الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
القسم العام
الركن العام
عمرو بن العاص ..القائد المسلم.. والسفير الأمين
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="أم هنا وريهام" data-source="post: 67485" data-attributes="member: 2417"><p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #0000ff">في ميـــدان الجهــاد </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #800000">1 ـ في حرب الرِدَّة </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">مات النبي صلى الله عليه و سلم، وعمرو عاملاً لرسول الله صلى الله عليه و سلم ،على عُمَان، فأقبل بعد التحاقه عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، حتى انتهى إلى البَحْرين، فوجد المنذر بن سَوى في الموت. وخرج عمرو عن البحرين، إلى بلاد بني عامر، فنزل بِقُرَّة بن هُبَيْرة، وقُرَّة يقدِّم رِجْلاً ويؤخر أخرى إلى الرِّدة، ومعه عسكر من بني عامر، فذبح له، وأكرم مثواه، فلما أراد عمرو الرَّحيل عن ديار قُرَّة، خلا به قُرّة وقال: (يا هذا! إنّ العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ أموالها، فتسمع لكم، وتُطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم!) فقال له عمرو: (أكفرتَ يا قُرَّة؟! أتخوفنا بالعرب؟ فوالله لأوطئن عليك الخيل في حِفْش) والحِفْش: بيت تنفرد به النُّفَسَاء. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومَرَّ عمرو في طريق عودته بمُسَيْلَمَة الكَذَّاب، فأعطاه الأمان، فقال له عمرو: (أعرض لي ما تقول)، فذكر مسيلمة بعض كلامه، فقال عمرو: (والله إنّك لتعلم أنّك من الكاذبين)، فتوعّده مسيلمة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقدم عمرو على المسلمين بالمدينة، فأخبرهم بما رآه، وسمعه، في طريق عودته، من عُمان إلى المدينة، وكان مما أخبرهم به أن العساكر معسكرة من (دَبَا) إلى المدينة، فتفرّقوا وتحلّقوا حلقًا، وأقبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يريد التسليم على عمرو، فمرّ على حلقة فيها عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطَلحَة بن عُبيد الله، والزُّبير بن العَوَّام، وعبد الرحمن بن عَوْف، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم، فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: (فِيمَ أنتم؟) فلم يجيبوه، فقال لهم: (إنكم تقولون: ما أخوفنا على قريش من العرب!) قالوا: صدقت! قال: (فلا تخافوهم، أنا والله منكم على العرب، أخوف مني من العرب عليكم، والله لو تدخلون معاشر قريش جُحْرًا، لدخلته العرب في آثاركم، فاتقوا الله فيهم)، ومضى عمرو. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">فلما قُدِمَ بِقُرَّة بن هُبيرة، على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أسيرًا، استشهد بعمرو على إسلامه، فأحضر أبو بكر عَمْرًا فسأله، فأخبره بقول قُرَّة، إلى أن وصل إلى ذكر الزكاة، فقال قُـــرَّة: (مهــلاً يا عمرو!) فقال: (كلا، والله لأخبرنّه بجميعه)، فعفا أبو بكر عنه، وقَبِل إسلامه. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما عقد أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، أحد عشر لواءً، لقادة حرب أهل الردة، عقد لواءً لعمرو، وأرسله إلى قُضاعة، ففصلت الأمراء من (ذي القَصَّة)، ولحق بكلِّ أمير جنده، وعهد إلى كُلِّ أمير، وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة، يأمرهم بمراجعة الإسلام، ويُحذِّرهم، وسيّر الكتب إليهم مع رسله. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانت قُضاعة، قد ارتدّت بعد التحاق النبي صلى الله عليه و سلم بالرفيق الأعلى، وكان عمرو، قد حاربها في حياة النبي صلى الله عليه و سلم، في سرية ذات السلاسل، كما ذكرنا ذلك، فلما أنفذ أبو بكر إلى قُضاعة جيشًا بقيادة عمرو، سار عمرو على رأس جيشه في الطريق، الذي سلكه من قبل، حتى وصل إلى بلاد قُضاعة، فأَعْمَلَ السيفَ في رقابهم، وغلبَهم على أمرهم، فعادوا إلى الإسلام، وعاد عمرو إلى المدينة المنورة حاملاً لواء النصر، وكان ذلك في السنة الحادية عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولا نعرف شيئًا عن تَعْداد جيش عمرو، ولا عن تَعداد مقاتلي قُضاعة، ويبدو أن التفوّق العددي، كان إلى جانب المرتدين، ولكن جيش عمرو كان منظمًا، له هدف واضح، وتسيطر عليه عقيدة واحدة، وقيادة واحدة.. والجيش المنظم القليل، الذي يتحلّى بالعقيدة الراسخة، التي تشيع الانسجام الفكري في صفوفه، ينتصر دومًا على الجيش الكبير، غير المنظم، الذي لا يتحلّى بالعقيدة، ويخلو من الانسجام الفكري. لقد كان موقف عمرو في حرب الردة متميزًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #800000">2 ـ في أرض الشـام</span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">أ ـ ردَّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عمرو بن العاص إلى عمله، الذي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ولاّه إياه في عُمان، فلما أراد إرسال الجيوش، لفتح أرض الشام، كتب إلى عمرو: (إنّى كنت قد رددتك على العمل، الذي ولاّك رسول الله صلى الله عليه و سلم مرة، ووعدك به أخرى، إنجازًا لمواعيد رسول الله صلى الله عليه و سلم، وقد وليته، وقد أحببتُ أن أُفرغك، لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحبّ إليك). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما تسلّم عمرو رسالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان يومئذ أميرًا على عُمان، كتب إلى أبي بكر جوابًا على كتابه: (إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدّها، وأخشاها، وأفضلها، فارم به شيئًا، إن جاءك من ناحية من النواحي). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبدأ أبو بكر بحشد العرب، وأمر عمرًا أن يجمع العرب، فأرســـــل أبو بكر إلى عمرو، بعض مَن اجتمع إليه، وأمَّره على فلسطين، وأوصاه بهذه الوصية: (اتَّق الله في السر والعلانية، فإنه من يتّق الله يجعل له مخرجًا، ويرزُقْه من حيث لا يحتسب، ومن يتَّق الله يُكَفِّر عنه سيئاته، ويُعْظم له أجرًا، فإن تقوى الله خير ما تَوَاصى به عباد الله، إنّك في سبيل من سُبل الله، لا يَسَعُك فيه الإذهان، والتفريط، والغفلة، عما فيه قِوام دينكم، وعصمة أمركم فلا تَنِ ولا تَفْتُر)، وكان عقد لواء عمرو، في يوم الخميس، لمستهل شهر صفر من سنة ثلاث عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأمَرَ أبو بكر عمرًا، أن يسلك طريق (أيْلَة) عامدًا لفلسطين، وكان العقد لكل أمير من أمراء الشام، في بدء الأمر، ثلاثة آلاف رجل، فلم يـزل أبو بكر، يتبعهم الإمداد، حتى صار مع كُلِّ أمير، سبعة آلف وخمسمائة.. وكان جيش عمرو مؤلفًا من أهل مكة، والطائف، وهَوازن، وبني كِلاب. وقال أبو بكر لعمرو: (لقد وليّتك هذا الجيش، فانصرف إلى أرض فِلَسْطين، وكاتِبْ أبا عُبيدة، وانجدْه إذا أرادك، ولا تقطعْ أمرًا إلا بمشورته)، فأقبل عمرو على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال له: (يا أبا حَفْص! أنت تعلم شِدَّتي على العدو، وصبري على الحرب، فلو كَلَّمتَ الخليفة، أن يجعلني أميرًا على أبي عُبيدة، وقد رأيتَ منزلتي عند رسول الله صلى الله عليه و سلم، وإني لأرجو أن يفتح الله على يديّ البلاد، ويهلك الأعداء)، فقال عمر بن الخطاب: (ما كنتُ بالذي أكلِّمه في ذلك، فإنه ليس على أبي عبيدة أمير، ولأَبو عبيدة أفضل منزلة منك، وأقدم سابقة منك، والنبي صلى الله عليه و سلم قال فيه: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة)، فقال عَمرو: (ما ينقص من منزلته إذا كنتُ واليًا عليه ?!) فقال عُمَر: (ويلك يا عَمْرو! إنّك ما تطلب بقولك هذا، إلا الرياسة والشرف، فاتّق الله، ولا تطلب إلا شرفَ الآخرة، ووجه الله تعالى)، فقال عَمْرو: (إن الأمرَ كما ذكرتَ). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وولَّى أبو بكر الأُرْدن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، ويزيد بن أبي سفيان دِمشق، وقال للأمــــراء: (إذا اجتمعتم على قتال، فأميركـــم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح الفِهْري، وإلا فيزيد بن أبي سفيان)، وقال: (إذا كان بكم قتال، فأميركم الذي تكونون في عمله)، أي إذا كان القتال في فلسطين، كان القائد العام عمرو، لأنه قائد فلسطين، وإذا كان القتال في الأردن، كان القائد العام شُرَحبيل.... وهكذا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">أما إذا اجتمع القادة في مكان واحد، فالقائد العام هو أبو عبيدة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما وصل الأمراء أرض الشام، نزل عمرو (العَرَبة)، فبلغ الروم ذلك، فكتبوا إلى هِرَقْل وكان بالقُدس، فقال: أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله، لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام، ويبقى لكم نصفه، مع بلاد الروم، أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام، ونصف بلاد الروم)، فتفرقوا عنه وعصوه، فجمعهم وسار بهم إلى حِمْص، فنزلها، وأعدّ الجنود والعساكر، وأراد إشغال كل طائفة من المسلمين، بطائفة من عسكره لكثرة جنده، لتضعف كل فرقة من المسلمين عمّن بإزائه، فأرسل تَذَارِق أخاه لأمه وأبيه في تسعين ألفًا، وبعث القادة الآخرين مع قوّاتهم، ليكون كل قائد منهم، بمواجهة أحد قادة المسلمين، فهابهم المسلمون، وكتبوا إلى عمرو يسألونه الرأي، فأجابهم: (إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإنَّ مثلنا إذا اجتمعنا، لا نُغلب من قِلة، فإن تفرّقنا لا يقوم كل فرقة له بمن استقبلها، لكثرة عدوّنا).. وكتب أمراء المسلمين في أرض الشــام إلى أبي بكر الصديق يسألونه أيضًا، فأجابهم مثل جواب عمرو، وقال: (إنّ مثلكم لا يُؤتى من قِلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، فاجتمعوا باليرموك متساندين، وليُصَلِّ كل واحد منكم بأصحابه). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وباجتماع جيوش المسلمين في اليرموك، فَوَّتوا على الروم فرصة ضرب كل جيش من جيوشهم على انفراد، دون أن تستطيع تلك الجيوش التعاون الوثيق بينها، كما ينبغي. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">واجتمع المسلمون باليرموك، والروم كذلك، فنزل الروم (الوَاقُوْصَة) وهي على ضفة اليرموك، وصار الوادي خندقًا لهم، وهو لِهْبٌ لا يُدرَك، وإنما أراد قائد الروم يستثبت الروم، ويأنسوا بالمسلمين، وترجع إليهم أفئدتهم، طِيَرَتَها، فقد كانت معنويات الروم منهارة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وانتقل المسلمون عن معسكرهم الأول، ونزلوا بحذاء الروم، على طريقتهم، وليس للروم طريق إلا على المسلمين، فقال عمرو: (أيها الناس! أبشروا، حُصِرَت الروم، وقلّما جاء محصور بخير). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأقام المسلـمون بإزاء الروم، أواخر شهــر صفـر، وشَهريْ ربيــع، لا يقدرون من الروم على شيء، ولا يخلصُون إليهم: الوَاقُوْصَة من ورائهم، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم، حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث عشرة الهجرية، استمدوا أبا بكر، في شهر صفر، فكتب إلى خالد بن الوليد ليلحق بهم، ويأمره بالمسير إليهم، وبالحث، وأن يأخذ نصف الناس، ويستخـلف على النصـف الآخـــــر المُثنَّى بن حــــارثـــة الشيبــاني، ولا يأخذن مَنْ فيه نجدة، إلا ويترك عند المثنى مثله، وإذا فتح الله عليهم، رجع خالد وأصحابه إلى العراق. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما تكامل جمع المسلمين باليرموك، خرج الروم للقتال، في جُمادى الآخرة، فأراد المسلمون الخروج لقتال الروم متساندين، فاقترح خالد لتحقيق تساند المسلمين، أن يتولى الأمراء الإمارة بالتعاقب، وأن يسمحوا له بتولّى القيادة العامة أولاً، فأمَّروه، وهم يرون أنها لن تطول. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وخرجت الروم، في تعبية لم يَرَ الراؤون مثلها قط، وخرج خالد في تعبية، لم تُعبِّها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كُردوسًا إلى الأربعين: فجعل القلب كراديس، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وعليها عمرو بن العاص، وشُرَحْبيل بن حَسَنة، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بين أبي سفيان، وجعل على كل كردوس رجلاً من الشجعان، فكان لعمرو أثر كبير في انتصار المسلمين على الروم، في هذه المعركة الحاسمة التي فتحت أبواب أرض الشام، للفاتحين المسلمين. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وشهد عمرو فتح دِمشق بقيادة أبي عبيدة بن الجرّاح، فنزل بجيشه في ناحية باب (تُوما) أحد أبواب دمشق، وكان فتح دمشق سنة ثلاث عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما فُتحت دمشق، سار أبو عبيدة إلى (فِحْل)، واستخلف على دمشق، يزيد بن أبي سفيان، وبعث خالدًا على المقدّمة، وعلى الناس شُرَحْبيل بن حَسَنة، وكان على الجنبتين، أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، فانتصر المسلمون، على الروم أيضًا، وكان لعمرو أثر كبير في إحراز هذا الانتصار، وقد دارت هذه المعركة، سنة ثلاث عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وسبب تولّي شُرحبيل القيادة العامة، في هذه المعركة، هو أنه كان قائد منطقة الأُردن، والمعركة جرت في منطقته، فهو يتولى القيادة العامة، تنفيذًا لأوامر أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، التي أصدرها لقادة فتح أرض الشام، والتي مرّ ذكرها. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وشهد عمرو مع شُرَحْبِيل فتح (بَيْسَــان) و(طَبَرِيَّة)، وصالَحَا أهل الأُردن. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ب ـ وعلم عمرو، أن الروم حشدوا جيوشهم، وعلى رأسها قائد فلسطين للرُّوم، أرطبون (أريطيون) في (أَجْنَادِين). فسار عمرو، ومعه شُرحبيل بن حَسَنة، واستخلف على الأردن، أبا الأعور السُّلَميّ.. وكان الأرطبون أدهى الروم، وأبعدها غورًا، قد وضع بـ (الرَّملة) جندًا عظيمًا وبـ (إيليَاء) جندًا عظيمًا، فلمّا بلغ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه الخبر، قال: (رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب -يريد عَمْرًا- فانظروا عمّا تنفرج). وكان معاوية بن أبي سفيان قد شغل أهل (قَيْسَاريَّة) عن عمرو.. كما جعل عمرو، على قتال إيلياء، عَلْقَمة بن حَكِيم الفِرَاسي ومَسْرُوق العَكِّي، فشغلوا مَن به عنه، وجعل أيضًا أبا أيوب المالكي، على مَنْ بالرَّمْلة من الرُّوم، فشغلهم عنه، وشاغل هؤلاء القادةُ المسلمون القواتِ الروميةَ عن قوات عمرو الأصلية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأقام عمرو على أَجْنَادِين، لا يقدر على الأرطبون، ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه، ودخل عليه كأنه رسول، ففطن به الأرطبون، وقال: (لا شك أنّ هذا هو الأمير أو مَنْ يأخذ الأميرُ برأيه)، فأمر رجلاً أن يقعد على طريقه، ليقتله إذا مر به، وفطن عمرو إلى غدر الأرطبون، فقال: (قد سمعتَ مني، وسمعتُ منك، وقد وقع قولك مني موقعًا، وأنا واحد من عشرة، بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه، ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت، مثل الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنتَ على رأس أمرك)، فقال الأرطبون: (نعم)، وردّ الرجل، الذي أمره بقتل عمرو، وخرج عمرو من عند الأرطبون، فعلم الرومي، بأن عمرًا خدعه، فقال: (خدعني الرجل! هذا أدهى الخلق). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبلغت خديعةُ عمرو، مسامعَ عمر بن الخطاب، فقال: (لله دَرُّ عمرو!) </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وعرف عمرو من استطلاعه الشخصي، هذا الذي ذكرناه، نقاط الضعف، ومواطن القوة، في مواضع الروم، فهاجم جيش الروم في أجنادِين، واشتبك معهم في قتال مرير، كقتال يوم اليرموك، حتى كَثُرت القتلى بين الطرفين، ولكن الأرطبون انهزم، فآوى إلى مدينة (إيلياء)، وأفرج المسلمون الذين يحصرون بيت المقدس لأرطبون، ومَن معه من المنهزمين، فدخل إيلياء، وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو في أجنادين، حيث استقر عمرو، ومن معه من المسلمين، في هذه المدينة، للاستعداد لقتال جديد، وانضم عَلْقَمة بن حَكيم، ومسروق العَكِّي، وأبو أيوب المالكي، ومَن معهم، من قوات ثانوية، إلى قوات عمرو الأصلية، في أجنادين، وكان ذلك سنة خمس عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما دخل الأرطبون مدينة إيلياء (بيت المقدس)، فتح عمرو (غَــزَّة)، و(سَبَسْطِيــة)، و(نَـابُلُــس)، و(اللُّـــد)، و(يَبْنَى)، و(عَمْوَاس)، و(بيت جِبْرين)، و(يَافا)، و(رَفَح)، كما فتح (مُرج عيون). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقدم أبو عبيدة على عمرو، وهو محاصِر بيت المَقْدس، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب: (إني أعالج عدوًا شديدًا، وبلادًا قد ادّخرت لك، فرأيك؟) فعلم عُمَرُ أنّ عَمْرًا، لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه، فسار عُمر عن المدينة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقيل: كان سبب قدوم عمر بن الخطاب، إلى الشام، أن أبا عبيدة حاصر بيت المقدس، فطلب أهله منهم أن يصالحهم، على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب، فكتب إليه بذلك، فسار عمر عن المدينة، واستخلف عليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وسار عمر بن الخطاب، فقدم (الجَابِيَة)، وكان المدافعون عن بيت المقدس، قد شجوا عَمْرًا وأشجاهم، ولم يَقْدر عليها، ولا على (الرَّملة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقدم قسم من أهل بيت المقدس، إلى عُمَر في الجابية، وصالحوه على الجزية، وفتحوها له، وكان الذي صالحه العَوَامُ، لأن الأرطبون هرب إلى مصر. وأرسل عمر بن الخطاب، إلى أهل بيت المقدس، والرَّملة بالأمان، وجعل عَلْقَمة بن حَكيم، على نصف فلسطين، وأسكنه الرملة، وجعل عَلْقَمة بن مُجَزِّز، على نصفها الآخر، وأسكنه بيت المقدس، فنزل كل واحد في عمله في الجنود التي معه، وضمّ عَمْرًا وشُرحبيل إليه بالجابية، فلما انتهيا إلى الجابية، وافَقَا عمر ابن الخطاب راكبًا، فقبَّلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما مُحْتَضِنًا، وكان هذا الفتح سنة خمس عشرة الهجرية، وقيل سنة ست عشرة الهجرية، والأول أصوب. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان نصّ معاهدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع أهل بيت المقدس، والذي كان عمرو، أحد الشهود على هذه الوثيقة : </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">( بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى، عبدُ الله عُمَرُ أميرُ المؤمنين، أهلَ إيلياء، من الأمان.. أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبـناهم، وسقيمها، وبريئها، وسائـر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها، ولا من حَيِّزِها، ولا من صليبهم، ولا من شيءٍ من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.. وعلى أهل إيلياء، أن يعطوا الجزية، كما يُعْطِي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الرُّوم واللّصوت، فمن خرج منهم، فإنه آمِن، وعليــــــه مثـــــل ما على أهل إيلياء من الجزية.. ومَن أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الرُّوم، ويخلّي بِيَعهم، وصُلُبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بِيَعِهم وصُلُبِهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومَن كان بها من أهل الأرض، قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعد، وعليه مثـــــــل ما على أهل إيلياء، من الجزية، ومَن شاء سار مع الروم، ومَن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحصد حصـــادهم، وعلــــى ما في هذا الكتاب، عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وحاصر عمرو (قَيْسَارية) بعد فتح بيت المقدس، ولكنّه خرج إلى مصر، فتولّى فتحها، معاوية بن أبي سفيان. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد نقض أهل طَبَرية العهد، الذي كان شُرحبيل بن حَسَنة، قد عقده معهم، بعد فتح مدينتهم صلحًا، وكان نقضهم في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذ اجتمع مع أهل طبرية قوم من الروم وغيرهم، فأمر أبو عبيدة بغزوهم عمرو بن العاص، فسار إليهم في أربعة آلاف، فاستعاد فتحها، على مثل صُلْح شُرَحبيل، ويقال: بل فتحها شُرَحبيل ثانية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد شهد عمرو، أكثر معارك فتح أرض الشام، كما كان فتح أكثر فلسطين، على يديه، وأبلى في فتوح أرض الشام، أحسن البلاء. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">3 ــ فتح مصـــر </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">أ ـ كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلى عمرو، حين فرغ من الشام كلها، أن يسير إلى مصر بجُنده. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي رواية: أن عمرو بن العاص، كان يحاصر قَيْسارية، فاستخلف عليها ابنه ومضى إلى مصر، من تِلقاء نفسه في ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل من المسلمين، فغضب عمر بن الخطاب لذلك، وكتب إليه يوبخه ويعنِّفه على افتتانه عليه برأيه، وأمره بالرجوع إلى موضعه، إن وافاه كتابه، دون مصر، فورد الكتاب عليه، وهو بـ (العَرِيْش). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقيل أيضًا: إن عمر بن الخطاب، كتب إلى عمرو، يأمره بالشخوص إلى مصر، فوافاه كتابه، وهو محاصر قَيْسارية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي رواية أن عمر بن الخطاب، أقام بإيلياء (بيت المقدس) بعدما صالح أهلها، ودخلها أيامًا، فأمضى' عمرو بن العاص إلى مصر، وأمَّره عليها إن فتح الله عليه، فخرج عمرو بن العاص إلى مصر، بعد ما رجع عمر بن الخطاب إلى المدينة المنورة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي رواية: أن عمر بن الخطاب، حين قدم الجابية، خلا به عمرو ابن العاص، فاستأذنه في المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل مصر في الجاهلية، وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها، وقال: (يا أمير المؤمنين! ائذن لي أن أسير إلى مصر)، وحرّضه عليها، وقال له: (إنك إن فتحتها، كانت قوة للمسلمين، وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالاً، وأعجزها عن القتال والحرب)، فتخوّف عمر بن الخطاب على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظّم أمرها عند عمر بن الخطاب، ويخبره بحالها، ويهوِّن عليه فتحها، حتى ركن لذلك، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من (عكٍّ)، ويقال: بل ثلاثة آلاف وخمسمائة، ثُلُثُهم من غافق، وثُلُثَاهم من عَكٍّ، وغافِق من عَكٍّ أيضًا، فهو غافق بن الشاهد بن عَلْقَمة بن عك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي رواية : أن عمر بن الخطاب، قال لعمرو، بعد أن استأذنه، بالمسير إلى مصر: ( سِرْ وأنا مستخير الله في سيرك، وسيأتيك كتابي سريعًا، إن شاء الله، فإن أدركك كتابي، آمرك فيه بالانصراف عن مصر، قبل أن تدخلها، أو شيئًا من أرضها، فانصرف، وإن أنت دخلتها، قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره).. فسار عمرو في جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمرُ ا$َ، فكأنه تخوّف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو، أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرًا وهو بـ (رَفَح)، فتخوف عمرو، إن هو أخذ الكتاب، وفتحه، أن يجد فيه الانصراف، كما عهد إليه عمَر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه، وسار حتى نزل قرية فيما بين رَفَح والعَريش، فسأل عنها فقيل: إنها من مصر، ودعا عمرو بالكتاب، فقرأه على المسلمين، فقال لمن معه: (ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر ?) فوافقوه على أنها من مصر، فقال لهم: فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني، إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر، أن أرجع، ولم يلحقني كتابه، حتى دخلنا مصر، فسيروا، وامضوا على بركة الله). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وليس من المعقول، ولا من المنطق في شيء، أن يمضي عمرو لفتح مصر من تلقاء نفسه، وبدون استشارة عمر بن الخطاب، وأخذ موافقته على هذا الفتح، ولا أن يُقْدِم عمرو، على المغامرة بفتح مصر، خلافًا لرغبة عمر بن الخطاب، وموافقته الكاملة الصريحة، وعمرو أعقل وأدهى، وأَبْعد نظرًا، من أن يتحدّى رغبات عمر بن الخطاب، ويخالفه، ويعصي أوامره، فيغضب عمر، ويكتب إليه موبِّخًا معنِّفًا، وعمر بن الخطاب، أقوى وأصلب من أن يفسح المجال لعامل من عُماله، أن يخالف رغباته، ويتحدَّى' أوامره، ويخرج عن طاعته، فلابد أن عمرو بن العاص، أقنع عمر بن الخطاب، على فتح مصر، فكانت موافقة عمر بن الخطاب على فتح مصر، موافقة صريحة لا لَبْس فيها ولا غموض. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولكن متى وأين أخذ عَمرو موافقة عُمَر، على فتح مصر؟ </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كان مسير عمرو إلى مصر في سنة تسع عشرة الهجرية، وفتحت مصر سنة عشرين، وقيل سنة ست عشرة.. وبالجملة، فينبغي أن يكون فتحها، قبل عام الرمادة، لأن عمرو بن العاص، حمل الطعام في بحر القُلْزم من مصر إلى المدينة، في عام الرَّمادة، الذي كان سنة ثماني عشرة الهجرية، أو سنة سبع عشرة، أي أن الفتح كان سنة ست عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولم يكن المسلمون، قد استكملوا فتح أرض الشام، في تلك السنة، وقد كان عمرو بأرض الشام سنة ثماني عشرة الهجرية في طاعون (عَمْواس)، فلما مات أبو عبيدة بن الجراح، استُخلف على الناس معاذ بن جَبَل، فلما مات مُعاذ بالطاعون أيضًا، استُخلف على الناس عمرو بن العاص، فخرج بالناس إلى الجبال، فلم يكره عمر ابن الخطاب ذلك من عمرو. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد التقى عمرو بعمر بن الخطاب بـ (الجابية)، فخلا عمرو بعُمَر، وفاتحه بفتح مصر.. وعمر بن الخطاب قدم الجابية أربع مرات; الأولى: قُبيل فتح بيت المقدس، والثانية: بعد فتح بيت المقدس، والثالثة: في أيام طاعون عَمواس، ولكنه عاد أدراجه إلى المدينة لانتشار الوباء في المنطقة، والرابعة: بعد الطاعون سنة ثماني عشرة الهجرية، ومعنى هذا أن عمرو بن العاص، كان في أرض الشام، حتى نهاية سنة ثماني عشرة الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ويبدو أن عمرو بن العاص، سار إلى مصر سنة تسع عشرة الهجرية، ولكنه فتحها سنة عشرين الهجرية، وبذلك يمكن التوفيق، بين ما جاء في المصادر المعتمدة، عن تاريخ فتح مصر، مع استبعاد ما جاء عن فتح مصر في تلك المصادر، قبل سنة تسع عشرة، لأن ذلك يناقض، ما جاء في أحداث التاريخ. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد استطاع عمرو، إقناع عمر بن الخطاب بفتح مصر، في لقاء الرجلين، سنة ثماني عشرة الهجرية بالجَابية، وكان عمر بن الخطاب حَرِيًَّا بالاقتناع، حتى لا تكون أرض الشام، معرّضة لخطر مهاجمتها من الروم شمالاً من بلاد الروم، وجنوبًا من مصر، على طريق سيناء البريّ، وغربًا من بحر الروم، وبخاصة أن أرطبون قائد الروم في فلسطين، لحق بمصر قُبيل استسلام بيت المقدس للمسلمين، ولابد أن يكون مع أرطبون (أريطيون) الذي هرب من بيت المقدس إلى مصر، جيش من جيوش الروم، وأنه كان يحشد جنود الروم، في مصر، لقتال المسلمين في حالة محاولة المسلمين فتح مصر، أو يحاول استعادة فلسطين، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، فرأى عمرو بن العاص أن على المسلمين، ألاَّ يضيّعوا الوقت سُدى، دون مسوِّغ، وأن يوقعوا بالأرطبون، وقوات الروم، قبل أن يستفحل أمرهم، وأيّده عمر بن الخطاب، المعروف بتفكيره الحصيف المتميّز. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومن المعروف، أن الذين يسيطرون على أرض الشام، وكانت لديهم القوات الكافية للسيطرة على مصر، فإنهم لا يترددون في الاستيلاء على مصر، وأحداث التاريخ القديم والحديث خير شاهد على ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد كان المسلمون حينذاك في أوج قوتهم، وقد فتحوا أرض الشام، فلابد من فتح مصر، بعد استكمالهم فتح أرض الشام. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وتقدم عمرو، على رأس جيشه، البالغ ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو إلى مصر، توجّه إلى (الفُسْطاط)، فكان يُجهِّز على عمرو الجيوش، وكان على القصر (يعني قصر الشَّمع الذي بمصر القديمة في القاهرة) رجل من الروم يقال له: (الأُعَيْرج) واليًا عليه، وكان تحت يد المقوقس، واسمه جُرَيْج بن مِينا (جورج).. وأقبل عمرو، حتى إذا كان بالعريش، فكان أول موضع قُوتل فيه (الفَرَما) قاتله الروم قتالاً شديدًا، نحوًا من شهر، ولكنهم هُزِموا، وكان عبد الله بن سَعْد على ميمنة عمرو، منذ خروجه من قَيسارية، إلى أن فرغ من حربه، ومضى عمرو لا يُدافع إلا بالأمر الأخف، حتى نزل (القَوَاصر)، فلم يجد هناك مقاومة تُذْكَر.. وتقدّم عمرو، نحو مصر، لا يُدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى (بُلْبَيْس)، فقاتله الروم بها نحوًا من شهر، ففتحها عمرو، وانهزم الروم، ومضى عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى (أم دُنَيْن)، فقاتلوا مَنْ بها قتالاً شديدًا، ولكن الفتح أبطأ عليه، فكتب إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يستمده، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف مع عمرو، فوصلوا إليه أرْسَالاً، يتبع بعضهم بعضًا، على كلِّ ألفِ رجلٍ منهم رجل مقام الألف، وهم الزبير بن العوام، والمِقْدَاد بن الأسود، وعُبادة بن الصَّامِت، ومَسْلَمة بن مُخَلَّد، في قول، وقيل: خَارِجَة بن حُذَافَة، الرابع، لا يعدون مَسْلَمة، وقال عمر بن الخطاب لعمرو: (اعلم أن معك اثني عشر ألفًا، ولن تُغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي رواية أخرى، أن الزبير ورد على عمرو، في عشرة آلاف، ويقال في اثني عشر ألفًا، فيهم خارجة بن حُذافة العَدَويّ، وعُمَيْر بن وَهْب الجُمَحِي، وكان الزُبير، قد همّ بالغزو، وأراد إتيان (أَنْطَاكِية)، فقال له عمر: (يا أبا عبد الله! هل لك في ولاية مصر؟)، فقال: (لا حاجة لي فيها، ولكني أخرج مجاهدًا، وللمسلمين معاونًا، فإن وجدتُ عَمْرًا قد فتحها، لم أعرض لعمله، وقصدتُ إلى بعض السَّواحل، فرابطتُ به، وإن وجدته في جهاد كنتُ معه)، فسار على ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وحاصر المسلمون حصن بَابِليُون حصارًا شديدًا، وكان به جماعة من الروم، وأكابر القبط ورؤسائهم، وعليهم المقوقس، فقاتلوهم شهرًا، فلما رأى القوم الجد في المسلمين على فتحه، ورأوا من صبرهم على القتال، ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحّى المقوقس، وجماعة من أكابر الأقباط وخرجوا من باب القصر القبلي، وتركوا به جماعة يقاتلون المسلمين، فلحقوا بالجزيرة، وأمروا بقطع الجسر، الذي هو على نهر النيل، وزُعم أن الأعَيْرج (جورج قائد حرس الحصن، وقد بقي في الحصن حتى يَقْضِي على ما يُشاع من خروج قيرس) كان قد تخلّف في الحصن، بعد المقوقس، فلما خاف فتح الحصن، ركب هو وأهل القوة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبعث المقوقس إلى عمرو، أن ابعثوا إلينا رسلاً منكم، نعاملهم، ونتداعى نحن وهم، إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.. وبعث عمرو إلى المقوقس، عشرة نفر من المسلمين، أحدهم عُبَادة بن الصامت، فلم تنجح المفاوضات بين الجانبين، ولم يبق غير القتال، لفتح حصن بابليون. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">واستمر الحصار سبعة أشهر، فرأى الزبير بن العوام، خللاً في سور الحصن، فنصب سلمًا، وأسنده إلى الحصن، وقال: (إني أهب نفسي لله تعالى، فمن شاء أن يتبعني، فليفعل)، فتبعه جماعة حتى أوفى على الحصن، فكبّر وكبّروا، فلما رأى الروم أن المسلمين قد ظفروا بالحصن، انسحبوا، ففتحت الفُسطاط أبوابها للمسلمين. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما فتح عمرو حصن بابليون -وكانت معركة فتح هذا الحصن، من المعارك الإسلامية الحاسمة، في الفتح الإسلامي، فتحت أبواب مصر على مصراعيها للفاتحين المسلمين، كما فتحت معركة القَادِسِية الحاسمة، أبواب العراق، ومعركة اليَرْمُوك الحاسمة، أبواب أرض الشام، ومعركة نَهَاوَنْد الحاسمة (معركة فتح الفتوح)، أبواب بلاد فارس، للفاتحين المسلمين- بدأ عمرو بمعارك استثمار الفوز، التي تَعْقُبُ عادة كل معركة حاسمة، فوجّه عبدَ الله بن حُذافة السَّهْمي إلى (عَيْن شَمْس)، فغلب على أرضها، وصالح أهل قراها، على مثل صلح الفُسطاط. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كما وجّه خارجة بن حُذافة العَدَوي إلى (الفَيُّوم)، و(الأشْمُونين)، و(إخْمِيم)، و(البَشَرُودات)، وقرى (الصَّعِيد)، فصالحها أيضًا، على مثل صلح الفُسطاط. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كما وجّه عُمَيَر بن وَهْب الجُمَحي إلى (تِنِّيس)، و(دِمْياط)، و(تُونَة)، و(دَمِيرة)، و(شَطَا)، و(دَقَهلة)، و(بَنَا)، و(بُوصِير)، فصالحها، على مثل صلح الفسطاط أيضًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ووجّه عُقبة بن عامر الجُهَني، ويقال مولاه وَرْدَان، مولى عمرو، إلى سائر قرى أسفل مصر، ففعل مثل ذلك.. وبذلك، استجمع عمرو، فتح مصر، فصارت أَرْضُها، أرضَ خَرَاج. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ب ــ لما نزل عمرو على عَين شمس، وكان الملك بين القِبْط والنُّوَب، ونزل معه الزبير عليها، قال أهل مصر لمليكهم: ما تُريد إلى قوم، فلُّوا كسرى، وقيصر، وغلبوهم في بلادهـم! صَالِح القومَ، واعْتَقِدْ منهم، ولا تَعْرض لهم -وذلك في اليوم الرابع- فأبى، وناهدوهم وقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسوه، فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عَنْوة، حتى خرج على عمرو، من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهَلَكَة، فأجروا ما أخذوا عَنْوة، مجرى ما صالح عليه، فصاروا ذمة، وكان صلحهم: </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">( بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص، أهلَ مصر، من الأمان، على أنفسهم، وملّتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصُلُبهم، وبرّهم، وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك، ولا ينتقص، ولا يساكنهم النُّوَب.. وعلى أهل مصر، أن يُعطوا الجزية، إذا اجتمعوا على هذا الصُّلح، وانتهت زيادة نهرهم، خمسين ألف ألف، عليهم ما جنى لُصوتُهم، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيب، رفع عنهم من الجِرَاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم عن غايته، إذا انتهى، رُفع عنهم بقدر ذلك. ومَن دَخَل في صلحهم من الروم والنُّوَب، فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم ، مَن أبى واختار الذهاب، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا، في كل ثلث جِباية ثُلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب، عهد الله وذمته، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين، وعلى النُّوبة، الذين استجابوا، أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، وعلى ألا يُغْزَوا، ولا يُمْنَعوا من تجارة، صادرة، ولا واردة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">شهد الزبير، وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردانُ وحضر. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">جـ ـ ولما فتح عمرو مصر، أقام بها، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، يستأمره في الزَّحف إلى الإسكندرية، فكتب إليه يأمره بذلك. وسار إليها من الفُسطاط، واستخلف على مصر خارجة بن حُذافة العَدَوي، وكان مَن دون الإسكندرية، من الروم والقبط، قد تجمّعوا له، وقالوا: نغزوه بالفسطاط، قبل أن يبلغنا، ويروم الإسكندرية). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان مع جيش عمرو، جماعة من رؤساء القبط، فأصلح القبط الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت القبط لجيش المسلمين أعوانًا، على ما أرادوا، من قتال الروم، الذين استعدوا للقاء المسلمين، وقدمت عليهم مراكب كثيرة، من أرض الروم، فيها جَمْعٌ من الروم عظيم، بالعُدّة والسلاح. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولم يلق عمرو من الروم أحدًا في طريقه إلى الإسكندرية حتى (تَرْنُوْط)، حيث لقي بها طائفة من الروم، فقاتلوه قتالاً خفيفًا، ثم انهزموا باتجاه الإسكندرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ويبدو أن عَمْرًا ابتدأ زحفه نحو هدفه الأصلي: الإسكندرية، على الضفة الغربية للنيل، من ناحيـة الصحراء، لأن فيها مجالاً أوسع لخيله، لا يعوقها فيه ما يعترض أرض الدلتا، من الترع الكثيرة، وقنوات الري المزدحمة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وعبر عمرو النِّيل إلى الغرب، ومضى بمن معه نحو الإسكندرية، فأرسل شَرِيْك بن سُمَيَّ في آثار الروم المنهزمين، فلحقت طلائع المسلمين بالروم، عند موضع على ستة عشر ميلاً إلى الشمال من تَرْنُوط. واستطاع الروم أن يثبتوا للمسلمين، فأنفذ شريكٌ رسولاً إلى عمرو، يطلب المدد، ولما بلغ الروم مجيء الأمداد، فروا هاربين، وقد سُمِّي هذا الموضع باسم القائد، وهو معروف حتى اليوم باسم: (كَوم شَريك) قرية من قرى كَوْم حمادة، وكَوم حمادة مركز من أعمال محافظة البحيرة، بمصر في الوقت الحاضر. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ثم التقى المسلمون بالروم وحلفائهم بـ(سُنـْطْيس)، فاقتتلوا بها قتالاً شديدًا، فانهزم الروم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">والتقوا بـ(الكِرْيَون)، فاقتتلوا بضعة عشر يومًا، وكان عبد الله ابن عمرو بن العاص، على المقدمة، وحامل اللواء يومئد وَرْدان مولى عمرو، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات، فصبر صبرًا جميلاً، وصلّى عمرو يومئذ بجيش المسلمين، صلاة الخوف: بكل طائف ركعة وسجدتين، وتكبّد الطرفان خسائر فادحة، وقَتَل المسلمون من الروم مقتلة عظيمة، وطارد المسلمون الروم، حتى بلغوا الإسكندرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان للروم في الإسكندرية حصون مبنية لا تُرام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين (حُلْوة) إلى (قصر فارس) إلى ما وراء ذلك، ومعهم رؤساء القِبط، يمدونهم بما احتاجوا إليه، من الأطعمة، والعلوفة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبقي عمرو بحُلْوة شهرين، ثم تحوّل إلى (المَقْس)، وتُصَوِّرُ هذه الرواية، رغبة عمرو في القفول إلى حصن بابليون، ليعلم أهل الدلتا بقربه، ويشعرهم شوكته، بعد أن عز عليه اقتحام أسوار الإسكندرية، فترك حولها جيشًا كافيًا لحصار الإسكندرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأخرج الروم، على قوات المسلمين، التي تحاصر الإسكندرية، الخيل من ناحية البحيرة، مستترة بالحصن فاشتبكوا بالمسلمين، وقتلوا منها اثني عشر رجلاً. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانت رسل ملك الروم، تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم، وكان ملك الروم يقول: (لئن ظهرت العرب على الإسكندرية، إنّ ذلك انقطاع مُلك الروم وهلاكهم، لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية). ولما فتح المسلمون أرض الشام، قال الملك: (لئن غلبونا على الإسكندرية، لقد هلكت الروم وانقطع ملكها)، وأمر بجهازه ومصلحته للخروج إلى الإسكندرية، حتى يباشر قتالها بنفسه، إعظامًا لها، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: (ما بقاء الروم بعد الإسكندرية، فلما فرغ من جهازه، مات سنة عشرين الهجرية، وفيها فتحت قَيْسارية الشام. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأقام عمرو محاصرًا الإسكندرية أشهرًا، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب، قال: (ما أبطأوا في فتحها، إلا لـِمَا أحدثوا). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولـَمَّا أَبْطَأَ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَتْحُ مِصْـرَ، كَتَبَ إلى عَمْرو بن العَاص: </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">(أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ عَجِبْتُ لإبْطَائِكُمْ فِي فَتْحِ مِصْـرَ! إنَّكُمْ تُقَاتِلُونَهُمْ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَمَا ذَاكَ إلاَّ لـِمَا أَحْدَثْتُمْ، وَأَحْبَبْتُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أحبَّ عَدُوُّكُمْ، وَإنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى' لا يَنْصُرُ قَوْمًا إلاَّ بِصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ.. وَقَدْ كُنْتُ وَجَّهْتُ إليكَ أربعةَ نَفَــرٍ، وأَعْلَمْتُــكَ أَنَّ الرَّجُــلَ مِنْهُمْ مقَامَ أَلْفِ رجــلٍ، عَلى' مَا كُنْتُ أَعْرِفُ، إلاَّ أَنْ يكُون غَيَّرَهُم ما غَيَّرَ غَيْرَهُم، فإذا أَتَاكَ كِتَابي هذا، فَاخْطُبِ النَّاسَ وَحُضّهُم عَلَى' قِتَالِ عَدُوِّهِم، وَرَغِّبْهُمْ في الصَّبْرِ والنِّيَّة، وَقَدِّمْ أولئكَ الأربعةَ في صُدُورِ النَّاسِ، ومُرِ النَّاسَ جَميعًا أن يكونَ لَهُمْ صَدْمَةٌ كَصَدْمَةِ رَجُلٍ واحدٍ، وليكنْ ذلكَ عِنْدَ الزَّوالِ يومَ الـجُمُعَة، فإنَّها ساعةُ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَوَقتِ الإجابةِ، وَلْيَعُجَّ النَّاسُ إلى' اللهِ، ويسألُوه النَّصْرَ على' عَدُوِّه). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما أتى عمرًا كتابُ عُمَر، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهّروا، ويصلّوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله عز وجل، ويسألوه النصر. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأرسل المقوقس إلى عمرو، يسأله الصلح والمهادنة إلى مدة، فأبى عمرو ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأمر المقوقس النساء أن يقمن على سور المدينة، مقبلات بوجوههن إلى داخله، وأقام الرجال بالسلاح مقبلين بوجوههم إلى المسلمين ليرهبهم بذلك، فأرسل إليه عمرو: (إنّا قد رأينا ما صنعت، وما بالكثرة غلبنا مَن غلبنا، فقد لقينا هرقل ملككم، فكان من أمره ما كان). فقال المقوقس لأصحابه: (قد صدق هؤلاء القوم! أخرجوا مَلِكَنا من دار مملكته، حتى أدخلوه القسطنطينية، فنحن أولى بالإذعان). فأغلظ له أصحابه القول، وأَبَوْا إلا القتال، فقاتلهم المسلمون قتالاً شديدًا، وحصروهم ثلاثة أشهر، ففتحها عمرو بالسيف، واستخلف عمرو على الإسكندرية، عبد الله بن حُذَافة السهمي، في رابطة من المسلمين، وانصرف إلى الفُسطاط. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان فتح الإسكندرية سنة إحدى وعشرين الهجرية، وفي رواية أنها فُتحت سنة عشرين الهجرية، وفي رواية أنها فُتحت سنة خمس وعشرين الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأُرجِّح الرواية الأولى; أي أن الإسكندرية فُتحت سنة إحدى وعشرين الهجرية، لأن عمرو بن العاص، فتح مصر عدا الإسكندرية سنة عشرين الهجرية، فقد فتح في هذه السنة بعض مصر، لا كلها، ومن المعروف أن الإسكندرية، كانت آخر أصقاع مصر فتحًا، فلم يستطع عمرو إكمال فتح مصر كلها سنة عشرين الهجرية، فأتمّ فتحها سنة إحدى وعشرين الهجرية . </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">أما الذين ذكروا أن الإسكندرية فُتحت سنة خمس وعشرين الهجرية، فقد خلطوا بين فتحها الأول سنة إحدى وعشرين الهجرية، واستعادة فتحها، بعد انتقاضها سنة خمس وعشرين الهجرية، فقد انتقض أهل الإسكندرية، سنة خمس وعشرين الهجرية، فاستعاد عمرو فتحها، في هذه السنة أيضًا، كما سيرد ذلك وشيكًا. وفي رواية أن عُبادة بن الصامت، هو الذي فتح الإسكندرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">د ـ ولما فتح عمرو الإسكندرية بالسيف، غنم ما فيها، واستبقى أهلها، ولم يقتل، ولم يَسْبِ، وجعلهم ذمّة كأهل الفُسطاط، وكتب إلى عمر بن الخطاب بالفتح، مع معاوية بن حُدَيج الكِنْدِي ثم السَّكُوني، وبعث إليه معه بالخُمس. ويقال: إن المقوقس صالَحَ عمرًا، على ثلاثة عشر ألف دينار، على أن يخرج من الإسكندرية مَن أراد الخروج، ويقيم بها من أحب المقام، وعلى أن يُفرض على كل حالم من القبط دينارين، فكتب عمرو لهم بذلك كتابًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">واستخلف عمرو على الإسكندرية عبد الله بن حُذافة في رابطة من المسلمين، وانصرف إلى الفُسطاط. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان الروم قد عظم عليهم فتح المسلمين الإسكندرية، وظنوا أنهـــم لا يمكنهم المقام ببلادهم، بعد خروج الإسكندرية من ملكهم، فكاتبوا مَن كان فيها من الروم، ودعوهم إلى نقض الصلح، فأجابوهم إلى ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كما أن الروم، الذين بقوا في الإسكندرية، كتبوا إلى قُسْطَنطين بن هِرَقْل، الذي كان ملك الروم في القسطنطينية يومئذ، يخبرونه بقلّة من عندهم من المسلمين، وبما هم فيه من الذلة، وأداء الجزية، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له: مَنُويل في ثلاثمائة مركبٍ مشحونةٍ بالمقاتلة، فدخل الإسكندرية، وقتل مَن فيها من روابط المسلمين، إلا من تَمَلَّصَ منهم، فنجا من القتل، وكان ذلك سنة خمس وعشرين الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبلغ عمرو بن العاص الخبر، فسار إليهم في خمسة عشر ألفًا، فوجد مقاتلي الروم قد خرجوا، يعيثون فيما يلي الإسكندرية، من قُرى مصر، فلقيهم المسلمون، ورشقوهم بالنشَّاب ساعة، والمسلمون متترسون، ثم هاجموهم بعنف، فالتحمت بينهم الحرب، واقتتلوا قتالاً شديدًا، وانهزم الروم، ولم يتوقفوا في هزيمتهم إلا في الإسكندرية، فتحصّنوا بها، ونصبوا العرَّاداَت، فقاتلهم عمرو على الإسكندرية أشد قتال، ونصب المجانيق فَحَطَّمَتْ جُدُرَها، وألحّ عمرو بالحرب، حتى دخل الإسكندرية بالحرب عَنْوة، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وهرب بعض سكانها من الروم، إلى بلاد الروم، وقُتل مَنُويل قائد الروم، وهدم عمرو والمسلمون جدارَ الإسكندرية، وكان عمرو نذر، لئن فتحها، ليفعلن ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولم يوافق المقوقس أهل الإسكندرية في انتقاضهم، فأقرّه عمرو بعد استعادة فتح الإسكندرية، على أمره الأول. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان الروم، لما خرجوا من الإسكندرية، إلى القرى التي حولها، قد أخذوا أموال أهل تلك القرى، مَن وافقهم، ومَن خالفهم، فلما ظفر بهم المسلمون، جاء أهل القرى، الذين خالفوا الذين انتقضوا من الروم، وبقوا على ولائهم للمسلمين، فقالوا لعمرو بن العاص: (إنّ الروم أخذوا دوابنا وأموالنـا، ولم نخــالف نحن عليكم، وكنا على الطاعــة)، فــردَّ عليهـم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد كان أهل مصر الأصليين مع المسلمين على الروم، وكما قال المقوقس لعمرو: (... وأن لا تنقض بالقِبْط، فإن النقض لم يأت من قِبَلِهم).. (وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم، ولم يأت من قِبَلهم نقض، وأنا متمّم لك على نفسي، والقبط متمّمون لك الصلح، الذي صالحتهم عليه، وعاهدتهم، وأما الروم، فأنا منهم بريء...)، وصارت القبط للمسلمين أعوانًا على الروم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">هـ ـ ومهما قيل في تَعداد جيش المسلمين الذي فتح مصر، فبدأ بأربعة آلاف رجل، أو ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، وانتهى بعد وصول المدد من المدينة المنورة، بقيادة الزبير بن العوام، بثمانية آلاف، فيما إذا صحّ أن تعداد المدد أربعة آلاف رجل، وخمسة عشر ألفًا، فيما إذا صحّ أن تعداد المدد اثنا عشر ألفًا، فإنّ تعداد هذا الجيش الفاتح كان قليلاً للغاية، بالنسبة لتحقق هدف العمليات، وهو فتح مصر، وبالنسبة لتعداد المقاتلين من الروم، ومن أهل مصر، الذين نهضوا بمهمة الدفاع عن مصر، فقد ورد بكتاب ملك الروم الموجه إلى المقوقس: (إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفًا، وبمصر مَن بها من كثرة عدد القبط ما لا يُحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبوا أداء الجزية إلى العرب، واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية، ومَن معك، أكثر من مائة ألف، معهم العُدَّة، والقُوة، والعرب وحالهم وضعفهم، على ما قد رأيت...). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">والادّعاء بأن فتح مصر كان نزهة ترفيهية للفاتحين، بحجة أن الأقباط كانوا للمسلمين عونًا على الروم بصورة مطلقة، وأن الروم لم يقاتلوا كما ينبغي، ادّعاء متهافت، يدلّ على الجهل المطبق، أو على التحيّز والتعصب المقيت، فقد قاوم الروم وأهل البلاد المصريون، الفاتحين مقاومة شديدة، وأعانتهم طبيعة بعض المواقع، كحصن بابليون وأسوار الإسكندرية، على تلك المقاومة، وقد خندقوا خندقًا حول حصن بابليون، وجعلوا له أبوابًا، وبثّوا أفنيتها حَسَك الحديد، وثبتوا في كثير من مواضعهم الدفاعية، ثباتًا عنيدًا، امتدّ أيامًا، وأسابيع، وأشهرًا، وأكمل المسلمون فتح مصر خلال سنتين، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على ثبات المدافعين، واستقتال الفاتحين. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد كان المدافعون عن مصر، متفوقين على المسلمين الفاتحين، تفوقًا ساحقًا، بالعَدد والعُدَد، وكانوا يقاتلون دفاعًا عن بلادهم وعقيدتهم، وكانوا أكثر خبرة بفنون القتال التعبوية، من أولئك القادمين من الصحراء، وكانت قواعدهم قريبة منهم، وقواعد المسلمين بعيدة عنهم، وكانوا أغنى من المسلمين في المواد التموينية وأوفر حظًا، وكانت مزية اختيار المواضع القتالية بأيديهم، وهذه المواضع المناسبة، تساعدهم على الدفاع عنها، وتعرقل مهمة الهجوم عليها، وكانت طرق المواصلات البرية والبحرية، مفتوحة للمدافعين عن مصر، فكانت تردهم الإمدادات بالمراكب، من قواعد الروم المتقدمة والرئيسة، في بلاد الروم الأصلية، ولم تكن المواصلات البحرية مفتوحة، ولا متيسّرة للمسلمين، بأي شكل من الأشكال. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كل هذه المزايا القتالية كانت إلى جانب المدافعين عن مصر، ولكنّ المسلمين الفاتحين، أحرزوا النصر المؤزّر، بالإقدام والتضحية والفداء، وبالشهداء. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد كان المسلمون متفوقين على المدافعين عن مصر بالمعنويات العالية، فكان أحد هؤلاء المدافعين، يتمنى أن يموت صاحبه قبله، وكان أحد الفاتحين يتمنى أن يموت قبل صاحبه، فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة; بالمعنويات العالية، التي كانت نتيجة من نتائج أثر الإسلام في النفوس والعقول معًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">عاد رسل المقوقس من عند عمرو، إلى المقوقس قبل فتح حصن بابليون، وكان المقوقس يومئذ في جزيرة الروضة، فقال المقوقس لرسله: (كيف رأيتموهم؟) فقالوا: (رأينا قومًا، الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليه من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة، ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على رُكبهم، وأجيرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيّد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشعون بصلاتهم). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ووصف المقوقس المسلمين الفاتحين فقال: (والله إنهم على قلّتهم وضعفهم -يريد المسلمين- أقوى وأشد منا، على كثرتنا وقوتنا .. إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقْتِل، يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده، ويرون أن لهم أجرًا عظيمًا، فيمن قَتَلوا منا، ويقولون إنهم إن قُتلوا، دخلوا الجنة، وليس لهم لذة في الدنيا ولا رغبة، إلا قدرُ بُلْغَة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت، ونحبّ الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء ? وكيف صَبْرُنَا معهم؟ </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومهما يُقال في تأييد هذين القولين: قول رسل المقوقس، وقول المقوقس، في وصف المسلمين الفاتحين، تصديقًا، أو تشكيكًا، فإن أفعال المسلمين الفاتحين، تصدّق هذين القولين، والأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال وأجدى، فالتطبيق العملي للفتح هو الحكم الفصل في تصديق هذين القولين، وغيرهما من أمثالهما من الأقوال، والسيف أصدق إِنْبَاءً من الكُتب. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد انتصر العرب بالإسلام، ولن ينتصروا بغيره في يوم من الأيام، والتاريخ خير دليل على ذلك، وكانت انتصارات المسلمين الفاتحين انتصارات عقيدة بدون شك، جعلت من المجتمع الإسلامي الأول، مجتمعًا يضمّ قادة متميزين، وجنودًا متميزين، ولم يكونوا كذلك، قبل أن يعتنقوا هذه العقيدة، ويتمسكوا بتعاليمها، كما هو معروف، فلما أبطــــأ علـــــى عمـر بن الخطاب فتح مصر، عزا سبب الإبطاء إلى تغيير الفاتحين ما بأنفسهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد كان القِبْط لعمرو أعوانًا، أو كان أكثرهم على أقل تقدير، وخرج معه لفتح الإسكندرية، جماعة من رؤساء القِبط، فأصلحوا للفاتحين الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانًا على ما أرادوا من قتال الروم، ولم ينقض القبط، ولا المقوقس الصلح، الذي عقدوه بينهم وبين الفاتحين، كما نقض الروم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وليس موقف القبط بالنسبة للفاتحين، إلا استنكارًا لظلم الروم، وإعجابًا بعدل المسلمين، فأخلصوا للذين عدلوا، وكرهوا الذين ظلموا، ومصادر القِبط القديمة خير شاهد على ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">4- فـي ليبيــــا </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">أ ـ أراد عمرو القضاء على سلطان الروم في المنطقة الواقعة غربيّ الديار المصرية، ليتخلص من تعرّض الروم بمصر من الغرب، إذ كان الروم يحتلون تلك المناطق، ويشكّلون تهديدًا بريًّا خطرًا لمصر، فسار يخترق الصحراء، حتى بلغ (بَرْقة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانت بَرْقة، قبل الفتح الإسلامي، تابعة للإسكندرية، تحت حكم الرُّوم، وكانت أخبار فتح المسلمين لمصر، قد انتشرت في كلِّ البلاد المجاورة، وقد اشتملت تلك الأخبار على ما أظهره المسلمون من شجاعة وإقدام، وعلى ما طبقوه من عدل ومساواة، واحترام معابد المغلوبين، وأملاكهم، وأعراضهم، فكانت هذه الأخبار مطمئنة لنفوس أهل بَرْقة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد انتهى عمرو من فتح الإسكندرية الأول في ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين الهجرية، الموافق النصف الأخير من شهر أيلول (سبتمبر) من سنة (642م)، فسار بجيشه إلى برقة لفتحها، ففتحها عمرو، وصالح أهلها على الجزية، وكان ذلك سنة اثنتين وعشرين الهجرية.. وفي رواية أخرى: أن فتحها كان سنة إحدى وعشرين الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفَتْحُها سنة اثنتين وعشرين الهجرية أصح، لأنه من المعقول أن يبقى عمرو في الإسكندرية بعد فتحها، حتى تستقر أمورها، ويسيطر عليها سيطرة كاملة، فإذا كانت المسافة بين الإسكندرية وبَرْقة لا تُقطع إلا بعشرين يومًا على الأقل، سيرًا على الأقدام، وعلى الدواب، اتضح لنا أن المدة الباقية من شهري ذي القعدة، وذي الحجة، لا تكفي لاستقرار الأمور في الإسكندرية، وإكمال التنقل بين الإسكندرية وبَرْقة، لذلك يبدو أن القول بفتحها سنة اثنتين وعشرين الهجرية، أقرب إلى الصحة، ويتفق مع المنطق السليم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد صالَحَ عمرو أهل بَرْقة على ثلاثة عشر ألف دينار، ولم يكن يدخل بَرْقَة يومئذ جابي خراج، إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها، فكان أهل برقة يبعثون بخراجهم إلى والي مصر، من غير أن يأتيهم حاثّ أو مُستحثّ، فكانوا أَخْصَبَ قوم بالمغرب، ولم يدخلها فتنـــة، وكــــان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: (لولا مالي بالحجاز، لنزلت بَرْقة، فما أعلم منزلاً أسلم، ولا أعزل منها). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد هدم المسلمون أسوار مدن بَرقة، خوفًا من ارتداد أهلها، ومحاربة المسلمين من وراء الأسوار، أو خوفًا من عودة الروم إليها، والدفاع عنها، بالاستفادة من تلك الأسوار. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومن بَرقة بعث عمرو إلى (زَوِيلَة) عُقبة بن نافع الفِهْري، فافتتح زَوِيلَة صُلْحًا، وكان فتحها سنة اثنتين وعشرين أيضًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومن الواضح أن سبب بعث هذه القوة بقيادة عقبة، هو لترصين فتح بَرْقة من الجنوب والجنوب الغربي، بالسيطرة على سكان زويلة، وحرمانهم من التعرّض بالمسلمين الفاتحين في بَرْقة، ولتأمين عمق سَوْقِيّ للفتح في برقة، ولتأمين طريق مواصلات جيش عمرو، المتجه من برقة نحو الغرب. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بعد فتح زَوِيلَة، يُعْلِمُه أنه قد ولَّى عقبةَ بن نافعٍ الفِهْري المغربَ، فبلغ زَوِيلَة، وأن مَن بين زويلة وبرقة سَلَّمَ كلُّهم حسنةَ طاعتهم، قد أدّى مسلمهم الصدقة، وأقرّ معاهدهم بالجزية، وأنه قد وضع على أهل زويلة، ومَن بينه وبينها، ما رأى أنهم يطيقونه، وأمر عماله أن يأخذوا الصدقة من الأغنياء، فيردُّوها في الفقراء، ويأخذوا الجزية من الذمّة، فتحمل إليه بمصر، وأن يؤخذ من أرض المسلمين العُشر ونصف العشر، ومن أهل الصُّلْحِ صُلْحَهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد فرض عمرو على أهل زويلة ثلاثمائة رأسٍ من العبيد، وفرضَ عليهم ما يطيقونه، وهو ما يتفق مع وضع البلد حينذاك، إذ كانوا يتاجرون بالرقيق، يستوردونه من الجنوب، ويصدّرونه إلى الشمال. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وهكذا فتحت برقة وشطر فَزان. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ب ـ وتوجّه عمرو إلى طرابلس على طريق الساحل، وهو آمن من أن يُؤتى' من الجنوب، لوجود عقبة في الجنوب، كما أمن عقبة أن يؤتى من الشمال لوجود عمرو في الشمال. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومرّ عمرو في طريقه إلى طرابلس بمدينة (سُرْت)، ففتحها، ولم يجد عناء في فتحها، ولم يذكر أحد أنها فتحت عَنْوة أو صلحًا، مما يدل على أنها لم تكن ذات خطر، فاكتفى منها المسلمون بالاستسلام، وسار المسلمون في طريقهم إلى طرابلس، ومروا في طريقهم إليها بـ (لَبْدَة)، فوجدوها خرابًا مهدّمة، وحواليها قليل من السكان، وهم خليط من البربر والروم، ولم ينقل أحد من المؤرخين، أنهم وجدوا فيها أي مقاومة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ونزل عمرو (أطْرَابُلُس) سنة اثنتين وعشرين الهجرية، فنزل القبة التي على الشَرَف، من شرقيها، وحاصر المدينة فامتنع أهلها عن التسليم، وتحصّنوا داخل السور، وكان سور طرابلس من المناعة بحيث لم يقدر المسلمون أن يتسوّروه، كما لم يقدروا أن يقتحموا أبوابه، وكان السور يحيط بالمدينة من جهة الشرق والغرب والجنوب، ولم تكن المدينة مسوّرة من الشمال بينها وبين البحر. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبقي المسلمون على حصارها، نحو شهر، لا يقدرون منها على شيء. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي ذات صباح، ذهب سبعة من المسلمين للاستطلاع، أو للصيد، وكانوا مسلّحين بسيوفهم، ورماحهم، فساروا حتى وصلوا إلى جهة السوّر الغربية الشمالية، فوجدوا السور غير متّصل بالبحر، لأنها لم تكن مسوّرة من الناحية الشمالية كما ذكرنا، وقد يكون البحر في حالة جزر، مما زاد في اتساع الطريق بين نهاية السور والبحر، ورأوا أنه من الممكن الوصول إلى داخل المدينة من هذه الفجوة، فدخلوها من فورهم، من ناحية الكنيسة القديمة، وهو مكان مرتفع يقع في الشمال الغربي من المدينة، وقد أعملوا سيوفهم في رقاب الروم، وعلت أصواتهم بالتهليل والتكبير، وسمع عمرو، وبقية المسلمين، تكبير إخوانهم داخل السور، فأسرعوا إليهم، وتكاثر المسلمون، وعلت سيوفهم رقاب الروم، فذهلوا وذعروا، فلم يسعهم إلا الفرار، وتدافعوا إلى الطرقات المؤدية إلى السفن الراسية على شاطيء المدينة، ناجين بأنفسهم إلى عرض البحر، ففتح المسلمون المدينة، وغنموا كل ما فيها، وكانت غنائم كثيرة، باعها عمرو، وفرّق ثمنها على المسلمين. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولم يذكر أحد من المؤرخين أن الروم قاوموا المسلمين، حين اقتحموا عليهم المدينة، ويبدو أن سبب ذلك هو أثر مباغتة المسلمين للروم في دخول المدينة من مكان لا يتوقعونه، وفي زمان لا يتوقعونه، فاستسلموا للمسلمين بدون مقاومةٍ تُذْكَر. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد هدم المسلمون سور المدينة، لأنهم خافوا من انتقاض الروم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان أهل حصن (سَبْرة) قد تحصّنوا، لما نزل عمرو على طرابلس، فلما امتنعوا عليه بطرابلس، أمنوا واطمأنوا، فلما فُتحت طرابلس، جنّد عمرو عسكرًا كثيفًا، وسيّره إلى سَبْرة، فصبّحوها، وقد فتح أهلها الباب، وأخرجوا مواشيهم لتسرح، لأنهم لم يكن بلغهم خبر فتح طرابلس، فوقع المسلمون عليهم، ودخلوا البلد مكابــرة، وغنمـــــوا ما فيه، وعادوا إلى عمرو. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان الجند، الذي جرّده عمرو لفتح سَبرة، من الخيل الكثيفة، التي بعثها من ليلته، لذلك استفاد فرسان عمرو من سرعة الحركة، فباغتوا أهل سبرة بالزمان، إذ وصلوا إلى المدينة قبل أن يتسامعوا بفتح طرابلس، فانهارت معنوياتهم، ولم يكن أمامهم مسلك يسلكونه غير الاستسلام. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد سبقت خيلُ عمروٍ الأخبارَ، فباغت فرسانه المدافعين عن سبرة، وشلّوا تفكيرهم، وأجبروهم على الاستسلام، وكان الفرسان فاتحو سبرة بقيادة عبد الله بن الزبير بن العوام. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولا شك في أن أخبار حصار المسلمين لطرابلس وصلت إلى أهل سبرة (صبراتة)، وليس من المعقول أن يبقى المسلمون محاصرين لطرابلس نحو شهر، ولا تصل أخبارهم إليها، خصوصًا لما بينها وبين طرابلس من الروابط الوثيقة، ويظهر أنه لما طال حصار المسلمين لطرابلس، ظنّ أهل صبراتة أنهم لا يقدرون على فتحها، فاستكانوا لهذا الظن وأمنوا، وإذا عجز المسلمون عن فتح طرابلس -في ظنهم- فهم أعجز عن فتح صبراتة، لأن سورها أقوى من سور طرابلس، وسكانها أكثر من سكان طرابلس، فلم يهتموا لأمر المسلمين كثيرًا، ولم يعملوا على وقاية مدينتهم من إغارة المسلمين، فاستهانوا بالمسلمين، فكلّفتهم هذه الاستهانة غاليًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">جـ ـ ولما انتهى المسلمون من فتح صبراتة، ساروا إلى (شَروس)، وهي أكبر عواصم البربر القديمة في جبل (نَفُوْسة)، التي كانت موجودة زمن الفتح الإسلامي، وما زالت خرائبها إلى اليوم، وكانت إحدى عواصم الجبل، وكانت تحتوي على نحو ثلاثمائة قرية، والعاصمة الأخرى هي (جادو). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وما زال المسلمــون يحاولون فتح شَروس حتى فتحـــوها، ولكننــا لا ندري هل فتحت صلحًا أو عَنْوة ؟ إذ لم يتطرّق إلى ذلك أحد المؤرخين وغيرهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقبل أن يغادر عمرو مدينة سَرُوس (شَروس)، كتب إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، يستأذنه في فتح إفريقية (تونس): (إنا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها، فعل). فلم يوافقه عمر، وردّ عليه بكتاب هذا نصه: (لا، إنها ليست بإفريقيـة، ولكنها المفرِّقـــة، غادرة مغدور بهــا، لا يغزوها أحد ما بقيتُ). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وذلك أن أهلها كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئًا، فكانوا يغدرون به كثيرًا، وكان ملك الأندلس صالحهم ثم غدر بهم، وكان خبرهم قد بلغ عمر. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">د ـ ولما أنجز عمرو فتح طرابُلس -بضم الباء واللام، أو بضم الباء وسكون اللام- وجّـــــــه بُسْــرَ بن أبي أرطأة العَامـــري القُرشي إلى (وَدَّان). وذلك في سنة ثلاث وعشرين الهجرية، فصالح أهلها على ثلاثمائة رأس وستين رأسًا من العبيد. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبعد أن غادرهم بُسر، ارتدوا وبقوا على ردّتهم، إلى أن فتحهم عُقبة بن نافع سنة ست وأربعين الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد فتح عمرو ليبيا: من بَرقة إلى صبراته، ومن بلاد الجنوب شَروس وزويلة، وودَّان، واستغرقت أعمال الفتح من سنة اثنتين وعشرين الهجرة إلى سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وقد فتحت هذه البلاد عَنوة (بالحرب) إلا بَرقة وزويلة، فإنهما فُتحتا صلحًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان هدف فتح بَرْقة حماية البلاد المصرية، من تعرّض الروم برًا من الغرب، وكان هدف فتح زويلة هو حماية بَرقة من تعرّض الروم وحلفائهم الليبيين برًا من الجنوب والجنوب الغربي، وكان هدف فتح منطقة طرابلس هو حماية بَرْقة، من تعرّض الروم برًا من الغرب، وحماية منطقة زويلة من تعرّض الروم برًا من الغرب، وحماية منطقة زويلة من تعرّض الروم برًا من الشمال والشمال الغربي، وكان الهدف من فتح منطقة ودَّان، هو حماية منطقة طرابلس من الجنوب والجنوب الشرقي من تعرّض الروم وحلفائهم الليبيين بالمسلمين. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولكن لم يكن فتح عمرو لليبيا فتحًا مستدامًا، بل انتقض كثير من أجزائها، فاستعاد المسلمون فتحها من جديد، ولكن الفضل الأول في فتحها كان لعمرو بن العاص. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان عمرو قبل مغادرته مصر، قد اتفق مع المقوقس أن يخبره بكـل ما يحدث بعده في مصر من حوادث مصيرية.. وبعد أن انتهى عمرو من فتح شَروس، وقبل أن يرتحل عنها، أتاه كتاب من المقوقس، يذكر له فيه أن الروم يريدون نكث العهد، ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس ألا يكتمه أمرًا يحدث، فانصرف عمرو راجعًا مبادرًا لما أتاه، وعاد إلى مصر قبل مقتل عمر بن الخطاب في (27 ذي الحجة) من سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وترك عقبة بن نافع في زويلة، ليُتِمَّ فتحها سنة ثلاث وعشرين الهجرية، ووصل برقة قبل مقتل عمر بن الخطاب. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">5 ــ في النُّوبَــة </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لما فتح المسلمون مصر، غزوا النُّوبَة، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحَدَق من جودة الرّمي، فسمّوا رماة الحَدَق، فقد أراد عمرو أن يؤمِّن مصر من الجنوب، فبعث عُقبة بن نافع الفهري، فدخلت خيول المسلمين النوبة، كما تدخل صوائف الروم، فلقي المسلمون بالنوبة قتالاً شديدًا. لقد لاقاهم النوبيون، فرشقوهم بالنّبل، حتى جرح عامتهم، فانصرفوا بجراحات كثيرة، وحَدَق مفقوءة، فسمي النوبيون (رماة الحَدَق)، ولم يصالحهم عمرو، ودأب على مهاجمتهم بين حين وآخر، حتى عُزل عن مصر، وولي عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، فصالحهم، فكانت بينهم وبين المسلمين هُدنة، يعطيهم المسلمون شيئًا من القمح والعدس، ويعطيهم النوبيون رقيقًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد ذكر شيخ من حِمْيَر قال: (شهدت النوبة مرتين، في ولاية عمر بن الخطاب، فلم أر قومًا أحَدّ في حرب منهم! لقد رأيت أحدهم يقول للمسلم: أين تحبّ أن أضع سهمي منك ? فربما عبث الفتى منّا، فقال: في مكان كذا! فلا يخطئه!! كانوا يكثرون الرمي بالنبل، فما يكاد يُرى من نبلهم في الأرض شيء! فخرجوا إلينا ذات يوم فصافُّونا، ونحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف، فما قدرنا على معالجتهم; رمونا حتى ذهبت الأعين، فعُدّت مائة وخمسين عينًا مفقوءة، فقلنا: ما لهؤلاء خير من الصلح، إن سلبهم لقليل، وإنّ نكايتهم لشديدة، فلم يصالحهم عمرو، ولم يزل يكالبهم حتى نُزع، وولي عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، فصالحهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد فُتحت مصر سنة عشرين الهجرية، كما ذكرنا، والتعرّض بالنوبة الأول بقيادة عقبة بن نافع، لابد أن يكون بعد فتح الصعيد، فمن الواضح أن التعرض الإسلامي بالنوبة كان سنة إحدى وعشرين الهجرية، لأن عقبة بعد ذلك أصبح ميدان جهاده في ليبيا، كما ذكرنا، ولم يعد إلى مصر قائدًا، بل تولّى إفريقية، واقتصر نشاطه العسكري على تلك المناطق والأصقاع. وهكذا كان عمرو أول من فكّر في فتح النوبة، ومهد لفتحها. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">6 ــ في إفـريقيــة </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">تولى عثمان بن عفان الخلافة بعد مقتل عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، وذلك سنة أربع وعشرين الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان عمرو قد استأذن عمر بن الخطاب في غزو إفريقية، فلم يوافق عمر على فتحها كما ذكرنا، وكان عمرو قد بعث بعثًا قبل سنة خمس وعشرين الهجرية إلى المغرب، فأصابوا غنائم، فكتب إلى عثمان يستأذنه في الغزو إلى إفريقية، فأذن له، أي أن هذا البعث إلى إفريقية كان سنة أربع وعشرين الهجرية كما يبدو، أي بعد تولية عثمان الخلافة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وفي سنة خمس وعشرين الهجرية، سيّر عمرو بن العاص إلى أطراف إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح غازيًا بأمر عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكان عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح من جند مصر، ولما ســـار عبد الله إليها، أمدَّه عمرو بالجنود، فغنم هو وجنده، وعاد عبد الله إلى مصر، فكتب إلى عثمان، يستأذنه في غزو إفريقية، فأذن له في ذلك. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانت قوة عبد الله بن سعد بن أبي سرح على الخيل، أي أنها كانت مؤلفة من الفرسان سريعي الحركة، فكانت غزوته هذه غزوة استطلاعية، مهّدت له السبيل لفتح إفريقية، بعد أن تولّى مصر، خلفًا لعمرو بن العاص، سنة خمس وعشرين الهجرية، أو في سنة ست وعشرين الهجرية، أو في سنة سبع وعشرين الهجرية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد ذكرنا من قبل، أن عمرو بن العاص، كان أول من فكّر بفتح إفريقية من القادة المسلمين، وذلك لحماية ليبيا من تعرّض الروم وحلفائهم، بالمسلمين الذين فتحوا طرابلس والبلاد التي حولها من جهة إفريقية، لأن الروم حينذاك كانوا هناك، وكان المسلمون يخشون تعرضًا بريًا من الغرب باتجاه طرابلس، لاستعادة ليبيا من المسلمين، ولكن عمر بن الخطاب، كان يحرص غاية الحرص على أرواح المسلمين، ولا يحب أن يعرّض المسلمين للأخطار. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">إلا أن الأحداث بعد مقتل عمر بن الخطاب، وتولي عثمان بن عفان الخلافة، فرضت نفسها على المسلمين، نظرًا لمحاولة الروم وحلفائهم استرداد ليبيا بمهاجمتها برًا وبحرًا، فسمح عثمان للمسلمين بفتح إفريقية. </span></span></p></blockquote><p></p>
[QUOTE="أم هنا وريهام, post: 67485, member: 2417"] [center][font=traditional arabic][size=5][color=#0000ff]في ميـــدان الجهــاد [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=#800000]1 ـ في حرب الرِدَّة [/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]مات النبي صلى الله عليه و سلم، وعمرو عاملاً لرسول الله صلى الله عليه و سلم ،على عُمَان، فأقبل بعد التحاقه عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، حتى انتهى إلى البَحْرين، فوجد المنذر بن سَوى في الموت. وخرج عمرو عن البحرين، إلى بلاد بني عامر، فنزل بِقُرَّة بن هُبَيْرة، وقُرَّة يقدِّم رِجْلاً ويؤخر أخرى إلى الرِّدة، ومعه عسكر من بني عامر، فذبح له، وأكرم مثواه، فلما أراد عمرو الرَّحيل عن ديار قُرَّة، خلا به قُرّة وقال: (يا هذا! إنّ العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ أموالها، فتسمع لكم، وتُطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم!) فقال له عمرو: (أكفرتَ يا قُرَّة؟! أتخوفنا بالعرب؟ فوالله لأوطئن عليك الخيل في حِفْش) والحِفْش: بيت تنفرد به النُّفَسَاء. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ومَرَّ عمرو في طريق عودته بمُسَيْلَمَة الكَذَّاب، فأعطاه الأمان، فقال له عمرو: (أعرض لي ما تقول)، فذكر مسيلمة بعض كلامه، فقال عمرو: (والله إنّك لتعلم أنّك من الكاذبين)، فتوعّده مسيلمة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقدم عمرو على المسلمين بالمدينة، فأخبرهم بما رآه، وسمعه، في طريق عودته، من عُمان إلى المدينة، وكان مما أخبرهم به أن العساكر معسكرة من (دَبَا) إلى المدينة، فتفرّقوا وتحلّقوا حلقًا، وأقبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يريد التسليم على عمرو، فمرّ على حلقة فيها عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطَلحَة بن عُبيد الله، والزُّبير بن العَوَّام، وعبد الرحمن بن عَوْف، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم، فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: (فِيمَ أنتم؟) فلم يجيبوه، فقال لهم: (إنكم تقولون: ما أخوفنا على قريش من العرب!) قالوا: صدقت! قال: (فلا تخافوهم، أنا والله منكم على العرب، أخوف مني من العرب عليكم، والله لو تدخلون معاشر قريش جُحْرًا، لدخلته العرب في آثاركم، فاتقوا الله فيهم)، ومضى عمرو. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]فلما قُدِمَ بِقُرَّة بن هُبيرة، على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أسيرًا، استشهد بعمرو على إسلامه، فأحضر أبو بكر عَمْرًا فسأله، فأخبره بقول قُرَّة، إلى أن وصل إلى ذكر الزكاة، فقال قُـــرَّة: (مهــلاً يا عمرو!) فقال: (كلا، والله لأخبرنّه بجميعه)، فعفا أبو بكر عنه، وقَبِل إسلامه. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما عقد أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، أحد عشر لواءً، لقادة حرب أهل الردة، عقد لواءً لعمرو، وأرسله إلى قُضاعة، ففصلت الأمراء من (ذي القَصَّة)، ولحق بكلِّ أمير جنده، وعهد إلى كُلِّ أمير، وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة، يأمرهم بمراجعة الإسلام، ويُحذِّرهم، وسيّر الكتب إليهم مع رسله. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكانت قُضاعة، قد ارتدّت بعد التحاق النبي صلى الله عليه و سلم بالرفيق الأعلى، وكان عمرو، قد حاربها في حياة النبي صلى الله عليه و سلم، في سرية ذات السلاسل، كما ذكرنا ذلك، فلما أنفذ أبو بكر إلى قُضاعة جيشًا بقيادة عمرو، سار عمرو على رأس جيشه في الطريق، الذي سلكه من قبل، حتى وصل إلى بلاد قُضاعة، فأَعْمَلَ السيفَ في رقابهم، وغلبَهم على أمرهم، فعادوا إلى الإسلام، وعاد عمرو إلى المدينة المنورة حاملاً لواء النصر، وكان ذلك في السنة الحادية عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولا نعرف شيئًا عن تَعْداد جيش عمرو، ولا عن تَعداد مقاتلي قُضاعة، ويبدو أن التفوّق العددي، كان إلى جانب المرتدين، ولكن جيش عمرو كان منظمًا، له هدف واضح، وتسيطر عليه عقيدة واحدة، وقيادة واحدة.. والجيش المنظم القليل، الذي يتحلّى بالعقيدة الراسخة، التي تشيع الانسجام الفكري في صفوفه، ينتصر دومًا على الجيش الكبير، غير المنظم، الذي لا يتحلّى بالعقيدة، ويخلو من الانسجام الفكري. لقد كان موقف عمرو في حرب الردة متميزًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5][color=#800000]2 ـ في أرض الشـام[/color][/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]أ ـ ردَّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عمرو بن العاص إلى عمله، الذي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ولاّه إياه في عُمان، فلما أراد إرسال الجيوش، لفتح أرض الشام، كتب إلى عمرو: (إنّى كنت قد رددتك على العمل، الذي ولاّك رسول الله صلى الله عليه و سلم مرة، ووعدك به أخرى، إنجازًا لمواعيد رسول الله صلى الله عليه و سلم، وقد وليته، وقد أحببتُ أن أُفرغك، لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحبّ إليك). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما تسلّم عمرو رسالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان يومئذ أميرًا على عُمان، كتب إلى أبي بكر جوابًا على كتابه: (إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدّها، وأخشاها، وأفضلها، فارم به شيئًا، إن جاءك من ناحية من النواحي). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبدأ أبو بكر بحشد العرب، وأمر عمرًا أن يجمع العرب، فأرســـــل أبو بكر إلى عمرو، بعض مَن اجتمع إليه، وأمَّره على فلسطين، وأوصاه بهذه الوصية: (اتَّق الله في السر والعلانية، فإنه من يتّق الله يجعل له مخرجًا، ويرزُقْه من حيث لا يحتسب، ومن يتَّق الله يُكَفِّر عنه سيئاته، ويُعْظم له أجرًا، فإن تقوى الله خير ما تَوَاصى به عباد الله، إنّك في سبيل من سُبل الله، لا يَسَعُك فيه الإذهان، والتفريط، والغفلة، عما فيه قِوام دينكم، وعصمة أمركم فلا تَنِ ولا تَفْتُر)، وكان عقد لواء عمرو، في يوم الخميس، لمستهل شهر صفر من سنة ثلاث عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأمَرَ أبو بكر عمرًا، أن يسلك طريق (أيْلَة) عامدًا لفلسطين، وكان العقد لكل أمير من أمراء الشام، في بدء الأمر، ثلاثة آلاف رجل، فلم يـزل أبو بكر، يتبعهم الإمداد، حتى صار مع كُلِّ أمير، سبعة آلف وخمسمائة.. وكان جيش عمرو مؤلفًا من أهل مكة، والطائف، وهَوازن، وبني كِلاب. وقال أبو بكر لعمرو: (لقد وليّتك هذا الجيش، فانصرف إلى أرض فِلَسْطين، وكاتِبْ أبا عُبيدة، وانجدْه إذا أرادك، ولا تقطعْ أمرًا إلا بمشورته)، فأقبل عمرو على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال له: (يا أبا حَفْص! أنت تعلم شِدَّتي على العدو، وصبري على الحرب، فلو كَلَّمتَ الخليفة، أن يجعلني أميرًا على أبي عُبيدة، وقد رأيتَ منزلتي عند رسول الله صلى الله عليه و سلم، وإني لأرجو أن يفتح الله على يديّ البلاد، ويهلك الأعداء)، فقال عمر بن الخطاب: (ما كنتُ بالذي أكلِّمه في ذلك، فإنه ليس على أبي عبيدة أمير، ولأَبو عبيدة أفضل منزلة منك، وأقدم سابقة منك، والنبي صلى الله عليه و سلم قال فيه: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة)، فقال عَمرو: (ما ينقص من منزلته إذا كنتُ واليًا عليه ?!) فقال عُمَر: (ويلك يا عَمْرو! إنّك ما تطلب بقولك هذا، إلا الرياسة والشرف، فاتّق الله، ولا تطلب إلا شرفَ الآخرة، ووجه الله تعالى)، فقال عَمْرو: (إن الأمرَ كما ذكرتَ). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وولَّى أبو بكر الأُرْدن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، ويزيد بن أبي سفيان دِمشق، وقال للأمــــراء: (إذا اجتمعتم على قتال، فأميركـــم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح الفِهْري، وإلا فيزيد بن أبي سفيان)، وقال: (إذا كان بكم قتال، فأميركم الذي تكونون في عمله)، أي إذا كان القتال في فلسطين، كان القائد العام عمرو، لأنه قائد فلسطين، وإذا كان القتال في الأردن، كان القائد العام شُرَحبيل.... وهكذا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]أما إذا اجتمع القادة في مكان واحد، فالقائد العام هو أبو عبيدة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما وصل الأمراء أرض الشام، نزل عمرو (العَرَبة)، فبلغ الروم ذلك، فكتبوا إلى هِرَقْل وكان بالقُدس، فقال: أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله، لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام، ويبقى لكم نصفه، مع بلاد الروم، أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام، ونصف بلاد الروم)، فتفرقوا عنه وعصوه، فجمعهم وسار بهم إلى حِمْص، فنزلها، وأعدّ الجنود والعساكر، وأراد إشغال كل طائفة من المسلمين، بطائفة من عسكره لكثرة جنده، لتضعف كل فرقة من المسلمين عمّن بإزائه، فأرسل تَذَارِق أخاه لأمه وأبيه في تسعين ألفًا، وبعث القادة الآخرين مع قوّاتهم، ليكون كل قائد منهم، بمواجهة أحد قادة المسلمين، فهابهم المسلمون، وكتبوا إلى عمرو يسألونه الرأي، فأجابهم: (إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإنَّ مثلنا إذا اجتمعنا، لا نُغلب من قِلة، فإن تفرّقنا لا يقوم كل فرقة له بمن استقبلها، لكثرة عدوّنا).. وكتب أمراء المسلمين في أرض الشــام إلى أبي بكر الصديق يسألونه أيضًا، فأجابهم مثل جواب عمرو، وقال: (إنّ مثلكم لا يُؤتى من قِلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، فاجتمعوا باليرموك متساندين، وليُصَلِّ كل واحد منكم بأصحابه). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وباجتماع جيوش المسلمين في اليرموك، فَوَّتوا على الروم فرصة ضرب كل جيش من جيوشهم على انفراد، دون أن تستطيع تلك الجيوش التعاون الوثيق بينها، كما ينبغي. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]واجتمع المسلمون باليرموك، والروم كذلك، فنزل الروم (الوَاقُوْصَة) وهي على ضفة اليرموك، وصار الوادي خندقًا لهم، وهو لِهْبٌ لا يُدرَك، وإنما أراد قائد الروم يستثبت الروم، ويأنسوا بالمسلمين، وترجع إليهم أفئدتهم، طِيَرَتَها، فقد كانت معنويات الروم منهارة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وانتقل المسلمون عن معسكرهم الأول، ونزلوا بحذاء الروم، على طريقتهم، وليس للروم طريق إلا على المسلمين، فقال عمرو: (أيها الناس! أبشروا، حُصِرَت الروم، وقلّما جاء محصور بخير). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأقام المسلـمون بإزاء الروم، أواخر شهــر صفـر، وشَهريْ ربيــع، لا يقدرون من الروم على شيء، ولا يخلصُون إليهم: الوَاقُوْصَة من ورائهم، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم، حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث عشرة الهجرية، استمدوا أبا بكر، في شهر صفر، فكتب إلى خالد بن الوليد ليلحق بهم، ويأمره بالمسير إليهم، وبالحث، وأن يأخذ نصف الناس، ويستخـلف على النصـف الآخـــــر المُثنَّى بن حــــارثـــة الشيبــاني، ولا يأخذن مَنْ فيه نجدة، إلا ويترك عند المثنى مثله، وإذا فتح الله عليهم، رجع خالد وأصحابه إلى العراق. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما تكامل جمع المسلمين باليرموك، خرج الروم للقتال، في جُمادى الآخرة، فأراد المسلمون الخروج لقتال الروم متساندين، فاقترح خالد لتحقيق تساند المسلمين، أن يتولى الأمراء الإمارة بالتعاقب، وأن يسمحوا له بتولّى القيادة العامة أولاً، فأمَّروه، وهم يرون أنها لن تطول. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وخرجت الروم، في تعبية لم يَرَ الراؤون مثلها قط، وخرج خالد في تعبية، لم تُعبِّها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كُردوسًا إلى الأربعين: فجعل القلب كراديس، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وعليها عمرو بن العاص، وشُرَحْبيل بن حَسَنة، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بين أبي سفيان، وجعل على كل كردوس رجلاً من الشجعان، فكان لعمرو أثر كبير في انتصار المسلمين على الروم، في هذه المعركة الحاسمة التي فتحت أبواب أرض الشام، للفاتحين المسلمين. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وشهد عمرو فتح دِمشق بقيادة أبي عبيدة بن الجرّاح، فنزل بجيشه في ناحية باب (تُوما) أحد أبواب دمشق، وكان فتح دمشق سنة ثلاث عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما فُتحت دمشق، سار أبو عبيدة إلى (فِحْل)، واستخلف على دمشق، يزيد بن أبي سفيان، وبعث خالدًا على المقدّمة، وعلى الناس شُرَحْبيل بن حَسَنة، وكان على الجنبتين، أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، فانتصر المسلمون، على الروم أيضًا، وكان لعمرو أثر كبير في إحراز هذا الانتصار، وقد دارت هذه المعركة، سنة ثلاث عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وسبب تولّي شُرحبيل القيادة العامة، في هذه المعركة، هو أنه كان قائد منطقة الأُردن، والمعركة جرت في منطقته، فهو يتولى القيادة العامة، تنفيذًا لأوامر أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، التي أصدرها لقادة فتح أرض الشام، والتي مرّ ذكرها. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وشهد عمرو مع شُرَحْبِيل فتح (بَيْسَــان) و(طَبَرِيَّة)، وصالَحَا أهل الأُردن. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ب ـ وعلم عمرو، أن الروم حشدوا جيوشهم، وعلى رأسها قائد فلسطين للرُّوم، أرطبون (أريطيون) في (أَجْنَادِين). فسار عمرو، ومعه شُرحبيل بن حَسَنة، واستخلف على الأردن، أبا الأعور السُّلَميّ.. وكان الأرطبون أدهى الروم، وأبعدها غورًا، قد وضع بـ (الرَّملة) جندًا عظيمًا وبـ (إيليَاء) جندًا عظيمًا، فلمّا بلغ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه الخبر، قال: (رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب -يريد عَمْرًا- فانظروا عمّا تنفرج). وكان معاوية بن أبي سفيان قد شغل أهل (قَيْسَاريَّة) عن عمرو.. كما جعل عمرو، على قتال إيلياء، عَلْقَمة بن حَكِيم الفِرَاسي ومَسْرُوق العَكِّي، فشغلوا مَن به عنه، وجعل أيضًا أبا أيوب المالكي، على مَنْ بالرَّمْلة من الرُّوم، فشغلهم عنه، وشاغل هؤلاء القادةُ المسلمون القواتِ الروميةَ عن قوات عمرو الأصلية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأقام عمرو على أَجْنَادِين، لا يقدر على الأرطبون، ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه، ودخل عليه كأنه رسول، ففطن به الأرطبون، وقال: (لا شك أنّ هذا هو الأمير أو مَنْ يأخذ الأميرُ برأيه)، فأمر رجلاً أن يقعد على طريقه، ليقتله إذا مر به، وفطن عمرو إلى غدر الأرطبون، فقال: (قد سمعتَ مني، وسمعتُ منك، وقد وقع قولك مني موقعًا، وأنا واحد من عشرة، بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه، ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت، مثل الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنتَ على رأس أمرك)، فقال الأرطبون: (نعم)، وردّ الرجل، الذي أمره بقتل عمرو، وخرج عمرو من عند الأرطبون، فعلم الرومي، بأن عمرًا خدعه، فقال: (خدعني الرجل! هذا أدهى الخلق). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبلغت خديعةُ عمرو، مسامعَ عمر بن الخطاب، فقال: (لله دَرُّ عمرو!) [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وعرف عمرو من استطلاعه الشخصي، هذا الذي ذكرناه، نقاط الضعف، ومواطن القوة، في مواضع الروم، فهاجم جيش الروم في أجنادِين، واشتبك معهم في قتال مرير، كقتال يوم اليرموك، حتى كَثُرت القتلى بين الطرفين، ولكن الأرطبون انهزم، فآوى إلى مدينة (إيلياء)، وأفرج المسلمون الذين يحصرون بيت المقدس لأرطبون، ومَن معه من المنهزمين، فدخل إيلياء، وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو في أجنادين، حيث استقر عمرو، ومن معه من المسلمين، في هذه المدينة، للاستعداد لقتال جديد، وانضم عَلْقَمة بن حَكيم، ومسروق العَكِّي، وأبو أيوب المالكي، ومَن معهم، من قوات ثانوية، إلى قوات عمرو الأصلية، في أجنادين، وكان ذلك سنة خمس عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما دخل الأرطبون مدينة إيلياء (بيت المقدس)، فتح عمرو (غَــزَّة)، و(سَبَسْطِيــة)، و(نَـابُلُــس)، و(اللُّـــد)، و(يَبْنَى)، و(عَمْوَاس)، و(بيت جِبْرين)، و(يَافا)، و(رَفَح)، كما فتح (مُرج عيون). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقدم أبو عبيدة على عمرو، وهو محاصِر بيت المَقْدس، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب: (إني أعالج عدوًا شديدًا، وبلادًا قد ادّخرت لك، فرأيك؟) فعلم عُمَرُ أنّ عَمْرًا، لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه، فسار عُمر عن المدينة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقيل: كان سبب قدوم عمر بن الخطاب، إلى الشام، أن أبا عبيدة حاصر بيت المقدس، فطلب أهله منهم أن يصالحهم، على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب، فكتب إليه بذلك، فسار عمر عن المدينة، واستخلف عليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وسار عمر بن الخطاب، فقدم (الجَابِيَة)، وكان المدافعون عن بيت المقدس، قد شجوا عَمْرًا وأشجاهم، ولم يَقْدر عليها، ولا على (الرَّملة). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقدم قسم من أهل بيت المقدس، إلى عُمَر في الجابية، وصالحوه على الجزية، وفتحوها له، وكان الذي صالحه العَوَامُ، لأن الأرطبون هرب إلى مصر. وأرسل عمر بن الخطاب، إلى أهل بيت المقدس، والرَّملة بالأمان، وجعل عَلْقَمة بن حَكيم، على نصف فلسطين، وأسكنه الرملة، وجعل عَلْقَمة بن مُجَزِّز، على نصفها الآخر، وأسكنه بيت المقدس، فنزل كل واحد في عمله في الجنود التي معه، وضمّ عَمْرًا وشُرحبيل إليه بالجابية، فلما انتهيا إلى الجابية، وافَقَا عمر ابن الخطاب راكبًا، فقبَّلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما مُحْتَضِنًا، وكان هذا الفتح سنة خمس عشرة الهجرية، وقيل سنة ست عشرة الهجرية، والأول أصوب. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان نصّ معاهدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع أهل بيت المقدس، والذي كان عمرو، أحد الشهود على هذه الوثيقة : [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]( بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى، عبدُ الله عُمَرُ أميرُ المؤمنين، أهلَ إيلياء، من الأمان.. أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبـناهم، وسقيمها، وبريئها، وسائـر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها، ولا من حَيِّزِها، ولا من صليبهم، ولا من شيءٍ من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.. وعلى أهل إيلياء، أن يعطوا الجزية، كما يُعْطِي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الرُّوم واللّصوت، فمن خرج منهم، فإنه آمِن، وعليــــــه مثـــــل ما على أهل إيلياء من الجزية.. ومَن أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الرُّوم، ويخلّي بِيَعهم، وصُلُبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بِيَعِهم وصُلُبِهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومَن كان بها من أهل الأرض، قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعد، وعليه مثـــــــل ما على أهل إيلياء، من الجزية، ومَن شاء سار مع الروم، ومَن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحصد حصـــادهم، وعلــــى ما في هذا الكتاب، عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وحاصر عمرو (قَيْسَارية) بعد فتح بيت المقدس، ولكنّه خرج إلى مصر، فتولّى فتحها، معاوية بن أبي سفيان. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد نقض أهل طَبَرية العهد، الذي كان شُرحبيل بن حَسَنة، قد عقده معهم، بعد فتح مدينتهم صلحًا، وكان نقضهم في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذ اجتمع مع أهل طبرية قوم من الروم وغيرهم، فأمر أبو عبيدة بغزوهم عمرو بن العاص، فسار إليهم في أربعة آلاف، فاستعاد فتحها، على مثل صُلْح شُرَحبيل، ويقال: بل فتحها شُرَحبيل ثانية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد شهد عمرو، أكثر معارك فتح أرض الشام، كما كان فتح أكثر فلسطين، على يديه، وأبلى في فتوح أرض الشام، أحسن البلاء. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]3 ــ فتح مصـــر [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]أ ـ كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلى عمرو، حين فرغ من الشام كلها، أن يسير إلى مصر بجُنده. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي رواية: أن عمرو بن العاص، كان يحاصر قَيْسارية، فاستخلف عليها ابنه ومضى إلى مصر، من تِلقاء نفسه في ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل من المسلمين، فغضب عمر بن الخطاب لذلك، وكتب إليه يوبخه ويعنِّفه على افتتانه عليه برأيه، وأمره بالرجوع إلى موضعه، إن وافاه كتابه، دون مصر، فورد الكتاب عليه، وهو بـ (العَرِيْش). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقيل أيضًا: إن عمر بن الخطاب، كتب إلى عمرو، يأمره بالشخوص إلى مصر، فوافاه كتابه، وهو محاصر قَيْسارية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي رواية أن عمر بن الخطاب، أقام بإيلياء (بيت المقدس) بعدما صالح أهلها، ودخلها أيامًا، فأمضى' عمرو بن العاص إلى مصر، وأمَّره عليها إن فتح الله عليه، فخرج عمرو بن العاص إلى مصر، بعد ما رجع عمر بن الخطاب إلى المدينة المنورة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي رواية: أن عمر بن الخطاب، حين قدم الجابية، خلا به عمرو ابن العاص، فاستأذنه في المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل مصر في الجاهلية، وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها، وقال: (يا أمير المؤمنين! ائذن لي أن أسير إلى مصر)، وحرّضه عليها، وقال له: (إنك إن فتحتها، كانت قوة للمسلمين، وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالاً، وأعجزها عن القتال والحرب)، فتخوّف عمر بن الخطاب على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظّم أمرها عند عمر بن الخطاب، ويخبره بحالها، ويهوِّن عليه فتحها، حتى ركن لذلك، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من (عكٍّ)، ويقال: بل ثلاثة آلاف وخمسمائة، ثُلُثُهم من غافق، وثُلُثَاهم من عَكٍّ، وغافِق من عَكٍّ أيضًا، فهو غافق بن الشاهد بن عَلْقَمة بن عك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي رواية : أن عمر بن الخطاب، قال لعمرو، بعد أن استأذنه، بالمسير إلى مصر: ( سِرْ وأنا مستخير الله في سيرك، وسيأتيك كتابي سريعًا، إن شاء الله، فإن أدركك كتابي، آمرك فيه بالانصراف عن مصر، قبل أن تدخلها، أو شيئًا من أرضها، فانصرف، وإن أنت دخلتها، قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره).. فسار عمرو في جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمرُ ا$َ، فكأنه تخوّف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو، أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرًا وهو بـ (رَفَح)، فتخوف عمرو، إن هو أخذ الكتاب، وفتحه، أن يجد فيه الانصراف، كما عهد إليه عمَر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه، وسار حتى نزل قرية فيما بين رَفَح والعَريش، فسأل عنها فقيل: إنها من مصر، ودعا عمرو بالكتاب، فقرأه على المسلمين، فقال لمن معه: (ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر ?) فوافقوه على أنها من مصر، فقال لهم: فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني، إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر، أن أرجع، ولم يلحقني كتابه، حتى دخلنا مصر، فسيروا، وامضوا على بركة الله). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وليس من المعقول، ولا من المنطق في شيء، أن يمضي عمرو لفتح مصر من تلقاء نفسه، وبدون استشارة عمر بن الخطاب، وأخذ موافقته على هذا الفتح، ولا أن يُقْدِم عمرو، على المغامرة بفتح مصر، خلافًا لرغبة عمر بن الخطاب، وموافقته الكاملة الصريحة، وعمرو أعقل وأدهى، وأَبْعد نظرًا، من أن يتحدّى رغبات عمر بن الخطاب، ويخالفه، ويعصي أوامره، فيغضب عمر، ويكتب إليه موبِّخًا معنِّفًا، وعمر بن الخطاب، أقوى وأصلب من أن يفسح المجال لعامل من عُماله، أن يخالف رغباته، ويتحدَّى' أوامره، ويخرج عن طاعته، فلابد أن عمرو بن العاص، أقنع عمر بن الخطاب، على فتح مصر، فكانت موافقة عمر بن الخطاب على فتح مصر، موافقة صريحة لا لَبْس فيها ولا غموض. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولكن متى وأين أخذ عَمرو موافقة عُمَر، على فتح مصر؟ [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]كان مسير عمرو إلى مصر في سنة تسع عشرة الهجرية، وفتحت مصر سنة عشرين، وقيل سنة ست عشرة.. وبالجملة، فينبغي أن يكون فتحها، قبل عام الرمادة، لأن عمرو بن العاص، حمل الطعام في بحر القُلْزم من مصر إلى المدينة، في عام الرَّمادة، الذي كان سنة ثماني عشرة الهجرية، أو سنة سبع عشرة، أي أن الفتح كان سنة ست عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولم يكن المسلمون، قد استكملوا فتح أرض الشام، في تلك السنة، وقد كان عمرو بأرض الشام سنة ثماني عشرة الهجرية في طاعون (عَمْواس)، فلما مات أبو عبيدة بن الجراح، استُخلف على الناس معاذ بن جَبَل، فلما مات مُعاذ بالطاعون أيضًا، استُخلف على الناس عمرو بن العاص، فخرج بالناس إلى الجبال، فلم يكره عمر ابن الخطاب ذلك من عمرو. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد التقى عمرو بعمر بن الخطاب بـ (الجابية)، فخلا عمرو بعُمَر، وفاتحه بفتح مصر.. وعمر بن الخطاب قدم الجابية أربع مرات; الأولى: قُبيل فتح بيت المقدس، والثانية: بعد فتح بيت المقدس، والثالثة: في أيام طاعون عَمواس، ولكنه عاد أدراجه إلى المدينة لانتشار الوباء في المنطقة، والرابعة: بعد الطاعون سنة ثماني عشرة الهجرية، ومعنى هذا أن عمرو بن العاص، كان في أرض الشام، حتى نهاية سنة ثماني عشرة الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ويبدو أن عمرو بن العاص، سار إلى مصر سنة تسع عشرة الهجرية، ولكنه فتحها سنة عشرين الهجرية، وبذلك يمكن التوفيق، بين ما جاء في المصادر المعتمدة، عن تاريخ فتح مصر، مع استبعاد ما جاء عن فتح مصر في تلك المصادر، قبل سنة تسع عشرة، لأن ذلك يناقض، ما جاء في أحداث التاريخ. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد استطاع عمرو، إقناع عمر بن الخطاب بفتح مصر، في لقاء الرجلين، سنة ثماني عشرة الهجرية بالجَابية، وكان عمر بن الخطاب حَرِيًَّا بالاقتناع، حتى لا تكون أرض الشام، معرّضة لخطر مهاجمتها من الروم شمالاً من بلاد الروم، وجنوبًا من مصر، على طريق سيناء البريّ، وغربًا من بحر الروم، وبخاصة أن أرطبون قائد الروم في فلسطين، لحق بمصر قُبيل استسلام بيت المقدس للمسلمين، ولابد أن يكون مع أرطبون (أريطيون) الذي هرب من بيت المقدس إلى مصر، جيش من جيوش الروم، وأنه كان يحشد جنود الروم، في مصر، لقتال المسلمين في حالة محاولة المسلمين فتح مصر، أو يحاول استعادة فلسطين، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، فرأى عمرو بن العاص أن على المسلمين، ألاَّ يضيّعوا الوقت سُدى، دون مسوِّغ، وأن يوقعوا بالأرطبون، وقوات الروم، قبل أن يستفحل أمرهم، وأيّده عمر بن الخطاب، المعروف بتفكيره الحصيف المتميّز. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ومن المعروف، أن الذين يسيطرون على أرض الشام، وكانت لديهم القوات الكافية للسيطرة على مصر، فإنهم لا يترددون في الاستيلاء على مصر، وأحداث التاريخ القديم والحديث خير شاهد على ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد كان المسلمون حينذاك في أوج قوتهم، وقد فتحوا أرض الشام، فلابد من فتح مصر، بعد استكمالهم فتح أرض الشام. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وتقدم عمرو، على رأس جيشه، البالغ ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو إلى مصر، توجّه إلى (الفُسْطاط)، فكان يُجهِّز على عمرو الجيوش، وكان على القصر (يعني قصر الشَّمع الذي بمصر القديمة في القاهرة) رجل من الروم يقال له: (الأُعَيْرج) واليًا عليه، وكان تحت يد المقوقس، واسمه جُرَيْج بن مِينا (جورج).. وأقبل عمرو، حتى إذا كان بالعريش، فكان أول موضع قُوتل فيه (الفَرَما) قاتله الروم قتالاً شديدًا، نحوًا من شهر، ولكنهم هُزِموا، وكان عبد الله بن سَعْد على ميمنة عمرو، منذ خروجه من قَيسارية، إلى أن فرغ من حربه، ومضى عمرو لا يُدافع إلا بالأمر الأخف، حتى نزل (القَوَاصر)، فلم يجد هناك مقاومة تُذْكَر.. وتقدّم عمرو، نحو مصر، لا يُدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى (بُلْبَيْس)، فقاتله الروم بها نحوًا من شهر، ففتحها عمرو، وانهزم الروم، ومضى عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى (أم دُنَيْن)، فقاتلوا مَنْ بها قتالاً شديدًا، ولكن الفتح أبطأ عليه، فكتب إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يستمده، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف مع عمرو، فوصلوا إليه أرْسَالاً، يتبع بعضهم بعضًا، على كلِّ ألفِ رجلٍ منهم رجل مقام الألف، وهم الزبير بن العوام، والمِقْدَاد بن الأسود، وعُبادة بن الصَّامِت، ومَسْلَمة بن مُخَلَّد، في قول، وقيل: خَارِجَة بن حُذَافَة، الرابع، لا يعدون مَسْلَمة، وقال عمر بن الخطاب لعمرو: (اعلم أن معك اثني عشر ألفًا، ولن تُغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّة). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي رواية أخرى، أن الزبير ورد على عمرو، في عشرة آلاف، ويقال في اثني عشر ألفًا، فيهم خارجة بن حُذافة العَدَويّ، وعُمَيْر بن وَهْب الجُمَحِي، وكان الزُبير، قد همّ بالغزو، وأراد إتيان (أَنْطَاكِية)، فقال له عمر: (يا أبا عبد الله! هل لك في ولاية مصر؟)، فقال: (لا حاجة لي فيها، ولكني أخرج مجاهدًا، وللمسلمين معاونًا، فإن وجدتُ عَمْرًا قد فتحها، لم أعرض لعمله، وقصدتُ إلى بعض السَّواحل، فرابطتُ به، وإن وجدته في جهاد كنتُ معه)، فسار على ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وحاصر المسلمون حصن بَابِليُون حصارًا شديدًا، وكان به جماعة من الروم، وأكابر القبط ورؤسائهم، وعليهم المقوقس، فقاتلوهم شهرًا، فلما رأى القوم الجد في المسلمين على فتحه، ورأوا من صبرهم على القتال، ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحّى المقوقس، وجماعة من أكابر الأقباط وخرجوا من باب القصر القبلي، وتركوا به جماعة يقاتلون المسلمين، فلحقوا بالجزيرة، وأمروا بقطع الجسر، الذي هو على نهر النيل، وزُعم أن الأعَيْرج (جورج قائد حرس الحصن، وقد بقي في الحصن حتى يَقْضِي على ما يُشاع من خروج قيرس) كان قد تخلّف في الحصن، بعد المقوقس، فلما خاف فتح الحصن، ركب هو وأهل القوة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبعث المقوقس إلى عمرو، أن ابعثوا إلينا رسلاً منكم، نعاملهم، ونتداعى نحن وهم، إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.. وبعث عمرو إلى المقوقس، عشرة نفر من المسلمين، أحدهم عُبَادة بن الصامت، فلم تنجح المفاوضات بين الجانبين، ولم يبق غير القتال، لفتح حصن بابليون. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]واستمر الحصار سبعة أشهر، فرأى الزبير بن العوام، خللاً في سور الحصن، فنصب سلمًا، وأسنده إلى الحصن، وقال: (إني أهب نفسي لله تعالى، فمن شاء أن يتبعني، فليفعل)، فتبعه جماعة حتى أوفى على الحصن، فكبّر وكبّروا، فلما رأى الروم أن المسلمين قد ظفروا بالحصن، انسحبوا، ففتحت الفُسطاط أبوابها للمسلمين. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما فتح عمرو حصن بابليون -وكانت معركة فتح هذا الحصن، من المعارك الإسلامية الحاسمة، في الفتح الإسلامي، فتحت أبواب مصر على مصراعيها للفاتحين المسلمين، كما فتحت معركة القَادِسِية الحاسمة، أبواب العراق، ومعركة اليَرْمُوك الحاسمة، أبواب أرض الشام، ومعركة نَهَاوَنْد الحاسمة (معركة فتح الفتوح)، أبواب بلاد فارس، للفاتحين المسلمين- بدأ عمرو بمعارك استثمار الفوز، التي تَعْقُبُ عادة كل معركة حاسمة، فوجّه عبدَ الله بن حُذافة السَّهْمي إلى (عَيْن شَمْس)، فغلب على أرضها، وصالح أهل قراها، على مثل صلح الفُسطاط. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]كما وجّه خارجة بن حُذافة العَدَوي إلى (الفَيُّوم)، و(الأشْمُونين)، و(إخْمِيم)، و(البَشَرُودات)، وقرى (الصَّعِيد)، فصالحها أيضًا، على مثل صلح الفُسطاط. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]كما وجّه عُمَيَر بن وَهْب الجُمَحي إلى (تِنِّيس)، و(دِمْياط)، و(تُونَة)، و(دَمِيرة)، و(شَطَا)، و(دَقَهلة)، و(بَنَا)، و(بُوصِير)، فصالحها، على مثل صلح الفسطاط أيضًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ووجّه عُقبة بن عامر الجُهَني، ويقال مولاه وَرْدَان، مولى عمرو، إلى سائر قرى أسفل مصر، ففعل مثل ذلك.. وبذلك، استجمع عمرو، فتح مصر، فصارت أَرْضُها، أرضَ خَرَاج. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ب ــ لما نزل عمرو على عَين شمس، وكان الملك بين القِبْط والنُّوَب، ونزل معه الزبير عليها، قال أهل مصر لمليكهم: ما تُريد إلى قوم، فلُّوا كسرى، وقيصر، وغلبوهم في بلادهـم! صَالِح القومَ، واعْتَقِدْ منهم، ولا تَعْرض لهم -وذلك في اليوم الرابع- فأبى، وناهدوهم وقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسوه، فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عَنْوة، حتى خرج على عمرو، من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهَلَكَة، فأجروا ما أخذوا عَنْوة، مجرى ما صالح عليه، فصاروا ذمة، وكان صلحهم: [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]( بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص، أهلَ مصر، من الأمان، على أنفسهم، وملّتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصُلُبهم، وبرّهم، وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك، ولا ينتقص، ولا يساكنهم النُّوَب.. وعلى أهل مصر، أن يُعطوا الجزية، إذا اجتمعوا على هذا الصُّلح، وانتهت زيادة نهرهم، خمسين ألف ألف، عليهم ما جنى لُصوتُهم، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيب، رفع عنهم من الجِرَاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم عن غايته، إذا انتهى، رُفع عنهم بقدر ذلك. ومَن دَخَل في صلحهم من الروم والنُّوَب، فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم ، مَن أبى واختار الذهاب، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا، في كل ثلث جِباية ثُلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب، عهد الله وذمته، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين، وعلى النُّوبة، الذين استجابوا، أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، وعلى ألا يُغْزَوا، ولا يُمْنَعوا من تجارة، صادرة، ولا واردة). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]شهد الزبير، وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردانُ وحضر. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]جـ ـ ولما فتح عمرو مصر، أقام بها، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، يستأمره في الزَّحف إلى الإسكندرية، فكتب إليه يأمره بذلك. وسار إليها من الفُسطاط، واستخلف على مصر خارجة بن حُذافة العَدَوي، وكان مَن دون الإسكندرية، من الروم والقبط، قد تجمّعوا له، وقالوا: نغزوه بالفسطاط، قبل أن يبلغنا، ويروم الإسكندرية). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان مع جيش عمرو، جماعة من رؤساء القبط، فأصلح القبط الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت القبط لجيش المسلمين أعوانًا، على ما أرادوا، من قتال الروم، الذين استعدوا للقاء المسلمين، وقدمت عليهم مراكب كثيرة، من أرض الروم، فيها جَمْعٌ من الروم عظيم، بالعُدّة والسلاح. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولم يلق عمرو من الروم أحدًا في طريقه إلى الإسكندرية حتى (تَرْنُوْط)، حيث لقي بها طائفة من الروم، فقاتلوه قتالاً خفيفًا، ثم انهزموا باتجاه الإسكندرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ويبدو أن عَمْرًا ابتدأ زحفه نحو هدفه الأصلي: الإسكندرية، على الضفة الغربية للنيل، من ناحيـة الصحراء، لأن فيها مجالاً أوسع لخيله، لا يعوقها فيه ما يعترض أرض الدلتا، من الترع الكثيرة، وقنوات الري المزدحمة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وعبر عمرو النِّيل إلى الغرب، ومضى بمن معه نحو الإسكندرية، فأرسل شَرِيْك بن سُمَيَّ في آثار الروم المنهزمين، فلحقت طلائع المسلمين بالروم، عند موضع على ستة عشر ميلاً إلى الشمال من تَرْنُوط. واستطاع الروم أن يثبتوا للمسلمين، فأنفذ شريكٌ رسولاً إلى عمرو، يطلب المدد، ولما بلغ الروم مجيء الأمداد، فروا هاربين، وقد سُمِّي هذا الموضع باسم القائد، وهو معروف حتى اليوم باسم: (كَوم شَريك) قرية من قرى كَوْم حمادة، وكَوم حمادة مركز من أعمال محافظة البحيرة، بمصر في الوقت الحاضر. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ثم التقى المسلمون بالروم وحلفائهم بـ(سُنـْطْيس)، فاقتتلوا بها قتالاً شديدًا، فانهزم الروم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]والتقوا بـ(الكِرْيَون)، فاقتتلوا بضعة عشر يومًا، وكان عبد الله ابن عمرو بن العاص، على المقدمة، وحامل اللواء يومئد وَرْدان مولى عمرو، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات، فصبر صبرًا جميلاً، وصلّى عمرو يومئذ بجيش المسلمين، صلاة الخوف: بكل طائف ركعة وسجدتين، وتكبّد الطرفان خسائر فادحة، وقَتَل المسلمون من الروم مقتلة عظيمة، وطارد المسلمون الروم، حتى بلغوا الإسكندرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان للروم في الإسكندرية حصون مبنية لا تُرام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين (حُلْوة) إلى (قصر فارس) إلى ما وراء ذلك، ومعهم رؤساء القِبط، يمدونهم بما احتاجوا إليه، من الأطعمة، والعلوفة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبقي عمرو بحُلْوة شهرين، ثم تحوّل إلى (المَقْس)، وتُصَوِّرُ هذه الرواية، رغبة عمرو في القفول إلى حصن بابليون، ليعلم أهل الدلتا بقربه، ويشعرهم شوكته، بعد أن عز عليه اقتحام أسوار الإسكندرية، فترك حولها جيشًا كافيًا لحصار الإسكندرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأخرج الروم، على قوات المسلمين، التي تحاصر الإسكندرية، الخيل من ناحية البحيرة، مستترة بالحصن فاشتبكوا بالمسلمين، وقتلوا منها اثني عشر رجلاً. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكانت رسل ملك الروم، تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم، وكان ملك الروم يقول: (لئن ظهرت العرب على الإسكندرية، إنّ ذلك انقطاع مُلك الروم وهلاكهم، لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية). ولما فتح المسلمون أرض الشام، قال الملك: (لئن غلبونا على الإسكندرية، لقد هلكت الروم وانقطع ملكها)، وأمر بجهازه ومصلحته للخروج إلى الإسكندرية، حتى يباشر قتالها بنفسه، إعظامًا لها، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: (ما بقاء الروم بعد الإسكندرية، فلما فرغ من جهازه، مات سنة عشرين الهجرية، وفيها فتحت قَيْسارية الشام. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأقام عمرو محاصرًا الإسكندرية أشهرًا، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب، قال: (ما أبطأوا في فتحها، إلا لـِمَا أحدثوا). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولـَمَّا أَبْطَأَ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَتْحُ مِصْـرَ، كَتَبَ إلى عَمْرو بن العَاص: [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5](أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ عَجِبْتُ لإبْطَائِكُمْ فِي فَتْحِ مِصْـرَ! إنَّكُمْ تُقَاتِلُونَهُمْ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَمَا ذَاكَ إلاَّ لـِمَا أَحْدَثْتُمْ، وَأَحْبَبْتُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أحبَّ عَدُوُّكُمْ، وَإنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى' لا يَنْصُرُ قَوْمًا إلاَّ بِصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ.. وَقَدْ كُنْتُ وَجَّهْتُ إليكَ أربعةَ نَفَــرٍ، وأَعْلَمْتُــكَ أَنَّ الرَّجُــلَ مِنْهُمْ مقَامَ أَلْفِ رجــلٍ، عَلى' مَا كُنْتُ أَعْرِفُ، إلاَّ أَنْ يكُون غَيَّرَهُم ما غَيَّرَ غَيْرَهُم، فإذا أَتَاكَ كِتَابي هذا، فَاخْطُبِ النَّاسَ وَحُضّهُم عَلَى' قِتَالِ عَدُوِّهِم، وَرَغِّبْهُمْ في الصَّبْرِ والنِّيَّة، وَقَدِّمْ أولئكَ الأربعةَ في صُدُورِ النَّاسِ، ومُرِ النَّاسَ جَميعًا أن يكونَ لَهُمْ صَدْمَةٌ كَصَدْمَةِ رَجُلٍ واحدٍ، وليكنْ ذلكَ عِنْدَ الزَّوالِ يومَ الـجُمُعَة، فإنَّها ساعةُ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَوَقتِ الإجابةِ، وَلْيَعُجَّ النَّاسُ إلى' اللهِ، ويسألُوه النَّصْرَ على' عَدُوِّه). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولما أتى عمرًا كتابُ عُمَر، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهّروا، ويصلّوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله عز وجل، ويسألوه النصر. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأرسل المقوقس إلى عمرو، يسأله الصلح والمهادنة إلى مدة، فأبى عمرو ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأمر المقوقس النساء أن يقمن على سور المدينة، مقبلات بوجوههن إلى داخله، وأقام الرجال بالسلاح مقبلين بوجوههم إلى المسلمين ليرهبهم بذلك، فأرسل إليه عمرو: (إنّا قد رأينا ما صنعت، وما بالكثرة غلبنا مَن غلبنا، فقد لقينا هرقل ملككم، فكان من أمره ما كان). فقال المقوقس لأصحابه: (قد صدق هؤلاء القوم! أخرجوا مَلِكَنا من دار مملكته، حتى أدخلوه القسطنطينية، فنحن أولى بالإذعان). فأغلظ له أصحابه القول، وأَبَوْا إلا القتال، فقاتلهم المسلمون قتالاً شديدًا، وحصروهم ثلاثة أشهر، ففتحها عمرو بالسيف، واستخلف عمرو على الإسكندرية، عبد الله بن حُذَافة السهمي، في رابطة من المسلمين، وانصرف إلى الفُسطاط. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان فتح الإسكندرية سنة إحدى وعشرين الهجرية، وفي رواية أنها فُتحت سنة عشرين الهجرية، وفي رواية أنها فُتحت سنة خمس وعشرين الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وأُرجِّح الرواية الأولى; أي أن الإسكندرية فُتحت سنة إحدى وعشرين الهجرية، لأن عمرو بن العاص، فتح مصر عدا الإسكندرية سنة عشرين الهجرية، فقد فتح في هذه السنة بعض مصر، لا كلها، ومن المعروف أن الإسكندرية، كانت آخر أصقاع مصر فتحًا، فلم يستطع عمرو إكمال فتح مصر كلها سنة عشرين الهجرية، فأتمّ فتحها سنة إحدى وعشرين الهجرية . [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]أما الذين ذكروا أن الإسكندرية فُتحت سنة خمس وعشرين الهجرية، فقد خلطوا بين فتحها الأول سنة إحدى وعشرين الهجرية، واستعادة فتحها، بعد انتقاضها سنة خمس وعشرين الهجرية، فقد انتقض أهل الإسكندرية، سنة خمس وعشرين الهجرية، فاستعاد عمرو فتحها، في هذه السنة أيضًا، كما سيرد ذلك وشيكًا. وفي رواية أن عُبادة بن الصامت، هو الذي فتح الإسكندرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]د ـ ولما فتح عمرو الإسكندرية بالسيف، غنم ما فيها، واستبقى أهلها، ولم يقتل، ولم يَسْبِ، وجعلهم ذمّة كأهل الفُسطاط، وكتب إلى عمر بن الخطاب بالفتح، مع معاوية بن حُدَيج الكِنْدِي ثم السَّكُوني، وبعث إليه معه بالخُمس. ويقال: إن المقوقس صالَحَ عمرًا، على ثلاثة عشر ألف دينار، على أن يخرج من الإسكندرية مَن أراد الخروج، ويقيم بها من أحب المقام، وعلى أن يُفرض على كل حالم من القبط دينارين، فكتب عمرو لهم بذلك كتابًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]واستخلف عمرو على الإسكندرية عبد الله بن حُذافة في رابطة من المسلمين، وانصرف إلى الفُسطاط. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان الروم قد عظم عليهم فتح المسلمين الإسكندرية، وظنوا أنهـــم لا يمكنهم المقام ببلادهم، بعد خروج الإسكندرية من ملكهم، فكاتبوا مَن كان فيها من الروم، ودعوهم إلى نقض الصلح، فأجابوهم إلى ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]كما أن الروم، الذين بقوا في الإسكندرية، كتبوا إلى قُسْطَنطين بن هِرَقْل، الذي كان ملك الروم في القسطنطينية يومئذ، يخبرونه بقلّة من عندهم من المسلمين، وبما هم فيه من الذلة، وأداء الجزية، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له: مَنُويل في ثلاثمائة مركبٍ مشحونةٍ بالمقاتلة، فدخل الإسكندرية، وقتل مَن فيها من روابط المسلمين، إلا من تَمَلَّصَ منهم، فنجا من القتل، وكان ذلك سنة خمس وعشرين الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبلغ عمرو بن العاص الخبر، فسار إليهم في خمسة عشر ألفًا، فوجد مقاتلي الروم قد خرجوا، يعيثون فيما يلي الإسكندرية، من قُرى مصر، فلقيهم المسلمون، ورشقوهم بالنشَّاب ساعة، والمسلمون متترسون، ثم هاجموهم بعنف، فالتحمت بينهم الحرب، واقتتلوا قتالاً شديدًا، وانهزم الروم، ولم يتوقفوا في هزيمتهم إلا في الإسكندرية، فتحصّنوا بها، ونصبوا العرَّاداَت، فقاتلهم عمرو على الإسكندرية أشد قتال، ونصب المجانيق فَحَطَّمَتْ جُدُرَها، وألحّ عمرو بالحرب، حتى دخل الإسكندرية بالحرب عَنْوة، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وهرب بعض سكانها من الروم، إلى بلاد الروم، وقُتل مَنُويل قائد الروم، وهدم عمرو والمسلمون جدارَ الإسكندرية، وكان عمرو نذر، لئن فتحها، ليفعلن ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولم يوافق المقوقس أهل الإسكندرية في انتقاضهم، فأقرّه عمرو بعد استعادة فتح الإسكندرية، على أمره الأول. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان الروم، لما خرجوا من الإسكندرية، إلى القرى التي حولها، قد أخذوا أموال أهل تلك القرى، مَن وافقهم، ومَن خالفهم، فلما ظفر بهم المسلمون، جاء أهل القرى، الذين خالفوا الذين انتقضوا من الروم، وبقوا على ولائهم للمسلمين، فقالوا لعمرو بن العاص: (إنّ الروم أخذوا دوابنا وأموالنـا، ولم نخــالف نحن عليكم، وكنا على الطاعــة)، فــردَّ عليهـم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد كان أهل مصر الأصليين مع المسلمين على الروم، وكما قال المقوقس لعمرو: (... وأن لا تنقض بالقِبْط، فإن النقض لم يأت من قِبَلِهم).. (وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم، ولم يأت من قِبَلهم نقض، وأنا متمّم لك على نفسي، والقبط متمّمون لك الصلح، الذي صالحتهم عليه، وعاهدتهم، وأما الروم، فأنا منهم بريء...)، وصارت القبط للمسلمين أعوانًا على الروم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]هـ ـ ومهما قيل في تَعداد جيش المسلمين الذي فتح مصر، فبدأ بأربعة آلاف رجل، أو ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، وانتهى بعد وصول المدد من المدينة المنورة، بقيادة الزبير بن العوام، بثمانية آلاف، فيما إذا صحّ أن تعداد المدد أربعة آلاف رجل، وخمسة عشر ألفًا، فيما إذا صحّ أن تعداد المدد اثنا عشر ألفًا، فإنّ تعداد هذا الجيش الفاتح كان قليلاً للغاية، بالنسبة لتحقق هدف العمليات، وهو فتح مصر، وبالنسبة لتعداد المقاتلين من الروم، ومن أهل مصر، الذين نهضوا بمهمة الدفاع عن مصر، فقد ورد بكتاب ملك الروم الموجه إلى المقوقس: (إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفًا، وبمصر مَن بها من كثرة عدد القبط ما لا يُحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبوا أداء الجزية إلى العرب، واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية، ومَن معك، أكثر من مائة ألف، معهم العُدَّة، والقُوة، والعرب وحالهم وضعفهم، على ما قد رأيت...). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]والادّعاء بأن فتح مصر كان نزهة ترفيهية للفاتحين، بحجة أن الأقباط كانوا للمسلمين عونًا على الروم بصورة مطلقة، وأن الروم لم يقاتلوا كما ينبغي، ادّعاء متهافت، يدلّ على الجهل المطبق، أو على التحيّز والتعصب المقيت، فقد قاوم الروم وأهل البلاد المصريون، الفاتحين مقاومة شديدة، وأعانتهم طبيعة بعض المواقع، كحصن بابليون وأسوار الإسكندرية، على تلك المقاومة، وقد خندقوا خندقًا حول حصن بابليون، وجعلوا له أبوابًا، وبثّوا أفنيتها حَسَك الحديد، وثبتوا في كثير من مواضعهم الدفاعية، ثباتًا عنيدًا، امتدّ أيامًا، وأسابيع، وأشهرًا، وأكمل المسلمون فتح مصر خلال سنتين، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على ثبات المدافعين، واستقتال الفاتحين. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد كان المدافعون عن مصر، متفوقين على المسلمين الفاتحين، تفوقًا ساحقًا، بالعَدد والعُدَد، وكانوا يقاتلون دفاعًا عن بلادهم وعقيدتهم، وكانوا أكثر خبرة بفنون القتال التعبوية، من أولئك القادمين من الصحراء، وكانت قواعدهم قريبة منهم، وقواعد المسلمين بعيدة عنهم، وكانوا أغنى من المسلمين في المواد التموينية وأوفر حظًا، وكانت مزية اختيار المواضع القتالية بأيديهم، وهذه المواضع المناسبة، تساعدهم على الدفاع عنها، وتعرقل مهمة الهجوم عليها، وكانت طرق المواصلات البرية والبحرية، مفتوحة للمدافعين عن مصر، فكانت تردهم الإمدادات بالمراكب، من قواعد الروم المتقدمة والرئيسة، في بلاد الروم الأصلية، ولم تكن المواصلات البحرية مفتوحة، ولا متيسّرة للمسلمين، بأي شكل من الأشكال. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]كل هذه المزايا القتالية كانت إلى جانب المدافعين عن مصر، ولكنّ المسلمين الفاتحين، أحرزوا النصر المؤزّر، بالإقدام والتضحية والفداء، وبالشهداء. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد كان المسلمون متفوقين على المدافعين عن مصر بالمعنويات العالية، فكان أحد هؤلاء المدافعين، يتمنى أن يموت صاحبه قبله، وكان أحد الفاتحين يتمنى أن يموت قبل صاحبه، فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة; بالمعنويات العالية، التي كانت نتيجة من نتائج أثر الإسلام في النفوس والعقول معًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]عاد رسل المقوقس من عند عمرو، إلى المقوقس قبل فتح حصن بابليون، وكان المقوقس يومئذ في جزيرة الروضة، فقال المقوقس لرسله: (كيف رأيتموهم؟) فقالوا: (رأينا قومًا، الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليه من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة، ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على رُكبهم، وأجيرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيّد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشعون بصلاتهم). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ووصف المقوقس المسلمين الفاتحين فقال: (والله إنهم على قلّتهم وضعفهم -يريد المسلمين- أقوى وأشد منا، على كثرتنا وقوتنا .. إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقْتِل، يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده، ويرون أن لهم أجرًا عظيمًا، فيمن قَتَلوا منا، ويقولون إنهم إن قُتلوا، دخلوا الجنة، وليس لهم لذة في الدنيا ولا رغبة، إلا قدرُ بُلْغَة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت، ونحبّ الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء ? وكيف صَبْرُنَا معهم؟ [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ومهما يُقال في تأييد هذين القولين: قول رسل المقوقس، وقول المقوقس، في وصف المسلمين الفاتحين، تصديقًا، أو تشكيكًا، فإن أفعال المسلمين الفاتحين، تصدّق هذين القولين، والأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال وأجدى، فالتطبيق العملي للفتح هو الحكم الفصل في تصديق هذين القولين، وغيرهما من أمثالهما من الأقوال، والسيف أصدق إِنْبَاءً من الكُتب. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد انتصر العرب بالإسلام، ولن ينتصروا بغيره في يوم من الأيام، والتاريخ خير دليل على ذلك، وكانت انتصارات المسلمين الفاتحين انتصارات عقيدة بدون شك، جعلت من المجتمع الإسلامي الأول، مجتمعًا يضمّ قادة متميزين، وجنودًا متميزين، ولم يكونوا كذلك، قبل أن يعتنقوا هذه العقيدة، ويتمسكوا بتعاليمها، كما هو معروف، فلما أبطــــأ علـــــى عمـر بن الخطاب فتح مصر، عزا سبب الإبطاء إلى تغيير الفاتحين ما بأنفسهم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد كان القِبْط لعمرو أعوانًا، أو كان أكثرهم على أقل تقدير، وخرج معه لفتح الإسكندرية، جماعة من رؤساء القِبط، فأصلحوا للفاتحين الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانًا على ما أرادوا من قتال الروم، ولم ينقض القبط، ولا المقوقس الصلح، الذي عقدوه بينهم وبين الفاتحين، كما نقض الروم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وليس موقف القبط بالنسبة للفاتحين، إلا استنكارًا لظلم الروم، وإعجابًا بعدل المسلمين، فأخلصوا للذين عدلوا، وكرهوا الذين ظلموا، ومصادر القِبط القديمة خير شاهد على ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]4- فـي ليبيــــا [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]أ ـ أراد عمرو القضاء على سلطان الروم في المنطقة الواقعة غربيّ الديار المصرية، ليتخلص من تعرّض الروم بمصر من الغرب، إذ كان الروم يحتلون تلك المناطق، ويشكّلون تهديدًا بريًّا خطرًا لمصر، فسار يخترق الصحراء، حتى بلغ (بَرْقة). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكانت بَرْقة، قبل الفتح الإسلامي، تابعة للإسكندرية، تحت حكم الرُّوم، وكانت أخبار فتح المسلمين لمصر، قد انتشرت في كلِّ البلاد المجاورة، وقد اشتملت تلك الأخبار على ما أظهره المسلمون من شجاعة وإقدام، وعلى ما طبقوه من عدل ومساواة، واحترام معابد المغلوبين، وأملاكهم، وأعراضهم، فكانت هذه الأخبار مطمئنة لنفوس أهل بَرْقة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد انتهى عمرو من فتح الإسكندرية الأول في ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين الهجرية، الموافق النصف الأخير من شهر أيلول (سبتمبر) من سنة (642م)، فسار بجيشه إلى برقة لفتحها، ففتحها عمرو، وصالح أهلها على الجزية، وكان ذلك سنة اثنتين وعشرين الهجرية.. وفي رواية أخرى: أن فتحها كان سنة إحدى وعشرين الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفَتْحُها سنة اثنتين وعشرين الهجرية أصح، لأنه من المعقول أن يبقى عمرو في الإسكندرية بعد فتحها، حتى تستقر أمورها، ويسيطر عليها سيطرة كاملة، فإذا كانت المسافة بين الإسكندرية وبَرْقة لا تُقطع إلا بعشرين يومًا على الأقل، سيرًا على الأقدام، وعلى الدواب، اتضح لنا أن المدة الباقية من شهري ذي القعدة، وذي الحجة، لا تكفي لاستقرار الأمور في الإسكندرية، وإكمال التنقل بين الإسكندرية وبَرْقة، لذلك يبدو أن القول بفتحها سنة اثنتين وعشرين الهجرية، أقرب إلى الصحة، ويتفق مع المنطق السليم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد صالَحَ عمرو أهل بَرْقة على ثلاثة عشر ألف دينار، ولم يكن يدخل بَرْقَة يومئذ جابي خراج، إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها، فكان أهل برقة يبعثون بخراجهم إلى والي مصر، من غير أن يأتيهم حاثّ أو مُستحثّ، فكانوا أَخْصَبَ قوم بالمغرب، ولم يدخلها فتنـــة، وكــــان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: (لولا مالي بالحجاز، لنزلت بَرْقة، فما أعلم منزلاً أسلم، ولا أعزل منها). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد هدم المسلمون أسوار مدن بَرقة، خوفًا من ارتداد أهلها، ومحاربة المسلمين من وراء الأسوار، أو خوفًا من عودة الروم إليها، والدفاع عنها، بالاستفادة من تلك الأسوار. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ومن بَرقة بعث عمرو إلى (زَوِيلَة) عُقبة بن نافع الفِهْري، فافتتح زَوِيلَة صُلْحًا، وكان فتحها سنة اثنتين وعشرين أيضًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ومن الواضح أن سبب بعث هذه القوة بقيادة عقبة، هو لترصين فتح بَرْقة من الجنوب والجنوب الغربي، بالسيطرة على سكان زويلة، وحرمانهم من التعرّض بالمسلمين الفاتحين في بَرْقة، ولتأمين عمق سَوْقِيّ للفتح في برقة، ولتأمين طريق مواصلات جيش عمرو، المتجه من برقة نحو الغرب. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بعد فتح زَوِيلَة، يُعْلِمُه أنه قد ولَّى عقبةَ بن نافعٍ الفِهْري المغربَ، فبلغ زَوِيلَة، وأن مَن بين زويلة وبرقة سَلَّمَ كلُّهم حسنةَ طاعتهم، قد أدّى مسلمهم الصدقة، وأقرّ معاهدهم بالجزية، وأنه قد وضع على أهل زويلة، ومَن بينه وبينها، ما رأى أنهم يطيقونه، وأمر عماله أن يأخذوا الصدقة من الأغنياء، فيردُّوها في الفقراء، ويأخذوا الجزية من الذمّة، فتحمل إليه بمصر، وأن يؤخذ من أرض المسلمين العُشر ونصف العشر، ومن أهل الصُّلْحِ صُلْحَهم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد فرض عمرو على أهل زويلة ثلاثمائة رأسٍ من العبيد، وفرضَ عليهم ما يطيقونه، وهو ما يتفق مع وضع البلد حينذاك، إذ كانوا يتاجرون بالرقيق، يستوردونه من الجنوب، ويصدّرونه إلى الشمال. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وهكذا فتحت برقة وشطر فَزان. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ب ـ وتوجّه عمرو إلى طرابلس على طريق الساحل، وهو آمن من أن يُؤتى' من الجنوب، لوجود عقبة في الجنوب، كما أمن عقبة أن يؤتى من الشمال لوجود عمرو في الشمال. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ومرّ عمرو في طريقه إلى طرابلس بمدينة (سُرْت)، ففتحها، ولم يجد عناء في فتحها، ولم يذكر أحد أنها فتحت عَنْوة أو صلحًا، مما يدل على أنها لم تكن ذات خطر، فاكتفى منها المسلمون بالاستسلام، وسار المسلمون في طريقهم إلى طرابلس، ومروا في طريقهم إليها بـ (لَبْدَة)، فوجدوها خرابًا مهدّمة، وحواليها قليل من السكان، وهم خليط من البربر والروم، ولم ينقل أحد من المؤرخين، أنهم وجدوا فيها أي مقاومة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ونزل عمرو (أطْرَابُلُس) سنة اثنتين وعشرين الهجرية، فنزل القبة التي على الشَرَف، من شرقيها، وحاصر المدينة فامتنع أهلها عن التسليم، وتحصّنوا داخل السور، وكان سور طرابلس من المناعة بحيث لم يقدر المسلمون أن يتسوّروه، كما لم يقدروا أن يقتحموا أبوابه، وكان السور يحيط بالمدينة من جهة الشرق والغرب والجنوب، ولم تكن المدينة مسوّرة من الشمال بينها وبين البحر. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبقي المسلمون على حصارها، نحو شهر، لا يقدرون منها على شيء. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي ذات صباح، ذهب سبعة من المسلمين للاستطلاع، أو للصيد، وكانوا مسلّحين بسيوفهم، ورماحهم، فساروا حتى وصلوا إلى جهة السوّر الغربية الشمالية، فوجدوا السور غير متّصل بالبحر، لأنها لم تكن مسوّرة من الناحية الشمالية كما ذكرنا، وقد يكون البحر في حالة جزر، مما زاد في اتساع الطريق بين نهاية السور والبحر، ورأوا أنه من الممكن الوصول إلى داخل المدينة من هذه الفجوة، فدخلوها من فورهم، من ناحية الكنيسة القديمة، وهو مكان مرتفع يقع في الشمال الغربي من المدينة، وقد أعملوا سيوفهم في رقاب الروم، وعلت أصواتهم بالتهليل والتكبير، وسمع عمرو، وبقية المسلمين، تكبير إخوانهم داخل السور، فأسرعوا إليهم، وتكاثر المسلمون، وعلت سيوفهم رقاب الروم، فذهلوا وذعروا، فلم يسعهم إلا الفرار، وتدافعوا إلى الطرقات المؤدية إلى السفن الراسية على شاطيء المدينة، ناجين بأنفسهم إلى عرض البحر، ففتح المسلمون المدينة، وغنموا كل ما فيها، وكانت غنائم كثيرة، باعها عمرو، وفرّق ثمنها على المسلمين. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولم يذكر أحد من المؤرخين أن الروم قاوموا المسلمين، حين اقتحموا عليهم المدينة، ويبدو أن سبب ذلك هو أثر مباغتة المسلمين للروم في دخول المدينة من مكان لا يتوقعونه، وفي زمان لا يتوقعونه، فاستسلموا للمسلمين بدون مقاومةٍ تُذْكَر. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد هدم المسلمون سور المدينة، لأنهم خافوا من انتقاض الروم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان أهل حصن (سَبْرة) قد تحصّنوا، لما نزل عمرو على طرابلس، فلما امتنعوا عليه بطرابلس، أمنوا واطمأنوا، فلما فُتحت طرابلس، جنّد عمرو عسكرًا كثيفًا، وسيّره إلى سَبْرة، فصبّحوها، وقد فتح أهلها الباب، وأخرجوا مواشيهم لتسرح، لأنهم لم يكن بلغهم خبر فتح طرابلس، فوقع المسلمون عليهم، ودخلوا البلد مكابــرة، وغنمـــــوا ما فيه، وعادوا إلى عمرو. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان الجند، الذي جرّده عمرو لفتح سَبرة، من الخيل الكثيفة، التي بعثها من ليلته، لذلك استفاد فرسان عمرو من سرعة الحركة، فباغتوا أهل سبرة بالزمان، إذ وصلوا إلى المدينة قبل أن يتسامعوا بفتح طرابلس، فانهارت معنوياتهم، ولم يكن أمامهم مسلك يسلكونه غير الاستسلام. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد سبقت خيلُ عمروٍ الأخبارَ، فباغت فرسانه المدافعين عن سبرة، وشلّوا تفكيرهم، وأجبروهم على الاستسلام، وكان الفرسان فاتحو سبرة بقيادة عبد الله بن الزبير بن العوام. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولا شك في أن أخبار حصار المسلمين لطرابلس وصلت إلى أهل سبرة (صبراتة)، وليس من المعقول أن يبقى المسلمون محاصرين لطرابلس نحو شهر، ولا تصل أخبارهم إليها، خصوصًا لما بينها وبين طرابلس من الروابط الوثيقة، ويظهر أنه لما طال حصار المسلمين لطرابلس، ظنّ أهل صبراتة أنهم لا يقدرون على فتحها، فاستكانوا لهذا الظن وأمنوا، وإذا عجز المسلمون عن فتح طرابلس -في ظنهم- فهم أعجز عن فتح صبراتة، لأن سورها أقوى من سور طرابلس، وسكانها أكثر من سكان طرابلس، فلم يهتموا لأمر المسلمين كثيرًا، ولم يعملوا على وقاية مدينتهم من إغارة المسلمين، فاستهانوا بالمسلمين، فكلّفتهم هذه الاستهانة غاليًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]جـ ـ ولما انتهى المسلمون من فتح صبراتة، ساروا إلى (شَروس)، وهي أكبر عواصم البربر القديمة في جبل (نَفُوْسة)، التي كانت موجودة زمن الفتح الإسلامي، وما زالت خرائبها إلى اليوم، وكانت إحدى عواصم الجبل، وكانت تحتوي على نحو ثلاثمائة قرية، والعاصمة الأخرى هي (جادو). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وما زال المسلمــون يحاولون فتح شَروس حتى فتحـــوها، ولكننــا لا ندري هل فتحت صلحًا أو عَنْوة ؟ إذ لم يتطرّق إلى ذلك أحد المؤرخين وغيرهم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقبل أن يغادر عمرو مدينة سَرُوس (شَروس)، كتب إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، يستأذنه في فتح إفريقية (تونس): (إنا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها، فعل). فلم يوافقه عمر، وردّ عليه بكتاب هذا نصه: (لا، إنها ليست بإفريقيـة، ولكنها المفرِّقـــة، غادرة مغدور بهــا، لا يغزوها أحد ما بقيتُ). [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وذلك أن أهلها كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئًا، فكانوا يغدرون به كثيرًا، وكان ملك الأندلس صالحهم ثم غدر بهم، وكان خبرهم قد بلغ عمر. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]د ـ ولما أنجز عمرو فتح طرابُلس -بضم الباء واللام، أو بضم الباء وسكون اللام- وجّـــــــه بُسْــرَ بن أبي أرطأة العَامـــري القُرشي إلى (وَدَّان). وذلك في سنة ثلاث وعشرين الهجرية، فصالح أهلها على ثلاثمائة رأس وستين رأسًا من العبيد. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وبعد أن غادرهم بُسر، ارتدوا وبقوا على ردّتهم، إلى أن فتحهم عُقبة بن نافع سنة ست وأربعين الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لقد فتح عمرو ليبيا: من بَرقة إلى صبراته، ومن بلاد الجنوب شَروس وزويلة، وودَّان، واستغرقت أعمال الفتح من سنة اثنتين وعشرين الهجرة إلى سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وقد فتحت هذه البلاد عَنوة (بالحرب) إلا بَرقة وزويلة، فإنهما فُتحتا صلحًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان هدف فتح بَرْقة حماية البلاد المصرية، من تعرّض الروم برًا من الغرب، وكان هدف فتح زويلة هو حماية بَرقة من تعرّض الروم وحلفائهم الليبيين برًا من الجنوب والجنوب الغربي، وكان هدف فتح منطقة طرابلس هو حماية بَرْقة، من تعرّض الروم برًا من الغرب، وحماية منطقة زويلة من تعرّض الروم برًا من الغرب، وحماية منطقة زويلة من تعرّض الروم برًا من الشمال والشمال الغربي، وكان الهدف من فتح منطقة ودَّان، هو حماية منطقة طرابلس من الجنوب والجنوب الشرقي من تعرّض الروم وحلفائهم الليبيين بالمسلمين. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]ولكن لم يكن فتح عمرو لليبيا فتحًا مستدامًا، بل انتقض كثير من أجزائها، فاستعاد المسلمون فتحها من جديد، ولكن الفضل الأول في فتحها كان لعمرو بن العاص. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان عمرو قبل مغادرته مصر، قد اتفق مع المقوقس أن يخبره بكـل ما يحدث بعده في مصر من حوادث مصيرية.. وبعد أن انتهى عمرو من فتح شَروس، وقبل أن يرتحل عنها، أتاه كتاب من المقوقس، يذكر له فيه أن الروم يريدون نكث العهد، ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس ألا يكتمه أمرًا يحدث، فانصرف عمرو راجعًا مبادرًا لما أتاه، وعاد إلى مصر قبل مقتل عمر بن الخطاب في (27 ذي الحجة) من سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وترك عقبة بن نافع في زويلة، ليُتِمَّ فتحها سنة ثلاث وعشرين الهجرية، ووصل برقة قبل مقتل عمر بن الخطاب. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]5 ــ في النُّوبَــة [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]لما فتح المسلمون مصر، غزوا النُّوبَة، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحَدَق من جودة الرّمي، فسمّوا رماة الحَدَق، فقد أراد عمرو أن يؤمِّن مصر من الجنوب، فبعث عُقبة بن نافع الفهري، فدخلت خيول المسلمين النوبة، كما تدخل صوائف الروم، فلقي المسلمون بالنوبة قتالاً شديدًا. لقد لاقاهم النوبيون، فرشقوهم بالنّبل، حتى جرح عامتهم، فانصرفوا بجراحات كثيرة، وحَدَق مفقوءة، فسمي النوبيون (رماة الحَدَق)، ولم يصالحهم عمرو، ودأب على مهاجمتهم بين حين وآخر، حتى عُزل عن مصر، وولي عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، فصالحهم، فكانت بينهم وبين المسلمين هُدنة، يعطيهم المسلمون شيئًا من القمح والعدس، ويعطيهم النوبيون رقيقًا. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد ذكر شيخ من حِمْيَر قال: (شهدت النوبة مرتين، في ولاية عمر بن الخطاب، فلم أر قومًا أحَدّ في حرب منهم! لقد رأيت أحدهم يقول للمسلم: أين تحبّ أن أضع سهمي منك ? فربما عبث الفتى منّا، فقال: في مكان كذا! فلا يخطئه!! كانوا يكثرون الرمي بالنبل، فما يكاد يُرى من نبلهم في الأرض شيء! فخرجوا إلينا ذات يوم فصافُّونا، ونحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف، فما قدرنا على معالجتهم; رمونا حتى ذهبت الأعين، فعُدّت مائة وخمسين عينًا مفقوءة، فقلنا: ما لهؤلاء خير من الصلح، إن سلبهم لقليل، وإنّ نكايتهم لشديدة، فلم يصالحهم عمرو، ولم يزل يكالبهم حتى نُزع، وولي عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، فصالحهم. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد فُتحت مصر سنة عشرين الهجرية، كما ذكرنا، والتعرّض بالنوبة الأول بقيادة عقبة بن نافع، لابد أن يكون بعد فتح الصعيد، فمن الواضح أن التعرض الإسلامي بالنوبة كان سنة إحدى وعشرين الهجرية، لأن عقبة بعد ذلك أصبح ميدان جهاده في ليبيا، كما ذكرنا، ولم يعد إلى مصر قائدًا، بل تولّى إفريقية، واقتصر نشاطه العسكري على تلك المناطق والأصقاع. وهكذا كان عمرو أول من فكّر في فتح النوبة، ومهد لفتحها. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]6 ــ في إفـريقيــة [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]تولى عثمان بن عفان الخلافة بعد مقتل عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، وذلك سنة أربع وعشرين الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكان عمرو قد استأذن عمر بن الخطاب في غزو إفريقية، فلم يوافق عمر على فتحها كما ذكرنا، وكان عمرو قد بعث بعثًا قبل سنة خمس وعشرين الهجرية إلى المغرب، فأصابوا غنائم، فكتب إلى عثمان يستأذنه في الغزو إلى إفريقية، فأذن له، أي أن هذا البعث إلى إفريقية كان سنة أربع وعشرين الهجرية كما يبدو، أي بعد تولية عثمان الخلافة. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وفي سنة خمس وعشرين الهجرية، سيّر عمرو بن العاص إلى أطراف إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح غازيًا بأمر عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكان عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح من جند مصر، ولما ســـار عبد الله إليها، أمدَّه عمرو بالجنود، فغنم هو وجنده، وعاد عبد الله إلى مصر، فكتب إلى عثمان، يستأذنه في غزو إفريقية، فأذن له في ذلك. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وكانت قوة عبد الله بن سعد بن أبي سرح على الخيل، أي أنها كانت مؤلفة من الفرسان سريعي الحركة، فكانت غزوته هذه غزوة استطلاعية، مهّدت له السبيل لفتح إفريقية، بعد أن تولّى مصر، خلفًا لعمرو بن العاص، سنة خمس وعشرين الهجرية، أو في سنة ست وعشرين الهجرية، أو في سنة سبع وعشرين الهجرية. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]وقد ذكرنا من قبل، أن عمرو بن العاص، كان أول من فكّر بفتح إفريقية من القادة المسلمين، وذلك لحماية ليبيا من تعرّض الروم وحلفائهم، بالمسلمين الذين فتحوا طرابلس والبلاد التي حولها من جهة إفريقية، لأن الروم حينذاك كانوا هناك، وكان المسلمون يخشون تعرضًا بريًا من الغرب باتجاه طرابلس، لاستعادة ليبيا من المسلمين، ولكن عمر بن الخطاب، كان يحرص غاية الحرص على أرواح المسلمين، ولا يحب أن يعرّض المسلمين للأخطار. [/size][/font] [font=traditional arabic][size=5]إلا أن الأحداث بعد مقتل عمر بن الخطاب، وتولي عثمان بن عفان الخلافة، فرضت نفسها على المسلمين، نظرًا لمحاولة الروم وحلفائهم استرداد ليبيا بمهاجمتها برًا وبحرًا، فسمح عثمان للمسلمين بفتح إفريقية. [/size][/font][/center] [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
القسم العام
الركن العام
عمرو بن العاص ..القائد المسلم.. والسفير الأمين