الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الغرف الصوتية
غرفة ٠٠٠٠
ما الجديد
المشاركات الجديدة
جديد مشاركات الحائط
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مشاركات الحائط الجديدة
البحث عن مشاركات الملف الشخصي
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
تثبيت التطبيق
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
القسم العام
الركن العام
عمرو بن العاص ..القائد المسلم.. والسفير الأمين
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
<blockquote data-quote="أم هنا وريهام" data-source="post: 67487" data-attributes="member: 2417"><p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #800000">5 ـ الخطــيب </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كان عمرو خطيبًا مصقعًا، من ألمع خطباء الصحابة، رضي الله عنهم، وقد شهد أحدهم خطبة لعمرو، فقال: (رحتُ أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرًا، وذلك آخر الشتاء بعد حَميم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع، إذ أقبل رجال بأيديهم السِّياط، يزجرون الناس، فَذُعِرْتُ! فقلت: يا أبتِ! مَن هؤلاء؟! فقال: يا بُنيّ! هؤلاء الشُّرَط. فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلاً رَبْعَةً، قصير القامة، وافر الهامة، أَدْعَج، أَبْلَج، عليه ثياب موشِيّة، كأن به العِقْيَان يأتلق، عليه حُلَّة وعمامة وجُبَّة، فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا، وصلى على النبي صلى الله عليه و سلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحضّ على الزكاة، وصِلَة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفُضول، وكثرة العيال، وقال في ذلك: (يا معشر الناس! إياكم وخلالاً أربعة، فإنها تدعو إلى النَّصَب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السَّعة، وإلى المذلّة بعد العزة، إياكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقِيل بعد القــال، في غيــر دَرَك ولا نوال، ثم إنّه لابد من فراغ يؤول إلىه المرء في توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومَن صار إلى ذلك، فليأخذ بالقَصْد والنّصيب الأقل، ولا يُضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيحُور من الخير عاطلاً، وعن حلال الله وحرامه غافلاً. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">(يا معشر الناس! إنه قد تدلّت الجوزاء، وذَكَتِ الشِّعْرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقلّ الندى، وطاب المَرْعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السّخائل، وعلى الرّاعي بحسن رعيته حُسنُ النظر، فحَيَّ لكم على بركة الله إلى ريفكم، فنالوا من خيره، ولبنه، وخِرافِه، وصيده، وأَرْبِعوا خيلكم، وأسمنوها، وصونوها، وأكرموها، فإنها جُنَّتَكم من عدوكم، وبها مغنامكم، وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القِبط خيرًا، وإياكم والمشمومات والمعسولات، فإنهن يُفْسدن الدِّين، ويُقصِّرنَ الهِمم). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">والذي يقرأ هذا الخطاب بإمعان، يتلمس بالإضافة إلى بلاغته وبيانه المشرق، وإيجازه، ووضوح مقاصده، اهتمام عمرو برعيّته، وتوجيههم إلى الصلاح والخير، واهتمامه بالناحيتين الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، فهو بحق رجل دولة بكل معنى الكلمة، يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويشعر بمسؤولياته في توجيههم، توجيهًا سليمًا، يفيدهم في دنياهم وآخرتهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومن نماذج خطبه في الحرب، خطبته في صِفِّين، فقد أراد معاوية ابن أبي سفيان أن يخطب بصِفِّين، فقال له عمرو: (دعني أتكلم، فإن أتيتُ على ما تريد، وإلا كنتَ من وراء ذلك)، فأذن له، وتكلّم عمرو بكلمات، قال: (قدِّموا المُسْتَلْئِمَة، وأخِّروا الحُسَّر.. كونوا مِقَصَّ الشَّارب.. أعيرونا أيديكم ساعة.. قد بلغ الحقُّ مَفْصِلَهُ، إنما هو ظالم، أو مظلوم). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولا أعرف خطابًا في مثل هذا الموقف، أوضح بيانًا، وأجزل عبارة، وأوجز كلامًا، وأصحّ منطقًا، مثل هذا الخطاب، الذي اختصر به تعبية الميدان بكلمات معدودات. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #800000">6 ـ الداهيـــة </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">كان الإمام الشعبي رحمه الله يقول: دُهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمُغيرة بن شُعبة، وزياد. فأما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللكبير والصغير). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقالوا: (الدُّهاة أربعة: معاوية للرَّوِيَّّة، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة للمُعضلات، وزياد لكل صغيرة وكبيرة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان من دهائه، دخوله على الأرطبون، وتخلّصه منه، بعد أن انكشف أمره للأرطبون، فلما سمع عمر بن الخطاب بخديعة عمرو للأرطبون، قال: (لله دَرُّ عمرو)، كما قال عنه الأرطبون: (هذا أدهى الخَلْق). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما فتح عمرو قيسارية من أرض فلسطين، سار حتى نزل غزة، فبعث إليه عِلْجُها: (أن ابعث إليّ رجلاً أكلمه)، وفكّر عمرو، فقال: (ما لهذا أحد غيري). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وخرج عمرو، حتى دخل على العِلْج، فكلّمه، فسمع كلامًا لم يسمع قط مثله، فقال العِلْج: (حدِّثني، هل في أصحابك أحد مثلك؟! قال: (لا تسأل عن هذا، إنّي هيّن عليهم، إذ بعثوا بي إليك، وعرّضوني لما عرّضوني له، ولا يَدْرون ما تصنع بي!) فأمر له بجائزة وكُسْوة، وبعث إلى البوّاب: (إذا مرّ بك، فاضرب عُنُقَه، وخذ ما معه). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وخرج عمرو من عنده، فمرّ برجل من نصارى غَسَّان، فعَرفه، فقال: (يا عمرو! قد أحسنت الدّخول، فأحسن الخروج).. ففطن عمرو لما أراده، فرجع، وقال له الملك: (ما ردّك إلينا) فقال: (نظرت فيما أعطيتني، فلم أجد ذلك يَسع بني عمّي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم، تعطيهم هذه العَطِية، فيكون معروفك عند عشرة خيراً من أن يكون عند واحد)، فقال: (صدقت! اعْجَل بهم)، وبعث إلى' البوّاب: (أن خلِّ سبيله)، وخرج عمرو، وهو يلتفت، حتى إذا أَمِــنَ، قــال: (لا عُدْتُ لمثلها أبدًا).. فلما صالحه عمرو، ودخل عليه العِلْج، قال له<img src="http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif" alt="" class="fr-fic fr-dii fr-draggable " style="" />أنت هو!!) قال: (نعم، على ما كان من غَدْرك). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكرّر عمرو هذه العملية مرة ثالثة في أيام فتح مصر، فحين استعصى عليه فتح حِصن بابليون، أقدم على دخول الحصن، ودخل على صاحبه، فتناظرا في شيء مما هم فيه، فقال عمرو: (أَخْرُجُ أستشير أصحابي). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان صاحب الحِصن أوصى الذي على الباب، إذا مَرَّ به عمرو، أن يُلْقي عليه صخرة فيقتله، فمرّ عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال له: (قد دخلت، فانظر كيف تخرج). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ورجع عمرو إلى صاحب الحصن، فقال له<img src="http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif" alt="" class="fr-fic fr-dii fr-draggable " style="" />إني أريد أن آتيك بنفرٍ من أصحابي، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعتُ)، فقال العِلْج في نفسه: (قَتْلُ جماعة أحبّ إليّ من قَتْلِ واحد)، فأرسل إلى الذي كان أَمَرَهُ بما أَمَرَهُ من قتل عمرو: (ألا تَعْرِضْ له)، رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وخرج عمرو، وتخلّص من موتٍ أكيدٍ بِدَهَائه. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومهما قيل في إثبات هذه المحاولات الثلاث، أو نفيها، فإنها تدل على ما عُرف عنه من دهاء، إذ لم تنسب مثل هذه الحالات لغيره من القادة والولاة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وخطب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أم كُلثوم ابنة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فقالت أم كلثوم: (لا حاجة لي فيه، إنّه خَشِنُ العيش، شديد على النساء)، وأرسلت عائشةُ أم المؤمنين إلى عمرو، فقال: (أنا أكفيك). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأتــى' عُمَـــرَ، فقــــال: (بلغنـــي خبــر أعيــــذك بالله منه)، قــال: (ما هو؟!) قال: (خطبتَ أُمَّ كلثوم بنت أبي بكر قال: (نعم أفرغبتَ بي عنها، أم رغبت بها عني؟!) قال: (ولا واحدة، ولكنها حَدَثَة نشأت تحت كَنف أمير المؤمنين في لينٍ ورفق، وفيك غِلـظة، ونحن نَهَابُك، وما نقدر أن نردَّك عن خُلُق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوتَ بها، كنتَ قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك)، فقال: (وكيف بعائشة، وقد كلّمتها) قال: (أنا لك بها، وأدلّك على خيرٍ منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق بها بسبب من رسول الله صلى الله عليه و سلم)، وهكذا حقَّقَ رغبةَ أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق بدهائه، من غير أن يزعج عمر بن الخطاب. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد قال معاوية بن أبي سفيان يومًا لعمرو: (ما بلغ عقلك؟)، فقال: (ما دخلتُ في شيء قط إلا خرجتُ منه)، وفي رواية أنه قال: (لم أدخل في أمر قطّ، فكرهته، إلا خرجتُ منه)، وكان يقول: (ليس العاقل، الذي يعرف الخير من الشر، ولكنّه الذي يعرف خير الشرّين). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">لقد كان عمرو بحق: أحد الدُّهاة المقدّمين في المكر والرأي، وكان من شجعان العرب، وأبطالهم، ودُهاتهم. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #800000">7 ـ الحكيــــم </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">الحِكمة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وهي العلم والتفقه، وفي التنزيل العزيز: (<span style="color: #ff0000">ولقد آتينا لُقْمانَ الحِكمة</span> )(لقمان:12)، وهي الكلام الذي يَقِلُّ لفظه، وَيَجِلُّ معناه.. والحكيم هو ذو الحِكْمة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد كان عمرو حكيمًا حقًا في أقواله وتصرفاته. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومن أقواله الحكيمة: (لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل)(1). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقيل لعمرو: ما العَقْل ? ، فقال: (الإصابة بالظن، ومعرفة ما يكون بما قد كان)(2). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال: (ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، إنما العاقل الذي يعرف خير الشرين)(3). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان يقول: (اعمل لدُنياك عَمل من يعيش أبدًا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدًا)(4). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا)(1). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وسمع عمرو رجلاً يقول: (الرُّجلة(2) قطعة من العذاب)، فقال له: (لم تُحْسن، بل العذاب قطعة من الرُّجْلة)(3). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان يقول: (ثلاثة لا أناة فيهن: المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميِّت، وتزويج الكُفء)(4). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان يقول: (ثلاثة لا أَمَلُّهم: جليــسي ما فَهِـــمَ عني، ودابَّتــــي ما حملت رحلي، وثوبي ما سترني) وزاد آخر: (وامرأتي ما أحسنت عِشْرتي)(5). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال معاوية بن أبي سفيان لعمرو: (ما بقي من لذَّة الدنيا تلذُّه ?) قال: (محادثة أهل العلم، وخبرٌ صالح يأتيني من ضَيْعتي)(6). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان يقول: (ما استودعتُ رجلاً سِرًا، فأفشاه، فلُمْته، لأني كنت أضيق صدرًا منه، حين استودعته إياه، حتى أفشاه)(7). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال عمرو: (أكثروا الطعام، فوالله ما بَطُنَ(8) قوم قط، إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عَزْمَةُ رجلٍ بات بطينًا)(1). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد ذكرنا أن خَصْمَين جاءا النبيَ صلى الله عليه و سلم، فقال النبيُّ صلى الله عليه و سلم: (اقضِِ بينهما يا عمرو!)(2) </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان بين طَلْحة بن عُبيد الله (3)، والزبير بن العوام، مداراة في وادٍ بالمدينة، فقالا: (نجعل بيننا عمرو بن العاص)، فأتياه، فقال لهما: (أنتما في فضلكما، وقديم سوابقكما، ونعمة الله عليكما، تختلفان! وقد سمعتما من رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل ما سمعتُ، وحضرتما من قوله مِثْل الذي حضرتُ، فيمن اقتطع شِبرًا من أرض أخيه بغير حق، أنه يطوّقه من سبع أرضين! والحَكَم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه، وذلك لأن الحَكَم إذا جار رُزئ دينُه، والمحكوم عليه إذا جِير عليه، رُزئ عَرَض الدنيا. إن شئتما فأدليا بحجتكما، وإن شئتما فأصلحا ذات بينكما)، فاصطلحا، وأعطى كلُّ واحدٍ منهما صاحبه الرضا(4). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وهكذا يقضي عمرو بين الخصوم، من دون أن يقضي، فيحلّ المشاكل بينهم والمعضلات، ويزيل مِن بينهم سوءَ التفاهم والخلافات، بأسلوب من الحكمة فريد. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال يومًا لمعاوية: (إنَّ الكريمَ يَصُولُ إذا جَاع، واللئيمَ يَصُولُ إذا شَبِع، فَسُدَّ خَصَاصَةَ (حاجة) الكريمِ، واقمع اللئيم). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال معاوية لعمرو: (مَن أبلغ الناس ؟) قال: (مَن كان رَأْيُهُ ردًّا لهواه)، فقال: (مَن أسخى الناس ؟) فقال: (مَن بَذَلَ دُنْيَاهُ في صلاح دينه)، قال: (مَنْ أَشْجَعُ النَّاس ؟) قال: (مَن ردَّ جَهْلَهُ بِحِلْمِه). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ومن غُرر أقواله: (مَوتُ أَلْفٍ من العِلْيَةِ، أَقَلُّ ضَرَرًا من ارتفاعِ واحدٍ مِنَ السّفلة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال: (إذا أنا أفشيتُ سِرِّي إلى صديقي، فأذاعه فهو في حلٍّ)، فقيل له: وكيف ذلك ?! فقال: (أنا كنت أحق بصيانته). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وما أصدق جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، في قوله: (صحبتُ عمر بن الخطاب، فما رأيت أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن مداراةً منه. وصحبتُ طلحة بن عبيد الله، فما رأيتُ رجلاً أعطى للجزيل منه من غير مسألة. وصحبتُ معاوية، فما رأيتُ رجلاً أحلم منه، وصحبتُ عمرو بن العاص، فما رأيتُ رجلاً أبين، أو قال: أنصعَ ظرفًا منه، ولا أكرم جليسًا، ولا أشبه سريرة بعلانية منه، وصحبتُ المغيرة بن شُعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يُخْرَجُ منها إلا بمكر، لخرج من أبوابها كلّها). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد ذكرنا من أقواله الحكيمة، وتصرفاته المتزنة، وأفكاره الحصيفة، عند الحديث على دهائه، فالتفريق بين الداهية والحكيم بالنسبة لعمرو وأضرابه صعب، وقد فرّقت بينهما لغرض إلقاء الضوء على شخصيته العمليّة الناضجة، لا لغرض الفصل بين الخصلتين اللتين هما من خصال عمرو في حياته العملية، فهو حكيم داهية، أو داهية حكيم، أو هو حكيم لأنه داهية، وداهية لأنه حكيم: فقد كان من أدهى العرب، وأحسنهم رأيًا وتدبيرًا . </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px"><span style="color: #800000">8 ـ الرّجل </span></span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">مفتاح شخصية عمرو، أنه كان يستعرض جوانب (القوة) دائمًا، ويوازن بين ما لدى أعدائه وأصحابه على حد سواء من (القُدرة) موازنة طويلة، حتى لا يخفى عليه منها وجه من وجوه الرأي، فقد كان رجلاً يتقن الحساب، ويجيد المساومة... يقف ساكنًا، ويفكر طويلاً، ثم يساوم في حرص. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">إنه يشترط دائمًا... هكذا كان موقفه في كل أمر!! </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان متواضعًا، يعرف الحق لأهله، فقد دخل عمرو مكة المكرمة، فرأى قومًا من قريش، قد تحلّقوا حَلقة، فلما رأوه، رموا بأبصارهم إليه، فعدل إليهم، وقال: (أحسبكم كنتم في شيء من ذِكْري)، قالوا: أجل! كُنا نُماثل بينك وبين أخيك هشام، أيكما أفضل، فقال عمرو: (إنّ لهشام عليّ أربعة: أمّه ابنة هشام بن المغيرة، وأمّي مَن قد عرفتم، وكان أحبَ الناس إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد، وأسْلَم قبلي، واستُشهد وبَقيتُ). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقالوا لعمرو: أنت خير، أم أخوك هشام بن العاص ؟ ، قال: (أخبركم عنّي وعنه، عرضنا أنفسنا على الله، فقَبِله، وتركني). وقد استشهد هشام في أجْنادين. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان يعتزّ بنفسه وبكرامته، فقد كتب عمر بن الخطاب، وهو على مصر ، يسأله فيه عن أصل المال الذي جمعه، فغضب عمرو، وكان مما أجاب به: (... والله لو كانت خيانتك حلالاً ما خنتك، وقد ائتمنتني، فإنّ لنا أحسابًا، إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">أما مع معاوية بن أبي سفيان، فكان يرى نفسه لمعاوية ندًا، فقد قال عمرو يومًا لمعاوية: (والله، ما أدري يا أمير المؤمنين، أشجاع أنت أم جبان ؟) فقال معاوية: </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">شُـجــــاعٌ إذا مــا أمكـنَـتْـنِي فـرصـــــــةٌ </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وإن لم تكـن لي فُرصـــــةٌ فَجَبـــانُ </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">واجتمع عمرو مع معاوية مرّة فقال له معاوية: (مَن الناس ؟) فقال: (أنا وأنت والمغيرة بن شعبة وزياد)، فقال معاوية: (كيف ذلك ؟) ، قال عمرو: (أما أنت فللتأنّي، وأما أنا فللبديهة، وأما المغيرة فللمعضلات، وأما زياد فللصغير والكبير). قال معاوية: (أما ذانك، فقد غابا، فهاتِ بديهتك يا عمرو!) قال: (وتريد ذلك ؟) قال: (نعم)، قال: (فأَخْرِجْ مَن عندك)، فأخرجهم معاوية! فقال عمـــرو: (يا أمير المؤمنين! أُسارّك!) فأدنى معاوية رأسَه منه، فقال عمرو: (هذا من ذاك! مَن معنا في البيت حتى أسارك!!) </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانَ إداريًا عادلاً، تحبَّبَ إلى' سكان البلاد، وردَّ إليهم حقوقَهم الـمُغْتَصَبَة، وقطعَ دابرَ ما كان يثيرُ تذمُّرَهم، وأبقى أرضَهُم على حالها، لم يقسمها بين الفاتحين من المسلمين، وحَرِصَ على رفاهيةِ السكان، وعدم إرهاقهم بالضرائب، فقد جبى خَرَاجَ مصرَ وجزيتها ألفي ألف، وجباها خلفه عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرح أربعة آلف ألف، فقال عثمان لعمرو: (إنَّ اللّقاح بمصر بعدك درَّت ألبانها)، فقال عمرو: (ذاك لأنكم أعجفتم أولادها)، فأصبح أهل مصر في أيامه آمنين، على أموالِهم، ودمائهم، ونسائهم، وأولادهم، لا يُباع منهم أحد، وفَرَضَ عليهم خراجًا لا يُزاد عليهم، على أن يدفع عنهم خوف عدوهم، ونفَّذَ فيهم وصية النبي صلى الله عليه و سلم: (إذا فتحتمْ مصر فاستوصوا بالقِبْطِ خيرًا، فإنَّ لهم ذمَّة وَرَحِمًا). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان عمرو رَبْعَة، قصير القامة، وافر الهامة، أَدْعَج، أَبْلَج، يخضب بالسّواد، ويهتم بملبسه، ومسكنه، ومأكله. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأخو عمرو هو هشام، الذي استشهد يوم أجنادين، وكان صحابيًا، ولا عقب له، وأمّه: أم حَرْملة بنت هشام بن المغيرة المخزومي، وكان هشام قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم مكة للهجرة إلى المدينة، فحبسه أبوه، فلم يزل محبوسًا بمكة، حتى مات أبوه في آخر السنة الأولى من الهجرة، ثمّ حبسه قومه بعد أبيه، فلم يزل يحتال، حتى تخلّص وقدم على النبي صلى الله عليه و سلم بعد الخندق، وجاهد حتى قُتل بالشام، وكان أصغر سنًا من أخيه عمرو، وكان يُكنى أبا العاص، فكنّاه رسول الله صلى الله عليه و سلم: أبا مُطِيع. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وإخوة عمرو لأمه: عُروة بن أبي أُثاثة العَدَوي، وأَرْنَب بنت عفيف بن العاص، وعُقْبة بن نافع بن عَبد القيس بن لَقِيط، من بني الحارث بن فِهْر القُرشي. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وَلَدُ عمرو بن العاص: عبدُ الله بن عمرو، صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم، وروى عنه الحديث، وكان يصوم الدهر، ويقوم الليل، فبلــغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال له: (صُم وأفطر، وصَلِّ ونَمْ). وأمّه: رَيْطة بنت مُنَبِّه بن الحجاج بن عامر، وعبد الله من فضلاء الصحابة، وله بالوَهط(6) ومكة عَقِب كثير، يناهزون المائة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وولد عمرو أيضًا: محمد بن عمرو بن العاص، لا عَقِبَ له، وأمّه من بَلِيّ. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وتزوّج عمرو: أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط، وكانت من المهاجرات، فتزوّجها الزبيـــر بن العــــوام، فطلّقها، فتزوّجهـــــــا بعـــده عبد الرحمن بن عوف، فلما مات عنها، تزوّجها عمرو بن العاص. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وتزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزَّى، التي تزوجها بعد عُبيدة بن الحارث بن المطلب، ثم عبد الله بن أبي بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم محمد بن أبي بكر، فقُتل عنها بمصر، فتزوجها عمرو بن العاص. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانت رَيْطَة أم عبد الله بن عمرو بن العاص زوجته أيضًا كما ذكرنا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب نديمًا لعمرو بن العاص في الجاهلية، مما يدل على أنه كان من الشخصيات البارزة قبل الإسلام. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأخيرًا داهم الموتُ هذا الداهية، بعد أن ملأ صفحات التاريخ بأعماله المجيدة، وترك آثارًا باقية على الدهر، وبخاصة في الفتوح. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">فقد مَرِض مَرَض موتِه، سنة ثلاث وأربعين الهجرية، فاشتدّ عليه المرض، وكان من النادر أن يزوره المرض، لاهتمامه الشديد بصحته وعافيته، وعنايته الكبيرة بهما، فهو مثلاً، لا يغتسل من الجنابة، إذا خشي الضرر من البرد بل يصلي متيممًا، كما فعل وهو قائد غزوة ذات السلاسل، ولا يخرج إلى صلاة الجماعة، وهو أمير، إذا كان متوَعِّكًا، بل يؤم الناس وكيله، كما فعل في صلاة الصبح من يوم محاولة اغتياله. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولا نصّ في المصادر المعتمدة عن سبب مرضه الأخير، ويبدو أنه مرض الشيخوخة، إذ كان قد بلغ من الكِبَر عتيًا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد قيل لعمرو في مرضه: (كيف تَجدك ؟) قال: (أجـــدني أذوب ولا أثوب، وأجد نَجْوِي أكثر من رُزْئي، فما بقاء الشيخ على هذا). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما حضرت عمرو الوفاة، دمعت عيناه، فقال عبد الله بن عمرو: (يا أبا عبد الله! أجَزَعٌ من الموت، يحملك على هذا ؟) فقـــال: (لا! ولكن مما بعد الموت). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ودخل عبد الله بن العباس، على عمرو وهو مريض، فقال: (كيف أصبحتَ ؟) قال: (أصبحتُ وقد أصلحتُ من دنياي قليلاً، وأفسدت من ديني كثيرًا، فلو كان ما أصلحتُ هو ما أفسدتُ لفُزتُ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبتُ، ولو كان يُنْجيني أن أهرُب لهربتُ، فعِظْني بموعظةٍ، أنتفع بها، يا ابن أخي!) فقال: (هيهات يا أبا عبد الله!) فقال: (اللهم إنّ ابن عباس يُقْنِطُني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكان عمرو يقول: (عَجَبًا لمن نزل به المــــوت، وعقـله معــــــه، كيف لا يصفه) فلما نزل به، قال له ابنه عبد الله: (يا أبتِ إنّك كنت تقول: عجبًا لمن نزل به الموت، وعقله معه، كيف لا يصفه؟ فصِفْ لنا الموت، وعقلك معك)، فقال: (يا بُني! الموتُ أجلّ من أن يُوصف، ولكني سأصف لك منه شيئًا: أجدني كأنّ على عنقي جبال رَضْوَى، وأجدني كأن في جوفي شوكُ السُّلاَّء، وأجدني كأن نَفَسي يخرج من ثَقْب إبرة). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما كان عمرو عند الموت، دعا حَرَسه فقال: (أيُّ صاحبٍ كنتُ لكم ؟) قالوا: كنتَ لنا صاحب صِدْق، تُكرمنا، وتعطينا، وتفعل وتفعل، قال: (فإني إنما كنتُ أفعل ذلك لتمنعوني من الموت، وإن الموتَ ها هو ذا، قد نزل بي، فأغنوه عني)، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: والله! ما كنّا نَحْسَبُك تكلَّمُ بالعَوْراءِ يا أبا عبدِ الله، قد علمتَ أنا لا نُغني عنك من الموت شيئًا، فقال<img src="http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif" alt="" class="fr-fic fr-dii fr-draggable " style="" />أما والله! لقد قُلْتُها، وإني لأعلمُ أنكم لا تُغنون عني من الموت شيئًا، ولكن والله لأَن أكون لم أتخذْ منكم رجلاً قطُّ يمنعني من الموت، أحبّ إليّ من كذا وكذا)... ثم قال: (اللهمّ لا بَريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، وإلا تدْركني برحمة أكن من الهالكين). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ولما احتضر جمع بنيه، فقال: (يا بَنِيّ! ما تغنون عني من أمر الله شيئًا ?) قالوا: يا أبانا، إنه الموت، ولو كان غيره لوقيناك بأنفسنا، فقال: (أسندوني)، فأسندوه، ثم قال: (اللهم إنّك أمرتني فلم أَأْتمر، وزجرتني فلم أزدجر، اللهم لا قويّ فأنتصر، ولا بريء فأعتـــذر، ولا مستكبر بل مستغفر، أستغفرك وأتوب إليك، لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وذكر عبد الله بن عمرو، أن أباه أوصاه، قال: (يا بُنيّ! إذا مِتُّ فاغسلني غَسلة بالماء، ثم جَفِّفني في ثوب، ثم اغسلني الثانية بماء قراح، ثم جَفّفني في ثوب، ثم اغسلني الثالثة بماء فيه شيء من كافور، ثم جفِّفني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب، فأزِرَّ عليّ فإني مخاصم، ثم إذا أنت حملتني على السرير، فامشِ بي مشيًا بين المِشْيَتَيْن، وكَن خلفَ الجِنازة، فإنّ مُقدّمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر، فَسُنّ عليّ التُراب سَنًّا)، ثم قال: (اللهمّ أمرتنا فركبْنا، ونهيتنا فأَضَعْنا، فلا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكـــن لا إله إلا الله)، وما زال يقولها حتى مات. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وذرفت عيناه، فبكى، فقال له ابنه عبد الله: (يا أبت! ما كنتُ أخشى أن ينزل بك أمر من أمر الله، إلا صبرتَ عليه)، فقال: (يا بُنيّ! إنه نَزل بأبيك خلال ثلاث: أما أولاهنّ: فانقطاع عمله، وأما الثانية: فهَوْل المُطَّلَع، وأما الثالثة: ففراق الأحبة، وهي أيسرهنّ. اللهمّ أمرتَ فتوانيتُ، ونهيتَ فعصيتُ، اللهم فمِن شِيَمِك العفو والتجاوز). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وذكــر شهـود عيـان، شهـدوا احتضـار عمـرو، فـذكـر أحـدُهم ما رأى، فقال: (حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، فحوّل وجهه إلى الحائط، يبكي طويلاً، وابنه يقول له: ما يُبْكيك ؟ أما بشّرك رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا، أما بشّرك بكذا، وهو في ذلك يبكي، ووجهه إلى الحائط، ثم أقبل بوجهه إلينا فقال<img src="http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif" alt="" class="fr-fic fr-dii fr-draggable " style="" />إنّ أفضل مما تَعُدّ عليّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولكنني كنتُ على أطباق ثلاث: قد رأيتني ما من الناس من أحد أبغض إليّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا أحب إليّ من أن أستمكن منه، فأقتله، ولو متُّ على تلك الطبقة، لكنتُ من أهل النار، ثم جعل ا$ُ الإسلام في قلبي، فأتيت رسولَ الله صلى الله عليه و سلم لأبايعه، فقلتُ: ابسط يمينك أبايعك يا رسول الله! فبسط يده، ثم إني قبضت يدي، فقال: (مالك يا عمرو ؟) فقلتُ: أردتُ أن أشترط، فقال: (تشترط ماذا ?) فقلتُ: أشترط أن يُغفر لي، فقال: (أما علمتَ يا عمرو، أن الإسلامَ يَهْدِمُ ما كان قبله، وأن الهجرةَ تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأن الحجَّ يهدمُ ما كان قبله ؟) فقد رأيتنـــي، ما من الناس أحد أحبّ إليّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا أجلّ في عيني منه، ولو سُئلتُ أن أنْعَتَه، ما أطقتُ، لأني لم أكن أطيق أن أملأ عيني إجلالاً له، فلو مِتُ على تلك الطبقة، رجوتُ أن أكون من أهل الجنة. ثم ّ ولينا أشياء بعدُ، فلستُ أدري ما أنا فيها، أو ما حالي فيها، فإذا أنا متُ، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسُنّوا عليّ التراب سَنًّا، فإذا فرغتم من قبري، فامكثوا عند قبري قدر ما يُنْحَرُ جَزور، ويُقْسَم لحمها، فإني أستأنس بكم، حتى أعلم ماذا أراجع به رُسلَ ربي). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقال عمرو: (فوالله إني إن كنتُ لأشدّ الناس حياء من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ما ملأت عيني منه، ولا راجعته بما أريد، حتى لحق بالله، حياءً منه). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وعن عبد الله بن عمرو، أن أباه قال: (اللهم أمرتَ بأمورٍ، ونهيتَ عن أمور، فتركنا كثيرًا مما أمرت به، ووقعنا في كثير مما نهيت ، اللهم لا إله إلا أنت)، ثم أخذ بإبهامه، فلم يزل يُهلّل حتى تُوفي. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وكانت وفاة عمرو ليلة عيد الفطر، سنة ثلاث وأربعين الهجرية (664م) في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقيل: توفي سنة ثنتين وأربعين الهجرية، وقيل: أربع وأربعين الهجرية، وقيل: إحدى وخمسين الهجرية، والأول أصح، لإجماع المصادر المعتمدة عليه دون استثناء. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">ودُفن عمرو بجبل (المُقَطَّم) من ناحية (الفَجِّ)، وكان طريق النّاس يومئذ إلى الحجاز، وقد غَسَّلَه ابنهُ ُعبد الله بن عمرو ، ثم أخرجه حين صلّى الصبح، فوضعه بالمُصلّى في جامع عمرو، ثم جلس. حتى إذا رأى الناس قد انقطعوا من الطُرُق: الرجال والنساء، قام فصلّى عليه، ولم يبقَ أحد شهد العيد إلا صلى عليه، ثم صلّى العيد بالناس، وكان أبوه استخلفه على صلاة مصر وخراجها. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقبل أن يُصَلِّي عبدُ الله بن عمـرو على أبيـه عمــــرو، قــال: (والله! ما أحب أن لي بأبي، أبا رجل من العرب، وما أحبّ أن الله يعلم أن عيني دمعت عليه جزعًا، وأنّ لي حُمْر النَّعَم)، ثم كبَّرللصلاة على الميت. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وليس من شك، أن عمرًا، كان يتمتع بمزايا متميّزة، تجعله في صفوف البارزين في تاريخ الشعوب، والباقين في أقوالهم وأعمالهم من ذوي المواهب الفذّة والعقول الرّاجحة. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد أنصف عمرو نفسه، حين قسّم حياته إلى ثلاثة أدوار: دور الجاهلية، ودور الإسلام، على عهد النبي صلى الله عليه و سلم، والشيخين أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، والصّدر الأول من عهد عثمان بن عفان. ودور الإسلام بعد عزله عن مِصْر، في أيام عثمان حتى توفّاه الله. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وأرى أن شعور عمرو بالحزن، والأسى، والندم، وتأنيب الضمير، على ما فرّط في جنب الله، دليل عميق، على إيمانه الراسخ العميق، إذ لو لم يكن مؤمنًا حقًّا، لمَا أنَّبَ نفسه جهرًا أمام الناس قبل أن يؤنِّبَه غيرُه، لذلك قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في عمرو: (أسلم الناسُ، وآمن عمرو بن العاص)، وقال: (عمرو بن العاص من صالحي قريش)، وقال: (نِعْمَ أهلُ البيتِ، عبدُ الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله)، وقال عليه الصلاة والسلام، فيه وفي أخيه هشام: (ابنا العاص مؤمنان)، وفضائله ومناقبه كثيرة جدّا. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وحدّث ابنا العاص: هشام وعمرو، قالا: (ما جلسنا مجلسًا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، كُنَّا به أشد اغتباطًا من مجلس جلسناه يومًا، جئنا فإذا أناس عند حُجَرِ رسول الله صلى الله عليه و سلم، يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله صلى الله عليه و سلم خلف الحُجَر يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم، مُغْضَبًا، يُعْرَفُ الغَضبُ في وجهه، حتى وقف عليهم فقال: (أَيْ قومُ! بهذا ضَلَّت الأممُ قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربِهم الكتاب بَعْضَهُ ببعضٍ، إن القرآنَ لم يُنْزل لتضربوا بعضَهُ ببعضٍ، ولكن يُصدِّق بعضُه بعضًا، فما عَرَفْتُم منه فاعملوا به، وما تَشَابه عليكم فآمنوا به)، ثم التفت إليّ وإلى أخي، فغبطنا أنفسنا، أن لا يكون رآنا معهم). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وليس أدلّ على إيمانه من قوله على منبره: (لقد أصبحتم وأمسيتم، ترغبون فيما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يزهد فيها، والله ما أتتْ على رسول الله صلى الله عليه و سلم من دهره، إلا كان الذي عليه، أكثر مما له). ويقول: (واللهِ إنْ كنتُ لأشدّ الناس حياءً من رسول الله صلى الله عليه و سلم، فما ملأتُ عينيّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا راجعته بما أريد، حتى لحق بالله عز وجل، حياءً منه). </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">فهل يمكن أن تصدر مثل هذه الأقوال، أو يشعر بهذا الشعور، إلا مؤمن قويّ الإيمان؟) </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وقد عاش عمرو بعد عمر بن الخطاب عشرين سنة، لأنّ عُمَر تُوفي سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وتُوفي عمرو سنة ثلاث وأربعين الهجرية، كما ذكرنا، وكان عُمْرُ عُمَرَ بن الخطاب ثلاثًا وستين سنة على الأصح، وكان عمرو يقول: (أذكر يوم وُلد عُمر بن الخطاب، فكان عُمُرُه لما وُلد عمر بن الخطاب سبع سنين، فعاش تسعين سنة، أي أنّه وُلد سنة سبع وأربعين قبل الهجرة (577م)، ومات سنة ثلاث وأربعين الهجرية (664م)، فعاش تسعين سنة قمرية، وسبعًا وثمانين سنة شمسية. </span></span></p> <p style="text-align: center"><span style="font-family: 'traditional arabic'"><span style="font-size: 18px">وبموته، انتهت حياة قائد، من أعظم قادة الفتح الإسلامي، وإداريّ من ألمع إداريّ البلاد الإسلامية، وداهية من أبرز دُهاة العرب والمسلمين. </span></span></p> <p style="text-align: center"></p> <p style="text-align: center"></p> <p style="text-align: center"><span style="font-size: 18px">دومتم فى طاعة الله</span></p></blockquote><p></p>
[QUOTE="أم هنا وريهام, post: 67487, member: 2417"] [CENTER][FONT=traditional arabic][SIZE=5][COLOR=#800000]5 ـ الخطــيب [/COLOR][/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]كان عمرو خطيبًا مصقعًا، من ألمع خطباء الصحابة، رضي الله عنهم، وقد شهد أحدهم خطبة لعمرو، فقال: (رحتُ أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرًا، وذلك آخر الشتاء بعد حَميم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع، إذ أقبل رجال بأيديهم السِّياط، يزجرون الناس، فَذُعِرْتُ! فقلت: يا أبتِ! مَن هؤلاء؟! فقال: يا بُنيّ! هؤلاء الشُّرَط. فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلاً رَبْعَةً، قصير القامة، وافر الهامة، أَدْعَج، أَبْلَج، عليه ثياب موشِيّة، كأن به العِقْيَان يأتلق، عليه حُلَّة وعمامة وجُبَّة، فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا، وصلى على النبي صلى الله عليه و سلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحضّ على الزكاة، وصِلَة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفُضول، وكثرة العيال، وقال في ذلك: (يا معشر الناس! إياكم وخلالاً أربعة، فإنها تدعو إلى النَّصَب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السَّعة، وإلى المذلّة بعد العزة، إياكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقِيل بعد القــال، في غيــر دَرَك ولا نوال، ثم إنّه لابد من فراغ يؤول إلىه المرء في توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومَن صار إلى ذلك، فليأخذ بالقَصْد والنّصيب الأقل، ولا يُضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيحُور من الخير عاطلاً، وعن حلال الله وحرامه غافلاً. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5](يا معشر الناس! إنه قد تدلّت الجوزاء، وذَكَتِ الشِّعْرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقلّ الندى، وطاب المَرْعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السّخائل، وعلى الرّاعي بحسن رعيته حُسنُ النظر، فحَيَّ لكم على بركة الله إلى ريفكم، فنالوا من خيره، ولبنه، وخِرافِه، وصيده، وأَرْبِعوا خيلكم، وأسمنوها، وصونوها، وأكرموها، فإنها جُنَّتَكم من عدوكم، وبها مغنامكم، وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القِبط خيرًا، وإياكم والمشمومات والمعسولات، فإنهن يُفْسدن الدِّين، ويُقصِّرنَ الهِمم). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]والذي يقرأ هذا الخطاب بإمعان، يتلمس بالإضافة إلى بلاغته وبيانه المشرق، وإيجازه، ووضوح مقاصده، اهتمام عمرو برعيّته، وتوجيههم إلى الصلاح والخير، واهتمامه بالناحيتين الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، فهو بحق رجل دولة بكل معنى الكلمة، يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويشعر بمسؤولياته في توجيههم، توجيهًا سليمًا، يفيدهم في دنياهم وآخرتهم. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ومن نماذج خطبه في الحرب، خطبته في صِفِّين، فقد أراد معاوية ابن أبي سفيان أن يخطب بصِفِّين، فقال له عمرو: (دعني أتكلم، فإن أتيتُ على ما تريد، وإلا كنتَ من وراء ذلك)، فأذن له، وتكلّم عمرو بكلمات، قال: (قدِّموا المُسْتَلْئِمَة، وأخِّروا الحُسَّر.. كونوا مِقَصَّ الشَّارب.. أعيرونا أيديكم ساعة.. قد بلغ الحقُّ مَفْصِلَهُ، إنما هو ظالم، أو مظلوم). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ولا أعرف خطابًا في مثل هذا الموقف، أوضح بيانًا، وأجزل عبارة، وأوجز كلامًا، وأصحّ منطقًا، مثل هذا الخطاب، الذي اختصر به تعبية الميدان بكلمات معدودات. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5][COLOR=#800000]6 ـ الداهيـــة [/COLOR][/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]كان الإمام الشعبي رحمه الله يقول: دُهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمُغيرة بن شُعبة، وزياد. فأما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللكبير والصغير). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقالوا: (الدُّهاة أربعة: معاوية للرَّوِيَّّة، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة للمُعضلات، وزياد لكل صغيرة وكبيرة). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان من دهائه، دخوله على الأرطبون، وتخلّصه منه، بعد أن انكشف أمره للأرطبون، فلما سمع عمر بن الخطاب بخديعة عمرو للأرطبون، قال: (لله دَرُّ عمرو)، كما قال عنه الأرطبون: (هذا أدهى الخَلْق). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ولما فتح عمرو قيسارية من أرض فلسطين، سار حتى نزل غزة، فبعث إليه عِلْجُها: (أن ابعث إليّ رجلاً أكلمه)، وفكّر عمرو، فقال: (ما لهذا أحد غيري). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وخرج عمرو، حتى دخل على العِلْج، فكلّمه، فسمع كلامًا لم يسمع قط مثله، فقال العِلْج: (حدِّثني، هل في أصحابك أحد مثلك؟! قال: (لا تسأل عن هذا، إنّي هيّن عليهم، إذ بعثوا بي إليك، وعرّضوني لما عرّضوني له، ولا يَدْرون ما تصنع بي!) فأمر له بجائزة وكُسْوة، وبعث إلى البوّاب: (إذا مرّ بك، فاضرب عُنُقَه، وخذ ما معه). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وخرج عمرو من عنده، فمرّ برجل من نصارى غَسَّان، فعَرفه، فقال: (يا عمرو! قد أحسنت الدّخول، فأحسن الخروج).. ففطن عمرو لما أراده، فرجع، وقال له الملك: (ما ردّك إلينا) فقال: (نظرت فيما أعطيتني، فلم أجد ذلك يَسع بني عمّي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم، تعطيهم هذه العَطِية، فيكون معروفك عند عشرة خيراً من أن يكون عند واحد)، فقال: (صدقت! اعْجَل بهم)، وبعث إلى' البوّاب: (أن خلِّ سبيله)، وخرج عمرو، وهو يلتفت، حتى إذا أَمِــنَ، قــال: (لا عُدْتُ لمثلها أبدًا).. فلما صالحه عمرو، ودخل عليه العِلْج، قال له[IMG]http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif[/IMG]أنت هو!!) قال: (نعم، على ما كان من غَدْرك). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكرّر عمرو هذه العملية مرة ثالثة في أيام فتح مصر، فحين استعصى عليه فتح حِصن بابليون، أقدم على دخول الحصن، ودخل على صاحبه، فتناظرا في شيء مما هم فيه، فقال عمرو: (أَخْرُجُ أستشير أصحابي). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان صاحب الحِصن أوصى الذي على الباب، إذا مَرَّ به عمرو، أن يُلْقي عليه صخرة فيقتله، فمرّ عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال له: (قد دخلت، فانظر كيف تخرج). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ورجع عمرو إلى صاحب الحصن، فقال له[IMG]http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif[/IMG]إني أريد أن آتيك بنفرٍ من أصحابي، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعتُ)، فقال العِلْج في نفسه: (قَتْلُ جماعة أحبّ إليّ من قَتْلِ واحد)، فأرسل إلى الذي كان أَمَرَهُ بما أَمَرَهُ من قتل عمرو: (ألا تَعْرِضْ له)، رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وخرج عمرو، وتخلّص من موتٍ أكيدٍ بِدَهَائه. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ومهما قيل في إثبات هذه المحاولات الثلاث، أو نفيها، فإنها تدل على ما عُرف عنه من دهاء، إذ لم تنسب مثل هذه الحالات لغيره من القادة والولاة. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وخطب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أم كُلثوم ابنة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فقالت أم كلثوم: (لا حاجة لي فيه، إنّه خَشِنُ العيش، شديد على النساء)، وأرسلت عائشةُ أم المؤمنين إلى عمرو، فقال: (أنا أكفيك). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وأتــى' عُمَـــرَ، فقــــال: (بلغنـــي خبــر أعيــــذك بالله منه)، قــال: (ما هو؟!) قال: (خطبتَ أُمَّ كلثوم بنت أبي بكر قال: (نعم أفرغبتَ بي عنها، أم رغبت بها عني؟!) قال: (ولا واحدة، ولكنها حَدَثَة نشأت تحت كَنف أمير المؤمنين في لينٍ ورفق، وفيك غِلـظة، ونحن نَهَابُك، وما نقدر أن نردَّك عن خُلُق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوتَ بها، كنتَ قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك)، فقال: (وكيف بعائشة، وقد كلّمتها) قال: (أنا لك بها، وأدلّك على خيرٍ منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق بها بسبب من رسول الله صلى الله عليه و سلم)، وهكذا حقَّقَ رغبةَ أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق بدهائه، من غير أن يزعج عمر بن الخطاب. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد قال معاوية بن أبي سفيان يومًا لعمرو: (ما بلغ عقلك؟)، فقال: (ما دخلتُ في شيء قط إلا خرجتُ منه)، وفي رواية أنه قال: (لم أدخل في أمر قطّ، فكرهته، إلا خرجتُ منه)، وكان يقول: (ليس العاقل، الذي يعرف الخير من الشر، ولكنّه الذي يعرف خير الشرّين). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]لقد كان عمرو بحق: أحد الدُّهاة المقدّمين في المكر والرأي، وكان من شجعان العرب، وأبطالهم، ودُهاتهم. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5][COLOR=#800000]7 ـ الحكيــــم [/COLOR][/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]الحِكمة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وهي العلم والتفقه، وفي التنزيل العزيز: ([COLOR=#ff0000]ولقد آتينا لُقْمانَ الحِكمة[/COLOR] )(لقمان:12)، وهي الكلام الذي يَقِلُّ لفظه، وَيَجِلُّ معناه.. والحكيم هو ذو الحِكْمة. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد كان عمرو حكيمًا حقًا في أقواله وتصرفاته. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ومن أقواله الحكيمة: (لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل)(1). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقيل لعمرو: ما العَقْل ? ، فقال: (الإصابة بالظن، ومعرفة ما يكون بما قد كان)(2). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال: (ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، إنما العاقل الذي يعرف خير الشرين)(3). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان يقول: (اعمل لدُنياك عَمل من يعيش أبدًا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدًا)(4). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا)(1). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وسمع عمرو رجلاً يقول: (الرُّجلة(2) قطعة من العذاب)، فقال له: (لم تُحْسن، بل العذاب قطعة من الرُّجْلة)(3). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان يقول: (ثلاثة لا أناة فيهن: المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميِّت، وتزويج الكُفء)(4). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان يقول: (ثلاثة لا أَمَلُّهم: جليــسي ما فَهِـــمَ عني، ودابَّتــــي ما حملت رحلي، وثوبي ما سترني) وزاد آخر: (وامرأتي ما أحسنت عِشْرتي)(5). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال معاوية بن أبي سفيان لعمرو: (ما بقي من لذَّة الدنيا تلذُّه ?) قال: (محادثة أهل العلم، وخبرٌ صالح يأتيني من ضَيْعتي)(6). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان يقول: (ما استودعتُ رجلاً سِرًا، فأفشاه، فلُمْته، لأني كنت أضيق صدرًا منه، حين استودعته إياه، حتى أفشاه)(7). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال عمرو: (أكثروا الطعام، فوالله ما بَطُنَ(8) قوم قط، إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عَزْمَةُ رجلٍ بات بطينًا)(1). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد ذكرنا أن خَصْمَين جاءا النبيَ صلى الله عليه و سلم، فقال النبيُّ صلى الله عليه و سلم: (اقضِِ بينهما يا عمرو!)(2) [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان بين طَلْحة بن عُبيد الله (3)، والزبير بن العوام، مداراة في وادٍ بالمدينة، فقالا: (نجعل بيننا عمرو بن العاص)، فأتياه، فقال لهما: (أنتما في فضلكما، وقديم سوابقكما، ونعمة الله عليكما، تختلفان! وقد سمعتما من رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل ما سمعتُ، وحضرتما من قوله مِثْل الذي حضرتُ، فيمن اقتطع شِبرًا من أرض أخيه بغير حق، أنه يطوّقه من سبع أرضين! والحَكَم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه، وذلك لأن الحَكَم إذا جار رُزئ دينُه، والمحكوم عليه إذا جِير عليه، رُزئ عَرَض الدنيا. إن شئتما فأدليا بحجتكما، وإن شئتما فأصلحا ذات بينكما)، فاصطلحا، وأعطى كلُّ واحدٍ منهما صاحبه الرضا(4). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وهكذا يقضي عمرو بين الخصوم، من دون أن يقضي، فيحلّ المشاكل بينهم والمعضلات، ويزيل مِن بينهم سوءَ التفاهم والخلافات، بأسلوب من الحكمة فريد. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال يومًا لمعاوية: (إنَّ الكريمَ يَصُولُ إذا جَاع، واللئيمَ يَصُولُ إذا شَبِع، فَسُدَّ خَصَاصَةَ (حاجة) الكريمِ، واقمع اللئيم). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال معاوية لعمرو: (مَن أبلغ الناس ؟) قال: (مَن كان رَأْيُهُ ردًّا لهواه)، فقال: (مَن أسخى الناس ؟) فقال: (مَن بَذَلَ دُنْيَاهُ في صلاح دينه)، قال: (مَنْ أَشْجَعُ النَّاس ؟) قال: (مَن ردَّ جَهْلَهُ بِحِلْمِه). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ومن غُرر أقواله: (مَوتُ أَلْفٍ من العِلْيَةِ، أَقَلُّ ضَرَرًا من ارتفاعِ واحدٍ مِنَ السّفلة). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال: (إذا أنا أفشيتُ سِرِّي إلى صديقي، فأذاعه فهو في حلٍّ)، فقيل له: وكيف ذلك ?! فقال: (أنا كنت أحق بصيانته). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وما أصدق جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، في قوله: (صحبتُ عمر بن الخطاب، فما رأيت أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن مداراةً منه. وصحبتُ طلحة بن عبيد الله، فما رأيتُ رجلاً أعطى للجزيل منه من غير مسألة. وصحبتُ معاوية، فما رأيتُ رجلاً أحلم منه، وصحبتُ عمرو بن العاص، فما رأيتُ رجلاً أبين، أو قال: أنصعَ ظرفًا منه، ولا أكرم جليسًا، ولا أشبه سريرة بعلانية منه، وصحبتُ المغيرة بن شُعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يُخْرَجُ منها إلا بمكر، لخرج من أبوابها كلّها). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد ذكرنا من أقواله الحكيمة، وتصرفاته المتزنة، وأفكاره الحصيفة، عند الحديث على دهائه، فالتفريق بين الداهية والحكيم بالنسبة لعمرو وأضرابه صعب، وقد فرّقت بينهما لغرض إلقاء الضوء على شخصيته العمليّة الناضجة، لا لغرض الفصل بين الخصلتين اللتين هما من خصال عمرو في حياته العملية، فهو حكيم داهية، أو داهية حكيم، أو هو حكيم لأنه داهية، وداهية لأنه حكيم: فقد كان من أدهى العرب، وأحسنهم رأيًا وتدبيرًا . [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5][COLOR=#800000]8 ـ الرّجل [/COLOR][/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]مفتاح شخصية عمرو، أنه كان يستعرض جوانب (القوة) دائمًا، ويوازن بين ما لدى أعدائه وأصحابه على حد سواء من (القُدرة) موازنة طويلة، حتى لا يخفى عليه منها وجه من وجوه الرأي، فقد كان رجلاً يتقن الحساب، ويجيد المساومة... يقف ساكنًا، ويفكر طويلاً، ثم يساوم في حرص. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]إنه يشترط دائمًا... هكذا كان موقفه في كل أمر!! [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان متواضعًا، يعرف الحق لأهله، فقد دخل عمرو مكة المكرمة، فرأى قومًا من قريش، قد تحلّقوا حَلقة، فلما رأوه، رموا بأبصارهم إليه، فعدل إليهم، وقال: (أحسبكم كنتم في شيء من ذِكْري)، قالوا: أجل! كُنا نُماثل بينك وبين أخيك هشام، أيكما أفضل، فقال عمرو: (إنّ لهشام عليّ أربعة: أمّه ابنة هشام بن المغيرة، وأمّي مَن قد عرفتم، وكان أحبَ الناس إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد، وأسْلَم قبلي، واستُشهد وبَقيتُ). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقالوا لعمرو: أنت خير، أم أخوك هشام بن العاص ؟ ، قال: (أخبركم عنّي وعنه، عرضنا أنفسنا على الله، فقَبِله، وتركني). وقد استشهد هشام في أجْنادين. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان يعتزّ بنفسه وبكرامته، فقد كتب عمر بن الخطاب، وهو على مصر ، يسأله فيه عن أصل المال الذي جمعه، فغضب عمرو، وكان مما أجاب به: (... والله لو كانت خيانتك حلالاً ما خنتك، وقد ائتمنتني، فإنّ لنا أحسابًا، إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]أما مع معاوية بن أبي سفيان، فكان يرى نفسه لمعاوية ندًا، فقد قال عمرو يومًا لمعاوية: (والله، ما أدري يا أمير المؤمنين، أشجاع أنت أم جبان ؟) فقال معاوية: [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]شُـجــــاعٌ إذا مــا أمكـنَـتْـنِي فـرصـــــــةٌ [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وإن لم تكـن لي فُرصـــــةٌ فَجَبـــانُ [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]واجتمع عمرو مع معاوية مرّة فقال له معاوية: (مَن الناس ؟) فقال: (أنا وأنت والمغيرة بن شعبة وزياد)، فقال معاوية: (كيف ذلك ؟) ، قال عمرو: (أما أنت فللتأنّي، وأما أنا فللبديهة، وأما المغيرة فللمعضلات، وأما زياد فللصغير والكبير). قال معاوية: (أما ذانك، فقد غابا، فهاتِ بديهتك يا عمرو!) قال: (وتريد ذلك ؟) قال: (نعم)، قال: (فأَخْرِجْ مَن عندك)، فأخرجهم معاوية! فقال عمـــرو: (يا أمير المؤمنين! أُسارّك!) فأدنى معاوية رأسَه منه، فقال عمرو: (هذا من ذاك! مَن معنا في البيت حتى أسارك!!) [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكانَ إداريًا عادلاً، تحبَّبَ إلى' سكان البلاد، وردَّ إليهم حقوقَهم الـمُغْتَصَبَة، وقطعَ دابرَ ما كان يثيرُ تذمُّرَهم، وأبقى أرضَهُم على حالها، لم يقسمها بين الفاتحين من المسلمين، وحَرِصَ على رفاهيةِ السكان، وعدم إرهاقهم بالضرائب، فقد جبى خَرَاجَ مصرَ وجزيتها ألفي ألف، وجباها خلفه عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرح أربعة آلف ألف، فقال عثمان لعمرو: (إنَّ اللّقاح بمصر بعدك درَّت ألبانها)، فقال عمرو: (ذاك لأنكم أعجفتم أولادها)، فأصبح أهل مصر في أيامه آمنين، على أموالِهم، ودمائهم، ونسائهم، وأولادهم، لا يُباع منهم أحد، وفَرَضَ عليهم خراجًا لا يُزاد عليهم، على أن يدفع عنهم خوف عدوهم، ونفَّذَ فيهم وصية النبي صلى الله عليه و سلم: (إذا فتحتمْ مصر فاستوصوا بالقِبْطِ خيرًا، فإنَّ لهم ذمَّة وَرَحِمًا). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان عمرو رَبْعَة، قصير القامة، وافر الهامة، أَدْعَج، أَبْلَج، يخضب بالسّواد، ويهتم بملبسه، ومسكنه، ومأكله. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وأخو عمرو هو هشام، الذي استشهد يوم أجنادين، وكان صحابيًا، ولا عقب له، وأمّه: أم حَرْملة بنت هشام بن المغيرة المخزومي، وكان هشام قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم مكة للهجرة إلى المدينة، فحبسه أبوه، فلم يزل محبوسًا بمكة، حتى مات أبوه في آخر السنة الأولى من الهجرة، ثمّ حبسه قومه بعد أبيه، فلم يزل يحتال، حتى تخلّص وقدم على النبي صلى الله عليه و سلم بعد الخندق، وجاهد حتى قُتل بالشام، وكان أصغر سنًا من أخيه عمرو، وكان يُكنى أبا العاص، فكنّاه رسول الله صلى الله عليه و سلم: أبا مُطِيع. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وإخوة عمرو لأمه: عُروة بن أبي أُثاثة العَدَوي، وأَرْنَب بنت عفيف بن العاص، وعُقْبة بن نافع بن عَبد القيس بن لَقِيط، من بني الحارث بن فِهْر القُرشي. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وَلَدُ عمرو بن العاص: عبدُ الله بن عمرو، صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم، وروى عنه الحديث، وكان يصوم الدهر، ويقوم الليل، فبلــغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال له: (صُم وأفطر، وصَلِّ ونَمْ). وأمّه: رَيْطة بنت مُنَبِّه بن الحجاج بن عامر، وعبد الله من فضلاء الصحابة، وله بالوَهط(6) ومكة عَقِب كثير، يناهزون المائة. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وولد عمرو أيضًا: محمد بن عمرو بن العاص، لا عَقِبَ له، وأمّه من بَلِيّ. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وتزوّج عمرو: أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط، وكانت من المهاجرات، فتزوّجها الزبيـــر بن العــــوام، فطلّقها، فتزوّجهـــــــا بعـــده عبد الرحمن بن عوف، فلما مات عنها، تزوّجها عمرو بن العاص. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وتزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزَّى، التي تزوجها بعد عُبيدة بن الحارث بن المطلب، ثم عبد الله بن أبي بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم محمد بن أبي بكر، فقُتل عنها بمصر، فتزوجها عمرو بن العاص. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكانت رَيْطَة أم عبد الله بن عمرو بن العاص زوجته أيضًا كما ذكرنا. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب نديمًا لعمرو بن العاص في الجاهلية، مما يدل على أنه كان من الشخصيات البارزة قبل الإسلام. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وأخيرًا داهم الموتُ هذا الداهية، بعد أن ملأ صفحات التاريخ بأعماله المجيدة، وترك آثارًا باقية على الدهر، وبخاصة في الفتوح. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]فقد مَرِض مَرَض موتِه، سنة ثلاث وأربعين الهجرية، فاشتدّ عليه المرض، وكان من النادر أن يزوره المرض، لاهتمامه الشديد بصحته وعافيته، وعنايته الكبيرة بهما، فهو مثلاً، لا يغتسل من الجنابة، إذا خشي الضرر من البرد بل يصلي متيممًا، كما فعل وهو قائد غزوة ذات السلاسل، ولا يخرج إلى صلاة الجماعة، وهو أمير، إذا كان متوَعِّكًا، بل يؤم الناس وكيله، كما فعل في صلاة الصبح من يوم محاولة اغتياله. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ولا نصّ في المصادر المعتمدة عن سبب مرضه الأخير، ويبدو أنه مرض الشيخوخة، إذ كان قد بلغ من الكِبَر عتيًا. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد قيل لعمرو في مرضه: (كيف تَجدك ؟) قال: (أجـــدني أذوب ولا أثوب، وأجد نَجْوِي أكثر من رُزْئي، فما بقاء الشيخ على هذا). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ولما حضرت عمرو الوفاة، دمعت عيناه، فقال عبد الله بن عمرو: (يا أبا عبد الله! أجَزَعٌ من الموت، يحملك على هذا ؟) فقـــال: (لا! ولكن مما بعد الموت). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ودخل عبد الله بن العباس، على عمرو وهو مريض، فقال: (كيف أصبحتَ ؟) قال: (أصبحتُ وقد أصلحتُ من دنياي قليلاً، وأفسدت من ديني كثيرًا، فلو كان ما أصلحتُ هو ما أفسدتُ لفُزتُ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبتُ، ولو كان يُنْجيني أن أهرُب لهربتُ، فعِظْني بموعظةٍ، أنتفع بها، يا ابن أخي!) فقال: (هيهات يا أبا عبد الله!) فقال: (اللهم إنّ ابن عباس يُقْنِطُني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكان عمرو يقول: (عَجَبًا لمن نزل به المــــوت، وعقـله معــــــه، كيف لا يصفه) فلما نزل به، قال له ابنه عبد الله: (يا أبتِ إنّك كنت تقول: عجبًا لمن نزل به الموت، وعقله معه، كيف لا يصفه؟ فصِفْ لنا الموت، وعقلك معك)، فقال: (يا بُني! الموتُ أجلّ من أن يُوصف، ولكني سأصف لك منه شيئًا: أجدني كأنّ على عنقي جبال رَضْوَى، وأجدني كأن في جوفي شوكُ السُّلاَّء، وأجدني كأن نَفَسي يخرج من ثَقْب إبرة). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ولما كان عمرو عند الموت، دعا حَرَسه فقال: (أيُّ صاحبٍ كنتُ لكم ؟) قالوا: كنتَ لنا صاحب صِدْق، تُكرمنا، وتعطينا، وتفعل وتفعل، قال: (فإني إنما كنتُ أفعل ذلك لتمنعوني من الموت، وإن الموتَ ها هو ذا، قد نزل بي، فأغنوه عني)، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: والله! ما كنّا نَحْسَبُك تكلَّمُ بالعَوْراءِ يا أبا عبدِ الله، قد علمتَ أنا لا نُغني عنك من الموت شيئًا، فقال[IMG]http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif[/IMG]أما والله! لقد قُلْتُها، وإني لأعلمُ أنكم لا تُغنون عني من الموت شيئًا، ولكن والله لأَن أكون لم أتخذْ منكم رجلاً قطُّ يمنعني من الموت، أحبّ إليّ من كذا وكذا)... ثم قال: (اللهمّ لا بَريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، وإلا تدْركني برحمة أكن من الهالكين). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ولما احتضر جمع بنيه، فقال: (يا بَنِيّ! ما تغنون عني من أمر الله شيئًا ?) قالوا: يا أبانا، إنه الموت، ولو كان غيره لوقيناك بأنفسنا، فقال: (أسندوني)، فأسندوه، ثم قال: (اللهم إنّك أمرتني فلم أَأْتمر، وزجرتني فلم أزدجر، اللهم لا قويّ فأنتصر، ولا بريء فأعتـــذر، ولا مستكبر بل مستغفر، أستغفرك وأتوب إليك، لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وذكر عبد الله بن عمرو، أن أباه أوصاه، قال: (يا بُنيّ! إذا مِتُّ فاغسلني غَسلة بالماء، ثم جَفِّفني في ثوب، ثم اغسلني الثانية بماء قراح، ثم جَفّفني في ثوب، ثم اغسلني الثالثة بماء فيه شيء من كافور، ثم جفِّفني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب، فأزِرَّ عليّ فإني مخاصم، ثم إذا أنت حملتني على السرير، فامشِ بي مشيًا بين المِشْيَتَيْن، وكَن خلفَ الجِنازة، فإنّ مُقدّمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر، فَسُنّ عليّ التُراب سَنًّا)، ثم قال: (اللهمّ أمرتنا فركبْنا، ونهيتنا فأَضَعْنا، فلا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكـــن لا إله إلا الله)، وما زال يقولها حتى مات. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وذرفت عيناه، فبكى، فقال له ابنه عبد الله: (يا أبت! ما كنتُ أخشى أن ينزل بك أمر من أمر الله، إلا صبرتَ عليه)، فقال: (يا بُنيّ! إنه نَزل بأبيك خلال ثلاث: أما أولاهنّ: فانقطاع عمله، وأما الثانية: فهَوْل المُطَّلَع، وأما الثالثة: ففراق الأحبة، وهي أيسرهنّ. اللهمّ أمرتَ فتوانيتُ، ونهيتَ فعصيتُ، اللهم فمِن شِيَمِك العفو والتجاوز). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وذكــر شهـود عيـان، شهـدوا احتضـار عمـرو، فـذكـر أحـدُهم ما رأى، فقال: (حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، فحوّل وجهه إلى الحائط، يبكي طويلاً، وابنه يقول له: ما يُبْكيك ؟ أما بشّرك رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا، أما بشّرك بكذا، وهو في ذلك يبكي، ووجهه إلى الحائط، ثم أقبل بوجهه إلينا فقال[IMG]http://www.akhawaat.com/akhawat/images/smilies/frown.gif[/IMG]إنّ أفضل مما تَعُدّ عليّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولكنني كنتُ على أطباق ثلاث: قد رأيتني ما من الناس من أحد أبغض إليّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا أحب إليّ من أن أستمكن منه، فأقتله، ولو متُّ على تلك الطبقة، لكنتُ من أهل النار، ثم جعل ا$ُ الإسلام في قلبي، فأتيت رسولَ الله صلى الله عليه و سلم لأبايعه، فقلتُ: ابسط يمينك أبايعك يا رسول الله! فبسط يده، ثم إني قبضت يدي، فقال: (مالك يا عمرو ؟) فقلتُ: أردتُ أن أشترط، فقال: (تشترط ماذا ?) فقلتُ: أشترط أن يُغفر لي، فقال: (أما علمتَ يا عمرو، أن الإسلامَ يَهْدِمُ ما كان قبله، وأن الهجرةَ تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأن الحجَّ يهدمُ ما كان قبله ؟) فقد رأيتنـــي، ما من الناس أحد أحبّ إليّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا أجلّ في عيني منه، ولو سُئلتُ أن أنْعَتَه، ما أطقتُ، لأني لم أكن أطيق أن أملأ عيني إجلالاً له، فلو مِتُ على تلك الطبقة، رجوتُ أن أكون من أهل الجنة. ثم ّ ولينا أشياء بعدُ، فلستُ أدري ما أنا فيها، أو ما حالي فيها، فإذا أنا متُ، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسُنّوا عليّ التراب سَنًّا، فإذا فرغتم من قبري، فامكثوا عند قبري قدر ما يُنْحَرُ جَزور، ويُقْسَم لحمها، فإني أستأنس بكم، حتى أعلم ماذا أراجع به رُسلَ ربي). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقال عمرو: (فوالله إني إن كنتُ لأشدّ الناس حياء من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ما ملأت عيني منه، ولا راجعته بما أريد، حتى لحق بالله، حياءً منه). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وعن عبد الله بن عمرو، أن أباه قال: (اللهم أمرتَ بأمورٍ، ونهيتَ عن أمور، فتركنا كثيرًا مما أمرت به، ووقعنا في كثير مما نهيت ، اللهم لا إله إلا أنت)، ثم أخذ بإبهامه، فلم يزل يُهلّل حتى تُوفي. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وكانت وفاة عمرو ليلة عيد الفطر، سنة ثلاث وأربعين الهجرية (664م) في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقيل: توفي سنة ثنتين وأربعين الهجرية، وقيل: أربع وأربعين الهجرية، وقيل: إحدى وخمسين الهجرية، والأول أصح، لإجماع المصادر المعتمدة عليه دون استثناء. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]ودُفن عمرو بجبل (المُقَطَّم) من ناحية (الفَجِّ)، وكان طريق النّاس يومئذ إلى الحجاز، وقد غَسَّلَه ابنهُ ُعبد الله بن عمرو ، ثم أخرجه حين صلّى الصبح، فوضعه بالمُصلّى في جامع عمرو، ثم جلس. حتى إذا رأى الناس قد انقطعوا من الطُرُق: الرجال والنساء، قام فصلّى عليه، ولم يبقَ أحد شهد العيد إلا صلى عليه، ثم صلّى العيد بالناس، وكان أبوه استخلفه على صلاة مصر وخراجها. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقبل أن يُصَلِّي عبدُ الله بن عمـرو على أبيـه عمــــرو، قــال: (والله! ما أحب أن لي بأبي، أبا رجل من العرب، وما أحبّ أن الله يعلم أن عيني دمعت عليه جزعًا، وأنّ لي حُمْر النَّعَم)، ثم كبَّرللصلاة على الميت. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وليس من شك، أن عمرًا، كان يتمتع بمزايا متميّزة، تجعله في صفوف البارزين في تاريخ الشعوب، والباقين في أقوالهم وأعمالهم من ذوي المواهب الفذّة والعقول الرّاجحة. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد أنصف عمرو نفسه، حين قسّم حياته إلى ثلاثة أدوار: دور الجاهلية، ودور الإسلام، على عهد النبي صلى الله عليه و سلم، والشيخين أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، والصّدر الأول من عهد عثمان بن عفان. ودور الإسلام بعد عزله عن مِصْر، في أيام عثمان حتى توفّاه الله. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وأرى أن شعور عمرو بالحزن، والأسى، والندم، وتأنيب الضمير، على ما فرّط في جنب الله، دليل عميق، على إيمانه الراسخ العميق، إذ لو لم يكن مؤمنًا حقًّا، لمَا أنَّبَ نفسه جهرًا أمام الناس قبل أن يؤنِّبَه غيرُه، لذلك قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في عمرو: (أسلم الناسُ، وآمن عمرو بن العاص)، وقال: (عمرو بن العاص من صالحي قريش)، وقال: (نِعْمَ أهلُ البيتِ، عبدُ الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله)، وقال عليه الصلاة والسلام، فيه وفي أخيه هشام: (ابنا العاص مؤمنان)، وفضائله ومناقبه كثيرة جدّا. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وحدّث ابنا العاص: هشام وعمرو، قالا: (ما جلسنا مجلسًا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، كُنَّا به أشد اغتباطًا من مجلس جلسناه يومًا، جئنا فإذا أناس عند حُجَرِ رسول الله صلى الله عليه و سلم، يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله صلى الله عليه و سلم خلف الحُجَر يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم، مُغْضَبًا، يُعْرَفُ الغَضبُ في وجهه، حتى وقف عليهم فقال: (أَيْ قومُ! بهذا ضَلَّت الأممُ قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربِهم الكتاب بَعْضَهُ ببعضٍ، إن القرآنَ لم يُنْزل لتضربوا بعضَهُ ببعضٍ، ولكن يُصدِّق بعضُه بعضًا، فما عَرَفْتُم منه فاعملوا به، وما تَشَابه عليكم فآمنوا به)، ثم التفت إليّ وإلى أخي، فغبطنا أنفسنا، أن لا يكون رآنا معهم). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وليس أدلّ على إيمانه من قوله على منبره: (لقد أصبحتم وأمسيتم، ترغبون فيما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يزهد فيها، والله ما أتتْ على رسول الله صلى الله عليه و سلم من دهره، إلا كان الذي عليه، أكثر مما له). ويقول: (واللهِ إنْ كنتُ لأشدّ الناس حياءً من رسول الله صلى الله عليه و سلم، فما ملأتُ عينيّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولا راجعته بما أريد، حتى لحق بالله عز وجل، حياءً منه). [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]فهل يمكن أن تصدر مثل هذه الأقوال، أو يشعر بهذا الشعور، إلا مؤمن قويّ الإيمان؟) [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وقد عاش عمرو بعد عمر بن الخطاب عشرين سنة، لأنّ عُمَر تُوفي سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وتُوفي عمرو سنة ثلاث وأربعين الهجرية، كما ذكرنا، وكان عُمْرُ عُمَرَ بن الخطاب ثلاثًا وستين سنة على الأصح، وكان عمرو يقول: (أذكر يوم وُلد عُمر بن الخطاب، فكان عُمُرُه لما وُلد عمر بن الخطاب سبع سنين، فعاش تسعين سنة، أي أنّه وُلد سنة سبع وأربعين قبل الهجرة (577م)، ومات سنة ثلاث وأربعين الهجرية (664م)، فعاش تسعين سنة قمرية، وسبعًا وثمانين سنة شمسية. [/SIZE][/FONT] [FONT=traditional arabic][SIZE=5]وبموته، انتهت حياة قائد، من أعظم قادة الفتح الإسلامي، وإداريّ من ألمع إداريّ البلاد الإسلامية، وداهية من أبرز دُهاة العرب والمسلمين. [/SIZE][/FONT] [SIZE=5][/SIZE] [SIZE=5][/SIZE] [SIZE=5]دومتم فى طاعة الله[/SIZE][/CENTER] [/QUOTE]
الإسم
التحقق
اكتب معهد الماهر
رد
الرئيسية
المنتديات
القسم العام
الركن العام
عمرو بن العاص ..القائد المسلم.. والسفير الأمين