الحديث التاسع عشر

طباعة الموضوع

عادل الغرياني

عضو مميز
إنضم
15 أغسطس 2015
المشاركات
47
النقاط
6
الجنس
أخ
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«أيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ»
رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن.

أولًا: بلاغة الحديث
الوعيد هنا جاء بصيغة تهزّ القلب:
«فحرام عليها رائحة الجنة»
لم يقل: لا تدخل الجنة، بل نفى عنها حتى الرائحة!
وهذا أسلوب نبوي بالغ القوة؛ لأن رائحة الجنة تُشم من مسافات بعيدة، فمن حُرمها فقد حُرم خيرًا عظيمًا.
ثم جاءت الدقة في قوله:
«من غير بأس»
هذه كلمة تضع ميزان العدل:
النبي ﷺ لا يمنع المرأة من حقها إذا تضررت، وإنما يذمّ العبث بكيان الأسرة لأسباب تافهة أو أهواء عارضة.

ثانيًا: المعنى الفقهي
الحديث يدل على أن:


طلب المرأة الطلاق بلا سبب معتبر شرعًا أمرٌ محرم أو من كبائر الذنوب عند كثير من أهل العلم، لما فيه من الإضرار.


أما إن كان هناك بأسٌ حقيقي (ضرر، ظلم، ترك نفقة، أذى، فسق، سوء عشرة…) فليس داخلاً في الوعيد.


والبأس يشمل:


الضرر النفسي الشديد


الإيذاء البدني


الخيانة


عدم النفقة


تعمد الإهانة


الفسق الذي لا يُطاق



ثالثًا: شاهد قرآني يشرح المعنى
قال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]
فالزواج في الإسلام مبني على المعروف، فإذا غاب المعروف وحضر الضرر، شرع الفراق.
وقال تعالى:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]
فدلّ على أن الأصل: إمساك بمعروف، فإن تعذر فالتسريح بإحسان، لا عبث ولا انتقام.

رابعًا: شاهد من السنة
قال النبي ﷺ:
«أبغض الحلال إلى الله الطلاق»
(يُذكر كثيرًا، لكن أهل العلم تكلموا في سنده)
لكن المعنى العام ثابت: أن الطلاق وإن كان حلالًا فهو آخر الحلول.
وفي الصحيح أيضًا:
«لا ضرر ولا ضرار»
رواه ابن ماجه وغيره وهو حديث حسن مشهور
وهذا أصل في منع طلب الطلاق لمجرد الإضرار أو العبث.

خامسًا: الحكمة من هذا الوعيد
لأن طلب الطلاق بلا سبب:


يهدم الأسرة


يضيّع الأولاد


يزرع العداوة بين العائلتين


يفتح أبواب الشك والفتنة


ويجعل الزواج لعبة مزاج لا ميثاقًا غليظًا


وقد وصف الله الزواج بأنه:
﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]
فكيف يُكسر الميثاق الغليظ لأجل غضب ساعة أو نزوة؟

سادسًا: ضابط مهم (رفع الالتباس)
هذا الحديث لا يعني أن المرأة مأمورة بالصبر على الظلم دائمًا، بل بالعكس:
إذا وقع الضرر فلها حق:


طلب الطلاق


أو طلب الخلع


أو رفع الأمر للقضاء


وقد ثبت في السنة قصة امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه حين خالعت زوجها.

خلاصة الحديث
الطلاق ليس لعبة، ولا تهديدًا يُرفع عند كل خلاف.
ومن طلبته المرأة بغير سبب معتبر فقد عرضت نفسها لوعيد شديد:
حرمان من ريح الجنة؛ لأن العبث ببيوت المسلمين عبثٌ بمقاصد الشرع.
يتوجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لروئية الموضوع
 
أعلى