خاطرة (7) : قال رحمه الله 6/197 مسألة 740 : ( مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ، ... لِعُمُومِ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتِقْ رَقَبَةً» فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الرِّقَابِ الَّتِي تُعْتَقُ لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَمَا أَهْمَلَهُ حَتَّى يُبَيِّنَهُ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ إلَّا مُؤْمِنَةٌ، قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى - الرَّقَبَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ مَالِكًا لَا يَقِيسُ حُكْمَ قَاتِلِ الْعَمْدِ عَلَى حُكْمِ قَاتِلِ الْخَطَأِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقِسْ قَاتِلًا عَلَى قَاتِلٍ فَقِيَاسُ الْوَاطِئِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؟ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَقِيسُ الْمُفْطِرَ بِالْأَكْلِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقِسْ مُفْطِرًا عَلَى مُفْطِرٍ فَقِيَاسُ الْمُفْطِرِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ يُعَوَّضُ فِيهَا الْإِطْعَامُ مِنْ الصِّيَامِ، وَلَا يُعَوَّضُ الْإِطْعَامُ مِنْ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ )
أقول : لم يدعِ مالك والشافعي في هذا القياس ، بل حملوا المطلق على المقيد ، وإنما أشبه القياس من أجل أن المطلقة في مسألة والمقيد في مسألة أخرى فإعطاء حكم التقييد للمطلق نقل حكم ، لكن القول عند الشافعية أن المطلق لم يُرَدْ به إطلاقه ، بل أطلق وأُريد تقييده ، مستدلين بأن المقيد لا شك أن تقييده كان لمعنى أخرج ما لم يدخل في قيده ، فكذلك حيث وجد المقيد ، ولا شك أن المقيد موجود في المطلق ، والمعنى الذي من أجله أخرجنا ما لم يشاركه في قيده مصاحب له لا محالة ، ولا يجوز أن يؤثر ذلك المعنى مرة ولا يؤثر مرة أخرى من غير علة أو مانع عن التأثير ، فإن لم يأتِ بذلك المانع فالأصل بقاء التأثير ، فيحمل المطلق على التقييد مطلقاً إلا متى دل الدليل على إبقائه على إطلاقه .
وهذه المسألة لم يخالف فيها ابن حزم شيئاً من قواعده ، بل جرى فيها على أصول مذهبه ، لكنه أخطأ على خصمه حيث زعمه متناقضاً في القياس ، ولو كان ما فعلوه قياساً لم يكن متناقضاً ذلك أن مالك والشافعي لم يقيسوا المفطر على القاتل بل الرقبة على الرقبة ، فإذا ظهر لك هذا فلا داعي إلى تتبع باقي كلامه رحمه الله.
خاطرة (8) : قال رحمه الله 6/201 مسألة 746 : ( وَمَنْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِطْعَامَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُطْعِمَهُمْ شِبَعَهُمْ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطْعَمَهُمْ، وَإِنْ اخْتَلَفَ، مِثْلُ: أَنْ يُطْعِمَ بَعْضَهُمْ خُبْزًا، وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا، وَبَعْضَهُمْ ثَرِيدًا، وَبَعْضَهُمْ زَبِيبًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - )
أقول : ليس في النص وجوب الإشباع ، بل ما يصدق عليه اسم الإطعام .
خاطرة (9): قال رحمه الله 6/202 مسألة 747 : ( وَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُ رَضِيعٍ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَا إعْطَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى إطْعَامًا )
أقول : ينبغي أنه يجزئ ، إذ الشرب يسمى طعاماً كما قال جل وعلا : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } [البقرة:249] فلو أطعمه حليباً دخل في النص .
خاطرة (10) : قال رحمه الله 6/202 مسألة 749 : ( وَمَنْ كَانَ قَادِرًا حِينَ وَطْئِهِ عَلَى الرَّقَبَةِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهَا، افْتَقَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ، وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا حِينَئِذٍ قَادِرًا عَلَى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الصِّيَامِ، أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَجَدَ رَقَبَةً أَوْ لَمْ يُوسِرْ؟ وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا حِينَ ذَلِكَ عَنْ - الرَّقَبَةِ وَعَنْ الصِّيَامِ قَادِرًا عَلَى الْإِطْعَامِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُ الْإِطْعَامِ، قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ الصَّوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ فَرْضُهُ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ؛ فَلَا يَجُوزُ سُقُوطُ فَرْضِهِ وَإِيجَابُ فَرْضٍ آخَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ )
أقول : بل ثبت بالنص أن الفرض قد يتعين في شيء ثم يتغير قبل الأداء ، فإن من لم يجد الماء وقت الصلاة ففرضه التيمم ، ثم بعد ثبوت التيمم عليه فرضاً لو وجد الماء قبل أن يتيمم لم يجز له أن يتيمم لقوله تعالى {فلم تجدوا ماءً} وهذا واجد الماء، فثبت بالنص أن الفرض يتغير إلى فرض آخر ، وهكذا في مسألتنا : فإنه صلى الله عليه وسلم سأله قال { هل تجد ما تعتق رقبة } فإن وجب عليه الصيام أو الإطعام ثم وجد الرقبة قبل الأداء فإن لم يعتقها وأطعم كان واجداً لرقبة ، ومن كان هذا حاله لم يجزئه إلا إعتاقها بالنص .
أما زعمه أن من كان واجداً لرقبة ثم أعسر بها فإنها لا تسقط عنه ، ليس بشيء إذ هو مخالف لقوله جل وعلا ـ على فرض صحة ما قاله ـ {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وهذا لا يسعه أن يؤدي الرقبة فليس مكلفاً بها لا محالة.
والله أعلم