الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35314" data-attributes="member: 329"><p>وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كون الشيء معلوماً من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلاً عن كونه يعلمه بالضرورة. وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة) .</p><p>كما أن المعلوم من الدين بالضرورة يختلف كونه كذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة من حيث ظهور آثار الرسالة أو دروسها. (فالمعلوم من الدين بالضرورة في الأزمنة (والأمكنة) التي تشرق فيها شمس الشريعة، ويكثر فيها العلماء العاملون الذين يبلغون دين الله ويقيمون الحجة على عباد الله، غير المعلوم من الدين بالضرورة إذا غابت شمس الشريعة، وكان العلماء علماء سوء يلبسون على الناس دينهم، وأهل الحق قليلون، وصوتهم لا يصل إلى الناس كلهم) .</p><p>فما يجب اعتباره في هذا المقام اختلاف الديار بين دار الإسلام التي هي مظنة لظهور أحكام الإسلام، ودار الكفر التي ليست مظنة لذلك. واختلاف الأمكنة بين مكان يشيع فيه العلم، وبادية بعيدة على العلم، وأمكنة يشيع فيها العلم الصحيح، وأخرى تخيم عليها الضلالة والانحراف.</p><p>قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر...) . </p><p>المطلب الثاني: حكم الجهل بالمعلوم من الدين بالضرورة</p><p>إنَّ لاختلاف العلم بمسائل الدين ضرورة أثرا قويًّا في اختلاف الحكم على من خالف هذا المعلوم من الدين بالضرورة، إما بجحده، أو بمخالفته.</p><p>وفيما يلي سأذكر أهم هذه الأحكام مدعما إياها بأقوال أهل العلم:</p><p>1- أن الأحكام الظاهرة والمتواترة، سواء كانت واجبات أو محرمات، إذا كانت كذلك في دار الإسلام، والعلم بها منتشر بين جميع الناس، لا فرق في ذلك بين عالم أو عامي، فإنها تكون من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يسع أحداً من المسلمين جهله. وجاحده كافر بلا نزاع بين أهل العلم، والمخالف له بالترك إن كان واجبا، فيعاقب بقدر مخالفته وإن كان حراماً فعله، فكذلك يعاقب على ذلك الفعل.</p><p>وعلى هذا المعنى يحمل أقوال العلماء في تكفير جاحد المعلوم من الدين بالضرورة، كقول الإمام النووي، وقول الإمام الخطابي، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد تقدمت جميعاً. ومن الأقوال في هذا المعنى ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله بقوله: (وأما الجاحد لها ناشئاً في الأمصار بين أهل العلم، فإنه يكفر بمجرد جحدها. وكذلك الحكم في. مباني الإسلام كلها، وهي الزكاة والصيام والحج؛ لأنها مبادئ الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى؛ إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها، والإجماع منعقد عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام، غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته...) .</p><p>2- أن المعلوم للخاصة من الدين بالضرورة، يعذر جاهله من العامة إذا خالفه باستحلال أو جحود؛ لأنه من أخبار الخاصة التي ليست تبلغها العامة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، ولهذا تكون مسائل هذا النوع من العلم غير معلومة بالكلية للعوام، فضلاً عن أن تكون معلومة لهم بالضرورة.</p><p>فجاهل هذا النوع من العلم وإن كان معلوماً من الدين بالضرورة عند الإطلاق، معذور حتى يعلمه؛ لأنه خاص بالعلماء، لذلك لم يكن موسعاً لمن كان عالماً في جهله ومخالفته إذا كان مثله لا يجهله، وقد تقدم كلام الإمام ابن الوزير على هذه المسألة. وقال الإمام الخطابي رحمه الله: (أما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة) .</p><p>3- أن من نشأ في بادية بعيدة عن حاضرة العلم والعلماء، أو كان حديث عهد بالإسلام، فإنه يعذر بجهل المعلوم من الدين بالضرورة عند غيره ممن ليسوا حديثي عهد بالإسلام، ويعيشون بين أهل العلم والدعوة؛ لأن في عدم عذره بجهله هذا النوع من العلم تكليفاً له بما لا يطيق في هذه الحالة، وهذا فيه من المشقة ما فيه. وقد علم أن القاعدة في مثل هذه الأحوال أن المشقة تجلب التيسير، ومن التيسير عليه في هذه الحالة عذره بالجهل حتى يتعلم وتقام عليه الحجة القاطعة للعذر.</p><p>وهذا الحكم قد نقل الاتفاق عليه بين العلماء، وهذه جملة من أقوالهم:</p><p>قال الإمام الخطابي رحمه الله: (هل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان، كان كافراً بإجماع المسلمين. والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جهالاً بأمور الدين وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة فعذروا. فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها. وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلاً حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئاً منه جهلاً به، لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه) .</p><p>قال الإمام ابن قدامة رحمه الله عند كلامه عمن جحد وجوب الصلاة: (لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحداً لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك. فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام، أو بداية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك كفر... وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك، وتزول الشبهة ويستحله بعد ذلك) .</p><p>وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول) .</p><p>وقال أيضاً رحمه الله: (ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر محرم، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية) .</p><p>والخلاصة: أن الحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة ومدى العذر بجهله ليس مطرداً، بل مجاله التفصيل على النحو الذي مر معنا؛ نظراً لاختلاف مناط الحكم بحسب الأحوال المعلقة بالمسائل العلمية، أو بالأشخاص ما بين علماء وعامة وحديث عهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، أو بالأمكنة والأزمنة من حيث ظهور العلم وانتشاره أو دروسه وقلة حملته على الوجه الصحيح – والله تعالى أعلم. </p><p>المطلب الثالث: إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة</p><p>فالإنكار بمعنى الجحود، وعدم الاعتراف وانتفاء الإقرار، والمقصود بحكم معلوم من الدين بالضرورة: ما كان ظاهراً متواتراً من أحكام الدين معلوماً عند الخاص والعام، مما أجمع عليه العلماء إجماعاً قطعياً مثل وجوب أحد مباني الإسلام كالصلاة والزكاة ونحوهما، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة مثل: الربا والخمر وغيرهما .</p><p>ومن المعلوم أن الإيمان قائم على تصديق حكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أهم هذه الأحكام وآكدها: الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة... ولذا يقول ابن تيمية: إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق .</p><p>ويقول - في موضع آخر -: الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الشرع الذي يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به، ويجب على المجاهدين الجهاد عليه، ويجب على كل واحد اتباعه ونصره .</p><p>وهكذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة، والذي يعتبر منكره كافراً، له قيود يمكن معرفتها وتحديدها من خلال ما سنورده من كلام أهل العلم فيما يلي:</p><p>فهذا الشافعي يبيّن أن من الأحكام ما هو معلوم عند العامة فضلاً عن الخاصة فلا يسعهم جهله فيقول: العلم علمان: علم عامةٍ لا يسع بالغاً غير مغلوبٍ على عقله جهله، مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، مما كلّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم عليهم منه.</p><p>وهذا الصنف كله من العلم موجوداً نصاً في كتاب الله، وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.</p><p>وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، لا يجوز فيه التنازع .</p><p>ويقول - في موضع آخر -: أما ما كان نص كتاب بيّن، أو سنة مُجتمع عليها فالعذر مقطوع، ولا يسع الشك في واحدٍ منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب .</p><p>ويقرر النووي أن هذه الأحكام ثابتة بالإجماع المعلوم عند العامة فيقول: فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم...</p><p>فأما ما كان الإجماع فيه معلوماً عن طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذّر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة .</p><p>ويقول - في كتاب آخر -: أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل من جحد مجمعاً عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعاً عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وتحريم نكاح المعتدة، وكما إذا أجمع أهل عصر على حكم حادثة فليس بكافر... .</p><p>ويؤكد ابن دقيق العيد على ما قرره النووي، وأن الإجماع الذي يكفر منكره، إنما يكفر لتعلقه بمخالفة النص الظاهر المتواتر، فيقول: فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلاً، وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته التواتر، لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني لا يكفر به .</p><p>كما أننا نجد القرافي قد جعل منكر الإجماع كافراً، لكن بشرط أن يكون المجمع عليه مشتهراً في الدين فقال: ولا يعتقد أن جاحد ما أُجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لابد أن يكون المجمع عليه مشتهراً في الدين حتى صار ضرورياً، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعاً لا يعلمه إلا خواص الفقهاء، فجحْدُ مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفراً... .</p><p>ولابن تيمية كلام قريب مما سبق إيراده عندما قال: وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع: هل يكفر؟ على قولين. والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألةٍ لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره .</p><p>وهكذا نلحظ في عبارة ابن تيمية أنه ينفي ثبوت إجماع معلوم في مسألة لا نص فيها... ولذا يقول في موضع آخر: فلا يوجد قَطّ مسألة مجمع عليها، إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به .</p><p>ويقيد العراقي - موافقة لمن مضى ذكرهم - كفر منكر الإجماع بقوله: والصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما علـم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر .</p><p>ويوضح ابن الوزير المقصود بالإجماع الذي يعتبر مخالفه كافراً فيقول: اعلم أن الإجماعات نوعان: أحدهما: صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه، فهذا إجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين، وثانيها: ما نزل عن هذه المرتبة، ولا يكون إلا ظناً، لأنه ليس بعد التواتر إلا الظن، وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالإجماع .</p><p>- وإذا اتضح مفهوم إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، فإننا نشير إلى أن هذا الإنكار له عدة صور وأمثلة، فربما كان إنكاراً صريحاً ظاهراً كأن يقول - مثلاً - بإنكار وجوب الصلاة أو الزكاة... أو يقول بحل الربا، أو الخمر... أو يقول بتحريم ما كان حلالاً بالإجماع كالخبز والماء ونحوهما...، وقد يكون الإنكار عن طريق تأويلٍ فاسدٍ غير سائغٍ تأباه اللغة العربية، كتأويل الباطنية القائلين: أن الفرائض: أسماء رجال أُمروا بولايتهم، والمحرمات: أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، فقد أجمع العلماء على كفر أصحاب تلك المقالة ، وكذلك ما يزعمه ملاحدة الصوفية أن من وصل إلى درجة اليقين فقد سقطت عنه التكاليف .</p><p>ومما يلحق بهذا الإنكار - في الحكم بالكفر - أن يعترف شخص ما بهذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة... لكنه يعلن عدم قبوله لهذا الحكم، ويأبى أن يذعن لله تعالى، ويرفض الانقياد لهذا الحكم عناداً واستكباراً، وقد فصّل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً شافياً فقال: إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافرٍ، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه، أو أنه حرمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبراً كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفّره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدّقاً بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادّته تنافي هذا التصديق. وبيان هذا أن من فعل المحارم مُسْتَحلاً فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهو يكون لخللٍ في الإيمان بالربوبية، ولخللٍ في الإيمان بالرسالة، ويكون جحداً محضاً غير مبنيٍ على مقدمةٍ، وتارةٍ يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس؛ وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك، ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقرّ بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلـوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع... .</p><p>وبهذا يعلم أن مما يعد كفراً ويلحق بإنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أن لا يقبل حكم الله تعالى، مع علمه بأنه حكم الله تعالى واعترافه به، فهو يأبى ويمتنع من قبول هذا الحكم، ولذا قال إسحاق بن راهويه: وقد أجمع العلماء أن من دفع شيئاً أنزله الله... وهو مع ذلك مُقرّ بما أنزل الله أنه كافر . فمناط الكفر - هاهنا - هو الترك والرد والإباء، لا عدم التصديق، ولهذا قرن الله تعالى في كتابه كفر التولي بكفر التكذيب؛ لأنه غيره كما قال سبحانه: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة:31-32]. وقال تعالى: {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل:15-16].</p><p>-والآن نورد بعض الاعتبارات التي جعلت إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة كفراً وناقضاً من نواقض الإيمان:</p><p>أ- إن هذا الإنكار افتراءً على الله سبحانه، ولا أحد أعظم ظلماً، ولا أكبر جرماً ممن افترى على الله تعالى كذباً،كما قال سبحانه:- {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:21].</p><p>ويقول عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس:17].</p><p>وقال عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [يونس:59-60].</p><p>ويقول سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل:115-117]</p><p>يقول ابن كثير في تفسير تلك الآيات الأخيرة: ثم نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعاً لهم ابتدعوه في جاهليتهم؛ فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ} ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه... ثم توعّد على ذلك فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما في الدنيا فمتاع قليل وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم... .</p><p>كما أن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة اعتراض على شرع الله تعالى، ومشابهة للمشركين القائلين إنما البيع مثل الربا، ولذا يقول ابن تيمية: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بـ (الملل والنحل) ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع ، وهو كما قال... .</p><p>إضافة إلى ذلك فهذا الإنكار طعن في ربوبية الله تعالى وأسمائه وصفاته، فتصديق أحكام الله تعالى والإقرار بها من مقتضيات إثبات الربوبية لله تعالى وحده، فحقيقة الرضا بالله تعالى رباً يتضمن الإقرار بأمره تعالى الشرعي والكوني، كما قال سبحانه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54].</p><p>وهذا الإنكار مناقض لأصل الرضا بربوبية الله عز وجل.</p><p>كما أنه طعن في أسماء الله تعالى وصفاته، فهذا الإنكار يناقض إثبات كمال العلم لله تعالى، وينافي كمال حكمته عز وجل، ولذا قال ابن تيمية: وتارةً يعلم أن الله حرّمها، ويعلم أن الرسول إنما حرّم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أنّ من لم يلتزم التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته... .</p><p>ويقـول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]: وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا، ويحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكماً، وهو العليم الحكيم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل .</p><p>ب- أن الإيمان يتضمن الإقرار والتصديق، وهذا الإنكار تكذيب وجحود، فهو يناقض الإيمان ولا يجامعه، فإن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة تكذيب لآيات كتاب الله عز وجل، وقد أمر الله تعالى بتصديق آياته، والإقرار بها، كما حكم الله تعالى بالكفر على من جحد آياته وأنكرها، وتوعدهم بالعذاب المهين ، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة.</p><p>فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف:40].</p><p>وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الحج:57].</p><p>وقال تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ} [العنكبوت: 47].</p><p>وقال تبارك وتعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت:27-28] </p><p>جـ- إن هذا الإنكار تكذيب ظاهر للأحاديث الصريحة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو طعنٌ في مقام الرسالة، وكما قال ابن تيمية: والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة... .</p><p>وقد قرر العلماء أن من ردّ حديثاً صحيحاً، أو كذّبه فهو كافر.</p><p>حتى قال إسحاق بن راهويه: من بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يقرّ بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر .</p><p>ويقول ابن بطة: لو أن رجلاً آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئاً واحداً كان برد ذلك الشيء كافراً عند جميع العلماء .</p><p>وقـال ابن الوزيـر: إن التكذيب لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم أنه حديثه كفر صريح .</p><p>فإذا كان هؤلاء العلماء الأجلاء قد كفّروا من كذّب بحديثٍ واحدٍ، فكيف بحال مُنْكِر الأحاديث المتواترة؟</p><p>ويدل على ما سبق حديث البراء بن عازب رضي الله عنه حيث قال: مر بي عمي (وفي رواية: خالي) الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فسألته، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه .</p><p>فمن المعلوم قطعاً تحريم نكاح زوجات الآباء إجماعاً، ولذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل من تزوج امرأة أبيه؛ لأنه مرتد عن الإسلام، قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً} [النساء:22].</p><p>يقول ابن كثير - عن هذا النكاح -: فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35314, member: 329"] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كون الشيء معلوماً من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلاً عن كونه يعلمه بالضرورة. وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة) . كما أن المعلوم من الدين بالضرورة يختلف كونه كذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة من حيث ظهور آثار الرسالة أو دروسها. (فالمعلوم من الدين بالضرورة في الأزمنة (والأمكنة) التي تشرق فيها شمس الشريعة، ويكثر فيها العلماء العاملون الذين يبلغون دين الله ويقيمون الحجة على عباد الله، غير المعلوم من الدين بالضرورة إذا غابت شمس الشريعة، وكان العلماء علماء سوء يلبسون على الناس دينهم، وأهل الحق قليلون، وصوتهم لا يصل إلى الناس كلهم) . فما يجب اعتباره في هذا المقام اختلاف الديار بين دار الإسلام التي هي مظنة لظهور أحكام الإسلام، ودار الكفر التي ليست مظنة لذلك. واختلاف الأمكنة بين مكان يشيع فيه العلم، وبادية بعيدة على العلم، وأمكنة يشيع فيها العلم الصحيح، وأخرى تخيم عليها الضلالة والانحراف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر...) . المطلب الثاني: حكم الجهل بالمعلوم من الدين بالضرورة إنَّ لاختلاف العلم بمسائل الدين ضرورة أثرا قويًّا في اختلاف الحكم على من خالف هذا المعلوم من الدين بالضرورة، إما بجحده، أو بمخالفته. وفيما يلي سأذكر أهم هذه الأحكام مدعما إياها بأقوال أهل العلم: 1- أن الأحكام الظاهرة والمتواترة، سواء كانت واجبات أو محرمات، إذا كانت كذلك في دار الإسلام، والعلم بها منتشر بين جميع الناس، لا فرق في ذلك بين عالم أو عامي، فإنها تكون من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يسع أحداً من المسلمين جهله. وجاحده كافر بلا نزاع بين أهل العلم، والمخالف له بالترك إن كان واجبا، فيعاقب بقدر مخالفته وإن كان حراماً فعله، فكذلك يعاقب على ذلك الفعل. وعلى هذا المعنى يحمل أقوال العلماء في تكفير جاحد المعلوم من الدين بالضرورة، كقول الإمام النووي، وقول الإمام الخطابي، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد تقدمت جميعاً. ومن الأقوال في هذا المعنى ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله بقوله: (وأما الجاحد لها ناشئاً في الأمصار بين أهل العلم، فإنه يكفر بمجرد جحدها. وكذلك الحكم في. مباني الإسلام كلها، وهي الزكاة والصيام والحج؛ لأنها مبادئ الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى؛ إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها، والإجماع منعقد عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام، غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته...) . 2- أن المعلوم للخاصة من الدين بالضرورة، يعذر جاهله من العامة إذا خالفه باستحلال أو جحود؛ لأنه من أخبار الخاصة التي ليست تبلغها العامة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، ولهذا تكون مسائل هذا النوع من العلم غير معلومة بالكلية للعوام، فضلاً عن أن تكون معلومة لهم بالضرورة. فجاهل هذا النوع من العلم وإن كان معلوماً من الدين بالضرورة عند الإطلاق، معذور حتى يعلمه؛ لأنه خاص بالعلماء، لذلك لم يكن موسعاً لمن كان عالماً في جهله ومخالفته إذا كان مثله لا يجهله، وقد تقدم كلام الإمام ابن الوزير على هذه المسألة. وقال الإمام الخطابي رحمه الله: (أما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة) . 3- أن من نشأ في بادية بعيدة عن حاضرة العلم والعلماء، أو كان حديث عهد بالإسلام، فإنه يعذر بجهل المعلوم من الدين بالضرورة عند غيره ممن ليسوا حديثي عهد بالإسلام، ويعيشون بين أهل العلم والدعوة؛ لأن في عدم عذره بجهله هذا النوع من العلم تكليفاً له بما لا يطيق في هذه الحالة، وهذا فيه من المشقة ما فيه. وقد علم أن القاعدة في مثل هذه الأحوال أن المشقة تجلب التيسير، ومن التيسير عليه في هذه الحالة عذره بالجهل حتى يتعلم وتقام عليه الحجة القاطعة للعذر. وهذا الحكم قد نقل الاتفاق عليه بين العلماء، وهذه جملة من أقوالهم: قال الإمام الخطابي رحمه الله: (هل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان، كان كافراً بإجماع المسلمين. والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جهالاً بأمور الدين وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة فعذروا. فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها. وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلاً حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئاً منه جهلاً به، لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه) . قال الإمام ابن قدامة رحمه الله عند كلامه عمن جحد وجوب الصلاة: (لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحداً لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك. فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام، أو بداية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك كفر... وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك، وتزول الشبهة ويستحله بعد ذلك) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول) . وقال أيضاً رحمه الله: (ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر محرم، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية) . والخلاصة: أن الحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة ومدى العذر بجهله ليس مطرداً، بل مجاله التفصيل على النحو الذي مر معنا؛ نظراً لاختلاف مناط الحكم بحسب الأحوال المعلقة بالمسائل العلمية، أو بالأشخاص ما بين علماء وعامة وحديث عهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، أو بالأمكنة والأزمنة من حيث ظهور العلم وانتشاره أو دروسه وقلة حملته على الوجه الصحيح – والله تعالى أعلم. المطلب الثالث: إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة فالإنكار بمعنى الجحود، وعدم الاعتراف وانتفاء الإقرار، والمقصود بحكم معلوم من الدين بالضرورة: ما كان ظاهراً متواتراً من أحكام الدين معلوماً عند الخاص والعام، مما أجمع عليه العلماء إجماعاً قطعياً مثل وجوب أحد مباني الإسلام كالصلاة والزكاة ونحوهما، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة مثل: الربا والخمر وغيرهما . ومن المعلوم أن الإيمان قائم على تصديق حكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أهم هذه الأحكام وآكدها: الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة... ولذا يقول ابن تيمية: إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق . ويقول - في موضع آخر -: الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الشرع الذي يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به، ويجب على المجاهدين الجهاد عليه، ويجب على كل واحد اتباعه ونصره . وهكذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة، والذي يعتبر منكره كافراً، له قيود يمكن معرفتها وتحديدها من خلال ما سنورده من كلام أهل العلم فيما يلي: فهذا الشافعي يبيّن أن من الأحكام ما هو معلوم عند العامة فضلاً عن الخاصة فلا يسعهم جهله فيقول: العلم علمان: علم عامةٍ لا يسع بالغاً غير مغلوبٍ على عقله جهله، مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، مما كلّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم عليهم منه. وهذا الصنف كله من العلم موجوداً نصاً في كتاب الله، وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، لا يجوز فيه التنازع . ويقول - في موضع آخر -: أما ما كان نص كتاب بيّن، أو سنة مُجتمع عليها فالعذر مقطوع، ولا يسع الشك في واحدٍ منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب . ويقرر النووي أن هذه الأحكام ثابتة بالإجماع المعلوم عند العامة فيقول: فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم... فأما ما كان الإجماع فيه معلوماً عن طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذّر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة . ويقول - في كتاب آخر -: أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل من جحد مجمعاً عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعاً عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وتحريم نكاح المعتدة، وكما إذا أجمع أهل عصر على حكم حادثة فليس بكافر... . ويؤكد ابن دقيق العيد على ما قرره النووي، وأن الإجماع الذي يكفر منكره، إنما يكفر لتعلقه بمخالفة النص الظاهر المتواتر، فيقول: فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلاً، وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته التواتر، لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني لا يكفر به . كما أننا نجد القرافي قد جعل منكر الإجماع كافراً، لكن بشرط أن يكون المجمع عليه مشتهراً في الدين فقال: ولا يعتقد أن جاحد ما أُجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لابد أن يكون المجمع عليه مشتهراً في الدين حتى صار ضرورياً، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعاً لا يعلمه إلا خواص الفقهاء، فجحْدُ مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفراً... . ولابن تيمية كلام قريب مما سبق إيراده عندما قال: وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع: هل يكفر؟ على قولين. والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألةٍ لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره . وهكذا نلحظ في عبارة ابن تيمية أنه ينفي ثبوت إجماع معلوم في مسألة لا نص فيها... ولذا يقول في موضع آخر: فلا يوجد قَطّ مسألة مجمع عليها، إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به . ويقيد العراقي - موافقة لمن مضى ذكرهم - كفر منكر الإجماع بقوله: والصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما علـم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر . ويوضح ابن الوزير المقصود بالإجماع الذي يعتبر مخالفه كافراً فيقول: اعلم أن الإجماعات نوعان: أحدهما: صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه، فهذا إجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين، وثانيها: ما نزل عن هذه المرتبة، ولا يكون إلا ظناً، لأنه ليس بعد التواتر إلا الظن، وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالإجماع . - وإذا اتضح مفهوم إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، فإننا نشير إلى أن هذا الإنكار له عدة صور وأمثلة، فربما كان إنكاراً صريحاً ظاهراً كأن يقول - مثلاً - بإنكار وجوب الصلاة أو الزكاة... أو يقول بحل الربا، أو الخمر... أو يقول بتحريم ما كان حلالاً بالإجماع كالخبز والماء ونحوهما...، وقد يكون الإنكار عن طريق تأويلٍ فاسدٍ غير سائغٍ تأباه اللغة العربية، كتأويل الباطنية القائلين: أن الفرائض: أسماء رجال أُمروا بولايتهم، والمحرمات: أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، فقد أجمع العلماء على كفر أصحاب تلك المقالة ، وكذلك ما يزعمه ملاحدة الصوفية أن من وصل إلى درجة اليقين فقد سقطت عنه التكاليف . ومما يلحق بهذا الإنكار - في الحكم بالكفر - أن يعترف شخص ما بهذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة... لكنه يعلن عدم قبوله لهذا الحكم، ويأبى أن يذعن لله تعالى، ويرفض الانقياد لهذا الحكم عناداً واستكباراً، وقد فصّل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً شافياً فقال: إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافرٍ، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه، أو أنه حرمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبراً كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفّره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدّقاً بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادّته تنافي هذا التصديق. وبيان هذا أن من فعل المحارم مُسْتَحلاً فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهو يكون لخللٍ في الإيمان بالربوبية، ولخللٍ في الإيمان بالرسالة، ويكون جحداً محضاً غير مبنيٍ على مقدمةٍ، وتارةٍ يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس؛ وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك، ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقرّ بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلـوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع... . وبهذا يعلم أن مما يعد كفراً ويلحق بإنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أن لا يقبل حكم الله تعالى، مع علمه بأنه حكم الله تعالى واعترافه به، فهو يأبى ويمتنع من قبول هذا الحكم، ولذا قال إسحاق بن راهويه: وقد أجمع العلماء أن من دفع شيئاً أنزله الله... وهو مع ذلك مُقرّ بما أنزل الله أنه كافر . فمناط الكفر - هاهنا - هو الترك والرد والإباء، لا عدم التصديق، ولهذا قرن الله تعالى في كتابه كفر التولي بكفر التكذيب؛ لأنه غيره كما قال سبحانه: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة:31-32]. وقال تعالى: {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل:15-16]. -والآن نورد بعض الاعتبارات التي جعلت إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة كفراً وناقضاً من نواقض الإيمان: أ- إن هذا الإنكار افتراءً على الله سبحانه، ولا أحد أعظم ظلماً، ولا أكبر جرماً ممن افترى على الله تعالى كذباً،كما قال سبحانه:- {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:21]. ويقول عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس:17]. وقال عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [يونس:59-60]. ويقول سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل:115-117] يقول ابن كثير في تفسير تلك الآيات الأخيرة: ثم نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعاً لهم ابتدعوه في جاهليتهم؛ فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ} ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه... ثم توعّد على ذلك فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما في الدنيا فمتاع قليل وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم... . كما أن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة اعتراض على شرع الله تعالى، ومشابهة للمشركين القائلين إنما البيع مثل الربا، ولذا يقول ابن تيمية: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بـ (الملل والنحل) ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع ، وهو كما قال... . إضافة إلى ذلك فهذا الإنكار طعن في ربوبية الله تعالى وأسمائه وصفاته، فتصديق أحكام الله تعالى والإقرار بها من مقتضيات إثبات الربوبية لله تعالى وحده، فحقيقة الرضا بالله تعالى رباً يتضمن الإقرار بأمره تعالى الشرعي والكوني، كما قال سبحانه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]. وهذا الإنكار مناقض لأصل الرضا بربوبية الله عز وجل. كما أنه طعن في أسماء الله تعالى وصفاته، فهذا الإنكار يناقض إثبات كمال العلم لله تعالى، وينافي كمال حكمته عز وجل، ولذا قال ابن تيمية: وتارةً يعلم أن الله حرّمها، ويعلم أن الرسول إنما حرّم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أنّ من لم يلتزم التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته... . ويقـول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]: وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا، ويحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكماً، وهو العليم الحكيم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل . ب- أن الإيمان يتضمن الإقرار والتصديق، وهذا الإنكار تكذيب وجحود، فهو يناقض الإيمان ولا يجامعه، فإن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة تكذيب لآيات كتاب الله عز وجل، وقد أمر الله تعالى بتصديق آياته، والإقرار بها، كما حكم الله تعالى بالكفر على من جحد آياته وأنكرها، وتوعدهم بالعذاب المهين ، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة. فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف:40]. وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الحج:57]. وقال تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ} [العنكبوت: 47]. وقال تبارك وتعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت:27-28] جـ- إن هذا الإنكار تكذيب ظاهر للأحاديث الصريحة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو طعنٌ في مقام الرسالة، وكما قال ابن تيمية: والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة... . وقد قرر العلماء أن من ردّ حديثاً صحيحاً، أو كذّبه فهو كافر. حتى قال إسحاق بن راهويه: من بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يقرّ بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر . ويقول ابن بطة: لو أن رجلاً آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئاً واحداً كان برد ذلك الشيء كافراً عند جميع العلماء . وقـال ابن الوزيـر: إن التكذيب لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم أنه حديثه كفر صريح . فإذا كان هؤلاء العلماء الأجلاء قد كفّروا من كذّب بحديثٍ واحدٍ، فكيف بحال مُنْكِر الأحاديث المتواترة؟ ويدل على ما سبق حديث البراء بن عازب رضي الله عنه حيث قال: مر بي عمي (وفي رواية: خالي) الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فسألته، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه . فمن المعلوم قطعاً تحريم نكاح زوجات الآباء إجماعاً، ولذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل من تزوج امرأة أبيه؛ لأنه مرتد عن الإسلام، قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً} [النساء:22]. يقول ابن كثير - عن هذا النكاح -: فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن العقيـــده الاســـلاميه
الموسوعة العقدية