الحديث الثامن والأربعون

طباعة الموضوع

عادل الغرياني

عضو مميز
إنضم
15 أغسطس 2015
المشاركات
79
النقاط
6
الجنس
أخ

أُريتُ النَّارَ فإذا أكثَرُ أهلِها النِّساءُ، يَكفُرنَ، قيلَ: أيَكفُرنَ باللهِ؟ قال: يَكفُرنَ العَشيرَ، ويَكفُرنَ الإحسانَ، لو أحسَنتَ إلى إحداهنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأت مِنكَ شيئًا، قالت: ما رَأيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ.​

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي رواها أبو سعيد الخدري وورد بمعناه أيضًا عن عبد الله بن عباس في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وفيه توجيه نبوي بليغ يكشف خطر جحود المعروف وكفران الجميل، خاصة في الحياة الزوجية.

أولًا: معنى قوله ﷺ: «أُريت النار»

أي أن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على النار ليلة الإسراء أو في بعض الرؤى الصادقة، فرأى مشاهد من أحوال أهلها، وكان مما رآه أن النساء أكثر أهل النار.

وهذا لا يعني انتقاص المرأة، ولا أن كل النساء كذلك، وإنما هو تحذير من ذنبٍ شاع في بعض النساء حتى صار سببًا في كثرة دخول النار.

قوله ﷺ: «يكفرن»

لما سأل الصحابة:
«أيكفرن بالله؟»
بيَّن النبي ﷺ المقصود فقال:

«يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان»

أي يجحدن حق الزوج، وينكرن ما يقدمه من معروف وإحسان.

فالعشير هو: الزوج والمصاحب الملازم.

ومعنى الحديث:
أن بعض النساء قد تعيش سنواتٍ طويلة في نعمٍ وإحسان، فإذا وقع تقصير يسير، أو موقف أغضبها، نسيت كل الخير السابق، وقالت باندفاع:
«ما رأيت منك خيرًا قط!»

وهذا من الظلم، لأنه محوٌ لتاريخٍ كامل من الإحسان بسبب لحظة غضب.

دقة التعبير النبوي

تأمل قوله ﷺ:

«لو أحسنت إلى إحداهن الدهر»

أي زمنًا طويلًا جدًا.

ثم قال:

«ثم رأت منك شيئًا»

ولم يقل: شرًّا عظيمًا، بل مجرد شيء تكرهه.

ثم تكون النتيجة:

«قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»

فجمعت بين:

نسيان المعروف.
والمبالغة في الجحود.
وظلم اللسان.

وهذا من أخطر أخلاق الإنسان؛ لأن النفوس الكريمة تحفظ الجميل ولو قلّ، أما النفوس الجاحدة فتمحو المعروف كله بسبب خطأ واحد.

هل الحديث ذمٌّ لكل النساء؟

أبدًا.

فالنساء في الإسلام فيهن:

الصالحات.
العالمات.
العابدات.
الصابرات.
الشهيدات.
الداعيات.

وقد مدح الله نساءً كثيرات، ومدح النبي ﷺ نساءً عظيمات مثل:
خديجة بنت خويلد، وفاطمة الزهراء، وعائشة بنت أبي بكر، ومريم بنت عمران.

لكن الحديث يتحدث عن صفة مذمومة إذا وُجدت كانت سببًا للعذاب، سواء وجدت في امرأة أو رجل، وإن كان وقوعها في بعض النساء أكثر بسبب غلبة العاطفة وسرعة التأثر عند بعضهن.

الفوائد التربوية من الحديث
1- خطورة جحود المعروف

فالإنسان يجب أن يكون وفيًّا، يعترف بالفضل، ويحفظ الإحسان.

قال تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]

2- أن الكلمة قد تهوي بصاحبها

فقد تكون عبارة تخرج وقت الغضب سببًا في الإثم العظيم.

قال ﷺ:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار».

3- ضرورة العدل عند الغضب

فالعدل الحقيقي يظهر وقت الخصومة، أما الإنصاف وقت الرضا فكل أحد يفعله.

ولهذا كان من الظلم أن يُنسى تاريخ طويل من الخير لأجل موقف عابر.

4- أن الإسلام دين واقعي

فالنبي ﷺ لم يجامل الناس، بل كشف الأخطاء الاجتماعية التي تهدم البيوت وتفسد العلاقات.

5- شكر الناس من شكر الله

قال ﷺ:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس».

فالزوجة الصالحة تحفظ المعروف، كما أن الزوج الصالح أيضًا يعترف بفضل زوجته ولا يجحد تعبها.

وقفة مهمة

الحديث ليس دعوة لاحتقار النساء، بل دعوة لإصلاح الأخلاق.

كما أن هناك أحاديث شديدة في الرجال:

كظلم الزوجات.
والقسوة.
والخيانة.
وأكل الحقوق.

فالإسلام يحاسب الجميع بالعدل.

خاتمة

هذا الحديث مدرسة تربوية عظيمة في:

حفظ الجميل.
وشكر المعروف.
وضبط اللسان.
وعدم ظلم الناس عند الغضب.

فالبيوت لا تبنى بالمال فقط، بل تبنى بالوفاء، والاعتراف بالفضل، والكلمة الطيبة.

وما أجمل المرأة — والرجل كذلك — إذا كان إذا غضب لم ينسَ الإحسان، وإذا خاصم لم يظلم، وإذا تذكر الماضي تذكر الجميل قبل التقصير.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
يتوجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لروئية الموضوع
 
أعلى