عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة) .
س/ هل العدد في الحديث مراد ؟
العدد غير مراد، فقد ورد في عدة روايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال
فُضلت على الأنبياء بست) وفي حديث قال
وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون) وفي حديث: أنها سبع خصال
فضلنا على الناس بثلاث خصال) يعني غير ما سبق( جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ...)، وغيرها من الأحاديث، فالعدد غير مراد، إنما هذه مما فضل به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال
لم يعطهن أحد قبلي) يعني من الأنبياء قبل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمَّ -هذه الخمس- هي أيضاً خصيصة لأمته -عليه الصلاة والسلام.
س/ متى قال النبي
أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) ؟
جاء في بعض الروايات أن هذه المقالة قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد عودته من غزوة تبوك.
س/ ما المقصود من قوله
مسيرة شهر) ؟
يعني قبل أن يصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى القوم أو العدو يبدأ الخوف لديهم بمسافة شهر، ذكر بعض الشراح أن مسيرة شهر ليست مراده هنا، وإنما المراد بزمن ولو طال أكثر من شهر, قالوا: لأن الشهر هنا كان هو أبعد مسافة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أبعد عدو لديه في وقته، وإلا فيمكن أن تكون من حيث الزمن أكثر، ومن المعلوم أن قضية الزمن الآن تقاربت, وهذا يؤيد هذا القول، أن المسافة هنا أيضاً غير مراده، وإنما المراد زمن، وهذه مزية أو خصيصة من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن ثمَّ فهي خصيصة لأمته.
س/ هل كل الدنيا مسجد بالمفهوم من قوله
وجعلت لي الأرض مسجداً) ؟
المقصود هو أنه يجوز الصلاة في أي مكان يكون غير نجس، في أي بقعة من الأرض، وهذا الأمر لم يكن موجوداً للأنبياء قبل ذلك -قبل النبي صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الصلوات عندهم في أمكنة معينة فقط لا تجوز إلا في هذه الأمكنة، أما للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته فيجوز أن يصلي فوق كل أرض ما دام أن هذه الأرض ليست نجسة.
س/ لماذا قال (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصلِّ)،ولم يقل وامرأة ؟
قال
رجل) للأغلب، أو التمثيل وإذا ذكر الرجل تدخل بالتالي المرأة في التكليف، ومثله إذا ذكر الشمس والقمر, وهكذا لما يقال: القمران يعني الأب والأم مثلاً.
س/ ما الذي فسره قوله
فأيما رجل أدركته الصلاة فليصلِّ) ؟
هذه الجملة فسرت وشرحت الجملة التي قبلها بأنه يجوز أن نصلي في أي أرض ما دامت لم تتنجس هذه الأرض، إذن الأصل في الأرض الطهارة للصلاة والتطهر بها عن طريق التيمم.
س/ ما المراد من قوله: (وأعطيت الشفاعة)؟
الشفاعة: هي الوساطة، والمقصود بالشفاعة هنا الشفاعة العظمى؛ وهو عندما يجتمع الخلائق يوم القيامة وتدنوا الشمس منهم؛ منهم من يلجمه العرق إلجاماً, ومنهم من يبلغ إلى نصفه, ومنهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظله إلا ظله، في هذا الموقف العصيب:﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 2]، يجتمع الخلائق كلهم يبحثون عن مخلص، فيذهب هؤلاء الناس إلى الأنبياء, نذهب إلى أبينا آدم فيعتذر، يذهبون بعده إلى نوح فيعتذر, ثم إلى إبراهيم فيعتذر، ثم إلى موسى فيعتذر, ثم إلى عيسى فيعتذر, وكل منهم يقول: اذهبوا لمن بعدي فهو أفضل مني وكذا -عليهم الصلاة والسلام جميعاً- فيذهبون بعد ذلك إلى نبينا وحبيبنا محمد -عليه الصلاة والسلام-، فيقول
أنا لها, أنا لها) فيذهب إلى ربه -عز وجل- ويسجد تحت العرش, وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-
يفتح عليه من المحامد ما لم يكن يعرفه من قبل لله -سبحانه وتعالى- فإذا أطال السجود قيل له: ارفع رأسك وسل تعطَ واشفع تشفع)، فيشفع النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ربه في الخلائق في الفصل بين الناس, فيذهب الكفار إلى النار, ويذهب المؤمنون إلى الجنة, كما يذهب المنافقون أيضاً إلى النار، هذه الشفاعة العظمى هي خاصة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يدخل معه أحد غيره.
س/ هل توجد شفاعات لغير النبي يوم القيامة ؟
هناك شفاعات أخرى يدخل الأنبياء معه -عليه الصلاة والسلام- ويدخل بعض المؤمنين معهم في هذه الشفاعات؛ مثل من يشفع لقريبه, من يشفع لصديقه, من يشفع لمن يعرفه وقد أخذ حظه من النار بقدر معصيته إذا حكم الله -سبحانه وتعالى- عليه ذلك، يشفعون لهم, كما يشفع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي خاصة أيضاً بفتح باب الجنة، فهناك مجموع شفاعات وصلها بعض أهل العلم إلى سبع شفاعات، لكن المقصود هنا في الخصوصية للنبي -صلى الله عليه وسلم-، الشفاعة العظمى.
س/ ما المقصود من قوله
وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة) ؟
أن كل الأنبياء قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- والمرسلين -عندما يبعثون إلى الناس- يبعثون إلى قومهم، قبيلتهم قريتهم، إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- فبعث إلى الناس كافة، فهو خاتم الرسل وخاتم الأنبياء, ورسالته إلى الناس كافة الإنس والجن، إلى يوم القيامة، ولا يجوز بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يؤمن أحد ويتبع غير شريعته -عليه الصلاة والسلام-، وهذا مقتضى أنه بعث إلى الناس عامة، أو كافة؛ ولذلك لا يجوز لأحد أن يؤمن أو أن يتبع غير شريعة النبي -صلى الله عليه وسلم.
( باب الحيض )
عن عائشة -رضي الله عنها- أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: ( إني أستحاض فلا أطهر, أفأدع الصلاة ؟ فقال: لا، إن ذلك عِرْق, ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)، وفي رواية: ( وليس بالحيضة, فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).
عن عائشة -رضي الله عنها-: ( أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فأمرها أن تغتسل, فكانت تغتسل لكل صلاة) .
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ( كنت أغتسل أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد كلانا جنب. فكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف, فأغسله وأنا حائض) .
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ( كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتكئ في حجري وأنا حائض , فيقرأ القرآن).
عن معاذة -رضي الله عنها- قالت: ( سألت عائشة -رضي الله عنها- فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت: أحرورية أنت ؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
س/ ما هو الحيض ؟
الحيض: أصله السيلان، وهو كما يقول الفقهاء: دم يحدث للأنثى بمقتضى طبيعتها بدون سبب معلوم, وبعض الفقهاء -رحمهم الله- يجعل هذا الدم -وهكذا الطب يؤيده إلى حد كبير- أن هذا الدم أصله حليب الجنين، فإذا وجد الجنين في البطن، فيغذى عن طريق هذا الدم، فبحكمة الله -سبحانه وتعالى- يقلبه غذاءً له، إذا لم يكن في البطن جنين فيخرج في مسار شهري، هذا الدم، كما جاء في بعض الأحاديث
دم أسود يُعْرَف) أو( يُعْرِف) يجوز اللغتان دم أسود يُعْرَف، أو يُعْرِف، فهو يبقى غامق -لونه غامق- ليس كسائر الدم العادي لونه أحمر.
س/ ما طبيعة هذا الحيض ؟
أولاً: يخرج في مسار شهري، يعني يوم أو يومين, وأغلب النساء ست أو سبع, ومنهن من تتجاوز إلى اثنا عشر وثلاثة عشر وأربعة عشر يوماً، المهم أن له مدة معلومة في الشهر.
أيضاً: له رائحة, ليس كسائر الدم، له رائحة واضحة قوية, فلذلك تعرفه النساء, خصوصاً التي استمر معها هذا الحيض ولم تكن صغيرة لازال لتوهِ يأتيها، وهو من حيث اللون أسود يعني غامق جداً.