبه قال مالك وغيره..) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – (فإذا أريد بالخطأ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ بل كل مجتهد مصيب مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، و إذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد، وله أجران..) ، ونختم الكلام حول هذا الحديث بالإشارة إلى أن من أخطأ فحكم أو أفتى بغير علم واجتهاد فهو آثم عاص ، يقول شيخ الإسلام – رحمه الله – (.. فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن و الإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه…..) ، لكنه لا يكفر إن فرط في الاجتهاد فوقع في الكفر خطأ، لأن الكفر يكون بعد قيام الحجة، يقول شيخ الإسلام: (.. وأما (التكفير) فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته..) ، ويقول – أيضاً -: (وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، و إن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة و إزالة الشبهة) ، وخلاصة هذا المبحث ما يلي:</p><p>قد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في إعذار المخطئ، و أن حكمه حكم الجاهل والمتأول – فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه -، و أنه إن كان مجتهداً فيما يسوغ فيه الاجتهاد – فله أجر باجتهاده – ولو أخطأ – أما إن لم يكن مجتهداً وأخطأ فيأثم لتفريطه.</p><p>لكن هل يفرق في ذلك بين العقائد و الأحكام؟</p><p>ب- هل يفرق بين العقائد و الأحكام؟</p><p>... هذا التقسيم لا دليل عليه ولا يعرف عن السلف، والمفرقون لم يذكروا حدا منضبطاً يمكن به التفريق بين الأصول والفروع، والعذر بالخطأ من جنس العذر بالجهل، لذلك بين أئمة السلف أنه لا يأثم المجتهد المخطئ لا في الأصول ولا في الفروع، والخلاف في هذه المسألة بين أئمة السلف ومخالفيهم من المتكلمين ومن تأثر بهم، فرع عن الخلاف في أصل عام شامل، وهو: هل يمكن لكل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع، وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق، بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر، ولم يكن هو الحق في نفس الأمر: هل يستحق أن يعاقب أم لا؟ وهل يفرق في ذلك بين الأصول والفروع أو بين المسائل العلمية والعملية ؟</p><p>نقل شيخ الإسلام الأقوال في هذه المسألة، ثم بين أن قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري وداود بن علي وغيرهم أنهم (لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلى خلفه. وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره، قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلاً، فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين، بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة..) ثم ذكر هذه الفروق ورد عليها، وفي مواضع أخرى، ذكر بعض الأمثلة عن السلف فقال: (... وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل ، واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض، أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12], ويقول: إن الله لا يعجب… فكان يقول {بل عجبت} فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروفاً من القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ} [ الرعد:31] وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر قراءة قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِياهُ} [ الإسراء:23] .</p><p>وقال: إنما هي: ووصى ربك وبعضهم كان حذف المعوذتين، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، و إن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر..) .</p><p>إذاً العذر بالخطأ يعم المسائل العلمية والعملية، وليس في النصوص ما يدل على التفريق، لكن قد يقول قائل: إذا قلنا: إن المجتهد المخطئ في مسائل العقيدة يرفع عنه الإثم، فهل نقول أيضاً: إن المجتهد المخطئ يؤجر أجراً واحداً، كالمجتهد في أمور الأحكام والعمل؟ فيجاب عن ذلك، بأن النصوص الواردة، فيها رفع الإثم عن المجتهد المخطئ، وليس فيها ما يدل على أن كل مجتهد مخطئ يكون مأجوراً باستثناء قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب..)) الحديث ، وهذا كما هو واضح من سياقه خاص بالحاكم أي القاضي، ومثله المفتي، وقد أشار شيخ الإسلام إلى شيء من هذا المعنى حيث قال: (.. وكذلك كل من عبد عبادة نهى عنها ولم يعلم بالنهي – لكن هي من جنس المأمور به – مثل من صلى في أوقات النهي، وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي، أو تمسك بدليل خاص مرجوح، مثل صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- صلاهما … بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك، فإن هذا لا ثواب فيه، و إن كان لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة كما قال تعالى: {وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]. فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسالة، و أما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور بها، فكل عبادة غير مأمور بها فلابد أن ينهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب، و إن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه لم يعلم لم يستحق العقاب، و إن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها، وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به…) .</p><p>فشيخ الإسلام – فيما يبدو – استند في كلامه هذا إلى القاعدة المعروفة في أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً أريد به وجه الله، صواباً بما شرع الله، فلما لم يشرع جنسه غالباً يكون في أمور العقيدة كصور الشرك ونحوها من البدع الحقيقية التي يكثر وجودها لدى الفرق المشهورة، أما الاجتهاد الخاطئ فيما شرع جنسه فغالباً يكون في مسائل الاجتهاد من أمور التعبد ونحوها. </p><p>المبحث الثالث: التأويل</p><p>المطلب الأول: تعريف التأويل لغة واصطلاحا</p><p>في اللغة</p><p>مادة (أول) في كل استعمالاتها اللغوية تفيد معنى الرجوع، والعود، جاء في اللسان: (الأول: الرجوع: آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً: رجع، وأول إليه الشيء: رجعه، وآلت عن الشيء: ارتددت …والإيل والأيل: من الوحش، وقيل هو الوعل، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه …وقال أبو عبيد في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [ آل عمران:7] قال: التأويل المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، وأولته: صيرته إليه …) وفي تهذيب اللغة: (وأما التأويل فهو تفعيل من أول يؤول تأويلاً وثلاثيه آل يؤول: أي رجع وعاد) وقال ابن فارس: (أول الحكم إلى أهله: أي أرجعه ورده إليهم... وآل الجسم إذا نحف، أي رجع إلى تلك الحالة، ومن هذا الباب تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه، وذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:53]، ويقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم...) .</p><p>إذا التأويل هو ما أول إليه أو يؤول إليه، أو تأول إليه، والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به ، وهذا هو المعنى الوارد في الكتاب والسنة.</p><p>ب- أما معنى التأويل في اصطلاح العلماء، فله ثلاثة معان:</p><p>الأول: (أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:53] ومنه قول عائشة – رضي الله عنها -: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)) .</p><p>الثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ولهذا قال مجاهد – إمام أهل التفسير -: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه، وهذا مما يعلمه الراسخون.</p><p>الثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمي هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب...) ، وهذا التأويل الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها.</p><p>وهو من أعظم أصول الضلال والانحراف حيث صار ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والمتصوفة في تأويل التكاليف الشرعية على غير مقصودها أو إسقاطها أو تأويل جميع الأسماء والصفات.</p><p>وأهل التأويل المذموم (مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صائبة فلاسفة عامة الأخبار عن الله واليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي آيات القدر ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضاً مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه …) . </p><p>المطلب الثاني: العذر بالتأويل</p><p>والمقصود بالتأول ها هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الأدلة الشرعية، دون تعمد للمخالفة، بل قد يعتقد أنه على حق .</p><p>يقول ابن حجر في تعريف للتأويل السائغ: (قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب، وكان له وجه في العلم) .</p><p>والتأويل السائغ والإعذار به له اعتبار في مسألة التكفير، بل في الوعيد عموماً ولذا يقول ابن تيمية: (إن الأحاديث المتضمنه للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها، باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد له متوقف على شروط، وله موانع. </p><p>وهذه القاعدة تظهر بأمثلة، منها أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه)) . وصح عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يداً بيد: ((أوه عين الربا)) كما قال: ((البر بالبر ربا، إلا هاء وهاء.)) الحديث، وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة في الحديث.</p><p>ثم إن الذين بلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الربا في النسيئة)) . فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يداً بيد، مثل ابن عباس رضي الله عنه، وأصحابه... الذين هم من صفوة الأمة علماً وعملاً، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحداً منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلاً سائغاً في الجملة) .</p><p>ويقول أيضاً: (وعمل السلف وجمهور الفقهاء بأن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود، ولا دية، ولا كفارة، وإن كان قتلهم وقتلهم محرما) .</p><p>ويقول ابن تيمية - في موضع ثالث -: </p><p>(والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً) .</p><p>ويقرر ابن حزم العذر بمثل هذا التأويل قائلاً: -</p><p>(ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو ردّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة). .</p><p>كما يقرر ذلك ابن الوزير حيث يقول: (قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106]، ويؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعاً، أو ظناً، أو تجويزاً، أو احتمالاً) .</p><p>ويعلق الشوكاني على عبارة صاحب كتاب (الأزهار) : (والمرتد بأي وجه.. كفر " فيقول: أراد المصنف إدخال كفار التأويل اصطلاحاً في مسمى الردة، وهذه زلة قدم يقال عندها لليدين وللفم، وعثرة لا تقال، وهفوة لا تغتفر، ولو صح هذا لكان غالب من على ظهر البسيطة من المسلمين مرتدين) .</p><p>ويقول الشيخ عبدالرحمن السعدي: </p><p>(إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقاً والتزموا ذلك، لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك) .</p><p>2- إذا ظهر أن التأويل عذر في مسألة التكفير، فإن هذا لا يعني أن كل من ادعى التأويل فهو معذور بإطلاق، بل يشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته؛ لأن هذا الأصل (الشهادتين) لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء على كفر الباطنية مثلاً وأنهم لا يعذرون بالتأويل؛ لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وعدم عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الاسلام .</p><p>ومن ثم فليس كل التأويل يعتبرا سائغاً أو عذراً مقبولاً، فهناك من التأويل ما يعتبر سائغاً، ومنه ما ليس كذلك، فلابد من مراعاة ذلك، وعدم الخلط بينهما. </p><p>يقول قوام السنة إسماعيل الأصفهاني: - </p><p>(المتأول إذا أخطأ وكان من أهل عقد الإيمان، نظر في تأويله، فإن كان قد تعلق بأمر يفضي به إلى خلاف بعض كتاب الله أو سنة يقطع بها العذر، أو إجماع فإنه يكفر ولا يعذر؛ لأن الشبهة التي يتعلق بها من هذا ضعيفة لا يقوى قوة يعذر بها؛ لأن ما شهد له أصل من هذه الأصول، فإنه في غاية الوضوح والبيان، فلما كان صاحب هذه المقالة لا يصعب عليه درك الحق، ولا يغمض عنده بعض موضع الحجة لم يعذر في الذهاب عن الحق، بل عمل خلافه في ذلك على أنه عناد وإصرار، ومن تعمد خلاف أصل من هذه الأصول، وكان جاهلاً لم يقصد إليه من طريق العناد فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد اختيار الكفر، ولا رضي به، وقد بلغ جهده، فلم يقع له غيره ذلك، وقد أعلم الله سبحانه أنه لا يؤاخذ إلا بعد البيان، ولا يعاقب إلا بعد الإنذار فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ما يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]. فكل من هداه الله عز وجل، ودخل في عقد الإسلام، فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان) .</p><p>ويقول ابن حزم: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنوة أحد من الناس، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعذرون بتأويل أصلاً، بل هم كفار مشركون على كل حال) .</p><p>ويذكر أبو حامد الغزالي التأويل الغير سائغ ومثاله فيقول: (ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصاً متواتراً، ويزعم أنه مؤول، مثاله:ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطى العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحداً في نفسه، وموجوداً، وعالماً على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح؛ لأن حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلاً... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات) .</p><p>كما يورد ابن الوزير أمثلة للتأويل المردود، مما لا يمكن أن يكون عذراً لمن تلبس به فيقول: (لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار) .</p><p>ويقول السعدي موضحاً تباين أهل البدع ممن تلبس بتأويل وشبهة: (هؤلاء المبتدعة المخالفون لما ثبتت به النصوص الصريحة والصحيحة، أنهم في هذا الباب أنواع، من كان منهم عارفاً بأن بدعته مخالفة للكتاب والسنة فتبعها ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، وشاق الله ورسوله من بعد ما تبين له الحق، فهذا لا شك في تكفيره، ومن كان منهم راضياً ببدعته معرضاً عن طلب الأدلة الشرعية، وطلب ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحق والباطل ناصراً لها، راداً ما جاء به الكتاب والسنة مع جهله وضلاله، واعتقاده أنه على الحق، فهذا ظالم فاسق بحسب تركه ما أوجب الله عليه، وتجرئه على ما حرم الله تعالى ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق واجتهد في ذلك، ولم يتيسر له من يبين له ذلك فأقام على ما هو عليه، ظاناً أنه صواب من القول، غير متجرئ على أهل الحق بقوله، ولا فعله، فهذا ربما كان مغفوراً له خطؤه والله أعلم) .</p><p>ثم يكشف السعدي الفرق بين أهل التأويل السائغ وغيرهم فيقول: </p><p>(والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها) .</p><p>... أما التأويلات التي لا يعذر أصحابها، فتأويلات الباطنية والفلاسفة ونحوهم ممن حقيقة أمرهم تكذيب للدين جملة وتفصيلا، أو تكذيب لأصل لا يقوم الدين إلا به كإنكار الفلاسفة لحشر الأجساد وقولهم إن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات، أو تأويل الفرائض والأحكام بما يخرجها عن حقيقتها وظاهرها، أو الاعتقاد بألوهية بعض البشر كتأليه علي أو الحاكم بأمره كما عند النصيرية والدروز، أو القول بتحريف القرآن، أو تأويل جميع الأسماء والصفات أو القول بسقوط التكاليف عن البعض ونحو ذلك من الاعتقادات الغالية التي لا تعتمد على أي مستند نصي أو لغوي ولو من وجه محتمل.</p><p>يقول ابن الوزير – رحمه الله -: (… وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم ضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار، وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له، وتأول وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضاده الأدلة الجلية، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة) .</p><p>ويقول أيضاً: (... أما من كذب اللفظ المنزل أو جحده، كفر متى كان ممن يعلم بالضرورة أنه يعلمه بالضرورة، وإنما الكلام في طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلا من تأويله تكذيب، ولكن سماه تأويلاً مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجوداً وعالماً وقادراً ونحو ذلك من الصفات التي علم الكافة بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بها على ظاهرها …) ، وقال الملا القاري الحنفي: (…وأما من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد، وحدوث العالم، وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكف لما علم قطعاً من الدين أنها على ظواهرها بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم …) ، وذكر الإمام ابن حزم رحمه الله أمثلة كثيرة لبعض الطوائف الغالية المنسوبة إلى الإسلام، وبعض ضلالاتها فقال: (وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلماً، مثل طوائف من الخوارج غلوا فقال: إن الصلاة ركعة بالغداة، وركعة بالعشي فقط …، وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلوا فقالوا بتناسخ الأرواح، وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح، وآخرون …قالوا قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء، وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع وقال بعضهم بحلول الباري تعالى في أجسام خلقه كالحلاج وغيره …) . </p><p> حكم المتأول من حيث العموم هو حكم الجاهل. بل قد يكون المتأول في بعض أحواله أولى بالإعذار من الجاهل. لأن الجاهل من حيث الأصل جاهل بالحق فقط. وأما المتأول فهو مع جهله بالحق يدعي أن ما هو عليه هو الحق. فالجاهل قد تكون مخالفته في الظاهر بكفر أو ما دونه من غير قصد إلى ذلك فقط. وأما المتأول فهو مع مخالفته الظاهرة وعدم قصده إلى المخالفة يدعي أنه على الحق. وبهذا نعلم أن من كان جهله لعدم العلم يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، وأما من كان جهله لعدم العلم يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، وأما من كان جهله مع ادعاء أنه في مخالفته على حق، فإنه قد لا يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، بل لابد مع ذلك من إزالة شبهته. </p><p>... وأما من كان جهله مع وجود شبهة وتأول، فإنه ولو بلغته الحجة مع تمكن الشبهة منه قد يكون معذوراً إذا لم يلتزم بمقتضى الحجة. </p><p>وهنا قد يقول قائل: إن المناط في قيام الحجة على المعين مطلقاً هو مجرد بلوغها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عنده شبهة أولا يكون. ومقتضى ذلك ألا يعذر أحد بالشبهة بعد بلوغ الحجة الرسالية. </p><p>ويستند من يقول هذا القول إلى أن الله قد حكم بالكفر على من وصفهم بأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعلمون، وأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ونحو ذلك. ومن ذلك قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا …} [الإسراء: 46]. وقول الله تعالى: </p><p>{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 44].</p><p>وقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [ الأنفال: 22 – 23]. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179]</p><p>[ الأعراف: 179 ]. وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [ الكهف: 103 – 105] . ونحو ذلك من الآيات مما في هذا المعنى كثيرة. </p><p>والجواب أن هذا بحمد الله لا يعارض إعذار المتأول، ويتبين ذلك بوجهين: </p><p>الأول: أن هناك فرقاً بين فهم الدلالة وفهم الهداية. فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدي بها. لكن الله قد جعل فهم الدلالة شرطاً في تكليف عموم الناس، مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك. </p><p>فالفهم المشروط في قيام حجة الله على العباد غير الفهم الذي هو مقتضى هداية الله تعالى وتوفيقه. والشبهة التي تتعلق بفهم الحجة غير الشبهة التي هي لعدم الهداية ولو بلغت الحجة، وهذا فرق ظاهر. </p><p>يبين ذلك أن الآيات التي قد يستدل بها من لا يفرق بين هذين الأمرين كلها فيما يتعلق بنفي العلم والعقل الذي هو مقتضى الهداية. ولذلك فإن الله كما نفى عمن حكم بكفرهم في تلك الآيات </p><p>العلم والفهم، فقد نفى عنهم أنهم يسمعون أو يبصرون. ومعلوم أن السمع والبصر المنفي هنا هو مقتضى الهداية، لا أنهم صم لا يسمعون شيئاً عمي لا يرون شيئاً. فكذلك العقل والفهم المنفي عنهم، هو مقتضى الهداية والتوفيق، لا أنهم مجانين لا يعرفون شيئاً، ولا يفهمون ما يقال لهم. </p><p>يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [ الأنفال: 23 ]. (أخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم، فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعاً تقوم به عليهم حجته) .</p><p>ويقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله: (والسمع الذي نفاه الله عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب. وأما سمع الحجة فقد كانت حجة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيراً يصلحون به لسماع آياته) .</p><p> ثم يقال أيضاً: إن الشبهة التي تحصل للكافر بل وللمبتدع الضال الذي لم يكفر ببدعته ليست ابتداءً من الله بعبده، بل لا تكون إلا جزاءً على إعراض العبد عن الحق بعد تبينه له وقيام الحجة به عليه. ومعرفة هل الشبهة لأجل عدم الفهم حقيقة أم لأجل عدم الهداية إلى الفهم مما لا يمكن الاطلاع عليه، لأنه أمر باطن لا يعلم، ونحن إنما نحكم على الظاهر، وإذا ثبت أن من حصلت له شبهة من جهة عدم الفهم فهو معذور كان هذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في حكم الظاهر، لأنه هو الظاهر. </p><p>الثاني: إن من القواعد الشرعية المقررة أن المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة ما لم يتحقق القصد إليها. والمتأول في حقيقته مخطئ غير متعمد للمخالفة، بل هو يعتقد أنه على حق، وذلك هو قصده ونيته، وقد قال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5]. وهذا عام في كل خطأ، لأنه يكون عن غير قصد ولا تعمد. وقد جاء في (صحيح مسلم) أنه لما نزل قول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [ البقرة: 286 ] قال الله: (قد فعلت) . فدل هذا على أن من أخطأ أو نسي فإنه غير مؤاخذ لوعد الله له بذلك وعفوه عن عباده. وقال الله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225 ]</p><p>وفي آية أخرى: {وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّم ُالأَيْمَانَ} [ المائدة: 89] وهذا ليس خاصا بالخطأ في اليمين، بل هي قاعدة عامة في كل خطأ لايمكن العلم بالحق فيه إلا من جهة الحجة الرسالية. فتبين من كل ما سبق أنه لابد قبل الحكم على المعين من التحقق من قصد المعين بضوابطه الشرعية، وأن ذلك ركن مشروط في الحكم عليه مع تحقق المخالفة في الظاهر.</p><p>ثم يقال بعد تقرير هذا: إذا كان تحقق القصد إلى المخالفة شرطاً في التأثيم والمؤاخذة، فقد لا يكفي مجرد بلوغ الحجة في إزالة الشبهة، فقد يتأول من عنده شبهة تلك الحجة لتوافق شبهته، غير قاصد تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا رد الشريعة، ولكنه يظن أن ذلك هو مفهوم الحجة، ومثل هذا معذور إذا تأول، لأنه في الحقيقة مخطئ فكيف يقال مع هذا إن مجرد بلوغ الحجة كاف في قيامها على المعين مطلقاً، وعدم إعذاره إذا كان له شبهة؟ </p><p>وهذا الذي تقرر من الإعذار بالشبهة، ولو مع بلوغ الحجة إذا تأولها المتأول، بحيث نعلم من حاله أنه غير مكذب لها ولا مستحل مخالفتها هو منهج سلف الأمة وأئمتها، وقد يطلقون القول بكفر من قال كذا، كما أطلق الإمام أحمد رحمه الله القول بكفر من قال بخلق القرآن لكنهم لا يلتزمون بذلك في الحكم على كل معين لأن الكلام في حكم القول من جهة وصفه الشرعي غير الحكم على المعين بذلك الحكم، ولو تلبس بما هو كفر في الشرع ولو لم تكن الشبهة عذراً معتبراً للزوم تكفير المتكلمين بتأويلهم لنصوص الصفات، وحملهم لها على المجاز، وأنها ليست ثابتة لله على الحقيقة، لظنهم أن ذلك يستلزم تشبيه الله بخلقه، فردهم لنصوص الصفات مبني على إرادة التنزيه لله عن مشابهة خلقه حسب ظنهم وعلى هذا فهم لم يريدوا رد تلك النصوص تكذيباً بها.</p><p>فرد النصوص كفر، لكن من تحقق منه ذلك قد يكون مكذبا بالنص فيكون كافراً، وقد يكون له شبهة فلا يكون مكذباً فلابد من التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين ولذلك لم يكفر الإمام أحمد رحمه الله كل من دعا إلى القول بخلق القرآن بعينه، مع قوله إن القول بخلق القرآن كفر.</p><p>يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.</p><p>فإن الإمام أحمد مثلاً قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل.</p><p>والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذا ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم، يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر …). </p><p>إلى أن قال: (ومعلوم أن هذا من التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب. </p><p>ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع. وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة. </p><p>فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفضيل فيقال: من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه. هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم) </p><p>ويقول في موضع آخر عن نفس المسألة: (فالإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا وقلدوا من قال ذلك لهم) .</p><p>فهذا الإمام أحمد رحمه الله لم يكفر من إطلاق القول بتكفيرهم على العموم، مع أنه قد بلغ حجة الله في ذلك وجادلهم وعرفوا ما عنده مما يبين حكم الله فيما يقولونه من الكفر.</p><p>وكان هو في وقته علم الأمة، وإمام أهل السنة، فلم يكن المانع من تكفيرهم إلا ما عرفوه الإمام أحمد من حالهم، وأنهم لم يقصدوا التكذيب بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما ظنوا أن قولهم هو الحق، لما عرض لهم من الشبه في ذلك، فعذرهم ولم يكفرهم بأعيانهم، مع قيامه بحجة الله وبيان أن قولهم كفر.</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35299, member: 329"] فهذا الحديث كثيراً ما يستدل به شيخ الإسلام في مسائل العذر بالجهل والخطأ، والتأويل. فهذا الرجل وقع في الخطأ – فتكلم بالكفر من غير قصد – بسبب جهله – فعذره الله سبحانه لعدم قيام الحجة عليه، أما الاستدلال به على مسألة العذر بالتأويل فمن باب أولى، لأن المتأول في حقيقته مجتهد مخطئ، فإذا لم يكفر المخطئ من غير اجتهاد- كما في هذه القصة – فعدم كفر من اجتهد في طلب الحق فأخطأ من باب أولى، وفي هذا المعنى يقول ابن الوزير – رحمه الله -: (.. قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم) ثم ذكر بعض أدلة الإعذار بالخطأ ومنها قصة الرجل من بني إسرائيل، ثم علق عليها قائلاً (وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب.. وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) ، فذكر أنه أخطأ بسبب الجهل فعذر، ثم استدل به على الخطأ بسبب التأويل والله أعلم.. 5- ونختم هذه الأدلة بحديث خاص بإعذار المجتهد المخطئ في الأحكام، وهو قوله – صلى الله عليه وسلم-: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) قال الحافظ الخطيب البغدادي – رحمه الله -: (فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يجعل للمخطئ أجراً على خطئه، و إنما جعل له أجراً على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، و أما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته) ، واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على تخطئة بعض المجتهدين ممن لم يصب الحق و أن الحق مع أحدهم أو بعضهم، وفيه رد على من قال: كل مجتهد مصيب، يقول الإمام ابن قدامة – رحمه الله-: (والحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين أو أصوله) ، ثم ذكر الأدلة على ذلك ومنها هذا الحديث، وقال الإمام الزركشي: (واختلف العلماء في حكم أقوال المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ ذهب الشافعي و أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء رحمهم الله إلى أن الحق في أحدهما، و إن لم يتعين لنا فهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالاً حراماً، و لأن الصحابة تناظروا في المسائل و احتج كل واحد على قوله: وخطأ بعضهم بعضاً، وهذا يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق، ثم اختلفوا، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد و إن لم يتعين، و إن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد وبه قال مالك وغيره..) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – (فإذا أريد بالخطأ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ بل كل مجتهد مصيب مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، و إذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد، وله أجران..) ، ونختم الكلام حول هذا الحديث بالإشارة إلى أن من أخطأ فحكم أو أفتى بغير علم واجتهاد فهو آثم عاص ، يقول شيخ الإسلام – رحمه الله – (.. فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن و الإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه…..) ، لكنه لا يكفر إن فرط في الاجتهاد فوقع في الكفر خطأ، لأن الكفر يكون بعد قيام الحجة، يقول شيخ الإسلام: (.. وأما (التكفير) فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته..) ، ويقول – أيضاً -: (وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، و إن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة و إزالة الشبهة) ، وخلاصة هذا المبحث ما يلي: قد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في إعذار المخطئ، و أن حكمه حكم الجاهل والمتأول – فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه -، و أنه إن كان مجتهداً فيما يسوغ فيه الاجتهاد – فله أجر باجتهاده – ولو أخطأ – أما إن لم يكن مجتهداً وأخطأ فيأثم لتفريطه. لكن هل يفرق في ذلك بين العقائد و الأحكام؟ ب- هل يفرق بين العقائد و الأحكام؟ ... هذا التقسيم لا دليل عليه ولا يعرف عن السلف، والمفرقون لم يذكروا حدا منضبطاً يمكن به التفريق بين الأصول والفروع، والعذر بالخطأ من جنس العذر بالجهل، لذلك بين أئمة السلف أنه لا يأثم المجتهد المخطئ لا في الأصول ولا في الفروع، والخلاف في هذه المسألة بين أئمة السلف ومخالفيهم من المتكلمين ومن تأثر بهم، فرع عن الخلاف في أصل عام شامل، وهو: هل يمكن لكل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع، وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق، بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر، ولم يكن هو الحق في نفس الأمر: هل يستحق أن يعاقب أم لا؟ وهل يفرق في ذلك بين الأصول والفروع أو بين المسائل العلمية والعملية ؟ نقل شيخ الإسلام الأقوال في هذه المسألة، ثم بين أن قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري وداود بن علي وغيرهم أنهم (لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلى خلفه. وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره، قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلاً، فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين، بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة..) ثم ذكر هذه الفروق ورد عليها، وفي مواضع أخرى، ذكر بعض الأمثلة عن السلف فقال: (... وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل ، واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض، أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12], ويقول: إن الله لا يعجب… فكان يقول {بل عجبت} فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروفاً من القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ} [ الرعد:31] وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر قراءة قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِياهُ} [ الإسراء:23] . وقال: إنما هي: ووصى ربك وبعضهم كان حذف المعوذتين، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، و إن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر..) . إذاً العذر بالخطأ يعم المسائل العلمية والعملية، وليس في النصوص ما يدل على التفريق، لكن قد يقول قائل: إذا قلنا: إن المجتهد المخطئ في مسائل العقيدة يرفع عنه الإثم، فهل نقول أيضاً: إن المجتهد المخطئ يؤجر أجراً واحداً، كالمجتهد في أمور الأحكام والعمل؟ فيجاب عن ذلك، بأن النصوص الواردة، فيها رفع الإثم عن المجتهد المخطئ، وليس فيها ما يدل على أن كل مجتهد مخطئ يكون مأجوراً باستثناء قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب..)) الحديث ، وهذا كما هو واضح من سياقه خاص بالحاكم أي القاضي، ومثله المفتي، وقد أشار شيخ الإسلام إلى شيء من هذا المعنى حيث قال: (.. وكذلك كل من عبد عبادة نهى عنها ولم يعلم بالنهي – لكن هي من جنس المأمور به – مثل من صلى في أوقات النهي، وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي، أو تمسك بدليل خاص مرجوح، مثل صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- صلاهما … بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك، فإن هذا لا ثواب فيه، و إن كان لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة كما قال تعالى: {وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]. فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسالة، و أما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور بها، فكل عبادة غير مأمور بها فلابد أن ينهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب، و إن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه لم يعلم لم يستحق العقاب، و إن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها، وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به…) . فشيخ الإسلام – فيما يبدو – استند في كلامه هذا إلى القاعدة المعروفة في أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً أريد به وجه الله، صواباً بما شرع الله، فلما لم يشرع جنسه غالباً يكون في أمور العقيدة كصور الشرك ونحوها من البدع الحقيقية التي يكثر وجودها لدى الفرق المشهورة، أما الاجتهاد الخاطئ فيما شرع جنسه فغالباً يكون في مسائل الاجتهاد من أمور التعبد ونحوها. المبحث الثالث: التأويل المطلب الأول: تعريف التأويل لغة واصطلاحا في اللغة مادة (أول) في كل استعمالاتها اللغوية تفيد معنى الرجوع، والعود، جاء في اللسان: (الأول: الرجوع: آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً: رجع، وأول إليه الشيء: رجعه، وآلت عن الشيء: ارتددت …والإيل والأيل: من الوحش، وقيل هو الوعل، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه …وقال أبو عبيد في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [ آل عمران:7] قال: التأويل المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، وأولته: صيرته إليه …) وفي تهذيب اللغة: (وأما التأويل فهو تفعيل من أول يؤول تأويلاً وثلاثيه آل يؤول: أي رجع وعاد) وقال ابن فارس: (أول الحكم إلى أهله: أي أرجعه ورده إليهم... وآل الجسم إذا نحف، أي رجع إلى تلك الحالة، ومن هذا الباب تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه، وذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:53]، ويقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم...) . إذا التأويل هو ما أول إليه أو يؤول إليه، أو تأول إليه، والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به ، وهذا هو المعنى الوارد في الكتاب والسنة. ب- أما معنى التأويل في اصطلاح العلماء، فله ثلاثة معان: الأول: (أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:53] ومنه قول عائشة – رضي الله عنها -: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)) . الثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ولهذا قال مجاهد – إمام أهل التفسير -: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه، وهذا مما يعلمه الراسخون. الثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمي هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب...) ، وهذا التأويل الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها. وهو من أعظم أصول الضلال والانحراف حيث صار ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والمتصوفة في تأويل التكاليف الشرعية على غير مقصودها أو إسقاطها أو تأويل جميع الأسماء والصفات. وأهل التأويل المذموم (مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صائبة فلاسفة عامة الأخبار عن الله واليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي آيات القدر ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضاً مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه …) . المطلب الثاني: العذر بالتأويل والمقصود بالتأول ها هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الأدلة الشرعية، دون تعمد للمخالفة، بل قد يعتقد أنه على حق . يقول ابن حجر في تعريف للتأويل السائغ: (قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب، وكان له وجه في العلم) . والتأويل السائغ والإعذار به له اعتبار في مسألة التكفير، بل في الوعيد عموماً ولذا يقول ابن تيمية: (إن الأحاديث المتضمنه للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها، باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد له متوقف على شروط، وله موانع. وهذه القاعدة تظهر بأمثلة، منها أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه)) . وصح عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يداً بيد: ((أوه عين الربا)) كما قال: ((البر بالبر ربا، إلا هاء وهاء.)) الحديث، وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة في الحديث. ثم إن الذين بلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الربا في النسيئة)) . فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يداً بيد، مثل ابن عباس رضي الله عنه، وأصحابه... الذين هم من صفوة الأمة علماً وعملاً، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحداً منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلاً سائغاً في الجملة) . ويقول أيضاً: (وعمل السلف وجمهور الفقهاء بأن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود، ولا دية، ولا كفارة، وإن كان قتلهم وقتلهم محرما) . ويقول ابن تيمية - في موضع ثالث -: (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً) . ويقرر ابن حزم العذر بمثل هذا التأويل قائلاً: - (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو ردّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة). . كما يقرر ذلك ابن الوزير حيث يقول: (قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106]، ويؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعاً، أو ظناً، أو تجويزاً، أو احتمالاً) . ويعلق الشوكاني على عبارة صاحب كتاب (الأزهار) : (والمرتد بأي وجه.. كفر " فيقول: أراد المصنف إدخال كفار التأويل اصطلاحاً في مسمى الردة، وهذه زلة قدم يقال عندها لليدين وللفم، وعثرة لا تقال، وهفوة لا تغتفر، ولو صح هذا لكان غالب من على ظهر البسيطة من المسلمين مرتدين) . ويقول الشيخ عبدالرحمن السعدي: (إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقاً والتزموا ذلك، لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك) . 2- إذا ظهر أن التأويل عذر في مسألة التكفير، فإن هذا لا يعني أن كل من ادعى التأويل فهو معذور بإطلاق، بل يشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته؛ لأن هذا الأصل (الشهادتين) لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء على كفر الباطنية مثلاً وأنهم لا يعذرون بالتأويل؛ لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وعدم عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الاسلام . ومن ثم فليس كل التأويل يعتبرا سائغاً أو عذراً مقبولاً، فهناك من التأويل ما يعتبر سائغاً، ومنه ما ليس كذلك، فلابد من مراعاة ذلك، وعدم الخلط بينهما. يقول قوام السنة إسماعيل الأصفهاني: - (المتأول إذا أخطأ وكان من أهل عقد الإيمان، نظر في تأويله، فإن كان قد تعلق بأمر يفضي به إلى خلاف بعض كتاب الله أو سنة يقطع بها العذر، أو إجماع فإنه يكفر ولا يعذر؛ لأن الشبهة التي يتعلق بها من هذا ضعيفة لا يقوى قوة يعذر بها؛ لأن ما شهد له أصل من هذه الأصول، فإنه في غاية الوضوح والبيان، فلما كان صاحب هذه المقالة لا يصعب عليه درك الحق، ولا يغمض عنده بعض موضع الحجة لم يعذر في الذهاب عن الحق، بل عمل خلافه في ذلك على أنه عناد وإصرار، ومن تعمد خلاف أصل من هذه الأصول، وكان جاهلاً لم يقصد إليه من طريق العناد فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد اختيار الكفر، ولا رضي به، وقد بلغ جهده، فلم يقع له غيره ذلك، وقد أعلم الله سبحانه أنه لا يؤاخذ إلا بعد البيان، ولا يعاقب إلا بعد الإنذار فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ما يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]. فكل من هداه الله عز وجل، ودخل في عقد الإسلام، فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان) . ويقول ابن حزم: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنوة أحد من الناس، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعذرون بتأويل أصلاً، بل هم كفار مشركون على كل حال) . ويذكر أبو حامد الغزالي التأويل الغير سائغ ومثاله فيقول: (ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصاً متواتراً، ويزعم أنه مؤول، مثاله:ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطى العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحداً في نفسه، وموجوداً، وعالماً على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح؛ لأن حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلاً... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات) . كما يورد ابن الوزير أمثلة للتأويل المردود، مما لا يمكن أن يكون عذراً لمن تلبس به فيقول: (لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار) . ويقول السعدي موضحاً تباين أهل البدع ممن تلبس بتأويل وشبهة: (هؤلاء المبتدعة المخالفون لما ثبتت به النصوص الصريحة والصحيحة، أنهم في هذا الباب أنواع، من كان منهم عارفاً بأن بدعته مخالفة للكتاب والسنة فتبعها ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، وشاق الله ورسوله من بعد ما تبين له الحق، فهذا لا شك في تكفيره، ومن كان منهم راضياً ببدعته معرضاً عن طلب الأدلة الشرعية، وطلب ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحق والباطل ناصراً لها، راداً ما جاء به الكتاب والسنة مع جهله وضلاله، واعتقاده أنه على الحق، فهذا ظالم فاسق بحسب تركه ما أوجب الله عليه، وتجرئه على ما حرم الله تعالى ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق واجتهد في ذلك، ولم يتيسر له من يبين له ذلك فأقام على ما هو عليه، ظاناً أنه صواب من القول، غير متجرئ على أهل الحق بقوله، ولا فعله، فهذا ربما كان مغفوراً له خطؤه والله أعلم) . ثم يكشف السعدي الفرق بين أهل التأويل السائغ وغيرهم فيقول: (والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها) . ... أما التأويلات التي لا يعذر أصحابها، فتأويلات الباطنية والفلاسفة ونحوهم ممن حقيقة أمرهم تكذيب للدين جملة وتفصيلا، أو تكذيب لأصل لا يقوم الدين إلا به كإنكار الفلاسفة لحشر الأجساد وقولهم إن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات، أو تأويل الفرائض والأحكام بما يخرجها عن حقيقتها وظاهرها، أو الاعتقاد بألوهية بعض البشر كتأليه علي أو الحاكم بأمره كما عند النصيرية والدروز، أو القول بتحريف القرآن، أو تأويل جميع الأسماء والصفات أو القول بسقوط التكاليف عن البعض ونحو ذلك من الاعتقادات الغالية التي لا تعتمد على أي مستند نصي أو لغوي ولو من وجه محتمل. يقول ابن الوزير – رحمه الله -: (… وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم ضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار، وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له، وتأول وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضاده الأدلة الجلية، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة) . ويقول أيضاً: (... أما من كذب اللفظ المنزل أو جحده، كفر متى كان ممن يعلم بالضرورة أنه يعلمه بالضرورة، وإنما الكلام في طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلا من تأويله تكذيب، ولكن سماه تأويلاً مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجوداً وعالماً وقادراً ونحو ذلك من الصفات التي علم الكافة بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بها على ظاهرها …) ، وقال الملا القاري الحنفي: (…وأما من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد، وحدوث العالم، وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكف لما علم قطعاً من الدين أنها على ظواهرها بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم …) ، وذكر الإمام ابن حزم رحمه الله أمثلة كثيرة لبعض الطوائف الغالية المنسوبة إلى الإسلام، وبعض ضلالاتها فقال: (وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلماً، مثل طوائف من الخوارج غلوا فقال: إن الصلاة ركعة بالغداة، وركعة بالعشي فقط …، وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلوا فقالوا بتناسخ الأرواح، وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح، وآخرون …قالوا قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء، وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع وقال بعضهم بحلول الباري تعالى في أجسام خلقه كالحلاج وغيره …) . حكم المتأول من حيث العموم هو حكم الجاهل. بل قد يكون المتأول في بعض أحواله أولى بالإعذار من الجاهل. لأن الجاهل من حيث الأصل جاهل بالحق فقط. وأما المتأول فهو مع جهله بالحق يدعي أن ما هو عليه هو الحق. فالجاهل قد تكون مخالفته في الظاهر بكفر أو ما دونه من غير قصد إلى ذلك فقط. وأما المتأول فهو مع مخالفته الظاهرة وعدم قصده إلى المخالفة يدعي أنه على الحق. وبهذا نعلم أن من كان جهله لعدم العلم يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، وأما من كان جهله لعدم العلم يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، وأما من كان جهله مع ادعاء أنه في مخالفته على حق، فإنه قد لا يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، بل لابد مع ذلك من إزالة شبهته. ... وأما من كان جهله مع وجود شبهة وتأول، فإنه ولو بلغته الحجة مع تمكن الشبهة منه قد يكون معذوراً إذا لم يلتزم بمقتضى الحجة. وهنا قد يقول قائل: إن المناط في قيام الحجة على المعين مطلقاً هو مجرد بلوغها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عنده شبهة أولا يكون. ومقتضى ذلك ألا يعذر أحد بالشبهة بعد بلوغ الحجة الرسالية. ويستند من يقول هذا القول إلى أن الله قد حكم بالكفر على من وصفهم بأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعلمون، وأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ونحو ذلك. ومن ذلك قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا …} [الإسراء: 46]. وقول الله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 44]. وقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [ الأنفال: 22 – 23]. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179] [ الأعراف: 179 ]. وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [ الكهف: 103 – 105] . ونحو ذلك من الآيات مما في هذا المعنى كثيرة. والجواب أن هذا بحمد الله لا يعارض إعذار المتأول، ويتبين ذلك بوجهين: الأول: أن هناك فرقاً بين فهم الدلالة وفهم الهداية. فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدي بها. لكن الله قد جعل فهم الدلالة شرطاً في تكليف عموم الناس، مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك. فالفهم المشروط في قيام حجة الله على العباد غير الفهم الذي هو مقتضى هداية الله تعالى وتوفيقه. والشبهة التي تتعلق بفهم الحجة غير الشبهة التي هي لعدم الهداية ولو بلغت الحجة، وهذا فرق ظاهر. يبين ذلك أن الآيات التي قد يستدل بها من لا يفرق بين هذين الأمرين كلها فيما يتعلق بنفي العلم والعقل الذي هو مقتضى الهداية. ولذلك فإن الله كما نفى عمن حكم بكفرهم في تلك الآيات العلم والفهم، فقد نفى عنهم أنهم يسمعون أو يبصرون. ومعلوم أن السمع والبصر المنفي هنا هو مقتضى الهداية، لا أنهم صم لا يسمعون شيئاً عمي لا يرون شيئاً. فكذلك العقل والفهم المنفي عنهم، هو مقتضى الهداية والتوفيق، لا أنهم مجانين لا يعرفون شيئاً، ولا يفهمون ما يقال لهم. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [ الأنفال: 23 ]. (أخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم، فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعاً تقوم به عليهم حجته) . ويقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله: (والسمع الذي نفاه الله عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب. وأما سمع الحجة فقد كانت حجة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيراً يصلحون به لسماع آياته) . ثم يقال أيضاً: إن الشبهة التي تحصل للكافر بل وللمبتدع الضال الذي لم يكفر ببدعته ليست ابتداءً من الله بعبده، بل لا تكون إلا جزاءً على إعراض العبد عن الحق بعد تبينه له وقيام الحجة به عليه. ومعرفة هل الشبهة لأجل عدم الفهم حقيقة أم لأجل عدم الهداية إلى الفهم مما لا يمكن الاطلاع عليه، لأنه أمر باطن لا يعلم، ونحن إنما نحكم على الظاهر، وإذا ثبت أن من حصلت له شبهة من جهة عدم الفهم فهو معذور كان هذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في حكم الظاهر، لأنه هو الظاهر. الثاني: إن من القواعد الشرعية المقررة أن المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة ما لم يتحقق القصد إليها. والمتأول في حقيقته مخطئ غير متعمد للمخالفة، بل هو يعتقد أنه على حق، وذلك هو قصده ونيته، وقد قال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5]. وهذا عام في كل خطأ، لأنه يكون عن غير قصد ولا تعمد. وقد جاء في (صحيح مسلم) أنه لما نزل قول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [ البقرة: 286 ] قال الله: (قد فعلت) . فدل هذا على أن من أخطأ أو نسي فإنه غير مؤاخذ لوعد الله له بذلك وعفوه عن عباده. وقال الله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225 ] وفي آية أخرى: {وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّم ُالأَيْمَانَ} [ المائدة: 89] وهذا ليس خاصا بالخطأ في اليمين، بل هي قاعدة عامة في كل خطأ لايمكن العلم بالحق فيه إلا من جهة الحجة الرسالية. فتبين من كل ما سبق أنه لابد قبل الحكم على المعين من التحقق من قصد المعين بضوابطه الشرعية، وأن ذلك ركن مشروط في الحكم عليه مع تحقق المخالفة في الظاهر. ثم يقال بعد تقرير هذا: إذا كان تحقق القصد إلى المخالفة شرطاً في التأثيم والمؤاخذة، فقد لا يكفي مجرد بلوغ الحجة في إزالة الشبهة، فقد يتأول من عنده شبهة تلك الحجة لتوافق شبهته، غير قاصد تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا رد الشريعة، ولكنه يظن أن ذلك هو مفهوم الحجة، ومثل هذا معذور إذا تأول، لأنه في الحقيقة مخطئ فكيف يقال مع هذا إن مجرد بلوغ الحجة كاف في قيامها على المعين مطلقاً، وعدم إعذاره إذا كان له شبهة؟ وهذا الذي تقرر من الإعذار بالشبهة، ولو مع بلوغ الحجة إذا تأولها المتأول، بحيث نعلم من حاله أنه غير مكذب لها ولا مستحل مخالفتها هو منهج سلف الأمة وأئمتها، وقد يطلقون القول بكفر من قال كذا، كما أطلق الإمام أحمد رحمه الله القول بكفر من قال بخلق القرآن لكنهم لا يلتزمون بذلك في الحكم على كل معين لأن الكلام في حكم القول من جهة وصفه الشرعي غير الحكم على المعين بذلك الحكم، ولو تلبس بما هو كفر في الشرع ولو لم تكن الشبهة عذراً معتبراً للزوم تكفير المتكلمين بتأويلهم لنصوص الصفات، وحملهم لها على المجاز، وأنها ليست ثابتة لله على الحقيقة، لظنهم أن ذلك يستلزم تشبيه الله بخلقه، فردهم لنصوص الصفات مبني على إرادة التنزيه لله عن مشابهة خلقه حسب ظنهم وعلى هذا فهم لم يريدوا رد تلك النصوص تكذيباً بها. فرد النصوص كفر، لكن من تحقق منه ذلك قد يكون مكذبا بالنص فيكون كافراً، وقد يكون له شبهة فلا يكون مكذباً فلابد من التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين ولذلك لم يكفر الإمام أحمد رحمه الله كل من دعا إلى القول بخلق القرآن بعينه، مع قوله إن القول بخلق القرآن كفر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه. فإن الإمام أحمد مثلاً قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل. والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذا ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم، يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر …). إلى أن قال: (ومعلوم أن هذا من التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع. وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة. فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفضيل فيقال: من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه. هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم) ويقول في موضع آخر عن نفس المسألة: (فالإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا وقلدوا من قال ذلك لهم) . فهذا الإمام أحمد رحمه الله لم يكفر من إطلاق القول بتكفيرهم على العموم، مع أنه قد بلغ حجة الله في ذلك وجادلهم وعرفوا ما عنده مما يبين حكم الله فيما يقولونه من الكفر. وكان هو في وقته علم الأمة، وإمام أهل السنة، فلم يكن المانع من تكفيرهم إلا ما عرفوه الإمام أحمد من حالهم، وأنهم لم يقصدوا التكذيب بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما ظنوا أن قولهم هو الحق، لما عرض لهم من الشبه في ذلك، فعذرهم ولم يكفرهم بأعيانهم، مع قيامه بحجة الله وبيان أن قولهم كفر. [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية