الهمزة اللمزة: جراحٌ لا تُرى… لكنها تُسقط القلوب

طباعة الموضوع

عادل الغرياني

عضو جديد
إنضم
15 أغسطس 2015
المشاركات
22
النقاط
1
الجنس
أخ
في الحياة جراحٌ تُداوى بالدواء، وألمٌ يخف مع الأيام…
لكن هناك نوعًا آخر من الجراح لا يُرى في الجسد، ولا يُكتب في التقارير الطبية، ولا يُمسح بالضمادات؛
إنه الجرح الذي تصنعه كلمةٌ ساخرة، أو نظرة احتقار، أو ابتسامة استهزاء.
وهنا يأتي القرآن رقيقًا في أسلوبه، عظيمًا في حكمته، ليقول للإنسان:
إياك أن تكون سببًا في كسر قلب أحد.
ومن أجل ذلك نزلت سورة قصيرة، لكنها تحمل نورًا يطهّر اللسان، ويهذب الروح، ويصنع إنسانًا لا يؤذي:
سورة الهمزة.

حين يصبح اللسان عبئًا على صاحبه
قال الله تعالى:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾
كلمة (ويل) ليست مجرد تهديد، بل هي نداء من السماء:
احذر… فإن أذية الناس ليست أمرًا بسيطًا كما تظن.
والهمزة واللمزة ليسا فقط من يشتم الناس صراحة، بل هما أيضًا من يطعن فيهم خفية:


همزة: يغمز بعينه، يضحك بسخرية، يشير بيده، يلمح باحتقار.


لمزة: يجرح بالكلام، يعيّر، يقلّل، يفضح، يهمس في المجالس.


وكم من إنسانٍ نام ليلته باكيًا لأن أحدهم لمز شكله أو فقره أو ضعفه أو لهجته أو ماضيه.
القرآن لا يريد منك فقط أن تترك الظلم الكبير،
بل يريد منك أن تترك الظلم الناعم… الذي يقتل دون ضجيج.

القلب لا ينسى… وإن ضحك صاحبه
ربما تضحك وأنت تسخر من غيرك،
لكن الطرف الآخر قد يحمل تلك الكلمة معه سنين طويلة.
قد ينسى الناس ما قلت،
لكن القلوب لا تنسى ما شعرت به.
ولذلك كان النبي ﷺ يربي أصحابه على رقة القلب، حتى قال:
"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
فاللسان قد يكون طريقًا إلى الجنة،
وقد يكون حفرةً من حفر النار.

المال لا يرفع صاحبه إذا أفسد قلبه
ثم تصف السورة نموذجًا آخر من هؤلاء:
قال تعالى:
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾
إنه لا يملك المال فقط… بل المال يملكه.
يحسبه، يخاف عليه، يتفاخر به، ويقيس قيمة الناس بما في جيوبهم.
فتصبح عينه قاسية، وكلمته متعالية، ونظرته محتقرة.
ثم يعيش وهمًا خطيرًا:
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾
كأن المال يعطيه حصانة من الألم، ومن المرض، ومن الموت.
لكن الحقيقة أن المال لا يمنع قبرًا… ولا يوقف جنازة… ولا يشتري لحظة إضافية في العمر.

الجزاء من جنس العمل… لأن الله عدل
قال تعالى:
﴿كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾
كلمة "يُنبذن" موجعة في معناها…
الذي كان يرمي الناس بكلماته، ويقذفهم بسخريته، ويكسرهم بلمزاته…
سيُرمى هو.
ثم يأتي اسم النار العجيب: الحُطَمة
أي التي تحطّم كل شيء… تحطّم الكبرياء، وتحطّم الغرور، وتحطّم القلب القاسي الذي لم يعرف الرحمة.
ثم تزيد السورة رهبة:
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾
ليست نارًا عادية… إنها نار الغضب الإلهي على من استهان بكرامة خلقه.

النار التي تصل إلى الأفئدة… لأن الجرح كان في القلب
قال تعالى:
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾
يا لها من آية!
النار تصل إلى القلب… لأن هذا الإنسان كان يحرق قلوب الناس.
كم من كلمةٍ ساخرة جعلت إنسانًا يكره نفسه؟
كم من لمزةٍ كسرت فتاةً أو شابًا؟
كم من سخريةٍ دفعت إنسانًا للعزلة أو الاكتئاب؟
فكان العدل الإلهي:
أن يكون العذاب في موضع الجريمة: في القلب.

الهمز واللمز ليس خفة… بل قسوة
قد يظن البعض أن السخرية مجرد مزاح، وأن الغيبة مجرد حديث عابر، وأن التنقص مجرد "ضحك".
لكن القرآن يربي المؤمن على شعورٍ عميق:
أن قلب الإنسان ليس لعبة.
وأن من صفات أهل الله أنهم يتركون الأذى ولو كان بسيطًا.
قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
وقال:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
فالروح المؤمنة لا تتلذذ بكسر الآخرين.

كيف ننجو من مرض الهمزة واللمزة؟
النجاة تبدأ من ثلاثة أبواب:


أن تتذكر أن الكلمة قد تكون صدقة أو خطيئة.


أن تتذكر أنك ربما تسخر ممن هو أقرب إلى الله منك.


أن تعلم أن الله يسمع همسك كما يسمع صوتك.


ثم تضع قاعدة ذهبية في حياتك:
إن كان الكلام سيكسر قلبًا… فاصمت.


طوبى لمن كان لسانه رحمة
ليس المطلوب أن تكون صامتًا دائمًا،
بل أن يكون كلامك نورًا لا نارًا، ورحمة لا سهامًا.
اجعل لسانك بلسمًا، لا سكينًا.
واجعل حديثك سترًا، لا فضيحة.
واجعل نظرتك للناس شفقة، لا احتقارًا.
ففي النهاية… قد تُحاسب على كلمةٍ ظننتها بسيطة،
وقد تدخل الجنة بكلمةٍ طيبة قلتها لإنسانٍ منكسر.
اللهم طهّر ألسنتنا من الهمز واللمز، واجعلنا ممن يسلم الناس من أذاهم، وارزقنا قلوبًا رحيمة وكلماتٍ طيبة.
يتوجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لروئية الموضوع
 
أعلى