الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
القسم العام
روضة المناسبات الإسلامية
روضــة الحـــج والعمــرة
رِحلة الحجّ عبر القرآن الكريم
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="أم حذيفة" data-source="post: 51178" data-attributes="member: 1"><p style="text-align: center"><span style="font-size: 22px"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="color: #ff0000">رِحلة الحجّ عبر القرآن الكريم</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-size: 22px"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="color: #ff0000"></span><span style="color: red"><span style="color: darkgreen">عبد الباري الثبيتي</span></span></span></span></p> <p style="text-align: center"></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo"><span style="color: darkred">الخطبة الأولى: </span></span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله - تعالى -:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ "[آل عمران:102]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">شرع الله العباداتِ لحِكَمٍ عظيمة ومصالحَ عديدة، أجلُّها تحقيقُ عبودية الله - سبحانه - والخضوع له فيما أمر ونهى، ومنها تزكيةُ النفس وترويضها على الفضائل. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">الحجُّ في حياةِ المسلمين مدرسةٌ عظيمةُ العطاء واسعةُ الأثر بليغةُ العبرة، موسمٌ تسمو فيه الأرواح وتشرِق النفوس. الحجّ ملتقًى كبيرٌ يفِد إليه الحجّاجُ من أنحاء المعمورة إلى الأرض المقدّسة، ألوانٌ مختلفة وأجناسٌ متعدِّدة وألسُنٌ متباينة، يقول الله - تعالى - في الحديث القدسي: ((انظروا إلى عبادي، أتَوني شُعثاً غُبراً)) أخرجه أحمد[1]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">يحكي القرآنُ دعاءَ إبراهيم - عليه السلام -، قال - تعالى -:" رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" [إبراهيم:37]. ويستجيبُ الله دعاءَ خليله، وتمضي الأفئدةُ تهوي إلى هذا المكان لتعمِّره، مُلبِّين مكبّرين خاضعين متذلِّلين، جموعٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، تطوف وتَسعى، ويستمرّ الطوافُ لا ينقطع مهما بلغ حرُّ النهار أو بردُ الليل، ويبقى البيت العتيقُ مفتوحاً ليلاً ونهاراً. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">في الحجّ يشهَد الحاجّ مهبطَ الوحي، ويترسّم خطواتِ النبي، يستروح الذكرياتِ والمعاني، ويرى التأريخ أمامه على أرضِ التاريخ، كلُّ حبَّةِ رملٍ في هذه البقاع تحمل تأريخاً مشرقاً، وتنطق بحضارةٍ أضحى عطاؤها للبشرية متحقِّقاً. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">على المسلم التوبةُ النصوح وتجديدها عند الدخول في هذه المناسك، يعاهِد ربَّه على عبادته، يطيعه ولا يعصيه، يؤدّي الصلوات، يترك السيّئات، يبتعِد عن المحرّمات، فالحجّ ملاذ كلِّ المسلمين، العابدون يزدادون قرباً من مولاهم، والعصاةُ يستروِحون عَبَق الرحمات، في هذه الأجواءِ الإيمانية الآمنة يقرّون بذنوبهم، يلتمسون عفوَه ومغفرته ورحمتَه ورضوانه، قال الله - تعالى -:" لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ "[الحج:37]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي سياقِ آيات الحجِّ يقول - تعالى -: "وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ "[البقرة:196]، العملُ كلُّ العمل في هذه الدنيا يُراد به وجهُ الله، فمن شروط قَبول الأعمال تحقيقُ الإخلاص لله، أي: أن تقصد ـ أيّها الحاج ـ بعملك وجهَ الله، لا رياءَ ولا سمعة ولا مباهاة، أن تبتغيَ برحلتك المباركة وجهَ الله للفوز بنعيم الجنّة. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">إن كلَّ حركةٍ ومشهَدٍ ونفقةٍ تؤدِّيها في رحلة الحجّ تقرّبك إلى الله وتزيد في حسناتك، قال: ((الحُجَّاج والعُمّار وفدُ الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفرَ لهم)) أخرجه ابن ماجه[2]. ولذا كان رسول الله يسأل ربَّه الإخلاصَ قائلاً كما في حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((اللهم حجّة لا رياءَ فيها ولا سُمعة)) أخرجه ابن ماجه[3]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">كم للنية الخالصةِ في الحجّ من أثرٍ عظيم في زكاةِ النفس وفلاحها، تأمّل هذا الفضل العظيم في قوله: ((الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))[4]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">ومن صفاتِ هذا الحجّ أن يكونَ خالصاً لله، والإخلاصُ ليس بالأمر الهيّن، قال أحدُ السلف: "تخليص النيات على العُمّال أشدُّ عليهم من جميعِ الأعمال"، وقيل لأحدهم: أيّ شيء أشدّ على النفس؟ قال: "الإخلاص، إذ ليس لها فيه نصيب"، وقال بعضهم: "إخلاصُ ساعة نجاةُ الأبد". </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">فالإخلاصُ عزيز، ولا يتخلّص الإنسانُ من الشيطان إلا بالإخلاص، كما في قوله - تعالى - حكايةً عن إبليس:" قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" [ص:82، 83]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي سياق آيات الحجّ يقول الله - تعالى -:" وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" [البقرة:197]. خير ما يتزوّد به الحاجّ في الحجّ التقوى. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">التقوى غايةُ الأمر وجِماع الخير، هي فعلُ الطاعات واجتناب المحرّمات، وليس السّفر من الدنيا بأهونَ من السفر في الدنيا، وهذا لا بدّ له من زادٍ فكذا، وإذا كان زادُ الدنيا يخلِّصُ من عذاب منقطعٍ موهوم فإنّ زادَ الآخرة يقي من عذابٍ أبديّ معلوم. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">" وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ " التَّقْوَى تنبيهٌ للحاجّ لاستصحابِ التقوى في قلبه في كلّ خطوةٍ يخطوها، بل ويضاعِف تقواه في السرّ والعلَن، في الحِلّ والحرم، في نفسه ومع غيره، ومن التقوى كفُّ الأذى عن الناس بالقول أو الفعل، قال رسول الله: ((المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده)) أخرجه البخاري[5]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">قال - تعالى -:" ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ "[الحج:32]. تعظيمُ أعمال الحجّ ومناسك الحجّ من تقوى القلوب، يكون ذلك بإجلالها بالقلبِ ومحبّتها وتكميل العبودية فيها، وفي الحديث أن رسول الله قال: ((لا تزال هذه الأمّة بخيرٍ ما عَظَّموا هذه الحرمةَ حقَّ تعظيمها ـ يعني الكعبة ـ، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا)) أخرجه ابن ماجه[6].</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي سياق آيات الحجّ يقول - تعالى -:" وَأَذّن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً "[الحج:27]. إنّ هذا النداءَ يُبرِز عالميّة الإسلام، فهو يدعو الأنام كلَّهم إلى الإسلام ليحرِّرهم من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضِيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة، قال - تعالى -:" وَمَا أَرْسَلْنَـاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـالَمِينَ "[الأنبياء:107]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">الإسلامُ دينٌ عالمي، فقد جمع بين أبي بكر العربيّ وصهيبٍ الروميّ وبلال الحبشيّ وسلمان الفارسيّ وغيرهم من شتّى القبائل والبلدان، وقال: ((وكونوا عبادَ الله إخواناً)) متفق عليه[7]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">إن الناظرَ إلى شعائر الحجّ يجدها تدعو إلى محوِ فوارق اللون واللغةِ والجنس، تجلّى ذلك واضحاً في خطبة يوم عرفة بإعلان مبادئ وحقوقِ الإنسان، دينٌ عالميّ؛ لأنه من عند الله وفيه من الكمال والشمول ما لم يوجد في غيره. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">حجّاجَ بيت الله، تصطفّ هذه الجموع المباركةُ في هذه البقاع الطاهرة من آفاق الدنيا كلِّها قائلةً: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، تجمعهم أخوّةٌ إيمانية صادقة ووحدة صافيةٌ ومساواة عادِلة، ذابت بينهم الفوارق العِرقية وتبدّدت كلُّ مظاهر الاعتزاز بالجنس أو اللون. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">أما معيارُ المفاضلةِ والتكريم فقد قال - سبحانه -:" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَـاكُمْ "[الحجرات:13]. فالتقوى هي النسَب، وهي التي ترفع صاحبَها وتُعلي قدرَه، لا فضلَ لعربي على عجميّ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وقال سيّد البشر: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبيّة، وليس منا من مات على عصبيّةٍ)) أخرجه أبو داود[8]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي سياق آيات الحجّ يقول - تعالى -:" لّيَشْهَدُواْ مَنَـافِعَ لَهُمْ "[الحج:28]. في الحجّ منافعُ دينيّة ودنيوية، فهو أعظم فرصةٍ لحلّ مشكلات المسلمين، وجمع كلمتهم ولَمِّ شملهم، وإحياء مبدأ التراحم والتكافُل والقضاء على الفُرقة والتمزُّق، هذه الوحدَة هي سرّ قوّة الأمّة ورقيِّها وسعادتها" وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً" [آل عمران:103]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">حذّرنا - سبحانه - من الفُرقة فقال:" وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ "[الأنفال:46]. وتوعّد - سبحانه - دعاةَ الفرقة بالعذاب فقال - سبحانه -:" وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ "[آل عمران:105]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">لقد أدرك أعداءُ الإسلام أثَر وحدةِ المسلمين في القوّة والمنَعَة، فعملوا على إيقادِ نار العداوة والبغضاء بين المسلمين في كلّ عصرٍ وحين، وهذه مأساةُ المسلمين الكبرى في واقِعهم المعاصِر. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي الحجّ يتعلّم المسلمُ الرفقَ بإخوانه المسلمين، وكان رسول الله يقول في منصَرَفه من عرفةَ إلى مزدلفة: ((السكينة السكينة))[9]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">التراحم يُثمِر محبّةً وألفة ومودّة، والقَسوة تولِّد أحقاداً وكراهية، ومن الرفق أن يُعين أخاه ويفسح له الطريق، يحترمَه ويحبّه، لا يظلمه ولا يؤذيه، قال رسول الله: ((مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطُفهم مثَل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسّهر والحمّى)) أخرجه مسلم[10]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.</span></span></span></p> <p style="text-align: center"></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo"><span style="color: darkred">الخطبة الثانية </span></span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">الحمد لله الذي أمرنا بطاعته ونهانا عن معصيته، أحمده - سبحانه - وأشكره على جزيل نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد المتّقين جزيلَ فضله والخلودَ في جنّتِه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمّداً عبده ورسوله، أنار للسالكين طريقَ سنّتِه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وجميع أمّته. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي سياق آيات الحجّ يقول - تعالى -:" إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" [البقرة:158]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">كانت هاجَر عليها السلام تسعى بين الصفا والمروة سبعَ مرّات بتصميم وثباتٍ وعدَم يأس، اتخذتِ الأسبابَ، وبذلت جُهداً مضنياً مع توكُّلٍ على الله، فالفرج بيده - سبحانه - وحدَه، مالكِ الملك مقدِّر الأقدار، الجوارحُ تعملُ بالأسباب والقلبُ يناجي ربَّ الأربابِ، هي بهذا ترسم الخُطى في كلِّ عصرٍ ولكلّ جيل لشحذِ الهمّة، وبذل الجهد لطرق أبواب الخير مرّةً وثانية وثالثة، بتصميم لا يتردّد وعزمٍ لا يلين مع صدقٍ في التوكُّل على الله - سبحانه -. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">وفي سياق آيات الحجّ يقول - سبحانه -:" فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَـاقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ "[البقرة:200 - 202]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">إن هناك فريقين: فريقاً همُّه الدنيا، يجمع حُطامَها بحرصٍ وتعلُق، يذكرها حتى حين يتوجّه إلى الله بالدعاء، فقد امتلأت نفسُه بحبِّها، وأحاطت به من كلّ جانب، هؤلاء قد ينالون نصيبَهم في الدنيا ولا نصيبَ لهم في الآخرة، وفريقاً أفسحُ مجالاً وأوسعُ أُفُقاً وأكبَر نَفساً؛ لأن همَّه الآخرة ورضوانُ الله، يريد الحسنةَ في الدنيا، ولكنه لا ينسى نصيبَه في الآخرة، هؤلاء لهم نصيبٌ لا [يبطئ] عليهم، فالله سريعُ الحساب، قال - تعالى -:" وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً "[الإسراء:19]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">ألا وصلّوا ـ عبادَ الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال:" إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً" [الأحزاب:56]. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">اللهمّ صلّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين..</span></span></span></p> <p style="text-align: center"></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[1] مسند أحمد (2/305) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط (8993)، وأبو نعيم في الحلية (3/305 - 306)، والبيهقي في الكبرى (5/58)، وصححه ابن خزيمة (2839)، وابن حبان (3852)، والحاكم (1708)، وصحح إسناده النووي في المجموع (7/358 - 359)، وهو في صحيح الترغيب والترهيب (8047). وأخرجه أيضا أحمد (2/224)، والطبراني في الصغير (575) وفي الأوسط (8218) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال المنذري في الترغيب (2/131): "إسناد أحمد لا بأس به"، وقال الهيثمي في المجمع (3/351 - 352): "رجال أحمد موثقون"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1153). وفي الباب عن غيرهما من الصحابة.</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[2] سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (2892) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط (6311)، والبيهقي في الكبرى (5/262) وقال: "صالح بن عبد الله منكر الحديث"، وضعف إسناده البوصيري في الزوائد (3/183)، وهو في ضعيف الترغيب (693). </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[3] سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (2890)، وهو أيضا عند الترمذي في الشمائل (335)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/442)، وأبي نعيم في الحلية (6/308)، وأشار إلى ضعفه المنذري في الترغيب (2/116)، وضعف سنده الحافظ في الفتح (3/381)، ولكن له طرق تقويه، ولذا صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2617).</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[4] أخرجه البخاري في الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها (1773)، ومسلم في الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1349) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[5] صحيح البخاري: كتاب الإيمان (10) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهم عند مسلم في الإيمان (40) نحوه.</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[6] سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (3110) عن عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أحمد (4/347)، وابن الجعد في مسنده (2296)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/268)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (689)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (664).</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[7] صحيح البخاري: كتاب الأدب (6064، 6065، 6066، 6076)، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (2559، 2563) عن أبي هريرة وعن أنس رضي الله عنهما.</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[8] سنن أبي داود: كتاب الأدب (2151) عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، قال أبو داود في رواية ابن العبد ـ كما في تهذيب الكمال (15/65) ـ: "هذا مرسل، عبد الله بن أبي سليمان لم يسمع من جبير"، قال المناوي في الفيض (5/386): "وفيه محمد بن عبد الرحمن المكي أو البكي قطرب أبو حاتم: مجهول"، وضعفه الألباني في غاية المرام (304).</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[9] أخرجه مسلم في الحج (1218) في حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - الطويل.</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo">[10] صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، وهو في صحيح البخاري في كتاب الأدب (6011) نحوه. </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo"></span></span></span></p><p><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo"></span></span></span></p><p><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: indigo"></span></span></span></p></blockquote><p></p>
[QUOTE="أم حذيفة, post: 51178, member: 1"] [center][size=6][font=traditional arabic][color=#ff0000]رِحلة الحجّ عبر القرآن الكريم [/color][color=red][color=darkgreen]عبد الباري الثبيتي[/color][/color][/font][/size] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][color=darkred]الخطبة الأولى: [/color][/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله - تعالى -:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ "[آل عمران:102]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]شرع الله العباداتِ لحِكَمٍ عظيمة ومصالحَ عديدة، أجلُّها تحقيقُ عبودية الله - سبحانه - والخضوع له فيما أمر ونهى، ومنها تزكيةُ النفس وترويضها على الفضائل. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]الحجُّ في حياةِ المسلمين مدرسةٌ عظيمةُ العطاء واسعةُ الأثر بليغةُ العبرة، موسمٌ تسمو فيه الأرواح وتشرِق النفوس. الحجّ ملتقًى كبيرٌ يفِد إليه الحجّاجُ من أنحاء المعمورة إلى الأرض المقدّسة، ألوانٌ مختلفة وأجناسٌ متعدِّدة وألسُنٌ متباينة، يقول الله - تعالى - في الحديث القدسي: ((انظروا إلى عبادي، أتَوني شُعثاً غُبراً)) أخرجه أحمد[1]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]يحكي القرآنُ دعاءَ إبراهيم - عليه السلام -، قال - تعالى -:" رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" [إبراهيم:37]. ويستجيبُ الله دعاءَ خليله، وتمضي الأفئدةُ تهوي إلى هذا المكان لتعمِّره، مُلبِّين مكبّرين خاضعين متذلِّلين، جموعٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، تطوف وتَسعى، ويستمرّ الطوافُ لا ينقطع مهما بلغ حرُّ النهار أو بردُ الليل، ويبقى البيت العتيقُ مفتوحاً ليلاً ونهاراً. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]في الحجّ يشهَد الحاجّ مهبطَ الوحي، ويترسّم خطواتِ النبي، يستروح الذكرياتِ والمعاني، ويرى التأريخ أمامه على أرضِ التاريخ، كلُّ حبَّةِ رملٍ في هذه البقاع تحمل تأريخاً مشرقاً، وتنطق بحضارةٍ أضحى عطاؤها للبشرية متحقِّقاً. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]على المسلم التوبةُ النصوح وتجديدها عند الدخول في هذه المناسك، يعاهِد ربَّه على عبادته، يطيعه ولا يعصيه، يؤدّي الصلوات، يترك السيّئات، يبتعِد عن المحرّمات، فالحجّ ملاذ كلِّ المسلمين، العابدون يزدادون قرباً من مولاهم، والعصاةُ يستروِحون عَبَق الرحمات، في هذه الأجواءِ الإيمانية الآمنة يقرّون بذنوبهم، يلتمسون عفوَه ومغفرته ورحمتَه ورضوانه، قال الله - تعالى -:" لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ "[الحج:37]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي سياقِ آيات الحجِّ يقول - تعالى -: "وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ "[البقرة:196]، العملُ كلُّ العمل في هذه الدنيا يُراد به وجهُ الله، فمن شروط قَبول الأعمال تحقيقُ الإخلاص لله، أي: أن تقصد ـ أيّها الحاج ـ بعملك وجهَ الله، لا رياءَ ولا سمعة ولا مباهاة، أن تبتغيَ برحلتك المباركة وجهَ الله للفوز بنعيم الجنّة. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]إن كلَّ حركةٍ ومشهَدٍ ونفقةٍ تؤدِّيها في رحلة الحجّ تقرّبك إلى الله وتزيد في حسناتك، قال: ((الحُجَّاج والعُمّار وفدُ الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفرَ لهم)) أخرجه ابن ماجه[2]. ولذا كان رسول الله يسأل ربَّه الإخلاصَ قائلاً كما في حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((اللهم حجّة لا رياءَ فيها ولا سُمعة)) أخرجه ابن ماجه[3]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]كم للنية الخالصةِ في الحجّ من أثرٍ عظيم في زكاةِ النفس وفلاحها، تأمّل هذا الفضل العظيم في قوله: ((الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))[4]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]ومن صفاتِ هذا الحجّ أن يكونَ خالصاً لله، والإخلاصُ ليس بالأمر الهيّن، قال أحدُ السلف: "تخليص النيات على العُمّال أشدُّ عليهم من جميعِ الأعمال"، وقيل لأحدهم: أيّ شيء أشدّ على النفس؟ قال: "الإخلاص، إذ ليس لها فيه نصيب"، وقال بعضهم: "إخلاصُ ساعة نجاةُ الأبد". [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]فالإخلاصُ عزيز، ولا يتخلّص الإنسانُ من الشيطان إلا بالإخلاص، كما في قوله - تعالى - حكايةً عن إبليس:" قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" [ص:82، 83]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي سياق آيات الحجّ يقول الله - تعالى -:" وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" [البقرة:197]. خير ما يتزوّد به الحاجّ في الحجّ التقوى. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]التقوى غايةُ الأمر وجِماع الخير، هي فعلُ الطاعات واجتناب المحرّمات، وليس السّفر من الدنيا بأهونَ من السفر في الدنيا، وهذا لا بدّ له من زادٍ فكذا، وإذا كان زادُ الدنيا يخلِّصُ من عذاب منقطعٍ موهوم فإنّ زادَ الآخرة يقي من عذابٍ أبديّ معلوم. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]" وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ " التَّقْوَى تنبيهٌ للحاجّ لاستصحابِ التقوى في قلبه في كلّ خطوةٍ يخطوها، بل ويضاعِف تقواه في السرّ والعلَن، في الحِلّ والحرم، في نفسه ومع غيره، ومن التقوى كفُّ الأذى عن الناس بالقول أو الفعل، قال رسول الله: ((المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده)) أخرجه البخاري[5]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]قال - تعالى -:" ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ "[الحج:32]. تعظيمُ أعمال الحجّ ومناسك الحجّ من تقوى القلوب، يكون ذلك بإجلالها بالقلبِ ومحبّتها وتكميل العبودية فيها، وفي الحديث أن رسول الله قال: ((لا تزال هذه الأمّة بخيرٍ ما عَظَّموا هذه الحرمةَ حقَّ تعظيمها ـ يعني الكعبة ـ، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا)) أخرجه ابن ماجه[6].[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي سياق آيات الحجّ يقول - تعالى -:" وَأَذّن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً "[الحج:27]. إنّ هذا النداءَ يُبرِز عالميّة الإسلام، فهو يدعو الأنام كلَّهم إلى الإسلام ليحرِّرهم من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضِيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة، قال - تعالى -:" وَمَا أَرْسَلْنَـاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـالَمِينَ "[الأنبياء:107]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]الإسلامُ دينٌ عالمي، فقد جمع بين أبي بكر العربيّ وصهيبٍ الروميّ وبلال الحبشيّ وسلمان الفارسيّ وغيرهم من شتّى القبائل والبلدان، وقال: ((وكونوا عبادَ الله إخواناً)) متفق عليه[7]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]إن الناظرَ إلى شعائر الحجّ يجدها تدعو إلى محوِ فوارق اللون واللغةِ والجنس، تجلّى ذلك واضحاً في خطبة يوم عرفة بإعلان مبادئ وحقوقِ الإنسان، دينٌ عالميّ؛ لأنه من عند الله وفيه من الكمال والشمول ما لم يوجد في غيره. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]حجّاجَ بيت الله، تصطفّ هذه الجموع المباركةُ في هذه البقاع الطاهرة من آفاق الدنيا كلِّها قائلةً: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، تجمعهم أخوّةٌ إيمانية صادقة ووحدة صافيةٌ ومساواة عادِلة، ذابت بينهم الفوارق العِرقية وتبدّدت كلُّ مظاهر الاعتزاز بالجنس أو اللون. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]أما معيارُ المفاضلةِ والتكريم فقد قال - سبحانه -:" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَـاكُمْ "[الحجرات:13]. فالتقوى هي النسَب، وهي التي ترفع صاحبَها وتُعلي قدرَه، لا فضلَ لعربي على عجميّ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وقال سيّد البشر: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبيّة، وليس منا من مات على عصبيّةٍ)) أخرجه أبو داود[8]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي سياق آيات الحجّ يقول - تعالى -:" لّيَشْهَدُواْ مَنَـافِعَ لَهُمْ "[الحج:28]. في الحجّ منافعُ دينيّة ودنيوية، فهو أعظم فرصةٍ لحلّ مشكلات المسلمين، وجمع كلمتهم ولَمِّ شملهم، وإحياء مبدأ التراحم والتكافُل والقضاء على الفُرقة والتمزُّق، هذه الوحدَة هي سرّ قوّة الأمّة ورقيِّها وسعادتها" وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً" [آل عمران:103]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]حذّرنا - سبحانه - من الفُرقة فقال:" وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ "[الأنفال:46]. وتوعّد - سبحانه - دعاةَ الفرقة بالعذاب فقال - سبحانه -:" وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ "[آل عمران:105]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]لقد أدرك أعداءُ الإسلام أثَر وحدةِ المسلمين في القوّة والمنَعَة، فعملوا على إيقادِ نار العداوة والبغضاء بين المسلمين في كلّ عصرٍ وحين، وهذه مأساةُ المسلمين الكبرى في واقِعهم المعاصِر. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي الحجّ يتعلّم المسلمُ الرفقَ بإخوانه المسلمين، وكان رسول الله يقول في منصَرَفه من عرفةَ إلى مزدلفة: ((السكينة السكينة))[9]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]التراحم يُثمِر محبّةً وألفة ومودّة، والقَسوة تولِّد أحقاداً وكراهية، ومن الرفق أن يُعين أخاه ويفسح له الطريق، يحترمَه ويحبّه، لا يظلمه ولا يؤذيه، قال رسول الله: ((مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطُفهم مثَل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسّهر والحمّى)) أخرجه مسلم[10]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][color=darkred]الخطبة الثانية [/color][/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]الحمد لله الذي أمرنا بطاعته ونهانا عن معصيته، أحمده - سبحانه - وأشكره على جزيل نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد المتّقين جزيلَ فضله والخلودَ في جنّتِه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمّداً عبده ورسوله، أنار للسالكين طريقَ سنّتِه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وجميع أمّته. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي سياق آيات الحجّ يقول - تعالى -:" إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" [البقرة:158]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]كانت هاجَر عليها السلام تسعى بين الصفا والمروة سبعَ مرّات بتصميم وثباتٍ وعدَم يأس، اتخذتِ الأسبابَ، وبذلت جُهداً مضنياً مع توكُّلٍ على الله، فالفرج بيده - سبحانه - وحدَه، مالكِ الملك مقدِّر الأقدار، الجوارحُ تعملُ بالأسباب والقلبُ يناجي ربَّ الأربابِ، هي بهذا ترسم الخُطى في كلِّ عصرٍ ولكلّ جيل لشحذِ الهمّة، وبذل الجهد لطرق أبواب الخير مرّةً وثانية وثالثة، بتصميم لا يتردّد وعزمٍ لا يلين مع صدقٍ في التوكُّل على الله - سبحانه -. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]وفي سياق آيات الحجّ يقول - سبحانه -:" فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَـاقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ "[البقرة:200 - 202]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]إن هناك فريقين: فريقاً همُّه الدنيا، يجمع حُطامَها بحرصٍ وتعلُق، يذكرها حتى حين يتوجّه إلى الله بالدعاء، فقد امتلأت نفسُه بحبِّها، وأحاطت به من كلّ جانب، هؤلاء قد ينالون نصيبَهم في الدنيا ولا نصيبَ لهم في الآخرة، وفريقاً أفسحُ مجالاً وأوسعُ أُفُقاً وأكبَر نَفساً؛ لأن همَّه الآخرة ورضوانُ الله، يريد الحسنةَ في الدنيا، ولكنه لا ينسى نصيبَه في الآخرة، هؤلاء لهم نصيبٌ لا [يبطئ] عليهم، فالله سريعُ الحساب، قال - تعالى -:" وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً "[الإسراء:19]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]ألا وصلّوا ـ عبادَ الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال:" إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً" [الأحزاب:56]. [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]اللهمّ صلّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين..[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo]- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][1] مسند أحمد (2/305) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط (8993)، وأبو نعيم في الحلية (3/305 - 306)، والبيهقي في الكبرى (5/58)، وصححه ابن خزيمة (2839)، وابن حبان (3852)، والحاكم (1708)، وصحح إسناده النووي في المجموع (7/358 - 359)، وهو في صحيح الترغيب والترهيب (8047). وأخرجه أيضا أحمد (2/224)، والطبراني في الصغير (575) وفي الأوسط (8218) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال المنذري في الترغيب (2/131): "إسناد أحمد لا بأس به"، وقال الهيثمي في المجمع (3/351 - 352): "رجال أحمد موثقون"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1153). وفي الباب عن غيرهما من الصحابة.[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][2] سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (2892) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط (6311)، والبيهقي في الكبرى (5/262) وقال: "صالح بن عبد الله منكر الحديث"، وضعف إسناده البوصيري في الزوائد (3/183)، وهو في ضعيف الترغيب (693). [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][3] سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (2890)، وهو أيضا عند الترمذي في الشمائل (335)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/442)، وأبي نعيم في الحلية (6/308)، وأشار إلى ضعفه المنذري في الترغيب (2/116)، وضعف سنده الحافظ في الفتح (3/381)، ولكن له طرق تقويه، ولذا صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2617).[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][4] أخرجه البخاري في الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها (1773)، ومسلم في الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1349) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][5] صحيح البخاري: كتاب الإيمان (10) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهم عند مسلم في الإيمان (40) نحوه.[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][6] سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (3110) عن عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أحمد (4/347)، وابن الجعد في مسنده (2296)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/268)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (689)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (664).[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][7] صحيح البخاري: كتاب الأدب (6064، 6065، 6066، 6076)، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (2559، 2563) عن أبي هريرة وعن أنس رضي الله عنهما.[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][8] سنن أبي داود: كتاب الأدب (2151) عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، قال أبو داود في رواية ابن العبد ـ كما في تهذيب الكمال (15/65) ـ: "هذا مرسل، عبد الله بن أبي سليمان لم يسمع من جبير"، قال المناوي في الفيض (5/386): "وفيه محمد بن عبد الرحمن المكي أو البكي قطرب أبو حاتم: مجهول"، وضعفه الألباني في غاية المرام (304).[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][9] أخرجه مسلم في الحج (1218) في حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - الطويل.[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=indigo][10] صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، وهو في صحيح البخاري في كتاب الأدب (6011) نحوه. [/color][/size][/font][/center][font=traditional arabic][size=5][color=indigo] [/color][/size][/font] [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
القسم العام
روضة المناسبات الإسلامية
روضــة الحـــج والعمــرة
رِحلة الحجّ عبر القرآن الكريم