فهل قمتَ بعملِ دراسةِ جدوى تعرفُ من خلالِها كم ملياراً من الحسناتِ ستحصلُ عليها إذا تاجرتَ مع ربِّك بتلاوةِ آيات القرآن الكريم لفظاً فقط؟!
يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) :-
" من قرأ حرفاً من كتابِ اللهِ فله حسنةً ، والحسنةُ بعَـشْرِ أمثالِها ، لا أقولُ (الـم ) حرف ؛ ولكن : ألفٌ حرفٌ ، ولامٌ حرفٌ ، وميمٌ حرفٌ " .
فما بالكَ إن أتقنتَ قراءتَهُ وأحسنتَ تلاوتَهُ ؟؟
عن أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها - قالت :-
قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلّم ) : " الذي يقرأُ القرآن وهو ماهرُ به مع السفرة الكرامِ البررةِ ، والذي يقرأُ القرآنَ وهو يتـتـعـْتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران " .
فكيف إذا تدبرتَ أياته وفهمتَ معانيه ، وأقمتَ أحكامه وحدودَه كما أقمتَ حروفـَه؟؟
عن أبى أمامة - رضى الله عنه - قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلّم ) يقول :
" اقرءوا القرآنَ فإنَّـهُ يأتي يومَ القيامةِ شفيعاً لأصحابه " .
لله درُّكَ ، كيف أنت وقد تخلقتَ بالقرآنِ وصار منهجَ حياةٍ لـك ، أيُّ سعادةٍ تعيشُها فى الدنيا ويغبطُك الناسُ عليها؟؟
عن عبد اللهِ بن عمر- رضيَ الله عنهما - قال : سمعتُ رسولَ الله ( صلى الله عليه وسلّم ) يقول : " لا حسدَ إلا على اثنتين : رجلٌ آتاهُ اللهُ الكتابَ وقامَ به آناءَ الليـلِ ، ورجلٌ أعطاهُ اللهُ مالاً فهو يتصدقُ به آناء الليـلِ والنَّهارِ " .
قال ابنُ حجر : ( والمرادُ بالقيامِ به : العملُ به مطلقا ؛ أعمُّ من تلاوتِه داخلَ الصلاةِ أو خارجَها ، ومن تعليمِه والحكم والفتوى بمقتضاه .
وأيُّ شرفٍ وفضلٍ وخيرٍ تنالُه وتدركُه فى الدنيا إن علَّمتَ غيرَك ما علِمْتَ ؟؟
قال رسولُ الله ( صلى الله عليه وسلّم ) :-" خيرُكم مَنْ تعَـلَّمَ القرآنَ وعَـلَّمَه " .
وأيُّ فوزٍ تدركُهُ فى الآخرة ؛ لمَّا تُـفَتَّحُ لك أبوابُ الجِنانِ ، برحمةٍ من الكريمِ المنَّـانِ ، فترتقي فيها أعلى الدرجات ؟!
عن عبدِ الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهمـا - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلّم ) : " يُقـالُ لصاحبِ القرآنِ : اقرأْ وارتقِ ورتِّلْ كما كنت تُـرتِّـلُ فى الدنيا ، فإنَّ منزلتُكَ عند آخرِ آيةٍ تقرؤُها ".
ولكن.... حذارِ مِن أن تكونَ من هذا الصِّنفِ من الناس ؛ وهم أول ثلاثةٍ تُـسَعَّـرُ بهم النارُ يومَ القيامة ؛ ومنهم :
رجلٌ جمعَ القرآن فيقولُ اللهُ له : " ألم أعلِّمْك ما أنزلتُ على رسولي ؟ قال :بلى يارب ، قال : فماذا عمِلتَ بما علِمتَ ؟ قال : كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار ، فيقول الله له : كذبت وتقول له الملائكة : كذبت ، ويقــولُ اللهُ له : بل أردتَ أن يُقال : فلانٌ قارئ فقد قيل ذلك " .
اللهمَّ عافِـنا ، اللهمَّ عافِـنا من الرياء ، وارزقنا الإخلاصَ وأخلصنا جميعاً إليك ، ولْـنَتَدَبَّرْ معاً هذه الآيَة لنعملَ بها :
[إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ] .
{ الزُّمر:2 }.
ولْـنَقْـتَدِ بِمَن اصطفاهم الخالق على خلقِه ، ومَنَّ عليهِم بالرسالة وأمرهم بتبليغِها : [ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا ] . {الأحزاب (39)} .
ولْـنَمْـتَثِـلْ أمرَ النبيِّ ( صلى الله عليه وسلّم ) لمَّا قال لأصحابِه - رضوانُ اللهِ عليهِم أجمعين - : " بلِّـغوا عنِّي وَلَـوْ آية " ، فكان الصحابةُ - رضوان الله عليهم - أحرصَ الناسِ على تبليغِ كلامِ ربِّ الناس ، فبلَّغوه كما سمعوه من فِيِّ نبيِّـنا محمد ( صلى الله عليه وسلّم ) ، لم يَزيدوا عليه ولم ينقصوا منه ، ولم يُحرِّفوا فى حرفٍ أو معنىً ، ولم يُبدِّلوا ، بل نقلوه نقلاً مُطابقاً لقراءةِ النبيِّ ( صلى الله عليه وسلّم ) حتى فيما يتعلَّق بالمدِّ والغُـنَّةِ ، ممَّا لا يُخِلُّ بكلام العرب فى شيء ، ولكن يُخِـلُّ بالترتيل وحسنِ التِّلاوةِ ، وقد قال جلَّ فى علاه : [.. وَرَتِّلِ القُرْآَنَ تَرْتِيلًا ] . {المُزمِّل(4)}.
فالأمر للنبيِّ ( صلى الله عليه وسلّم ) ولِأُمِّتِهِ من بعدِه ، وأولُ من امتثلَ هذا الأمرَ على الوجهِ الأكملِ هم صحابتُهُ – رضوانُ اللهِ عليهِم – فاعْـتَـنَوا بضبطِ تلاوتِهِ وضبطِ كتابتِهِ ، وكما حفظوهُ فى الصُّدورِ ؛ حفظوه فى السُّطورِ : [ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ] . {النِّسـاء- 87 }.
فهو القائلُ فى كتابه : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] .
{الحجر: 9} .
ونهجَ التابعونَ نهجَ الصحابةِ ، وكذلك تابعوهِم ومن تابعَهم وتَـبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين ، حتى وصل إلينا هذا الكتاب محفوظاً فى المصاحف ، محفوظاً فى الصدور ، تُرَتِّـلُهُ الحَناجرُ ويَنفتِحُ له السليمُ من القلوبِ .