عادل الغرياني
عضو مميز
- إنضم
- 15 أغسطس 2015
- المشاركات
- 79
- النقاط
- 6
- الجنس
- أخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وبعد.
في سورة عبس تتجلّى عظمة هذا الدين في صورةٍ تهزُّ القلوب؛ إذ يعاتب الله نبيَّه ﷺ عتابًا رحيمًا خالدًا، ليبقى القرآن شاهدًا على أن قيمة الإنسان ليست في جاهه ولا ماله ولا مكانته بين الناس، وإنما في صدق قلبه وإقباله على الله.
تبدأ السورة بدايةً لافتة:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾.
كان النبي ﷺ يدعو كبار قريش إلى الإسلام، يرجو أن يكون في إسلامهم قوةٌ للدعوة ونصرةٌ للحق، فجاء الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم يسأل ويتعلم ويطلب الهداية، فظهر على وجه النبي شيءٌ من الانشغال، لا كبرًا ولا احتقارًا، لكن الله أراد أن يعلّم الأمة درسًا خالدًا: أن ميزان السماء يختلف عن موازين الأرض.
فالفقير المقبل على الله أعظم عند الله من متكبرٍ معرض، ولو كان صاحب سلطانٍ أو نفوذ.
ثم تأتي الآيات تُرقق القلوب:
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾.
كم من إنسانٍ لا يلتفت إليه الناس، لكنه عند الله عظيم! وكم من قلبٍ مكسورٍ سبق أصحاب الوجاهات إلى رضوان الله بسبب إخلاصه وخشيته.
إن سورة عبس تُسقط أوهام المظاهر، وتعيد ترتيب القيم من جديد. فليست الكرامة في المال، ولا في الشهرة، ولا في كثرة المتابعين، وإنما في قرب العبد من الله.
ثم تُبين السورة حال المتكبرين الذين استغنوا عن الحق:
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾.
الاستغناء الحقيقي ليس استغناء المال فقط، بل أن يشعر الإنسان أنه لا يحتاج إلى هداية، ولا إلى توبة، ولا إلى موعظة. وهذه من أخطر أمراض القلوب؛ لأن القلب إذا امتلأ بنفسه ضاق عن نور الله.
وفي المقابل تصف السورة المؤمن الصادق:
﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾.
جاء يسعى، لأن قلبه حيّ، يشعر بحاجته إلى الله، ويبحث عن النجاة. فالهداية لا تُعطى للمتكبر، وإنما لمن أقبل بقلبٍ منكسر وروحٍ خاشعة.
ثم تنتقل السورة إلى تعظيم شأن القرآن:
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.
فالقرآن ليس كتابًا خاصًا بطبقةٍ دون أخرى، بل هو نورٌ مفتوح لكل من أراد الهداية. ولذلك كان أكثر الناس انتفاعًا به أصحاب القلوب المتواضعة.
ثم تهزُّ السورة الإنسان بسؤالٍ يوقظه من غروره:
﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾.
كيف ينسى الإنسان ربَّه وهو ضعيف البداية والنهاية؟! ثم تذكره السورة بأصله:
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾.
إن الإنسان الذي يتكبر اليوم كان يومًا قطرة ماء لا تُرى، ثم يصبح بعد موته جسدًا تحت التراب. فما الذي يدعوه إلى الغرور؟
ثم تلفت السورة النظر إلى نعم الله التي تحيط بالإنسان في كل لحظة: الماء، والزرع، والزيتون، والنخيل، والفاكهة. وكأنها تقول: إن الحياة كلها قائمة على رحمة الله، ولو منع سبحانه قطرة ماء واحدة لهلك الخلق.
لكن السورة لا تترك القلب في التأمل فقط، بل تنقله فجأةً إلى مشهد القيامة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾.
الصيحة العظيمة التي تصمُّ الآذان من شدتها، ويهرب فيها الإنسان من أقرب الناس إليه:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
في ذلك اليوم لا ينفع مال، ولا جاه، ولا نسب. كلُّ إنسان مشغول بنفسه، ينتظر مصيره بين يدي الله.
ثم تختم السورة بمشهد الفريقين:
وجوهٌ مضيئة مستبشرة، عرفت الله في الدنيا فأكرمها الله في الآخرة، ووجوهٌ أخرى عليها غبار الذل والحسرة، لأنها أعرضت عن الحق حتى جاء يوم لا ينفع فيه الندم.
إن سورة عبس تعلمنا أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، وأن طالب الهداية يستحق الإكرام ولو كان فقيرًا ضعيفًا، وأن التواضع مفتاح النور، بينما الكبر باب الخسران.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد ترتيب موازيننا، فلا نقدّم أهل الدنيا على أهل الإيمان، ولا ننشغل بالمظاهر عن الحقائق، وأن نستقبل القرآن بقلوبٍ خاشعة، كما جاء ابن أم مكتوم يسعى، يرجو نور الله ورحمته.
في سورة عبس تتجلّى عظمة هذا الدين في صورةٍ تهزُّ القلوب؛ إذ يعاتب الله نبيَّه ﷺ عتابًا رحيمًا خالدًا، ليبقى القرآن شاهدًا على أن قيمة الإنسان ليست في جاهه ولا ماله ولا مكانته بين الناس، وإنما في صدق قلبه وإقباله على الله.
تبدأ السورة بدايةً لافتة:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾.
كان النبي ﷺ يدعو كبار قريش إلى الإسلام، يرجو أن يكون في إسلامهم قوةٌ للدعوة ونصرةٌ للحق، فجاء الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم يسأل ويتعلم ويطلب الهداية، فظهر على وجه النبي شيءٌ من الانشغال، لا كبرًا ولا احتقارًا، لكن الله أراد أن يعلّم الأمة درسًا خالدًا: أن ميزان السماء يختلف عن موازين الأرض.
فالفقير المقبل على الله أعظم عند الله من متكبرٍ معرض، ولو كان صاحب سلطانٍ أو نفوذ.
ثم تأتي الآيات تُرقق القلوب:
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾.
كم من إنسانٍ لا يلتفت إليه الناس، لكنه عند الله عظيم! وكم من قلبٍ مكسورٍ سبق أصحاب الوجاهات إلى رضوان الله بسبب إخلاصه وخشيته.
إن سورة عبس تُسقط أوهام المظاهر، وتعيد ترتيب القيم من جديد. فليست الكرامة في المال، ولا في الشهرة، ولا في كثرة المتابعين، وإنما في قرب العبد من الله.
ثم تُبين السورة حال المتكبرين الذين استغنوا عن الحق:
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾.
الاستغناء الحقيقي ليس استغناء المال فقط، بل أن يشعر الإنسان أنه لا يحتاج إلى هداية، ولا إلى توبة، ولا إلى موعظة. وهذه من أخطر أمراض القلوب؛ لأن القلب إذا امتلأ بنفسه ضاق عن نور الله.
وفي المقابل تصف السورة المؤمن الصادق:
﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾.
جاء يسعى، لأن قلبه حيّ، يشعر بحاجته إلى الله، ويبحث عن النجاة. فالهداية لا تُعطى للمتكبر، وإنما لمن أقبل بقلبٍ منكسر وروحٍ خاشعة.
ثم تنتقل السورة إلى تعظيم شأن القرآن:
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.
فالقرآن ليس كتابًا خاصًا بطبقةٍ دون أخرى، بل هو نورٌ مفتوح لكل من أراد الهداية. ولذلك كان أكثر الناس انتفاعًا به أصحاب القلوب المتواضعة.
ثم تهزُّ السورة الإنسان بسؤالٍ يوقظه من غروره:
﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾.
كيف ينسى الإنسان ربَّه وهو ضعيف البداية والنهاية؟! ثم تذكره السورة بأصله:
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾.
إن الإنسان الذي يتكبر اليوم كان يومًا قطرة ماء لا تُرى، ثم يصبح بعد موته جسدًا تحت التراب. فما الذي يدعوه إلى الغرور؟
ثم تلفت السورة النظر إلى نعم الله التي تحيط بالإنسان في كل لحظة: الماء، والزرع، والزيتون، والنخيل، والفاكهة. وكأنها تقول: إن الحياة كلها قائمة على رحمة الله، ولو منع سبحانه قطرة ماء واحدة لهلك الخلق.
لكن السورة لا تترك القلب في التأمل فقط، بل تنقله فجأةً إلى مشهد القيامة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾.
الصيحة العظيمة التي تصمُّ الآذان من شدتها، ويهرب فيها الإنسان من أقرب الناس إليه:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
في ذلك اليوم لا ينفع مال، ولا جاه، ولا نسب. كلُّ إنسان مشغول بنفسه، ينتظر مصيره بين يدي الله.
ثم تختم السورة بمشهد الفريقين:
وجوهٌ مضيئة مستبشرة، عرفت الله في الدنيا فأكرمها الله في الآخرة، ووجوهٌ أخرى عليها غبار الذل والحسرة، لأنها أعرضت عن الحق حتى جاء يوم لا ينفع فيه الندم.
إن سورة عبس تعلمنا أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، وأن طالب الهداية يستحق الإكرام ولو كان فقيرًا ضعيفًا، وأن التواضع مفتاح النور، بينما الكبر باب الخسران.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد ترتيب موازيننا، فلا نقدّم أهل الدنيا على أهل الإيمان، ولا ننشغل بالمظاهر عن الحقائق، وأن نستقبل القرآن بقلوبٍ خاشعة، كما جاء ابن أم مكتوم يسعى، يرجو نور الله ورحمته.
يتوجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل
لروئية الموضوع