الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
أحكام الأمراض التي لا يرجى برؤها
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="ابن عامر الشامي" data-source="post: 35767" data-attributes="member: 329"><p>المبحث الثامن</p><p>إنهاء حياة من لا يرجى برؤه</p><p></p><p>إنهاء حياة المريض الذي لا يرجى برؤه ، أو ما اشتهر باسم القتل شفقةً ( Euthanasia ) أو القتل رحمةً ، أو تيسير الموت ، فكرة فلسفية تعود إلى أيام الإغريق القدماء ، وقد أطلق الفيلسوف سقراط ( 469 ـ 399 ق.م ) على هذا الشكل من الموت اسم ( التدبير الذاتي للموت بشرف ) ، وذكر الفيلسوف أفلاطون ( 427 ـ 347 ق.م ) تلميذ سقراط في كتابه الشهير ( الجمهورية ) أن الذين تنقصهم سلامة الأجسام يجب أن يتركوا للموت !</p><p>أما اصطلاح ( القتل بدافع الشفقة ) فينسب إلى الفيلسوف الإنكليزي روجيه بيكون ( 1214 ـ 1294 ) الذي ذهب إلى أن ( على الأطباء أن يعملوا على إعادة الصحة للمرضى ويخففوا آلامهم ، ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم لا أمل فيه فيجب عليهم أن يدبروا لهم موتاً هادئاً وسهلاً ) !</p><p>وفي عام 1823 عرضت على القضاء الأمريكي أول قضية في قتل الرحمة ، حين أقدم أب على إغراق أطفاله الثلاثة ليذهبوا ( إلى الجنة مباشرة ) على حد تعبيره ، وفي أوائل القرن العشرين الميلادي قامت في ألمانيا حركة تنادي بإباحة قتل الرحمة ، وفي عام 1930 أنشئت الجمعية الأمريكية لقتل الرحمة ( عدل اسمها في عام 1970 إلى جمعية حق الإنسان في الموت ) ، وفي عام 1936 أباح بعض أساقفة الكنيسة في الولايات المتحدة قتل الرحمة في ( حدود معقولة ومقبولة ) حسب تعبيره ، وفي العام نفسه عقدت الجمعية البريطانية لقتل الرحمة أول اجتماع لها ، وقدمت مشروعاً إلى مجلس اللوردات تقترح فيه إصدار قانون يبيح قتل الرحمة ، لكن المجلس رفض المشروع .</p><p>وفي عام 1939 أصدر الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر ( 1889 ـ 1945 ) أمراً أباح فيه قتل المرضى العقليين والمعتوهين والشيوخ الذين أصيبوا بالخرف ، وفي عام 1970 ظهرت في بريطانيا حركة نشطة تنادي بالسماح بقتل الرحمة ، وفي عام 1977 أعطى القانون في ولاية كاليفورنيا الحق لكل شخص أن يحدد موعد موته بأن يكون سهلاً ودون معاناة ، وفي عام 1982 تأسست هناك جمعية لتيسير الموت وتسهيله .</p><p>والحديث عن قتل الرحمة يرد غالباً عند الحديث عن المريض الميئوس من شفائه ، كالمريض بالسرطان في مراحله الأخيرة حين يصل به الألم إلى درجة شديدة لا يطيقها ، فتأتي الدعوة لإنهاء حياته بذريعة تخليصه من الألم .. وللقتل شفقةً ثلاث صور :</p><p>(1) إعطاء المريض جرعة كبيرة من دواءٍ قويٍّ مضاد للألم لتضع هذه الجرعة المفرطة حداً لحياته .</p><p>(2) أن يكون المريض غير قادر على التنفس إلا بواسطة المنفاس ( Respirator ) فإذا فصل عنه هذا الجهاز توقف تنفسه ومات .</p><p>(3) أن يكون علاج المريض سبباً في استمرار حياته دون شفائه فإذا أوقف عنه العلاج مات ، وقد بحث الفقهاءُ القدامى حالة مماثلة لهذه الحالة وهي التي تسمى في القوانين الحديثة (الجريمة السَّلبية) وضربوا لذلك مثلاً بالشخص الذي يمتنع عن إرشاد الأعمى ويتركه ليقع في بئر فيموت ، واعتبروا الشخصَ الذي لم يرشده قاتلاً بالرغم من عدم قيامه بأي دور إيجابي ، وكذلك فعلوا تجاه الشَّخص الذي يترك اللقيطَ دون عناية حتى يموت ، ويمكن أن نقيس عليه الطبيب الذي يترك المريض دون علاج إلى أن يموت .</p><p>ومن الواضح أن الحالتين الأوليين تقتضيان تدخُّلاً إيجابياً من الطبيب ، أما الحالة الثالثة فلا تقتضي إلا موقفاً سلبياً يتمثل بامتناع الطبيب عن علاج المريض ، غير أن موت المريض هو النتيجة العملية في الحالات الثلاث .</p><p>وقد ثارت مناقشات طويلة بين أهل الشريعة ورجال القانون حول مسألة القتل شفقة الذي يبدو أن الدافع الظاهر له دافع إنساني يستهدف تخليص المريض من آلامه التي لا أمل بالخلاص منها إلا بالموت ، وحتى اليوم مازالت القوانين الوضعية في العالم لا تبيح قتل الشفقة منعاً لاتِّخاذه ذريعة لجريمة القتل العمد ، ففي عام 1966 وضعت إحدى المحاكم الأمريكية قانوناً يجرِّم الطبيب الذي يمارس قتل الرحمة ، واعتبرت أن التعجيل بموت المريض تخليصاً له من آلامه يعد فعلاً معاقباً عليه قانوناً ، وفي عام 1996م أصدرت أستراليا قانوناً يبيح قتل الرحمة ، لكنها عادت بعد ثمانية أشهر فقط فألغت القانون بعد أن وقعت هناك أربع جرائم قتل بشعة تحت مظلة هذا القانون .</p><p>إلا أن بعض الدول ـ بالرغم من رفضها لقتل الرحمة ـ أصبحت تفرِّق في قوانينها ما بين القتل الجنائي وقتل الرحمة ، وتجعل من هذا الأخير مجرد جُنْحَة ، أما معظم قوانين العقوبات في البلدان العربية فلا تأخذ بمبدأ تخفيف العقوبة في قتل الرحمة ، لكنها ترى أن ذلك لا يمنع من تطبيق مبدأ « الظروف المخففة » المعروفة في القوانين الجنائية ، وهي تقوم على تخفيف العقوبة إذا اقتضت الجريمة المقامة من أجلها الدعوى رأفة القضاة ، وهذا معمول به حالياً في كل من السودان وسورية ولبنان إذا كان القتل مبنياً على رضا المجني عليه ، أو كان القتل بناء على إلحاح المجني عليه .</p><p>أما من الوجهة الشرعية ، فلا خلاف على حرمة القتل بعامة ، والنصوص الواردة في هذا كثيرة منها : (( ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلا بالحَقِّ .. الآية )) ، وقوله تعالى : (( ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً )) ، ومنه تحريم القتل بحجة الشفقة ، لأنه اعتداء صريح على حقِّ الله تعالى في الحياة التي وهبها للإنسان ، ولأنَّ الصَّبر على المرض والألم مطلوب شرعاً ، وهو تعبير عن رضا العبد بقضاء الله وقدره ، وقد ضرب القرآن الكريم مثلاً عليه من صبر نبي الله أيوب عليه السلام ، الذي ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بالمرض والآلام المبرحة لفترة طويلة من الزمن فصبر على مرضه وآلامه حتى جاءه الفرج منه سبحانه .</p><p>وقد ورد في الصحيح نصوص عديدة تدل على حرمة قتل النفس للخلاص من الألم ، منها ما رواه سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه (( أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليهِ وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا ، فلما مالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى عَسْكَرِهِ ، ومالَ الآخرون إلى عسكرِهِم ، وفي أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتبعها بسيفهِ ، فقالوا : ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان . فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أما إنَّهُ من أهلِ النَّارِ . فقالَ رجلٌ من القومِ : أنا صاحبُهُ . قالَ : فخرجَ معهُ كلما وقفَ وقفَ معهُ ، وإذا أسرَعَ أسرَعَ معهُ ، قالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحاً شديداً ، فاستعجلَ الموتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سيفِهِ بالأرضِ وذبابَهُ بين ثدييهِ ثُمَّ تَحَامَلَ على سيفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فرجعَ الرجلُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ : أشْهَدُ أنكَ رسولُ اللهِ . قالَ صلى الله عليه وسلم : وما ذاكَ ؟! قالَ : الرجلُ الذي ذَكَرْتَ آنفاً أنَّهُ من أهلِ النارِ ، فأعظمَ الناسُ ذلك ، فقلتُ أنا لكم به ، فخرجتُ في طلبِهِ ، ثم جُرح جرحاً شديداً فاستعجلَ الموتَ فوضعَ نصلَ سيفهِ في الأرضِ وذبابَهُ بين ثدييهِ ثم تَحامَلَ عليهِ فَقَتَلَ نفسَهُ . فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند ذلك : إنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنةِ ، فيما يبدو للناسِ ، وهو من أهلِ النارِ ، وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النارِ ، فيما يبدو للناسِ ، وهو من أهلِ الجنةِ )) .</p><p>ومنها كذلك ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : (( كانَ رجلُ ممن كانَ قبلَكم وكانَ بهِ جرحٌ ، فأخذَ سكيناً نَحَرَ بها يَدَهُ ، فما رقأ الدمُ حتى ماتَ . قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : عبدي بادَرَني بنفسهِ ، حَرَّمْتُ عليهِ الجنةَ )) ، وهذا يعني أن أي عمل يؤدي إلى تسريع وفاة المريض أو المصاب إصابة بليغة حرام لا ريب فيه ، وما القتل بدعوى الشفقة أو الرحمة في حقيقته إلا قتل مظلمة .</p><p>وقد ناقش المجمع الفقهي الإسلامي هذه المسألة بالتفصيل في دورته السابعة ، المنعقدة في مدينة جدة ، عام 1992م ، وأصدر القرار ( 67/5/17 ) الذي تضمن رفضه بشدة لما يسمى قتل الرحمة ، بأي حال من الأحوال ، وأن العلاج في الحالات الميئوس منها يخضع للتداوي والعلاج والأخذ بالأسباب التي أودعها الله عزَّ وجلَّ في الكون ، ولا يجوز شرعاً اليأس من روح الله ، أو القنوط من رحمته ، بل ينبغي بقاء الأمل بالشفاء بإذن الله تعالى ، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض ، ورعايته ، وتخفيف آلامه النفسية والبدنية ، بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه .</p><p>وعلى هذا فلا يجوز للمريض إنهاء حياته بنفسه ، لأنه يُعَدُّ منتحراً ، ولا يجوز له أن يطلب ذلك من الطبيب ، كما أن الطبيب الذي يساعد المريض على إنهاء حياته يكون آثماً ، وتطبَّق بحقِّهِ أحكامُ القتل العمد ، لأن عمله هذا مخالف لصريح الكتاب والسنة بحرمة النفس البشرية ، كما أنه مخالف لقوانين مزاولة المهنة .</p><p>والخلاصة ، أن من واجب الأطباء أن يجتهدوا قدر المستطاع بخدمة المريض ، وفق القواعد الطبية المتعارف عليها ، مع تقوى الله في ذلك كله ، واستحضار النية الخالصة بمنفعة المريض ، وتخفيف آلامه ، حتى آخر رمق من حياته ، أما إذا غلب على ظن الطبيب أن حجب الدواء أو العلاج عن المريض لا يقدم له نفعاً ، ولا يدفع عنه ضرراً ، فقد جاز له أن يحجب عنه الدواء .</p><p>ومن الوجهة القانونية يجب على الطبيب أن يدون في ملف المريض حيثيات الواقعة والأسباب التي دعته لوقف العلاج ، وهو يتحمل نتيجة اجتهاده هذا ، ويستحسن في مثل هذه الحالات أن يوضع التقرير من قبل لجنة طبية لا تقل عن طبيبين اثنين من أهل الاختصاص .</p><p>ومن المفيد هنا أن نشير إلى اتفاق الفقهاء على أنه إذا اعتدى شخص على شخص فأوصله إلى الرمق الأخير ، أو حالة حركة المذبوح التي سبقت الإشارة إليها ، بأن لم يبقَ له إبصار ولا نطق ولا حركة اختيارية ، ثم جنى عليه شخص آخر فمات ، فالقاتل هو الشخص الأول ، أما الثاني فإنه يُعَزَّر لأنه اعتدى على حرمة الميِّت ، أما إذا جنى الثاني قبل وصول المجني عليه إلى الرمق الأخير بفعلٍ مزهق كحزِّ الرقبة ، فالقاتل هو الثاني ، وعلى الأول قصاص العضو أو دِيَتُه ، وأما إذا كان جرحُ الأول يفضي إلى الموت لا محالة لكنه لم يوصله إلى الرمق الأخير ، ولم يخرجه من الحياة المستقرة ، فجاء الثاني فضرب عنقَهُ ، فالقاتل هو الثاني أيضاً لأنه فوَّت حياةً مستقرة ، أما إذا كان وصول المجني عليه إلى الرمق الأخير بسبب مرضٍ لا بسبب جناية ، بأن كان في حالة النزع وعيشه عيش المذبوح ، أو بدت عليه مخايل الموت ، أو كان مريضاً لا يرجى برؤه ، فجاء شخصٌ فقتله ، فقد وجب القصاص على القاتل ، لأن هذه الأمور غير مقطوع بها ، وقد يُظنُّ ذلك ثم يشفى .</p><p></p><p>المبحث التاسع</p><p>تعمد العدوى بأمراض لا يرجى برؤها</p><p></p><p>العَدْوى ( Infection ) : تعني دخول أحد العوامل المُمْرِضة إلى جسم الإنسان وإحداث المرض ، والعوامل الممرضة التي تسبب العدوى هي ( الجراثيم ، والفيروسات ، والطفيليات ، والفطريات ) ويوجد من كل منها عشرات الآلاف من الأنواع ، وهي تسبب عدداً كبيراً من الأمراض السارية ، وتصل هذه العوامل الممرضة إلى الإنسان الصحيح من مصدر خارجي ، قد يكون إنساناً مريضاً ظهرت عليه أعراض المرض ، أو إنساناً حاملاً لجرثومة المرض ولم تظهر عليه الأعراض ، أو حيواناً ، أو أدوات ملوثة بجرثومة المرض ، أو الهواء أو الماء أو غير ذلك من عناصر الطبيعة ، وقد حبا الخالق عزَّ وجلَّ جسم الإنسان جهاز مناعة نشطاً يكفل له مقاومة هذه الأمراض في الأحوال العادية ، وفي بعض الأحوال الأخرى تضعف مناعة الشخص ، أو يكون العامل الممرض قوياً ، فيتغلب على مناعة الجسم ويسبب المرض .</p><p>والذي يعنينا هنا ، أن بعض المصابين بأمراض سارية خطيرة لا يرجى برؤها قد يتعمدون نقل العدوى إلى غيرهم من الأصحاء ، وذلك لأسباب نفسية أو جنائية أو اجتماعية مختلفة ، وهو فعل لاشك بحرمته ، لما فيه من إضرار بالغير قد يصل إلى حد الموت في بعض الأمراض المعدية الخطيرة ( الإيدز مثلاً ) ، وفي هذا مخالفة صريحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا ضَرَرَ ولا ضِرار )) .</p><p>وقد نوقش هذا الموضوع في عدة مؤتمرات فقهية ، منها مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن في بندر سري بجاون ، بروناي دار السلام ، عام 1414هـ / 1993م ، الذي أوصى الجهات المختصة في الدول الإسلامية ( باتخاذ كافة التدابير للوقاية من الإيدز ، ومعاقبة من يقوم بنقل الإيدز إلى غيره متعمداً ) كما أوصى المجلس ( في حال إصابة أحد الزوجين بهذا المرض أنَّ عليه أنْ يُخبر الطَّرَفَ الآخر ، وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة ) وقرر المجلس كذلك ( أنَّ على المصاب أو حامل الفيروس أنْ يتجنَّب كلَّ وسيلة يُعدي بها غيره ) .</p><p>أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره التاسع الذي عقد في مدينة أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة عام 1415هـ/1995م فقد انتهى إلى أن ( تَعَمُّدَ نَقْلِ العدوى بمرض من الأمراض المعدية القاتلة مثل مرض الإيدز إلى السليم بأية صورة من صور التعمد هو عمل محرم ، ويعدُّ من كبائر الذنوب والآثام ، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية ، وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وتأثيره على الأفراد ، وتأثيره على المجتمع ، فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعاً من الحرابة والإفساد في الأرض ، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة " سورة المائدة ، الآية 33 " وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ، وتمت العدوى ، ولم يمت المنقول إليه بعد ، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة ، وعند حدوث الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه ، وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية ) .</p><p>ومن جهة أخرى ، ينبغي تقديم الرعاية الطبية والاجتماعية اللازمة للمريض بمرض سار لا يرجى برؤه ، حتى آخر لحظة من حياته ، لاسيما وأنه قد يعيش لسنوات طويلة ، وقد يؤدي خدمات جليلة للمجتمع ، وربما عثر الطب في المستقبل على علاج ناجع له ، وقد سجل تاريخ الطب اكتشاف العديد من العلاجات الناجعة لأمراض ظل الأطباء لقرون طويلة يعتقدون أن لا أمل بشفائها .</p><p>ونظراً للخطورة البالغة في بعض الأمراض السارية فإنه ينبغي على السلطات الصحية أن تلزم العاملين في المرافق الصحية ( الأطباء ، التمريض ، فنيي المختبرات ، بنوك الدم ، أقسام الطوارئ ، أقسام الولادة ، غرف العمليات .. ) باتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لحماية المرضى من العدوى خلال فترة علاجهم ، وكذلك حماية العاملين أنفسهم من الإصابة بالعدوى من مرضاهم ، كما ينبغي أن تنص التشريعات القانونية على عقوبات مشددة تطبق بحق العاملين الصحيين الذين يهملون هذه الاحتياطات أو لا يتقيدون بها .</p><p>ونظراً للخطورة الشديدة التي تنطوي عليها بعض الأمراض السارية ، ولأن معظم هذه الأمراض ليست لها أعراض ظاهرة في بادئ أمرها ، فإننا نميل إلى إلزام المقبلين على الزواج بإجراء فحص طبي قبل الزواج لبيان سلامتهما من هذه الأمراض ، وفي حال اكتشاف واحد من هذه الأمراض عند أحد الطرفين يجب عليه شرعاً أن يخبر الطرف السليم ليكون على بينة من أمره ، فإن شاء مضى بإتمام الزواج وإن شاء توقف ، هذا إذا كان المرض من النوع الذي لا يرجى برؤه ويشكل خطراً أكيداً على حياة الطرف الآخر ، أما إن كان المرض قابلاً للشفاء فيؤخر الزواج إلى ما بعد الشفاء . </p><p>أما إذا أصيب أحد الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية بأحد الأمراض السارية الخطيرة التي تنتقل عن طريق الجنس ، ويكون المرض قابلاً للشفاء ، فمن حق الطرف السليم الامتناع عن المعاشرة الزوجية ريثما يشفى المصاب ، وذلك حماية له من العدوى والضرر .</p><p>أما إذا كان المرض من النوع الذي لا يرجى برؤه ، وكان يشكل خطراً أكيداً على حياة الطرف الآخر فيما لو أصيب بالعدوى ، كما هي حال الإيدز مثلاً ، فمن حق الطرف السليم طلب فسخ عقد النكاح إن أراد ، لأن الضرر الذي قد يصيبه فادح جداً ، أما إذا اختار الإبقاء على الزواج فإننا ننصح باتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لحماية نفسه من العدوى ، مثل استعمال الواقي الذكري ، أو الواقي المهبلي ، أو غيره من الوسائل التي تمنع العدوى بإذن الله تعالى .</p><p></p><p>المبحث العاشر</p><p>رعاية من لا يرجى برؤه</p><p></p><p>من المعلوم جيداً في الممارسة الطبية أن هناك علاقة وثيقة ما بين حالة المريض العضوية وحالته النفسية ، بل إن الأعراض النفسية التي تظهر على المريض من جراء مرضه العضوي قد تكون أبرز من الأعراض العضوية ، أضف إلى هذا أن بعض المرضى يميلون بطبعهم إلى التهويل وتضخيم الأعراض التي يشكون منها حتى إن بعضهم يتوهم أنها نهايته ، وهذا ما يدل على أهمية الدعم النفسي للمرضى ، ولاسيما منهم الميالين للوهم والتهويل !</p><p>وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مواساة المريض والتخفيف عنه ، ورفع معنوياته ، فقال : (( إذا دَخَلْتُمْ على المريضِ فَنَفِّسُوا لَهُ في أجَلَهِ ، فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ شيئاً ، وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ )) ، وأشار الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إلى هذا الجانب المهم في التعامل مع المريض ، فذكر من صفات الطبيب الحاذق ( أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان ، فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمر مشهود . والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل ، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب . وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه ، وصلاحه ، وتقوية أرواحه وقواه ، بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة ، فليس بطبيب بل متطبب قاصر ) .</p><p>ولاشك بأن طمأنة المريض ، ودعمه نفسياً ، والتنفيس له في الأجل ، كلها عوامل مهمة في تخفيف أوجاعه ، وإزالة القلق والوساوس عنه ، وفي هذا أجر عظيم للطبيب ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُرْبَةً من كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنهُ كُرْبَةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ )) ، ولتحقيق هذا الهدف النبيل ينبغي للطبيب أن يعطي مريضه الوقت الكافي ، ويصغي له جيداً حتى يفهم طبيعة ما يشتكي منه ، ويعرف ما يقلقه ( وليس ينبغي للطبيب أن يمنع المريض من كثرة ما يشتكيه فيظهر ضجراً من ذلك ، لأنه ربما أورد في كلامه علامات يستدل منها الطبيب على ما ينتفع به ، ويستشهد بها على صحة مرضه ) ، وبعد أن يحيط الطبيب بالمشكلة الصحية التي يشتكي منها المريض عليه أن يشرح له طبيعة مرضه بطريقة مناسبة ، ويجيب على تساؤلاته ، ويجعله على بينة من حالته الصحية ، ويقوي أمله بالشفاء ، ويزيل مخاوفه وأوهامه .</p><p>وقد رأينا في الممارسة العملية أن اهتمامنا بحالة المريض ، والإصغاء الجيد لشكواه ، والكشف عليه بعناية ، مع بضع كلمات طيبة ، تفعل في نفسه أكثر مما يفعل الدواء ، حتى إن كثيراً منهم كانوا يطلبون منا عدم وصف أي دواء لهم ، مكتفين بما سمعوه من كلمات طيبة ، وشرح مبسط لحالتهم الصحية ، ونصائح شفوية !</p><p>ومن العوامل التي تساعد كثيراً في طمأنة المريض ودعمه نفسياً أن نذكِّره بالأجر العظيم من الله تعالى لقاء صبره على المرض والألم ، مع تذكيره ببعض ما جاء في الكتاب والسنة من توجيهات تعينه على الصبر واحتساب الأجر من الله ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما مِنْ مُسْلِمٍ تُصيبُهُ مُصيبةٌ فَيَقُولُ ما أمَرَهُ اللهُ : إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ ، اللهُمَّ أْجُرْني في مُصيبَتي ، واخْلُفْ لي خَيْراً منها ، إلا آجَرَهُ اللهُ في مصيبتِهِ ، وأخلَفَ لهُ خيراً منها )) ، هذا مع التذكير بأن حضَّ المريض على الصبر ينبغي أن لا يصل إلى حد تشجيعه على ترك العلاج إن كان ضرورياً لحالته ، لأن ترك العلاج قد يسبب تفاقم المرض ويعرِّض حياة المريض للخطر !</p><p>ولا ريب بأن المرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية ، أو أمراض خطيرة في مراحلها النهائية ، مثل السرطان والإيدز ونحوهما ، يحتاجون إلى رعاية نفسية واجتماعية خاصة ، إلى جانب الوسائل العلاجية الأخرى التي تستخدم عادة لتخفيف الآلام والمعاناة ، وهو ما يعرف بالطب التلطيفي ( Palliative Medicine ) الذي عرَّفته منظمة الصحة العالمية بأنه : الطب الذي يهدف إلى منع حدوث وتخفيف المعاناة ، وتقديم المعونة والدعم للحصول على أقصى درجة من الحياة الجيدة والمريحة ، للمرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية كالأورام ، مهما كانت مرحلة المرض أو تقدمه ، أو مرحلة العلاج ، ويقدم هذا العلاج بطرق ملائمة لكل مريض حسب حالته .</p><p>وقد أصبح الطب التلطيفي في أيامنا الحاضرة من التخصصات المهمة في الممارسات الطبية ، وهو يقوم على تقديم العلاج الفعال للآلام والأعراض ، إلى جانب العلاج النفسي والدعم الاجتماعي والمعنوي والديني للمرضى وذويهم ، وينبغي أن يكون العلاج التلطيفي شاملاً ومتكاملاً ، ويأخذ بعين الاعتبار احترام حقوق المريض ، ومراعاة اهتماماته ، ومشاركة عائلته باتخاذ القرارات التي تتعلق بحالته المرضية . </p><p>ويتولى مهمة العلاج التلطيفي عادة فريق متكامل من المتخصصين الذين لديهم الخبرة الكافية بهذا النوع من العلاج ، ويتمتعون بمهارات التواصل مع المريض وأهله ، ويبدأ العلاج التلطيفي غالباً بالتزامن مع المعالجات الأخرى ، ويستمر حتى المراحل النهائية ، وقد يبدأ عندما تصبح المعالجات الأخرى غير مجدية ، وعندئذ يقتصر دور الطب التلطيفي على تخفيف الآلام والأعراض ، والدعم النفسي والاجتماعي للمريض وذويه .</p><p>وهناك أمور مهمة جداً تجب مناقشها مع المريض المصاب بمرض لا يرجى برؤه ، وذلك قبل أن تسوء حالته ، وقبل غيابه عن الوعي ، ومنها على سبيل المثال الإنعاش القلبي الرئوي ( Cardiac Pulmonary Resuscitation ) ، ويرمز له اختصاراً ( CPR ) ، فقد وجد أن تقديم هذا الإنعاش بصورة عاجلة وصحيحة يمكن أن ينقذ حياة المريض ، ويزيد من فرص شفائه ، ورجوع وظائف أعضائه إلى حالتها الطبيعية أو القريبة من الطبيعي .</p><p>وقد تكون النتيجة عكسية في حالات أخرى ، كما هي حال المرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية أو متقدمة مثل الأورام ، ويعانون من فشل عضوي متعدد ، وضعف عام في وظائف الجسم ، فقد وجد أن الإنعاش القلبي الرئوي في هذه الحال يمكن أن يزيد من تفاقم المرض والألم دون فائدة ترتجى ، ولذلك قد يكون من الأفضل عدم تقديم الإنعاش القلبي الرئوي في مثل هذه الحالات .</p><p>فهذه الاحتمالات المختلفة ينبغي أن نبينها للمريض إذا كان واعياً وأهلاً لذلك ، أو لذويه إن كان فاقداً للوعي أو غير أهل لذلك ، وقد أفتى بعض العلماء أنه ( إذا كان مرض المريض مستعصياً غير قابل للعلاج ، بشهادة ثلاثة من الأطباء الثقات ، فلا يستعمل جهاز الإنعاش ، ويكون هذا القرار طبياً ، ويقوم الطبيب المعالج بتوصيل هذا القرار للمريض ، أو أهله ، بطريقة مناسبة ) .</p></blockquote><p></p>
[QUOTE="ابن عامر الشامي, post: 35767, member: 329"] المبحث الثامن إنهاء حياة من لا يرجى برؤه إنهاء حياة المريض الذي لا يرجى برؤه ، أو ما اشتهر باسم القتل شفقةً ( Euthanasia ) أو القتل رحمةً ، أو تيسير الموت ، فكرة فلسفية تعود إلى أيام الإغريق القدماء ، وقد أطلق الفيلسوف سقراط ( 469 ـ 399 ق.م ) على هذا الشكل من الموت اسم ( التدبير الذاتي للموت بشرف ) ، وذكر الفيلسوف أفلاطون ( 427 ـ 347 ق.م ) تلميذ سقراط في كتابه الشهير ( الجمهورية ) أن الذين تنقصهم سلامة الأجسام يجب أن يتركوا للموت ! أما اصطلاح ( القتل بدافع الشفقة ) فينسب إلى الفيلسوف الإنكليزي روجيه بيكون ( 1214 ـ 1294 ) الذي ذهب إلى أن ( على الأطباء أن يعملوا على إعادة الصحة للمرضى ويخففوا آلامهم ، ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم لا أمل فيه فيجب عليهم أن يدبروا لهم موتاً هادئاً وسهلاً ) ! وفي عام 1823 عرضت على القضاء الأمريكي أول قضية في قتل الرحمة ، حين أقدم أب على إغراق أطفاله الثلاثة ليذهبوا ( إلى الجنة مباشرة ) على حد تعبيره ، وفي أوائل القرن العشرين الميلادي قامت في ألمانيا حركة تنادي بإباحة قتل الرحمة ، وفي عام 1930 أنشئت الجمعية الأمريكية لقتل الرحمة ( عدل اسمها في عام 1970 إلى جمعية حق الإنسان في الموت ) ، وفي عام 1936 أباح بعض أساقفة الكنيسة في الولايات المتحدة قتل الرحمة في ( حدود معقولة ومقبولة ) حسب تعبيره ، وفي العام نفسه عقدت الجمعية البريطانية لقتل الرحمة أول اجتماع لها ، وقدمت مشروعاً إلى مجلس اللوردات تقترح فيه إصدار قانون يبيح قتل الرحمة ، لكن المجلس رفض المشروع . وفي عام 1939 أصدر الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر ( 1889 ـ 1945 ) أمراً أباح فيه قتل المرضى العقليين والمعتوهين والشيوخ الذين أصيبوا بالخرف ، وفي عام 1970 ظهرت في بريطانيا حركة نشطة تنادي بالسماح بقتل الرحمة ، وفي عام 1977 أعطى القانون في ولاية كاليفورنيا الحق لكل شخص أن يحدد موعد موته بأن يكون سهلاً ودون معاناة ، وفي عام 1982 تأسست هناك جمعية لتيسير الموت وتسهيله . والحديث عن قتل الرحمة يرد غالباً عند الحديث عن المريض الميئوس من شفائه ، كالمريض بالسرطان في مراحله الأخيرة حين يصل به الألم إلى درجة شديدة لا يطيقها ، فتأتي الدعوة لإنهاء حياته بذريعة تخليصه من الألم .. وللقتل شفقةً ثلاث صور : (1) إعطاء المريض جرعة كبيرة من دواءٍ قويٍّ مضاد للألم لتضع هذه الجرعة المفرطة حداً لحياته . (2) أن يكون المريض غير قادر على التنفس إلا بواسطة المنفاس ( Respirator ) فإذا فصل عنه هذا الجهاز توقف تنفسه ومات . (3) أن يكون علاج المريض سبباً في استمرار حياته دون شفائه فإذا أوقف عنه العلاج مات ، وقد بحث الفقهاءُ القدامى حالة مماثلة لهذه الحالة وهي التي تسمى في القوانين الحديثة (الجريمة السَّلبية) وضربوا لذلك مثلاً بالشخص الذي يمتنع عن إرشاد الأعمى ويتركه ليقع في بئر فيموت ، واعتبروا الشخصَ الذي لم يرشده قاتلاً بالرغم من عدم قيامه بأي دور إيجابي ، وكذلك فعلوا تجاه الشَّخص الذي يترك اللقيطَ دون عناية حتى يموت ، ويمكن أن نقيس عليه الطبيب الذي يترك المريض دون علاج إلى أن يموت . ومن الواضح أن الحالتين الأوليين تقتضيان تدخُّلاً إيجابياً من الطبيب ، أما الحالة الثالثة فلا تقتضي إلا موقفاً سلبياً يتمثل بامتناع الطبيب عن علاج المريض ، غير أن موت المريض هو النتيجة العملية في الحالات الثلاث . وقد ثارت مناقشات طويلة بين أهل الشريعة ورجال القانون حول مسألة القتل شفقة الذي يبدو أن الدافع الظاهر له دافع إنساني يستهدف تخليص المريض من آلامه التي لا أمل بالخلاص منها إلا بالموت ، وحتى اليوم مازالت القوانين الوضعية في العالم لا تبيح قتل الشفقة منعاً لاتِّخاذه ذريعة لجريمة القتل العمد ، ففي عام 1966 وضعت إحدى المحاكم الأمريكية قانوناً يجرِّم الطبيب الذي يمارس قتل الرحمة ، واعتبرت أن التعجيل بموت المريض تخليصاً له من آلامه يعد فعلاً معاقباً عليه قانوناً ، وفي عام 1996م أصدرت أستراليا قانوناً يبيح قتل الرحمة ، لكنها عادت بعد ثمانية أشهر فقط فألغت القانون بعد أن وقعت هناك أربع جرائم قتل بشعة تحت مظلة هذا القانون . إلا أن بعض الدول ـ بالرغم من رفضها لقتل الرحمة ـ أصبحت تفرِّق في قوانينها ما بين القتل الجنائي وقتل الرحمة ، وتجعل من هذا الأخير مجرد جُنْحَة ، أما معظم قوانين العقوبات في البلدان العربية فلا تأخذ بمبدأ تخفيف العقوبة في قتل الرحمة ، لكنها ترى أن ذلك لا يمنع من تطبيق مبدأ « الظروف المخففة » المعروفة في القوانين الجنائية ، وهي تقوم على تخفيف العقوبة إذا اقتضت الجريمة المقامة من أجلها الدعوى رأفة القضاة ، وهذا معمول به حالياً في كل من السودان وسورية ولبنان إذا كان القتل مبنياً على رضا المجني عليه ، أو كان القتل بناء على إلحاح المجني عليه . أما من الوجهة الشرعية ، فلا خلاف على حرمة القتل بعامة ، والنصوص الواردة في هذا كثيرة منها : (( ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلا بالحَقِّ .. الآية )) ، وقوله تعالى : (( ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً )) ، ومنه تحريم القتل بحجة الشفقة ، لأنه اعتداء صريح على حقِّ الله تعالى في الحياة التي وهبها للإنسان ، ولأنَّ الصَّبر على المرض والألم مطلوب شرعاً ، وهو تعبير عن رضا العبد بقضاء الله وقدره ، وقد ضرب القرآن الكريم مثلاً عليه من صبر نبي الله أيوب عليه السلام ، الذي ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بالمرض والآلام المبرحة لفترة طويلة من الزمن فصبر على مرضه وآلامه حتى جاءه الفرج منه سبحانه . وقد ورد في الصحيح نصوص عديدة تدل على حرمة قتل النفس للخلاص من الألم ، منها ما رواه سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه (( أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليهِ وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا ، فلما مالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى عَسْكَرِهِ ، ومالَ الآخرون إلى عسكرِهِم ، وفي أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتبعها بسيفهِ ، فقالوا : ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان . فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أما إنَّهُ من أهلِ النَّارِ . فقالَ رجلٌ من القومِ : أنا صاحبُهُ . قالَ : فخرجَ معهُ كلما وقفَ وقفَ معهُ ، وإذا أسرَعَ أسرَعَ معهُ ، قالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحاً شديداً ، فاستعجلَ الموتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سيفِهِ بالأرضِ وذبابَهُ بين ثدييهِ ثُمَّ تَحَامَلَ على سيفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فرجعَ الرجلُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ : أشْهَدُ أنكَ رسولُ اللهِ . قالَ صلى الله عليه وسلم : وما ذاكَ ؟! قالَ : الرجلُ الذي ذَكَرْتَ آنفاً أنَّهُ من أهلِ النارِ ، فأعظمَ الناسُ ذلك ، فقلتُ أنا لكم به ، فخرجتُ في طلبِهِ ، ثم جُرح جرحاً شديداً فاستعجلَ الموتَ فوضعَ نصلَ سيفهِ في الأرضِ وذبابَهُ بين ثدييهِ ثم تَحامَلَ عليهِ فَقَتَلَ نفسَهُ . فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند ذلك : إنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنةِ ، فيما يبدو للناسِ ، وهو من أهلِ النارِ ، وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النارِ ، فيما يبدو للناسِ ، وهو من أهلِ الجنةِ )) . ومنها كذلك ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : (( كانَ رجلُ ممن كانَ قبلَكم وكانَ بهِ جرحٌ ، فأخذَ سكيناً نَحَرَ بها يَدَهُ ، فما رقأ الدمُ حتى ماتَ . قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : عبدي بادَرَني بنفسهِ ، حَرَّمْتُ عليهِ الجنةَ )) ، وهذا يعني أن أي عمل يؤدي إلى تسريع وفاة المريض أو المصاب إصابة بليغة حرام لا ريب فيه ، وما القتل بدعوى الشفقة أو الرحمة في حقيقته إلا قتل مظلمة . وقد ناقش المجمع الفقهي الإسلامي هذه المسألة بالتفصيل في دورته السابعة ، المنعقدة في مدينة جدة ، عام 1992م ، وأصدر القرار ( 67/5/17 ) الذي تضمن رفضه بشدة لما يسمى قتل الرحمة ، بأي حال من الأحوال ، وأن العلاج في الحالات الميئوس منها يخضع للتداوي والعلاج والأخذ بالأسباب التي أودعها الله عزَّ وجلَّ في الكون ، ولا يجوز شرعاً اليأس من روح الله ، أو القنوط من رحمته ، بل ينبغي بقاء الأمل بالشفاء بإذن الله تعالى ، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض ، ورعايته ، وتخفيف آلامه النفسية والبدنية ، بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه . وعلى هذا فلا يجوز للمريض إنهاء حياته بنفسه ، لأنه يُعَدُّ منتحراً ، ولا يجوز له أن يطلب ذلك من الطبيب ، كما أن الطبيب الذي يساعد المريض على إنهاء حياته يكون آثماً ، وتطبَّق بحقِّهِ أحكامُ القتل العمد ، لأن عمله هذا مخالف لصريح الكتاب والسنة بحرمة النفس البشرية ، كما أنه مخالف لقوانين مزاولة المهنة . والخلاصة ، أن من واجب الأطباء أن يجتهدوا قدر المستطاع بخدمة المريض ، وفق القواعد الطبية المتعارف عليها ، مع تقوى الله في ذلك كله ، واستحضار النية الخالصة بمنفعة المريض ، وتخفيف آلامه ، حتى آخر رمق من حياته ، أما إذا غلب على ظن الطبيب أن حجب الدواء أو العلاج عن المريض لا يقدم له نفعاً ، ولا يدفع عنه ضرراً ، فقد جاز له أن يحجب عنه الدواء . ومن الوجهة القانونية يجب على الطبيب أن يدون في ملف المريض حيثيات الواقعة والأسباب التي دعته لوقف العلاج ، وهو يتحمل نتيجة اجتهاده هذا ، ويستحسن في مثل هذه الحالات أن يوضع التقرير من قبل لجنة طبية لا تقل عن طبيبين اثنين من أهل الاختصاص . ومن المفيد هنا أن نشير إلى اتفاق الفقهاء على أنه إذا اعتدى شخص على شخص فأوصله إلى الرمق الأخير ، أو حالة حركة المذبوح التي سبقت الإشارة إليها ، بأن لم يبقَ له إبصار ولا نطق ولا حركة اختيارية ، ثم جنى عليه شخص آخر فمات ، فالقاتل هو الشخص الأول ، أما الثاني فإنه يُعَزَّر لأنه اعتدى على حرمة الميِّت ، أما إذا جنى الثاني قبل وصول المجني عليه إلى الرمق الأخير بفعلٍ مزهق كحزِّ الرقبة ، فالقاتل هو الثاني ، وعلى الأول قصاص العضو أو دِيَتُه ، وأما إذا كان جرحُ الأول يفضي إلى الموت لا محالة لكنه لم يوصله إلى الرمق الأخير ، ولم يخرجه من الحياة المستقرة ، فجاء الثاني فضرب عنقَهُ ، فالقاتل هو الثاني أيضاً لأنه فوَّت حياةً مستقرة ، أما إذا كان وصول المجني عليه إلى الرمق الأخير بسبب مرضٍ لا بسبب جناية ، بأن كان في حالة النزع وعيشه عيش المذبوح ، أو بدت عليه مخايل الموت ، أو كان مريضاً لا يرجى برؤه ، فجاء شخصٌ فقتله ، فقد وجب القصاص على القاتل ، لأن هذه الأمور غير مقطوع بها ، وقد يُظنُّ ذلك ثم يشفى . المبحث التاسع تعمد العدوى بأمراض لا يرجى برؤها العَدْوى ( Infection ) : تعني دخول أحد العوامل المُمْرِضة إلى جسم الإنسان وإحداث المرض ، والعوامل الممرضة التي تسبب العدوى هي ( الجراثيم ، والفيروسات ، والطفيليات ، والفطريات ) ويوجد من كل منها عشرات الآلاف من الأنواع ، وهي تسبب عدداً كبيراً من الأمراض السارية ، وتصل هذه العوامل الممرضة إلى الإنسان الصحيح من مصدر خارجي ، قد يكون إنساناً مريضاً ظهرت عليه أعراض المرض ، أو إنساناً حاملاً لجرثومة المرض ولم تظهر عليه الأعراض ، أو حيواناً ، أو أدوات ملوثة بجرثومة المرض ، أو الهواء أو الماء أو غير ذلك من عناصر الطبيعة ، وقد حبا الخالق عزَّ وجلَّ جسم الإنسان جهاز مناعة نشطاً يكفل له مقاومة هذه الأمراض في الأحوال العادية ، وفي بعض الأحوال الأخرى تضعف مناعة الشخص ، أو يكون العامل الممرض قوياً ، فيتغلب على مناعة الجسم ويسبب المرض . والذي يعنينا هنا ، أن بعض المصابين بأمراض سارية خطيرة لا يرجى برؤها قد يتعمدون نقل العدوى إلى غيرهم من الأصحاء ، وذلك لأسباب نفسية أو جنائية أو اجتماعية مختلفة ، وهو فعل لاشك بحرمته ، لما فيه من إضرار بالغير قد يصل إلى حد الموت في بعض الأمراض المعدية الخطيرة ( الإيدز مثلاً ) ، وفي هذا مخالفة صريحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا ضَرَرَ ولا ضِرار )) . وقد نوقش هذا الموضوع في عدة مؤتمرات فقهية ، منها مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن في بندر سري بجاون ، بروناي دار السلام ، عام 1414هـ / 1993م ، الذي أوصى الجهات المختصة في الدول الإسلامية ( باتخاذ كافة التدابير للوقاية من الإيدز ، ومعاقبة من يقوم بنقل الإيدز إلى غيره متعمداً ) كما أوصى المجلس ( في حال إصابة أحد الزوجين بهذا المرض أنَّ عليه أنْ يُخبر الطَّرَفَ الآخر ، وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة ) وقرر المجلس كذلك ( أنَّ على المصاب أو حامل الفيروس أنْ يتجنَّب كلَّ وسيلة يُعدي بها غيره ) . أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره التاسع الذي عقد في مدينة أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة عام 1415هـ/1995م فقد انتهى إلى أن ( تَعَمُّدَ نَقْلِ العدوى بمرض من الأمراض المعدية القاتلة مثل مرض الإيدز إلى السليم بأية صورة من صور التعمد هو عمل محرم ، ويعدُّ من كبائر الذنوب والآثام ، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية ، وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وتأثيره على الأفراد ، وتأثيره على المجتمع ، فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعاً من الحرابة والإفساد في الأرض ، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة " سورة المائدة ، الآية 33 " وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ، وتمت العدوى ، ولم يمت المنقول إليه بعد ، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة ، وعند حدوث الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه ، وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية ) . ومن جهة أخرى ، ينبغي تقديم الرعاية الطبية والاجتماعية اللازمة للمريض بمرض سار لا يرجى برؤه ، حتى آخر لحظة من حياته ، لاسيما وأنه قد يعيش لسنوات طويلة ، وقد يؤدي خدمات جليلة للمجتمع ، وربما عثر الطب في المستقبل على علاج ناجع له ، وقد سجل تاريخ الطب اكتشاف العديد من العلاجات الناجعة لأمراض ظل الأطباء لقرون طويلة يعتقدون أن لا أمل بشفائها . ونظراً للخطورة البالغة في بعض الأمراض السارية فإنه ينبغي على السلطات الصحية أن تلزم العاملين في المرافق الصحية ( الأطباء ، التمريض ، فنيي المختبرات ، بنوك الدم ، أقسام الطوارئ ، أقسام الولادة ، غرف العمليات .. ) باتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لحماية المرضى من العدوى خلال فترة علاجهم ، وكذلك حماية العاملين أنفسهم من الإصابة بالعدوى من مرضاهم ، كما ينبغي أن تنص التشريعات القانونية على عقوبات مشددة تطبق بحق العاملين الصحيين الذين يهملون هذه الاحتياطات أو لا يتقيدون بها . ونظراً للخطورة الشديدة التي تنطوي عليها بعض الأمراض السارية ، ولأن معظم هذه الأمراض ليست لها أعراض ظاهرة في بادئ أمرها ، فإننا نميل إلى إلزام المقبلين على الزواج بإجراء فحص طبي قبل الزواج لبيان سلامتهما من هذه الأمراض ، وفي حال اكتشاف واحد من هذه الأمراض عند أحد الطرفين يجب عليه شرعاً أن يخبر الطرف السليم ليكون على بينة من أمره ، فإن شاء مضى بإتمام الزواج وإن شاء توقف ، هذا إذا كان المرض من النوع الذي لا يرجى برؤه ويشكل خطراً أكيداً على حياة الطرف الآخر ، أما إن كان المرض قابلاً للشفاء فيؤخر الزواج إلى ما بعد الشفاء . أما إذا أصيب أحد الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية بأحد الأمراض السارية الخطيرة التي تنتقل عن طريق الجنس ، ويكون المرض قابلاً للشفاء ، فمن حق الطرف السليم الامتناع عن المعاشرة الزوجية ريثما يشفى المصاب ، وذلك حماية له من العدوى والضرر . أما إذا كان المرض من النوع الذي لا يرجى برؤه ، وكان يشكل خطراً أكيداً على حياة الطرف الآخر فيما لو أصيب بالعدوى ، كما هي حال الإيدز مثلاً ، فمن حق الطرف السليم طلب فسخ عقد النكاح إن أراد ، لأن الضرر الذي قد يصيبه فادح جداً ، أما إذا اختار الإبقاء على الزواج فإننا ننصح باتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لحماية نفسه من العدوى ، مثل استعمال الواقي الذكري ، أو الواقي المهبلي ، أو غيره من الوسائل التي تمنع العدوى بإذن الله تعالى . المبحث العاشر رعاية من لا يرجى برؤه من المعلوم جيداً في الممارسة الطبية أن هناك علاقة وثيقة ما بين حالة المريض العضوية وحالته النفسية ، بل إن الأعراض النفسية التي تظهر على المريض من جراء مرضه العضوي قد تكون أبرز من الأعراض العضوية ، أضف إلى هذا أن بعض المرضى يميلون بطبعهم إلى التهويل وتضخيم الأعراض التي يشكون منها حتى إن بعضهم يتوهم أنها نهايته ، وهذا ما يدل على أهمية الدعم النفسي للمرضى ، ولاسيما منهم الميالين للوهم والتهويل ! وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مواساة المريض والتخفيف عنه ، ورفع معنوياته ، فقال : (( إذا دَخَلْتُمْ على المريضِ فَنَفِّسُوا لَهُ في أجَلَهِ ، فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ شيئاً ، وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ )) ، وأشار الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إلى هذا الجانب المهم في التعامل مع المريض ، فذكر من صفات الطبيب الحاذق ( أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان ، فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمر مشهود . والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل ، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب . وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه ، وصلاحه ، وتقوية أرواحه وقواه ، بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة ، فليس بطبيب بل متطبب قاصر ) . ولاشك بأن طمأنة المريض ، ودعمه نفسياً ، والتنفيس له في الأجل ، كلها عوامل مهمة في تخفيف أوجاعه ، وإزالة القلق والوساوس عنه ، وفي هذا أجر عظيم للطبيب ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُرْبَةً من كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنهُ كُرْبَةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ )) ، ولتحقيق هذا الهدف النبيل ينبغي للطبيب أن يعطي مريضه الوقت الكافي ، ويصغي له جيداً حتى يفهم طبيعة ما يشتكي منه ، ويعرف ما يقلقه ( وليس ينبغي للطبيب أن يمنع المريض من كثرة ما يشتكيه فيظهر ضجراً من ذلك ، لأنه ربما أورد في كلامه علامات يستدل منها الطبيب على ما ينتفع به ، ويستشهد بها على صحة مرضه ) ، وبعد أن يحيط الطبيب بالمشكلة الصحية التي يشتكي منها المريض عليه أن يشرح له طبيعة مرضه بطريقة مناسبة ، ويجيب على تساؤلاته ، ويجعله على بينة من حالته الصحية ، ويقوي أمله بالشفاء ، ويزيل مخاوفه وأوهامه . وقد رأينا في الممارسة العملية أن اهتمامنا بحالة المريض ، والإصغاء الجيد لشكواه ، والكشف عليه بعناية ، مع بضع كلمات طيبة ، تفعل في نفسه أكثر مما يفعل الدواء ، حتى إن كثيراً منهم كانوا يطلبون منا عدم وصف أي دواء لهم ، مكتفين بما سمعوه من كلمات طيبة ، وشرح مبسط لحالتهم الصحية ، ونصائح شفوية ! ومن العوامل التي تساعد كثيراً في طمأنة المريض ودعمه نفسياً أن نذكِّره بالأجر العظيم من الله تعالى لقاء صبره على المرض والألم ، مع تذكيره ببعض ما جاء في الكتاب والسنة من توجيهات تعينه على الصبر واحتساب الأجر من الله ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما مِنْ مُسْلِمٍ تُصيبُهُ مُصيبةٌ فَيَقُولُ ما أمَرَهُ اللهُ : إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ ، اللهُمَّ أْجُرْني في مُصيبَتي ، واخْلُفْ لي خَيْراً منها ، إلا آجَرَهُ اللهُ في مصيبتِهِ ، وأخلَفَ لهُ خيراً منها )) ، هذا مع التذكير بأن حضَّ المريض على الصبر ينبغي أن لا يصل إلى حد تشجيعه على ترك العلاج إن كان ضرورياً لحالته ، لأن ترك العلاج قد يسبب تفاقم المرض ويعرِّض حياة المريض للخطر ! ولا ريب بأن المرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية ، أو أمراض خطيرة في مراحلها النهائية ، مثل السرطان والإيدز ونحوهما ، يحتاجون إلى رعاية نفسية واجتماعية خاصة ، إلى جانب الوسائل العلاجية الأخرى التي تستخدم عادة لتخفيف الآلام والمعاناة ، وهو ما يعرف بالطب التلطيفي ( Palliative Medicine ) الذي عرَّفته منظمة الصحة العالمية بأنه : الطب الذي يهدف إلى منع حدوث وتخفيف المعاناة ، وتقديم المعونة والدعم للحصول على أقصى درجة من الحياة الجيدة والمريحة ، للمرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية كالأورام ، مهما كانت مرحلة المرض أو تقدمه ، أو مرحلة العلاج ، ويقدم هذا العلاج بطرق ملائمة لكل مريض حسب حالته . وقد أصبح الطب التلطيفي في أيامنا الحاضرة من التخصصات المهمة في الممارسات الطبية ، وهو يقوم على تقديم العلاج الفعال للآلام والأعراض ، إلى جانب العلاج النفسي والدعم الاجتماعي والمعنوي والديني للمرضى وذويهم ، وينبغي أن يكون العلاج التلطيفي شاملاً ومتكاملاً ، ويأخذ بعين الاعتبار احترام حقوق المريض ، ومراعاة اهتماماته ، ومشاركة عائلته باتخاذ القرارات التي تتعلق بحالته المرضية . ويتولى مهمة العلاج التلطيفي عادة فريق متكامل من المتخصصين الذين لديهم الخبرة الكافية بهذا النوع من العلاج ، ويتمتعون بمهارات التواصل مع المريض وأهله ، ويبدأ العلاج التلطيفي غالباً بالتزامن مع المعالجات الأخرى ، ويستمر حتى المراحل النهائية ، وقد يبدأ عندما تصبح المعالجات الأخرى غير مجدية ، وعندئذ يقتصر دور الطب التلطيفي على تخفيف الآلام والأعراض ، والدعم النفسي والاجتماعي للمريض وذويه . وهناك أمور مهمة جداً تجب مناقشها مع المريض المصاب بمرض لا يرجى برؤه ، وذلك قبل أن تسوء حالته ، وقبل غيابه عن الوعي ، ومنها على سبيل المثال الإنعاش القلبي الرئوي ( Cardiac Pulmonary Resuscitation ) ، ويرمز له اختصاراً ( CPR ) ، فقد وجد أن تقديم هذا الإنعاش بصورة عاجلة وصحيحة يمكن أن ينقذ حياة المريض ، ويزيد من فرص شفائه ، ورجوع وظائف أعضائه إلى حالتها الطبيعية أو القريبة من الطبيعي . وقد تكون النتيجة عكسية في حالات أخرى ، كما هي حال المرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية أو متقدمة مثل الأورام ، ويعانون من فشل عضوي متعدد ، وضعف عام في وظائف الجسم ، فقد وجد أن الإنعاش القلبي الرئوي في هذه الحال يمكن أن يزيد من تفاقم المرض والألم دون فائدة ترتجى ، ولذلك قد يكون من الأفضل عدم تقديم الإنعاش القلبي الرئوي في مثل هذه الحالات . فهذه الاحتمالات المختلفة ينبغي أن نبينها للمريض إذا كان واعياً وأهلاً لذلك ، أو لذويه إن كان فاقداً للوعي أو غير أهل لذلك ، وقد أفتى بعض العلماء أنه ( إذا كان مرض المريض مستعصياً غير قابل للعلاج ، بشهادة ثلاثة من الأطباء الثقات ، فلا يستعمل جهاز الإنعاش ، ويكون هذا القرار طبياً ، ويقوم الطبيب المعالج بتوصيل هذا القرار للمريض ، أو أهله ، بطريقة مناسبة ) . [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
قسم العلـــوم الشرعيـــه
ركـن الفقـــه
أحكام الأمراض التي لا يرجى برؤها